ليبيا: صراع محتدم بشأن مقر المجلس الأعلى للقضاء

«الإنفاق الموازي» يصطدم بـ«فيتو مالي» أطلقه رئيس «الوحدة»

القاضي نوري عبد العاطي في مقر المحكمة العليا بطرابلس (حسابه الرسمي)
القاضي نوري عبد العاطي في مقر المحكمة العليا بطرابلس (حسابه الرسمي)
TT

ليبيا: صراع محتدم بشأن مقر المجلس الأعلى للقضاء

القاضي نوري عبد العاطي في مقر المحكمة العليا بطرابلس (حسابه الرسمي)
القاضي نوري عبد العاطي في مقر المحكمة العليا بطرابلس (حسابه الرسمي)

شهد القضاء الليبي، الأربعاء، تصاعداً جديداً في التوتر حول تنفيذ حكم قضائي سابق، يخص هيكل وصلاحيات المجلس الأعلى للقضاء، امتد إلى النزاع حول مقره في العاصمة طرابلس، وهو ما أعاد مجدداً النقاش حول وحدة واستقلال المؤسسة القضائية في بلد يعاني انقسامات سياسية وعسكرية مزمنة، تهدد فاعلية القضاء.

بدأ التصعيد صباح الأربعاء، حين أعلن أحد القضاة الليبيين تكليفه بما وصفه بـ«منصب أمين عام المجلس الأعلى للقضاء»، وتسلّم مقر المجلس استناداً إلى تكليف صادر عن رئيس المحكمة العليا عبد الله أبو رزيزة، ونشر القاضي نوري عبد العاطي صورة له في مكتبه عبر حسابه على موقع «فيسبوك».

غير أن المجلس الأعلى للقضاء، برئاسة المستشار مفتاح القوي، وصف ما حدث بأنه «واقعة اقتحام» من قبل جهات محسوبة على محكمة النقض، عادّاً أن الحدث «يمثل تجاوزاً للصلاحيات، ويطرح تحديات على وحدة واستقلال السلطة القضائية»، مؤكداً عزمه على اتخاذ «الإجراءات القانونية اللازمة حيال الواقعة».

ودعا المجلس أعضاء الهيئات القضائية في مختلف أنحاء البلاد إلى الالتفاف حوله، مشدداً على «أهمية الحفاظ على وحدة الجهاز القضائي»، ومطالباً «بعدم التعامل مع الجهات المعتدية»، كما أعلن عن «اجتماع مرتقب لأعضائه سيُحدد موعده ومكانه لاحقاً».

ويرتبط النزاع بحكم صدر عن المحكمة العليا في يناير (كانون الثاني) الماضي، قضى ببطلان تعديلات أقرها مجلس النواب على قانون النظام القضائي، وهو حكم أعاد فتح النقاش حول الأساس القانوني لتشكيل المجلس الأعلى للقضاء، ومدى انعكاساته على شرعية القرارات الصادرة عنه.

وانحازت «الجمعية الليبية لأعضاء الهيئات القضائية» إلى تنفيذ حكم المحكمة العليا، عادّة أن ما جرى يعكس احترام حجية الأحكام القضائية، ومبدأ خضوع الجميع للقانون، ودعت أعضاء الهيئات القضائية إلى دعم «التشكيل الجديد للمجلس الأعلى للقضاء برئاسة المحكمة العليا»، مع التأكيد على ضرورة الحفاظ على وحدة المؤسسة القضائية وتحييدها عن أي تجاذبات.

وسبق أن حذرت الأمم المتحدة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي من خطورة النزاع على القضاء الدستوري، مشيرة إلى أن «القضاء يُعد ركيزة أساسية للحفاظ على وحدة الدولة الليبية»، محذرة أيضاً من أن أي انقسام داخله قد ينعكس على جميع جوانب الحياة في البلاد.

الدبيبة خلال افتتاح الفندق البلدي في طرابلس الأربعاء (مكتب الدبيبة)

على الصعيد المالي، سعى رئيس حكومة الوحدة المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، لمواجهة «الإنفاق الموازي»، الذي وصفه بـ«العدو الأول لاستقرار الدينار وقوت المواطن»، معلناً اتفاقاً مالياً جديداً «برعاية أميركية» لتجفيف منابع الصرف خارج سلطة المصرف المركزي في طرابلس.

بلقاسم نجل المشير خليفة حفتر (أ.ف.ب)

واتهم الدبيبة الجهات التي تضخ ميزانيات خارج الميزانية العامة، في إشارة للجنة الإعمار التابعة لبلقاسم نجل المشير خليفة حفتر، وحكومة الاستقرار الموازية برئاسة أسامة حماد في الشرق، مؤكداً أن حجم هذا الإنفاق تجاوز 303 مليارات دينار، وأُدرجت ديناً عاماً أثقل كاهل العملة المحلية، محذراً من أن استمرار صرف 70 مليار دينار كإنفاق موازٍ في 2025 سيشكل «انتحاراً اقتصادياً».

وكشف الدبيبة عن «اتفاق البرنامج التنموي الموحد»، الذي يمنح المصرف المركزي وحده حق وضع «سقوف الإنفاق»، ويمنع أي صرف على التنمية دون موافقته، مشيراً إلى أن هذا الاتفاق يهدف إلى توحيد السيطرة المالية، وتحويل طرابلس إلى «المحاسب الوحيد» على أي ميزانية في الشرق، في خطوة قد تعقّد مشاريع الإعمار التابعة لحفتر وتزيد من التوترات.

وفي محاولة لتهدئة الرأي العام، أعلن الدبيبة عن تعديل وزاري مرتقب الأسبوع المقبل، مؤكداً أن الهدف هو ضخ دماء جديدة وتحسين الخدمات، مع التأكيد على أن التغيير لا يغني عن المطلب الأساسي، وهو الوصول إلى الانتخابات لإنهاء كل الأجسام الانتقالية.

كما حاول الدبيبة جذب أنصار النظام السابق بالتأكيد على مسؤولية حكومته في كشف ملابسات اغتيال سيف الإسلام، النجل الثاني للعقيد الراحل معمر القذافي، داعياً جميع القوى السياسية إلى «كلمة سواء» تحت مظلة القانون، مؤكداً أن «عقارب الساعة لن تعود للوراء».

الدبيبة أكد مسؤولية حكومته في كشف ملابسات اغتيال سيف الإسلام القذافي (متداولة)

وفي ظل غياب قانون ملزم بتوزيع العائدات النفطية، تظل آلية تقسيم الإيرادات محور الخلاف، حيث يتدفق النفط إلى المصرف المركزي في طرابلس، الذي يتولى صرف الرواتب والدعم بنسب تقديرية: 60 في المائة للغرب، و40 في المائة للشرق والجنوب.

وبحسب مراقبين، يسعى الدبيبة من خلال «الاتفاق المالي الموحد» إلى إنهاء هذا الفصل، وتحويل طرابلس إلى «السلطة المحاسبة الوحيدة»، ما قد يعرقل مشاريع الإعمار في الشرق، ويزيد من حدة الخلافات بين الأطراف الليبية.


مقالات ذات صلة

ليبيون ينتقدون «الصمت الرسمي» حيال استمرار انقطاع الكهرباء

شمال افريقيا من أعمال إصلاح شبكة الكهرباء في شرق ليبيا (حكومة الاستقرار)

ليبيون ينتقدون «الصمت الرسمي» حيال استمرار انقطاع الكهرباء

تتصاعد حالة الغضب في ليبيا مع تجدد الانقطاع الواسع للتيار الكهربائي للمرة الثالثة خلال أسبوع.

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا لقطة جماعية للمشاركين فيما يعرف بـ«ملتقى الحوار السياسي» في جنيف الجمعة (حساب آمر قوة الإسناد في عملية بركان الغضب ناصر عمار)

تواتر الإعلان عن «حكومات افتراضية» يُربك المشهد السياسي الليبي

لم يعد السباق السياسي في ليبيا مقتصراً على آليات تشكيل حكومة جديدة في بلد يعيش انقساماً حكومياً، بل وأيضاً على إعلانها بشكل أحادي، حسب خبراء.

علاء حموده (القاهرة )
شمال افريقيا قوات تابعة للجيش الوطني خلال اعتقال مهربين في الجنوب الليبي (الشرق الأوسط)

ليبيا وتشاد تكثفان تأمين الحدود وملاحقة «متمردي فزان»

كثفت قوة عسكرية مشتركة بين «الجيش الوطني» الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر والجيش التشادي، السبت، عملياتها لتأمين الحدود الجنوبية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا أحد أفراد الشرطة القضائية في مدينة سبها خلال تنفيذ حكم الجلد بحق المرأة المدانة (من مقطع فيديو)

على من يُطبّق القانون في ليبيا؟

أثارت واقعة جلد ليبية في وضح النهار ووسط المارة بمدينة سبها (جنوب البلاد) استياء أطياف مجتمعية عديدة، متسائلين عن مدى تطبيق القانون على الأقوياء وحملة السلاح.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا «النهر الصناعي» أكد تضرر بعض الآبار بانقطاع الكهرباء (منظومة «النهر الصناعي»)

«الأعلى للدولة» يتهم «الوحدة» الليبية بالإخفاق في حل أزمة الكهرباء

أعرب المجلس الأعلى للدولة في ليبيا عن «بالغ القلق والأسف» إزاء استمرار أزمة انقطاع التيار الكهربائي وتفاقم طرح الأحمال في مختلف أنحاء البلاد، مطالباً بالتحقيق.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)