تباطؤ التضخم البريطاني يمهّد لخفض الفائدة ويدفع البورصة لمستويات تاريخية

ريفز: خفض تكاليف المعيشة أولويتنا... ونرى الآن بوادر الاستقرار

إمرأة تمر أمام صف من مضخات الوقود في محطة بنزين بمنطقة واندزورث جنوب غرب لندن (أ.ف.ب)
إمرأة تمر أمام صف من مضخات الوقود في محطة بنزين بمنطقة واندزورث جنوب غرب لندن (أ.ف.ب)
TT

تباطؤ التضخم البريطاني يمهّد لخفض الفائدة ويدفع البورصة لمستويات تاريخية

إمرأة تمر أمام صف من مضخات الوقود في محطة بنزين بمنطقة واندزورث جنوب غرب لندن (أ.ف.ب)
إمرأة تمر أمام صف من مضخات الوقود في محطة بنزين بمنطقة واندزورث جنوب غرب لندن (أ.ف.ب)

شهدت الساحة الاقتصادية البريطانية، يوم الأربعاء، تحولات مفصلية أعادت رسم ملامح الأسواق المالية، حيث تلاقت بيانات التضخم المتراجعة مع نتائج أداء الشركات الكبرى لتدفع بمؤشر «فوتسي 100» إلى قمة تاريخية جديدة، في وقت تتزايد فيه الضغوط على بنك إنجلترا لبدء دورة تيسير نقدي حاسمة الشهر المقبل.

فقد كشفت أحدث البيانات الصادرة عن مكتب الإحصاء الوطني أن مؤشر أسعار المستهلكين تباطأ إلى 3 في المائة في يناير (كانون الثاني)، نزولاً من 3.4 في المائة في ديسمبر (كانون الأول)، وهو أدنى مستوى يسجله التضخم منذ مارس (آذار) من العام الماضي. وجاء هذا الهبوط تماشياً مع توقعات المحللين، مدفوعاً بشكل رئيسي بانخفاض أسعار البنزين والوقود، وتباطؤ وتيرة الارتفاع في أسعار المواد الغذائية والمشروبات غير الكحولية التي تراجعت معدلات نموها من 4.5 في المائة إلى 3.6 في المائة.

ورغم هذا التراجع الإيجابي، فإن «تضخم الخدمات» لا يزال يمثل صداعاً في رأس صنّاع السياسة النقدية، حيث سجل 4.4 في المائة، وهو ما يشير إلى ضغوط محلية مستمرة ناتجة عن قطاع الخدمات والنمو المرتفع للأجور في القطاع العام، ما قد يدفع بعض أعضاء بنك إنجلترا إلى التريث قليلاً قبل الالتزام بخطوات خفض الفائدة المتتالية.

عربة تسوق مليئة بالمستلزمات اليومية في سوبر ماركت بنيو مالدن إحدى ضواحي جنوب غربي لندن (أ.ف.ب)

انتعاش قياسي في سوق الأسهم

تفاعلت بورصة لندن بلغة الأرقام القياسية؛ حيث قفز مؤشر «فوتسي 100» للشركات الكبرى بنسبة 1 في المائة ليصل إلى مستوى 10666.68 نقطة لأول مرة في تاريخه. ولم تكن هذه القفزة نتاج آمال الفائدة فحسب، بل كانت مدعومة بأداء استثنائي لقطاع الدفاع، حيث قفزت أسهم شركة «بي إيه إي سيستمز» (BAE Systems) بنسبة 3.4 في المائة بعد إعلانها عن أرباح تشغيلية فاقت التوقعات، وطلبيات قياسية بلغت 83.6 مليار جنيه إسترليني، ما يعكس تزايد الطلب العالمي على التسلح في ظل التوترات الجيوسياسية الراهنة.

كما سجلت أسهم الطاقة والتعدين مكاسب ملحوظة؛ حيث ارتفع سهم «غلينكور» بنسبة 2.7 في المائة بعد إعلانها عن توزيعات نقدية ضخمة للمساهمين بقيمة ملياري دولار، ما عزز ثقة المستثمرين في الشركات ذات الأصول الثقيلة والتدفقات النقدية المستقرة.

«الجانب المظلم» من المعادلة

على الجانب الآخر، تظل الصورة في «مين ستريت» (الشارع البريطاني) أقل تفاؤلاً؛ فقد أظهرت البيانات الرسمية أن معدل البطالة قفز إلى أعلى مستوى له منذ خمس سنوات عند 5.2 في المائة. وتعكس هذه الأرقام تباطؤاً ملحوظاً في التوظيف، حيث تفضل الشركات التريث في ظل حالة عدم اليقين الاقتصادي وتكلفة الاقتراض المرتفعة التي بلغت 3.75 في المائة.

هذا الضعف في سوق العمل هو «سلاح ذو حدين»؛ فهو من جهة يؤلم الأسر البريطانية، ومن جهة أخرى يمنح بنك إنجلترا المبرر الكافي لخفض الفائدة في مارس، حيث إن برود سوق العمل يعني تراجع الضغوط التضخمية الناتجة عن الأجور في المستقبل القريب.

يتسوق الناس في ممر اللحوم في سوبر ماركت «تيسكو إكسترا» في تشيشونت البريطانية (أ.ف.ب)

التحدي السياسي لحكومة ستارمر

سياسياً، استغلت وزيرة المالية، راشيل ريفز، هذه البيانات للتأكيد على نجاح سياسات حزب العمال الاقتصادية منذ وصوله للسلطة في يوليو (تموز) 2024، قائلة: «إن خفض تكاليف المعيشة هو أولويتنا الأولى، ونحن نرى الآن بوادر الاستقرار».

ومع ذلك، يواجه رئيس الوزراء كير ستارمر تحديات داخلية متزايدة، خاصة مع اقتراب انتخابات تكميلية في مانشستر الأسبوع المقبل، التي ستكون بمثابة استفتاء حقيقي على شعبية الحزب في ظل اقتصاد ينمو بصعوبة بالغة بنسبة 0.1 في المائة فقط في الربع الأخير.

في الختام، يبدو أن اقتصاد بريطانيا في فبراير (شباط) 2026 يقف عند مفترق طرق؛ فبينما تحتفل البورصة بأرقام قياسية وتحسن في معدلات التضخم، لا يزال المواطن البريطاني يعاني من بطالة مرتفعة ونمو اقتصادي شبه متوقف، بانتظار قرار بنك إنجلترا في 19 مارس المقبل الذي قد يغير قواعد اللعبة للعام الحالي.


مقالات ذات صلة

معارضو قرار «الفيدرالي» يدعون إلى رفع الفائدة لمنع ترسخ التضخم

الاقتصاد مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)

معارضو قرار «الفيدرالي» يدعون إلى رفع الفائدة لمنع ترسخ التضخم

قال ثلاثة من صانعي السياسة النقدية في «الاحتياطي الفيدرالي» الذين عارضوا قرار البنك المركزي الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، إن رفع الفائدة بات ضرورياً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي كيفين وارش خلال مؤتمر صحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)

انحدار منحنى عوائد السندات... الأسواق تشكّك في حزم «الفيدرالي» ضد التضخم

يعكس التحول الحاد نحو منحنى عوائد سندات الخزانة الأميركية الأكثر انحداراً عقب قرار «الاحتياطي الفيدرالي» الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير تنامي المخاوف...

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)

كبير اقتصاديي بنك إنجلترا يحذر من ضغوط تضخمية طويلة الأجل جراء أزمة الطاقة

حذر كبير الاقتصاديين في بنك إنجلترا، هيو بيل، الجمعة، من خطر تراكم ضغوط تضخمية طويلة الأجل في الاقتصاد البريطاني بشكل تدريجي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)

«المركزي الأوروبي»: هوامش التكرير القياسية ترفع أسعار الوقود في منطقة اليورو

أوضحت مدونة نشرها البنك المركزي الأوروبي، يوم الجمعة، أن الارتفاع القياسي تقريباً في هوامش تكرير النفط أسهم في زيادة أسعار الوقود بمنطقة اليورو.

«الشرق الأوسط» (فرانكفورت)
الاقتصاد متسوقون يشترون الفواكه من سوق محلية في نيس بفرنسا (رويترز)

ارتفاع طفيف لتضخم منطقة اليورو إلى 2.9 % في يوليو يعزز توقعات رفع الفائدة

ارتفع معدل التضخم في منطقة اليورو بشكل طفيف خلال يوليو (تموز)، ما عزز احتمالات إقدام البنك المركزي الأوروبي على رفع أسعار الفائدة مجدداً.

«الشرق الأوسط» (فرانكفورت)