سرقة آلاف الحيوانات والعينات النادرة من متحف السودان الطبيعي

مسؤول سوداني: الحرب دمرت إرثاً تاريخياً عمره أكثر من 150 عاماً

صقر الجديان محنّطاً (الشرق الأوسط)
صقر الجديان محنّطاً (الشرق الأوسط)
TT

سرقة آلاف الحيوانات والعينات النادرة من متحف السودان الطبيعي

صقر الجديان محنّطاً (الشرق الأوسط)
صقر الجديان محنّطاً (الشرق الأوسط)

«خلاص كل شيء انتهى»، بهذه العبارة القصيرة والمؤلمة، يلخص مسؤول حكومي سوداني، ضياع تاريخ يعود إلى زهاء قرن ونصف قرن من الزمان، بعدما دمرت الحرب مقر «متحف السودان للتاريخ الطبيعي» في وسط العاصمة الخرطوم، لتفقد البلاد، آلاف الحيوانات المحنطة والحية المهددة بالانقراض، وعينات مرجعية نادرة.

في الأيام الأولى لاندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023، أطلق نشطاء عبر وسائل التواصل الاجتماعي، دعوات إلى توفير الطعام والمياه لإنقاذ حياة الحيوانات الحية، وحال تعثر ذلك، فتحت الأقفاص لتهرب رغم أن من بين الزواحف ثعابين سامة.

يقع المتحف الذي يتبع رسمياً لجامعة الخرطوم، على بعد نحو كيلومتر من المقر الرئيسي لقيادة الجيش في وسط الخرطوم، هذا القرب الشديد، ألحق به أضراراً جسيمة نتيجة للمواجهات والقصف المتبادل بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، التي انتهت بسيطرة «الدعم» على محيط المنطقة بالكامل، لأكثر من عام.

مدخل حدائق متحف التاريخ الطبيعي - الخرطوم (الشرق الأوسط)

وقال عميد كلية العلوم في جامعة الخرطوم، الدكتور عثمان علي حاج الأمين: «فقدنا الآلاف من الحيوانات والطيور والزواحف المحنطة التي عمرها أكثر من 150 عاماً»، مضيفاً: «على الأرجح أن الحيوانات الحية سُرقت أو نُهبت ولم تَمُت»، وأردف متابعاً: «لم نعثر على آثار بقايا أو هياكل عظمية لتلك الحيوانات في المتحف».

لم يتمالك الأمين نفسه من البكاء بشدة، وهو يتحدث لــ«الشرق الأوسط»، عن حجم الخراب الهائل الذي لحق بأحد أقدم المتاحف التاريخية الطبيعية في البلاد وعلى مستوى العالم، وقال: «فقدنا نحو 2000 عينة من الحيوانات المحنطة، بجانب أكثر من 600 أخرى من العينات المرجعية المهددة بالانقراض، كانت معروضة في المتحف، وتقريباً كل السجلات الجيولوجية من حفريات حيوانية ونباتية وصخرية».

وأضاف: «أما الفقد الأكبر فكان لنحو 100 نوع تمثل كل الفصائل من الحيوانات والطيور والزواحف تمت رعايتها والحفاظ عليها لعشرات السنين.

من بينها عينات أحفورية لأنواع من الطيور جمعت بين عامي 1885 و1945، لا يمكن تعويضها، بالإضافة إلى زرافة كردفان Kordofan giraffe، وهي من الأنواع المهددة بالانقراض».

وفقد خلال الحرب «أكبر تمساح معمّر، عاش لسنوات طويلة في المتحف، تمت رعايته منذ أن كان بيضة، فضلاً عن الكثير من الزواحف من بينها ثعابين وعقارب سامة، و(ورل نيلي)»، وتم العثور على «لبؤة» محنطة، ونقلها إلى كلية البيطرة بجامعة الخرطوم.

وعلمت «الشرق الأوسط»، أن «الصليب الأحمر الدولي» حاول في تلك الأيام التدخل لإجلاء عدد كبير من المدنيين من بينهم طلاب في الجامعة حوصروا لأسابيع داخل المتحف، ونقل الحيوانات الحية والمحنطة، لكنه فشل بسبب الاشتباكات العنيفة التي كانت تدور في قلب العاصمة الخرطوم.

جماجم تعود إلى بعض الثدييات قبل التدمير ( الشرق الأوسط)

وبحسب المسؤول السوداني، فإن العينات المحفوظة، بدأ جمعها منذ منتصف القرن التاسع عشر، بواسطة ضباط في الجيش الإنجليزي، وخلال الحرب العالمية الثانية نقلت من «متحف السودان القومي» إلى «المتحف الطبيعي»، بجوار جامعة الخرطوم التي تولت إدارته منذ تأسيسه في عام 1929.

وقال الأمين، إن المتحف يحتوي على عينات توضح التنوع البيولوجي من مختلف أنحاء السودان، بما في ذلك جنوب السودان قبل انفصاله، كما يحتوي على عينات أخرى أهديت إلى السودان من متاحف عالمية.

ويضم «متحف السودان الطبيعي» أقساماً عديدة، منها صالة عرض لكل أنواع الطيور النادرة في البلاد، وأخرى لجماجم الحيوانات المحنطة تعود لعشرات السنين، بالإضافة إلى قسم خاص بالنباتات الطبية والعطرية، وعينات صخور جيولوجية مجمعة من عصور وبيئات سحيقة، وأقفاص للحيوانات الحية.

صالات عرض البيئات المختلفة قبل وبعد الحرب (الشرق الأوسط)

ورأى عميد كلية العلوم، أن إعادة تأهيل المتحف إلى صورته الأولى يحتاج لسنوات طويلة من العمل، كما أنه يُكلف الكثير من الأموال، لكنه أبدى يأسه من إمكانية العثور على الحيوانات النادرة والعينات التاريخية والسجلات القديمة التي فقدت من المتحف في زمن الحرب.

ويرجح أن الكثير من الحيوانات الحية قُتلت عمداً، أو ماتت بسبب الجوع والعطش، كما سرقت الحيوانات المحنطة وعينات الصخور والأعشاب النادرة التي تم جمعها وفرزها وتصنيفها على مدى سنوات طويلة من قبل الباحثين.

ويُعد «متحف التاريخ الطبيعي»، مؤسسة علمية وثقافية لدراسة التنوع البيولوجي والعينات الطبيعية، وهو واحد من أقدم المتاحف في السودان.


مقالات ذات صلة

حرب السودان تدخل عامها الرابع... ولا آفاق لوقف القتال

شمال افريقيا سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم الأربعاء (أ.ب)

حرب السودان تدخل عامها الرابع... ولا آفاق لوقف القتال

رغم الجهود المتواصلة لإنهاء الحرب في السودان، فإنها تدخل عامها الرابع دون مؤشرات تدل على وجود أي رغبة من طرفيها الجيش و«الدعم السريع» في التوصل لحل سلمي

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا الدخان يتصاعد من داخل مطار الخرطوم خلال اشتباكات سابقة بين «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني (رويترز)

مستشار لترمب: لا ننحاز لأحد في حرب السودان ونركّز على الجانب الإنساني

قال مسعد ​بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية اليوم الأربعاء، إن الولايات المتحدة ‌لا ‌تنحاز ​لأي ‌طرف ⁠في ​الحرب الدائرة ⁠في السودان.

«الشرق الأوسط» (برلين - الخرطوم)
شمال افريقيا واحد من كل 4 سودانيين يعيش فقراً مدقعاً بأقل من دولارين في اليوم (رويترز)

السودان: 700 قتيل بهجمات مسيّرات منذ يناير.. و70 % من السكان تحت خط الفقر

تضاعفت معدلات الفقر في السودان منذ اندلاع الحرب قبل 3 سنوات، بحيث بات 70 في المائة من السكان يعيشون تحت خط الفقر.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا طالبات بمدرسة بحري الحكومية (الشرق الأوسط)

أكثر من نصف مليون طالب سوداني يؤدون امتحانات الشهادة الثانوية

انطلقت، الاثنين، أولى جلسات امتحانات الشهادة الثانوية السودانية في المناطق التي يسيطر عليها الجيش السوداني.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس خلال المؤتمر الصحافي بمطار الخرطوم الاثنين (مجلس الوزراء)

الحكومة السودانية ترفض استبعادها عن مؤتمر برلين

احتجَّت الحكومة السودانية، برئاسة كامل إدريس، رسمياً على عدم دعوتها للمشارَكة في «مؤتمر برلين»، المزمع عقده في الـ15 من أبريل (نيسان) الحالي.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

«مؤتمر برلين»: تعهدات بـ 1.5 مليار دولار للسودان

المشاركون في المؤتمر الدولي بشأن السودان الذي استضافته العاصمة الألمانية برلين يوم الأربعاء (أ.ف.ب)
المشاركون في المؤتمر الدولي بشأن السودان الذي استضافته العاصمة الألمانية برلين يوم الأربعاء (أ.ف.ب)
TT

«مؤتمر برلين»: تعهدات بـ 1.5 مليار دولار للسودان

المشاركون في المؤتمر الدولي بشأن السودان الذي استضافته العاصمة الألمانية برلين يوم الأربعاء (أ.ف.ب)
المشاركون في المؤتمر الدولي بشأن السودان الذي استضافته العاصمة الألمانية برلين يوم الأربعاء (أ.ف.ب)

تعهدت الجهات المانحة تقديم مساعدات بقيمة 1.5 مليار دولار إلى السودان، وذلك خلال المؤتمر الذي استضافته العاصمة الألمانية برلين أمس، برعاية ألمانيا والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي.

وعُقد «مؤتمر برلين» وسط غياب ممثلين عن طرفي الحرب، أي الجيش السوداني، والحكومة الموالية له، و«قوات الدعم السريع». وقبل انطلاقه، انتقدت الحكومة السودانية استضافة ألمانيا للمؤتمر، قائلة إن هذا «تدخل مفاجئ وغير مقبول» في الشأن الداخلي. ويعد هذا المؤتمر الدولي الثالث حول السودان بعد مؤتمرين سابقين في باريس، ولندن.

وحض الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، في كلمة مسجلة خلال المؤتمر، على السلام في السودان، و«إنهاء كابوس» الحرب، ووقف «التدخلات الخارجية، وتدفق الأسلحة اللذين يؤججان النزاع». وطالب طرفي القتال بـ«وقف فوري للأعمال الحربية».


رئيس الوزراء السوداني: لسنا معنيين بمخرجات مؤتمر برلين

رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)
رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)
TT

رئيس الوزراء السوداني: لسنا معنيين بمخرجات مؤتمر برلين

رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)
رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)

قال رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس، الأربعاء، إن حكومته غير معنية بمخرجات «مؤتمر برلين» الدولي بشأن الوضع الإنساني في السودان، مؤكداً أنها لم تتلقَّ دعوة للمشاركة في المؤتمر.

وأضاف في مؤتمر صحافي بالعاصمة الخرطوم أن تغييب الحكومة السودانية «خطأ فادح» من قبل الجهات المنظمة للمؤتمر، مشيراً إلى الاحتجاجات التي نظمتها مجموعات من السودانيين في العواصم الأوروبية تعبيراً عن رفضها لتوصيات المؤتمر واستبعاد الحكومة.

وقال: «كنا نأمل أن تُقدَّم لنا الدعوة للمشاركة في مؤتمر برلين لتوضيح الحقائق كافة عن الأوضاع في السودان».

وأكد أن حكومته منفتحة على كل المبادرات وعلى الحوار مع الأطراف الإقليمية والدولية الساعية لتحقيق السلام العادل والشامل في السودان.


تصريحات نائب عن المهاجرات الأفريقيات تثير جدلاً واسعاً في تونس

مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
TT

تصريحات نائب عن المهاجرات الأفريقيات تثير جدلاً واسعاً في تونس

مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)

أثارت تصريحات نائب تونسي حول الاغتصاب والمهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء جدلاً وانتقادات واسعة، وجّهتها منظمات المجتمع المدني، وصولاً إلى اتهامه بـ«العنصرية» حيال المهاجرين.

وفي جلسة استماع وتوجيه أسئلة لوزير الداخلية، عُقدت بالبرلمان، قال النائب طارق المهدي في مداخلته عن قضية المهاجرات: «أن تُغتصب أفريقية (مهاجرة) فهذا أمر لا يحدث. التونسيات جميلات... لا ينقصنا شيء في تونس». وأضاف المهدي في تصريحات نقلتها «وكالة الصحافة الفرنسية»: «يجب أن يخرجن بأي ثمن. لقد تم تجاوز كل الخطوط الحمراء».

وتثير الهجرة من دول أفريقيا جنوب الصحراء جدلاً في تونس بشكل منتظم.

ومطلع عام 2023، ندّد الرئيس قيس سعيّد بوصول «جحافل من المهاجرين غير النظاميين»، متحدثاً عن مؤامرة «لتغيير التركيبة الديموغرافية» للبلاد.

وندد «المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية»، في بيان، الثلاثاء، بتصريحات المهدي، معتبراً أنها «عنصرية... وتمثل اعتداء صارخاً على الكرامة الإنسانية، وتبريراً خطيراً للعنف الجنسي والاغتصاب ضد النساء»، وطالب بمحاسبته.

ولاحقاً، كتب النائب على صفحته على «فيسبوك»: «إنهم يخرجون كلامي كلياً عن سياقه، والذي لا أقصد منه أي تشجيع على أي شكل من أشكال العنف، ولا على الاغتصاب. قصدت من قولي حتى ولو خانني التعبير... أن أقول إن نساءنا من أكثر النساء جمالاً وثقافة، ولا غاية لنا أن تعتدي على أي كان».

كما استنكرت «الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان» التصريحات، في بيان، وعدّتها «انتهاكاً خطيراً لكرامة النساء، ومساساً جوهرياً بمبادئ حقوق الإنسان».

وأكدت أن خطاب المهدي «ينطوي على عنصرية فجة، ويغذي بشكل مباشر خطاب الكراهية، والتمييز ضد المهاجرين والمهاجرات من أفريقيا جنوب الصحراء».

وتُعد تونس نقطة عبور مهمة في شمال أفريقيا لآلاف المهاجرين الوافدين من دول أفريقيا جنوب الصحراء، والذين يسعون للوصول بشكل غير قانوني إلى أوروبا من طريق البحر.