عبيدات لـ«الشرق الأوسط»: قناص غامض قتل وصفي التل برصاصة من الخلف

رئيس الوزراء الأردني الأسبق روى شهادته على عقد ونصف العقد في مركز القرار (1 من 3)

TT

عبيدات لـ«الشرق الأوسط»: قناص غامض قتل وصفي التل برصاصة من الخلف

وصفي التل مع الملك حسين (غيتي)
وصفي التل مع الملك حسين (غيتي)

كان رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات الذي رحل مطلع الشهر الحالي، لاعباً وشاهداً على محطات حساسة في تاريخ بلاده.

بدأ الرجل سبعينات القرن الماضي مساعداً لمدير المخابرات، ثم مديراً لها حتى عام 1982. وفي ذروة الصدام الفلسطيني - الأردني، خطفته «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» قبل أحداث سبتمبر (أيلول) 1970. تولى أيضاً وزارة الداخلية لعامين، قبل أن يكلفه الملك حسين رئاسة الحكومة مطلع 1984، وجمع معها منصب وزير الدفاع، حتى أبريل (نيسان) 1985.

ظل عبيدات لأكثر من عقد ونصف العقد في مركز القرار. ولعب بعدها أدواراً استفادت من خلفيته القانونية، من رئاسة اللجنة الملكية لصياغة الميثاق الوطني مطلع التسعينات، إلى أدوار حقوقية وقضائية كان آخرها رئاسة مجلس أمناء المركز الوطني لحقوق الإنسان حتى 2008.

قبل أسابيع من «طوفان الأقصى»، التقيت عبيدات في عمّان. كان يفترض أن تُنشر المقابلة في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، لكن الحدث الكبير فرض تأجيلها، خصوصاً في ظل تطرق الرجل إلى محطات شائكة، سيما في ملف العلاقات الأردنية - الفلسطينية.

في الحلقة الأولى من شهادته، يعود عبيدات إلى سنوات التكوين الأولى، حين بدأت رحلته السياسية والمهنية طالب حقوق في بغداد عشية ثورة 14 يوليو (تموز) 1958، ثم عودته إلى العراق بعد سقوط الحكم الملكي، وما رافق ذلك من تحولات كبرى في المنطقة.

تنتقل الشهادة إلى بداياته العملية في الأردن، من تجربة قصيرة في المحاماة، إلى التحاقه بالأمن العام، ثم مشاركته في مكتب التحقيقات السياسية الذي شكّل النواة الأولى للعمل الاستخباري المنظم. وتُختتم بسرد تفصيلي لظروف تأسيس جهاز المخابرات العامة عام 1964، وبنية الجهاز الناشئ، وأسماء رجاله الأوائل، في مرحلة كانت فيها الدولة الأردنية تعيد بناء أدواتها في إقليم شديد الاضطراب.

دولة الرئيس، كنت طالباً في بغداد وحدثت ثورة 1958، أين كنت عندما حدثت الثورة؟

- الحقيقة أنهيت السنة الأولى في كلية الحقوق، وعدت للأردن لقضاء العطلة الصيفية مع أسرتي، وأثناء وجودي في مدينة إربد جاءت الأنباء بقيام الثورة، ثورة 14 تموز في العراق التي أطاحت الحكم الملكي؛ ولذلك بعد انتهاء العطلة الصيفية عدت إلى بغداد وكان هناك حكم جمهوري لعبد الكريم قاسم والمجموعة التي كانت معه.

كانت صعبة العودة إلى بغداد في ضوء ما حدث في 14 تموز؟

- واجهت بعض الصعوبات. حتى في الطريق واجهتنا صعوبات بالعودة، حيث كانت الحدود شبه مغلقة بين الأردن والعراق، فاضطررنا إلى أن نعود من خلال دمشق، وأيضاً بطرق صحراوية عدنا من دمشق إلى بغداد، وكانت رحلة شاقة من دمشق.

أحمد عبيدات خلال المقابلة مع رئيس تحرير «الشرق الأوسط» في عمّان (الشرق الأوسط)

متى غادرت بغداد؟

- بعد انتهاء السنة الأخيرة من الدراسة، وفي اليوم الأخير من الامتحانات في السنة الرابعة عام 1961، وفور انتهاء آخر امتحان غادرت باتجاه المنزل الذي كنت أسكنه مع بعض الطلبة الأردنيين، وجهزت نفسي وعدت في اليوم نفسه إلى الأردن، وكانت الحدود قد أُعيد فتحها بين بغداد وعمان.

هل كان معك طلاب بالجامعة ممن تولوا بعد ذلك مناصب في العراق؟

- طبيعي، صدام حسين نفسه كان معنا في كلية الحقوق، وكان يدرس في كلية الحقوق بالفترة المسائية، فقد كانت الدراسة قسماً صباحياً وقسماً مسائياً.

هذا كان في عام 1958؛ لأنه في عام 1959 حاول اغتيال عبد الكريم قاسم ثم هرب، فهل رأيته بالجامعة؟

- لقد رأيته مرة واحدة بالصدفة، وكان معه آخرون وأحدهم عُين محافظاً في وقت لاحق. وبعض الطلبة الآخرين أصبحوا محامين وكان معنا عدد محدود، لا أتذكر أسماءهم الآن.

متى عدت إلى بغداد؟

- عدت إلى بغداد سنة 1983 كنت وزيراً للداخلية. وذهب لحضور مؤتمر وزارة الداخلية العرب بعد 22 سنة وبعض الأشهر.

من التقيت في بغداد كوزير للداخلية؟

- سعدون شاكر.

هل كانت لك علاقة قوية مع سعدون شاكر، أم كانت علاقة عادية؟

- علاقة عادية، وبعدها لجأ للأردن هو وعائلته في وقت متأخر بعد الغزو الأميركي، وطبعاً تعرفت على طه ياسين رمضان ومحمد مهدي صالح وزير التجارة لاحقاً، وهو موجود في الأردن حالياً.

كيف كان طه ياسين رمضان؟ سعدون شاكر قيل إنه وزير داخلية شرس وعنيف؟

- قد يكون بالنسبة للعراقيين كذلك، أما بالنسبة لنا كانت علاقات مجاملات أكثر منها علاقات عميقة تتعرف من خلالها على سلوكه اليومي.

هل التقيتم أحداً سوى وزير الداخلية بهذه الزيارة؟

- كانت اللقاءات محدودة، وكان الأمير نايف يعدّ عميد وزراء الداخلية العرب وقتها.

وهل كان الأمير نايف بهذا الاجتماع؟

- نعم، كان بالاجتماع، أمضيت ثلاثة أيام فقط في بغداد، وبعد انتهاء المؤتمر طلبت من العراقيين سيارة وسائقاً من دون حرس، حيث ذهبت إلى الأماكن التي كنت أسكنها أثناء دراستي في منطقة الأعظمية والوزيرية. مناطق لطيفة كانت مناطق هادئة ويسكنها دائماً فئة المهنيين من الناس، مهندسون أطباء محامون وضباط.

رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات (الشرق الأوسط)

كنت وزيراً للداخلية ومدير مخابرات بالوقت نفسه؟

- لا، أنا كنت مديراً للمخابرات لمدة سبع سنوات ونصف السنة، ثم أُحلت على التقاعد، وفي اليوم الثاني عُيّنت وزيراً للداخلية، فقد شغر منصب وزير الداخلية في حكومة المرحوم مضر بدران، بانتقال المرحوم سليمان عرار الذي عُيّن رئيساً للمجلس الوطني الاستشاري الذي جاء لتغطية غياب مجلس النواب.

عندما عدت من بغداد ماذا عملت؟

- عندما عدت لم أتقدم بطلب توظيف لديوان خدمة الموظفين. وكان توجهي العمل في المحاماة، كان والدي يعمل في الأمن العام ضابطاً. وقد أحيل على التقاعد وسكن في محافظة إربد هو ووالدتي وأخواتي.

أذكر أني ذهبت في يوم وزرت رئيس محكمة البداية في مدينة إربد المرحوم الأستاذ سعيد الدرة، فاستقبلني بكل ترحاب قدمت له نفسي أنا فلان وخريج حقوق بغداد، وطلبت منه أن ينصحني أين أتدرب مع المحامين الممارسين في منطقة إربد. رحَّب بي الرجل وقال في إربد لا يوجد عدد كبير من المحامين الممتازين في ذلك الوقت، لكن هناك شخصين أرشحهما لك.

فعلاً ذهبت لواحد من المحامين اللذين رشحهما لي. وفعلاً رحب بي الرجل. لكن كانت مشكلته أنه لا يعمل في جميع الأيام. وبدأت التدريب عنده، بعد أشهر عدة وجدت أن إربد لا يتوفر فيها حراك اقتصادي قانوني. بمعنى لا توجد قيمة مضافة تساعدني لكي أكون محامياً ناجحاً، فاقترحت على والدي أن أنتقل للعمل والسكن في عمّان.

فكان رد والدي بأنه لا يستطيع مساعدتي؛ لأن راتبه التقاعدي في ذلك الوقت كان بسيطاً جداً وبيتنا بالأجرة ولي شقيقات ما زلن يدرسن في المدارس. وأنه من الصعب أن يتم تقسيم الراتب بين أسرة كاملة وفرد واحد من الأسرة.

وسألني عن توفر خيارات أخرى، فأجبته بأني ذاهب إلى عمان وسأقدم طلب توظيف إلى ديوان الخدمة المدنية.

وبالفعل، وبعد أسابيع قليلة طُلبت لديوان الخدمة المدنية وتسلمت كتاب تعييني في مالية الجمارك، وعُيّنت في جمارك عمّان.

متى دخلت سلك المخابرات العامة؟

- لقد تأسست المخابرات عام 1964، وقبل ذلك كنت التحقت بجهاز الأمن العام برتبة ضابط، لم يكن هناك وقتها جهاز للمخابرات، أي قبل عام 1964، وكان جهاز الأمن العام حينها يضم قسماً يتولى قضايا المباحث العامة كما تسمى في بعض الدول العربية.

طبعاً أعلن جهاز الأمن العام عن وظائف لحاملي درجة القانون، وقد كان الحقوقيون يلتحقون بالأمن العام وبالجيش. في الجيش طبعاً يلتحق من يحمل درجة القانون بالقضاء العسكري، وفي الأمن العام يلتحقون بقضاء الشرطة. أو للعمل ضمن اختصاصه في أي موقع يحدد من قِبل إدارة الجهاز.

كانت هناك لجنة تقابل الراغبين في التجنيد، ذهبت وقابلت اللجنة. وبعد فترة قصيرة تم قبولي. وفعلاً قدمت استقالتي من مالية الجمارك والتحقت بالأمن العام. وبعدها أدخلونا دورة لمدة ثلاثة أشهر في كلية الشرطة. بعد الأشهر الثلاثة مُنحت رتبة ملازم أول وكان ذلك في 1/4/1962، وكنت قد اشتغلت بالجمارك 5 أو 6 أشهر.

إذن، في عام 1962 صرت بالأمن العام؟

- في شهر أبريل (نيسان) من عام 1962، صرت ملازماً أول في الأمن العام، وبعدها بقليل تم تشكيل مكتب التحقيقات السياسية من الجيش والأمن العام، وقد تشكل المكتب من ضباط حقوقيين أتوا من الجيش، مثل المرحوم مضر بدران الذي جاء من القضاء العسكري ومعه أديب طهبوب، وقد كان الاثنان يحملان رتبة نقيب (كابتن)، ومن الأمن العام جئت أنا وطارق علاء الدين زميلي الذي تسلم بعدي مديراً للمخابرات. وبالفعل، ذهبنا الأربعة إلى مكتب التحقيقات السياسية برئاسة محمد رسول الكيلاني وكان بالأمن العام.

ومكتب التحقيقات السياسية كان يتعامل بقضايا تحوَل من أي جهة أمنية أو رسمية أو من الجيش أو الاستخبارات العسكرية أو من الديوان الملكي.

بعد فترة من الزمن وبعدما اطلعوا على نتائج عملنا، أمر الراحل الملك الحسين أن يتم تشكيل جهاز له مرجعية قانونية في البلاد. فصدر قانون المخابرات العامة سنة 1964 والذي تشكلت المخابرات العامة بموجب أحكامه.

غادرت الأمن العام وذهبت للمخابرات، وكان العاملون والمؤسسون للجهاز في ذلك الوقت من خيرة قيادة المخابرات العامة، وكان محمد رسول الكيلاني هو أول مدير للمخابرات. ومن بعده جاء مضر بدران، وبعده تسلم الجهاز نذير رشيد، ثم عاد محمد رسول مرة أخرى لفترة بسيطة. وبعده تسلمت إدارة الجهاز ومن بعدي تسلم طارق علاء الدين - رحمهم الله جميعاً.

شاءت الأقدار أن تكون تجربتك في المخابرات بمرحلة ساخنة أردنياً وعربياً. كلنا نحمل آثار 1967، أنت كنت ضابطاً بالمخابرات وحصلت الحرب، بماذا شعرت حينها؟

- في 1967، وكأي مواطن عربي، كنا الشباب الموجودين في الدائرة نشعر بالصدمة الكبرى، شعرنا بأنها هزيمة وليست نكسة. هزيمة عسكرية، هزيمة سياسية، هزيمة نفسية، هزيمة اجتماعية بكل ما تعنيه الكلمة.

هل خطر على بالك ليت الأردن لم يشارك بالقتال؟

- طبعاً؛ لأن في هذه القضية كنت مُطلعاً على جانب من المشاورات مع الرئيس عبد الناصر.

ما رأي المخابرات في المشاركة الأردنية بالحرب؟

- لم يكن هناك رأي للمخابرات. وكان الرأي السياسي مثلاً لشخصية بحجم ووزن شخصية وصفي التل، بأن دخول الأردن الحرب عام 1967، هو خطأ. صحيح أن وصفي لم يكن في المسؤولية، لكنه ظل قريباً من الملك ومؤثراً.

بعد هذه السنوات بتقديرك لماذا ذهب الملك حسين إلى الحرب؟

- الملك حسين كان يعتقد أن إسرائيل ستحتل الضفة الغربية، سواء شاركنا في الحرب أو لم نشارك. وأن المشاركة مغامرة قد تنجح وقد لا تنجح. طبعاً الكارثة كانت اكتشاف أن الطيران المصري دُمّر بالكامل، والمشكلة الأكبر عندما علمنا بأن هذا السلاح صار مدمراً بنصف ساعة.

هل علمتم كجهاز مخابرات عن تدمير الطيران المصري سريعاً؟

- لا، لم نكن نعلم، لكن الشعور بالمرارة كان واضحاً على المستويين الرسمي والشعبي. فالخسارة بالنسبة للأردن كانت كبيرة.

هل خشيتم على النظام؟

-لم نخش على النظام، لكننا سعينا لاحتواء الغاضبين. وبررنا غضبهم، وتحمّلنا المسؤولية في أن نستوعب صدمة الهزيمة بكل مراراتها.

بدأت وانتهت حرب عام 1967 وهُزمت الجيوش العربية، وعاد الموضوع الفلسطيني إلى الواجهة وبدأ الرهان على المنظمات الفلسطينية، كان هذا أهم ملف عندكم؟

- طبعاً، كان هذا الأمر مصيرياً جداً.

متى التقيت ياسر عرفات أول مرة؟

- بعد أحداث سبتمير (أيلول) 1970 (المواجهات الأردنية - الفلسطينية)، ولم أكن قد جلست معه قبل ذلك.

عبد الناصر مصالحاً الملك حسين وعرفات خلال قمة القاهرة في سبتمبر 1970 (أ.ف.ب)

وهل كان خروج ياسر عرفات من عَمّان مع الوفد العربي بعلم المخابرات والسلطة الأردنية؟

- ليس هذه القصة، القصة أنه خرج مع وفد رسمي.

وللمفارقة، عندما أصبحت مديراً للمخابرات كان معي سائق، وقد كان هذا السائق يقود مدرعات عسكرية في الجيش العربي خلال أحداث أيلول. وقد روى لي هذا السائق، بأنه كان يقود المدرعة التي حملت ياسر عرفات إلى المطار. وقد أبلغني بأن عرفات غادر متخفياً مرتدياً زياً خليجياً.

طبعاً، المصفحات كانت وسيلة التنقل للوفود الرسمية، وبطبيعة الحال لو تم الكشف عن هوية عرفات فلم يكن ليعتقل في تلك الفترة؛ لأنه خرج لحضور قمة عربية في القاهرة. وبالمناسبة، رجع إلى عمّان بعد مؤتمر القمة مباشرة.

هل ذهبت إلى مؤتمر القمة حينها؟

- نعم، لكن نحن كوفد لم نحضر المؤتمر، حضر الملوك والأمراء والرؤساء فقط. وكانت عُقِدت القمة لوقف الأحداث، وكوفود رسمية لم نحضر اجتماع الرؤساء، وعندما جاء الملك حسين التأم المؤتمر برؤساء الوفود فقط.

هل كان من الصعب ذهاب الملك حسين حينها؟

- لا، وقد أُجرِيت مصالحة بين الراحل الحسين وبين عرفات. انتهى المؤتمر ورجعنا إلى الطائرة، ونحن بالطائرة وصلنا خبر وفاة عبد الناصر، وتأثر الملك حسين جداً.

من أبرز القيادات الفلسطينية التي اُعتُقلت في ذلك الوقت؟

- بالصدفة اعتقلنا أبو إياد وكان مع قيادات مختلفة ومنهم محمود المعايطة من قيادات «البعث». وفعلاً وُجِدوا في الدائرة. لكن لا شيء حصل معهم. ضيفوهم ولم يتعرضوا لشيء ولا أحد سألهم.

في تلك الأثناء غادر رئيس الوزراء الأردني وقتها وصفي التل إلى اجتماع وزراء الدفاع في القاهرة، وتم اغتياله هناك، هل نُصح بألا يذهب؟

- سمعت بأنه نُصح، لكنه قال إن مصر دولة تحترم نفسها وتحترم ضيوفها، وبعدها غادر.

وصفي التل مع الملك حسين (غيتي)

ما هو الخيط الغامض في عملية اغتيال وصفي التل؟

- الخيط الغامض حتى الآن أن المجموعة التي أطلقت النار عليه كانت في مواجهته بمدخل الفندق. بالتشريح الطبي اتضح أن رصاصاتها لم تكن هي التي أودت بحياته. ما أودى بحياته رصاصة قاتلة من الخلف من قناص كان في مكان آخر غير مرئي. قناص لم يُعرف لليوم. ولا أحد يعلم من هو.

هل يمكن القول إن وصفي التل كان مغامراً برحلته الأخيرة إلى القاهرة؟

- لا، وصفي ليس مغامراً، وصفي صاحب مشروع سياسي مختلف. لذلك؛ وصفي شخصية متفردة فيما تقول وتفعل.

هل تم توجيه عمليات ضد الأردن غير عملية وصفي التل؟

- بهذا الشكل لا.

تعتقد أن قرار اغتيال وصفي التل أخذه أبو إياد؟

- لوحده مستحيل، أخذته القيادة الفلسطينية وبظني أبو عمار كان مطلعاً.

لماذا تم اغتيال وصفي التل دون سواه من المسؤولين العسكريين أو الأمنيين؟

- لقد اتهمت «منظمة أيلول الأسود» التي قادها وأسسها أبو إياد بأن الشهيد وصفي التل كان هو صاحب القرار في طرد بقية الفدائيين الذين تحصنوا بمناطق شجرية في محافظة جرش وعجلون شمال البلاد.

وهل كان متسبباً بتلك الحادثة؟

-لا.

إذن، ما هو سبب تلك الحادثة التي أسفرت عن طرد الفدائيين؟

- الفدائيون الموجودون في جرش اعتدوا على مركز الشرطة وقتلوا بعض أفراده. عدوان سافر في النهار أمام المواطنين، كلهم فرد فعل الجيش كان عفوياً بأن هاجم أقرب المواقع للفدائيين. وهكذا بدأت المشكلة. في الساعات الأولى استسلم أكبر عدد من الفدائيين وسلموا سلاحهم والباقي قاوم. هناك من قُتل وهناك من فرّ إلى الضفة الغربية بعدما انتهى الفلتان. كل الذين سلموا سلاحهم نُقلوا للقاعدة الجوية في المفرق.

كانوا يحمّلون وصفي التل مسؤولية ما حدث في عجلون وجرش. وصفي التل، رئيس حكومة ووزير دفاع. من ناحية أدبية، أي إنسان يحترم نفسه لا يستطيع أن يتخلى عن مسؤوليته الأدبية بأن يتحمّل المسؤولية. كان من الممكن لغيره أن ينسحب ويقول أنا لم أكن أعلم ولا علاقة لي. وصفي التل ضحى بنفسه وسكت.

إذن، القرار كان للجيش؟ وهل قُتل في تلك العملية أبو علي إياد؟

- نعم.

هل كانت صعبة هذه المرحلة على المخابرات؟

- صعبة جداً، كل المرحلة كانت صعبة.

أنت تعرضت لعملية خطف قبل أحداث عام 1970 على يد «الجبهة الشعبية» ثم على يد «فتح». هذه كانت «شمة هواء» (نزهة) ولم يُحقق معك؟

- نهائياً. لم يتم سؤالي سؤالاً واحداً.

اختطفتك «الجبهة الشعبية» ولم تحقق معك؟

- لم أُسأل سؤالاً واحداً. هذا أمر غريب. شربنا الشاي بقينا لمدة ساعة أو ساعتين، انتقلنا إلى بيت في عمّان من الوحدات. هناك شربنا الشاي وأكلنا كعكة وأعادوني إلى بيتي في جبل التاج.

هل هدّد مدير المخابرات حينها بشن عملية عسكرية للإفراج عنك؟

- قيل لي إن مضر بدران (مدير المخابرات) قال لرئيس الأركان وأنا عند «الجبهة الشعبية»: سأتحرك الآن، سأحرك سرية تابعة للمخابرات العامة بأسلحتها وعرباتها وأهاجم مقر «الجبهة الشعبية» في الوحدات، فقال له لا تفعل شيئاً. انتظر مني أن أجري اتصالاتي.

هل تتذكر كيف وأين خُطفت؟

- طبعاً، كنت أسكن بشقة في منطقة بجبل التاج، بعد ظهر يوم من الأيام، كنت أنوي الخروج ومعي أسرتي ومعنا شقيق زوجتي طبيب في الخدمات الطبية الملكية، عند مغادرتنا، وإذ بسيارات مسلحة أوقفتنا وأجبرتني على الدخول بسيارة «فولكس فاجن». فنظرت إلى شقيق زوجتي الذي كان يرتدي لباسه العسكري، وطلبت منه البقاء مع زوجتي والأولاد. فقالوا «لا. كمان تعال» فأخذوه معي وذهبنا إلى منطقة مخيم الوحدات، وبعدها بدأت السيارات المسلحة المرافقة تطلق النار بالهواء ابتهاجاً باعتقالي أو خطفي.

ما هي رتبتك حينها؟

- لا أذكر تماماً، كنت عقيداً أو عميداً في المخابرات. لكن كنت مساعداً لمدير المخابرات حينها.

كم استمر خطفك؟

- فقط ساعات، بعد أن وصلنا إلى الوحدات وإذ بنا ندخل مقر «الجبهة الشعبية».

تم استقبالنا هناك، ولم يضايقنا أحد. واستقبلنا رجل من «الجبهة الشعبية» كان في قمة التهذيب. جلسنا عنده بحدود الساعتين. وبعدها جاءت سيارة نقلتنا إلى منطقة في جبل عمّان إلى بيت أحد قيادات «الجبهة الشعبية»، لا أذكر اسمه. فقدم لنا ضيافة في منزله. واعتذر منا ثم طلب لنا مركبة توصلنا إلى بيتي في جبل التاج.

فدائيون فلسطينيون في محيط قلعة عجلون خلال المواجهات مع الجيش الأردني في ديسمبر 1970 (أ.ف.ب)

وصلت المنزل ووجدت أن جيراني الذين يسكنون بجانب بيتي المستأجر استقبلوا عائلتي وأقاموا عندهم. وذهبت عندهم وبقيت حتى صباح اليوم التالي.

في صباح ذلك اليوم جاءت مجموعة من منظمة «فتح» وطلبوا مني أن أرافقهم كما طلبوا من الجار الذي استقبلني وعائلتي أن يأتي معنا، وهو هاشم علي سالم، وقد كان يعمل في مجال «القاصات الحديدية».

وبعد أن وصلنا إلى مكان أو موقع مكتب منظمة «فتح»، جاء رجل منهم وقال: لا نريد شيئاً مع السلامة.

وتركونا نرحل سيراً على الأقدام دون أي إشارة إلى أسباب اعتقالنا أو خطفنا.

عُدتُ سيراً على الأقدام إلى البيت وبعدها بقليل جمعنا أغراضنا من المنزل أنا وعائلتي، وتم تأمين طريقة لإخراجنا من منطقة جبل التاج. وذلك من خلال اتصالات بين دائرة المخابرات والجيش والمقاومة، فجاءت سيارة وركبنا مع حرس من «الكفاح المسلح»، وتنقلت المركبة بين مناطق من عَمّان الشرقية، وقد واجهتنا نقاط تفتيش متعددة. لكن كنا نتجاوز تلك النقاط من خلال كلمة سر يقولها أحد حراس «الكفاح المسلح». وعندما وصلنا منطقة جبل الحسين ركبنا سيارة أخرى وأوصلونا إلى نقطة واعتذروا عن إكمالهم الطريق، وطلبوا منا المشي إلى أي مكان تريده بحكم أننا صرنا بأمان.

كنت أريد أن أصل إلى موقع دائرة المخابرات في موقعها القديم. لكن كان أمامنا منطقة تُشكل تقاطعاً حرجاً، وكان الجيش يطلق النار؛ حتى لا يتعدى أحد من الفدائين تلك النقطة العسكرية.

نزلنا من المركبة وكانت امرأتي حاملاً وقتها، ومعنا أولادنا، وبقينا نسير بحذر. وعندما اقتربت من موقع عملي في المخابرات طلبت من أسرتي البقاء حتى أذهب للدائرة وأعود لهم. جئت بمركبة من المخابرات وعدت لأسرتي ونقلتهم إلى بيت آخر استأجرته قريباً من مكان العمل وأنا عدت لعملي بعد تأمين عائلتي.



تتحدث اليوم بهدوء، لكن في تلك اللحظة وأنت بين «الجبهة الشعبية» و«فتح»، ما هي مشاعرك لحظتها؟

- الاستغراب سيطر عليّ تماماً.

هل هو شعور المستسلم، أم أنك فكرت بما يخبئ القدر؟

- تماماً الاستغراب يأخذك في أكثر من فكرة واتجاه.

إذن، لم يتم التحقيق معك خلال ساعات اختطافك؟

- نهائياً، ولا كلمة، شربنا شاياً فوق وشربنا شاياً تحت.

هل كان الغرض من العملية استفزازاً؟

- لا أعرف ما هو الغرضن أو ما هي الغاية من مثل تلك الاستفزازات، وماذا يريدون.

عندما رجعت إلى المخابرات ماذا فعلت، أو ما هي الاجراءات التي اتخذتها بعد الحادثة؟

- لا شيء؛ لأنه في تلك الأحداث كانت المخابرات مثلها مثل أي مؤسسة أمنية أو رسمية مهددة ومستهدفة.


مقالات ذات صلة

عبيدات لـ«الشرق الأوسط»: خرجت من لقاء صدام بانطباع أنه لا يدرك حجم الخطر

خاص كانت بين صدام حسين والملك حسين قنوات اتصال استثنائية (أ.ف.ب) p-circle 07:17

عبيدات لـ«الشرق الأوسط»: خرجت من لقاء صدام بانطباع أنه لا يدرك حجم الخطر

في الحلقة الأخيرة من شهادته لـ«الشرق الأوسط»، يروي رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات كواليس لقاءاته بصدام والأسد، ومحاولة شقيق الأخير اغتيال رئيس وزراء.

غسان شربل (عمّان)
خاص لقاء بين الملك حسين ومعمر القذافي على هامش قمة عربية في القاهرة عام 1970 (أ.ف.ب) p-circle 06:06

خاص عبيدات لـ«الشرق الأوسط»: القذافي حاول اغتيال الملك حسين بصاروخ سلمه لوديع حداد

في الحلقة الثانية من شهادته، روى رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات لـ«الشرق الأوسط» تفاصيل محاولة اغتيال للملك حسين بصاروخ «أرسله معمر القذافي».

غسان شربل (عمّان)
المشرق العربي الراحل أحمد عبيدات (وكالة الأنباء الأردنية - بترا)

رحيل أحمد عبيدات... سياسي أردني أغضب الملك حسين بمواقفه السياسية

توفي فجر الثلاثاء رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات الذي أثارت مواقفه السياسية غضب الراحل الملك الحسين في أكثر من مرحلة.

محمد خير الرواشدة (عمّان)

جرائم «الثأر» تهدد مسار الدمج والسلم الأهلي في شرق وشمال سوريا

انتشار أمني في عين عرب ليل الجمعة - السبت (سانا)
انتشار أمني في عين عرب ليل الجمعة - السبت (سانا)
TT

جرائم «الثأر» تهدد مسار الدمج والسلم الأهلي في شرق وشمال سوريا

انتشار أمني في عين عرب ليل الجمعة - السبت (سانا)
انتشار أمني في عين عرب ليل الجمعة - السبت (سانا)

توفي سبعة من نزلاء سجن عين العرب (كوباني) بريف حلب، ذات الغالبية الكردية، وأصيب عدد آخر بالاختناق، جراء ‏حريق اندلع داخل السجن السبت، «خلال حالة من الفوضى أثارها عدد من النزلاء، ‌‏على خلفية أعمال الشغب التي شهدتها المدينة الجمعة» وفق وكالة «سانا» الرسمية.‏

وحسب مصدر أمني، فإن السجن لا يزال يُدار من كوادره السابقة «الأسايش»، ولم تتسلمه قوى ‌‏الأمن الداخلي حتى الآن، فيما أشارت مصادر محلية إلى أن مسألة «الثأر» من «أخطر العقبات التي تواجه عملية الدمج الجارية شرق وشمال البلاد».

واندلع الحريق فجر السبت في السجن إثر ورود أنباء عن نقل سجناء إلى حلب. وقالت مصادر محلية إن السجناء أشعلوا النيران لرفضهم النقل إلا أن القائمين على السجن من «الأسايش» تأخروا في فتح الأبواب ما أدى إلى وقوع وفيات وإصابات، وذلك وسط اتهامات لتنظيم «الشبيبة الثورية» بافتعال الحريق وإثارة الفوضى.

ناحية عين العرب (كوباني) بريف حلب (سانا)

ورغم إعلان الحكومة السورية تسلم السجون من «قسد» في أبريل (نيسان) الماضي، فإن بعض السجون لم تسلم بسبب تأخر الإجراءات الميدانية للتسليم والتسلم، وما يرافقها من احتجاجات رافضة كما سبق أن حصل لدى تسليم «قصر العدل» في الحسكة والقامشلي.

ووصلت تعزيزات أمنية كبيرة ليل الجمعة ـ السبت إلى مدينة عين العرب لضبط الانفلات الأمني فيها، حسب بيان لمديرية الأمن الداخلي، أوضحت فيه أن دوريات قوى الأمن انتشرت ‏في المدينة لتأمين وقفة احتجاجية على خلفية مقتل الشاب سامي شيخموس حسو (قيادي سابق في «قسد»)، على أيدي متورطين تواصل قوى الأمن الداخلي ملاحقتهم.

وأضاف البيان أنه «وخلال الوقفة، أقدم عدد من المشاركين على رشق عناصر الأمن بالحجارة، بالتزامن مع إطلاق النار وإضرام النيران في عدد من المقرات الأمنية في المدينة، ما أدى إلى وقوع إصابات في صفوف قوى الأمن الداخلي، التي تدخلت بعد ذلك ‏لضبط الوضع وألقت القبض على عدد من المتورطين في الاعتداءات، فيما تتواصل عمليات البحث والملاحقة لضبط بقية المتورطين».

ودعت مديرية الأمن أهالي عين العرب «إلى التحلي بالهدوء وضبط النفس وعدم الانجرار وراء أي محاولات لزعزعة الاستقرار أو الإخلال بالسلم الأهلي».

انتشار أمني في عين عرب ليل الجمعة - السبت (متداول فيسبوك)

كما اندلعت احتجاجات في المناطق ذات الغالبية الكردية في محافظتي الحسكة وحلب، بعد حادثة قتل شيخموس حسو عقب اختطافه في العاشر من الشهر الحالي، في حادثة تعد الثالثة من نوعها.

وأصدر محتجون في القامشلي بياناً أشاروا فيه إلى وجود «قوى تسعى لإفشال عملية الاندماج والحيلولة دون حصول الشعب الكردي على حقوقه ومكانته القانونية ضمن الدولة السورية، بالوقوف وراء هذه الحوادث والتخطيط لها وتنفيذها».

وطالب البيان الحكومة السورية «بتوضيح ملابسات الجريمة، وفتح تحقيق شفاف ومحاسبة مرتكبيها ومعاقبتهم وفق القانون»، داعياً الأهالي إلى «اليقظة والتكاتف والحفاظ على وحدتهم وعدم السماح لأي جهة باستغلالهم لخدمة أجنداتها السياسية».

مهمة شاقة

ووصفت مصادر محلية متقاطعة الحادثة بأنها جريمة «ثأر». وأكدت أن الفريق الرئاسي يبذل جهوداً «شاقة» لإزالة العقبات التي تعترض مسار الدمج، «إلا أن مسألة الثأر لا يمكن الحد منها ما لم تجرِ محاسبة مرتكبي الجرائم والانتهاكات من العناصر التي كانت تتبع لقوات (قسد) خلال السنوات الماضية، أو على الأقل عزلهم عن مسار الدمج، وفتح الباب لمحاسبتهم أمام القضاء».

وكان «مركز إعلام الحسكة» قد أعلن، في وقت سابق الجمعة، أن مقتل شيخموس حسو «كان بدافع الثأر، لشخصين شقيقين من أبناء المنطقة قتلا قبل نحو عامين عند أحد الحواجز في محافظة الحسكة».

ونقل المركز عن مصادر محلية إفادتها بإقامة عدد من عناصر قوات «قسد» المنحلة حواجز طيارة عند المدخل الجنوبي لمدينة القامشلي، وتوقيف المارة وتفتيشهم. وذلك في ظل توتر متصاعد تشهده المحافظة.

نائب محافظ الحسكة يترأس اجتماعاً في المحافظة لتهدئة الأوضاع (مركز إعلام الحسكة)

وسعياً لاحتواء التوتر، ترأس نائب محافظ الحسكة أحمد الهلالي اجتماعاً السبت مع وجهاء وشخصيات عشائرية في مبنى المحافظة، لمناقشة التطورات الأخيرة. وأفادت «مديرية إعلام الحسكة» بأن الاجتماع تناول أهمية «تعزيز التواصل والتنسيق بين الفعاليات الاجتماعية والعشائرية، ودورها في دعم الاستقرار والسلم الأهلي وترسيخ التماسك المجتمعي» إلى جانب توحيد الجهود وتعزيز التعاون بين مختلف الفعاليات بما يخدم أمن واستقرار المحافظة.

وتسلمت الحكومة السورية إدارة مدينة عين العرب (كوباني) في مايو (أيار) 2026 من قوات «قسد» التي سيطرت عليها منذ عام 2019، تنفيذاً لاتفاق 29 يناير (كانون الثاني) مع الحكومة السورية.

وتتركز غالبية كردية في مدينة عين العرب (كوباني) فيما يتركز أبناء العشائر العربية في ريف المنطقة بالإضافة إلى أقليات من الأرمن والتركمان والسريان.

وأعلن قائد «قسد» مظلوم عبدي من دمشق رسمياً حل قوات «قسد» في 25 أغسطس (آب) 2026. ليتسلّم بعدها مهامه مستشاراً في القصر الرئاسي.


العراق يضبط مسيرات وصواريخ في الصحراء الغربية

ضباط من الشرطة في الأنبار العراقية يعاينون مقذوفات ومسيرات تم ضبطها في المحافظة (إعلام أمني)
ضباط من الشرطة في الأنبار العراقية يعاينون مقذوفات ومسيرات تم ضبطها في المحافظة (إعلام أمني)
TT

العراق يضبط مسيرات وصواريخ في الصحراء الغربية

ضباط من الشرطة في الأنبار العراقية يعاينون مقذوفات ومسيرات تم ضبطها في المحافظة (إعلام أمني)
ضباط من الشرطة في الأنبار العراقية يعاينون مقذوفات ومسيرات تم ضبطها في المحافظة (إعلام أمني)

أعلنت وزارة الداخلية العراقية، السبت، عن ضبط 47 طائرة مسيّرة و46 مقذوفاً في موقع مهجور غرب المحافظة، يرجح أنه تابع لأحد الفصائل المسلحة التي تتمتع بنفوذ عسكري واسع في تلك المناطق.

ويتزامن التطور الأمني في الأنبار مع هجمات نفذتها فصائل مسلحة ضد المملكة العربية السعودية، الأمر الذي يراه مراقبون، بقدر من التفاؤل الحذر، أن السلطات جدية في وضع حد لتلك الهجمات.

وقالت وزارة الداخلية، في بيان، إنه «بناءً على معلومات استخبارية دقيقة، تمكنت مفارز قيادة شرطة محافظة الأنبار من ضبط موقع مهجور في منطقة الـ35، كان يُستخدم سابقاً محلاً لتصليح إطارات العجلات، وعثرت بداخله على كميات من الطائرات المسيّرة والمقذوفات والمعدات المرتبطة بتشغيلها».

وأضافت الوزارة أن «عملية التفتيش أسفرت عن ضبط 47 طائرة مسيّرة (درون) و46 مقذوفاً معداً للربط والاستخدام مع هذه الطائرات، فضلاً عن أجهزة تحكم وبطاريات ومعدات ومواد أخرى ذات صلة في منطقة الـ35 في الأنبار».

وجرى تأمين الموقع والتحفظ على جميع المضبوطات، فيما باشرت الجهات المختصة إجراءاتها التحقيقية والفنية لمعرفة مصدر هذه المواد والجهات المرتبطة بها، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة وفق الأصول والضوابط، وفق البيان.

وترجح مصادر أمنية في المحافظة عائدية الطائرات والمواد المضبوطة إلى أحد الفصائل المسلحة الموالية لإيران والتي تعمل تحت مظلة «الحشد الشعبي».

وتؤكد المصادر أن «القيادات الأمنية تسعى لمنع تحول محافظة الأنبار إلى منصة لإطلاق الصواريخ على دول الجوار».

وترتبط محافظة الأنبار بمساحتها الشاسعة وحدوها بثلاث دول عربية، هي الأردن وسوريا والمملكة العربية السعودية. نتيجة لذلك، تؤكد المصادر أنها «تمثل أولوية استراتيجية بالنسبة للفصائل المسلحة وإيران، حيث كانت الممر الرئيس لنقل الأسلحة إلى نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد ولـ(حزب الله) اللبناني».

وطبقاً لمعلومات أمنية، فإن جهات عديدة تعمل داخل المحافظة، إلى جانب قوات الجيش والشرطة الرسمية، توجد قوات من جماعات وعشائر محلية، بعضها تحت مظلة «الحشد الشعبي»، كما تعمل فصائل معروفة بارتباطاتها مع إيران، مثل «كتائب حزب الله»، ولها ثلاثة ألوية في «الحشد الشعبي»، وتعد الأكثر نفوذاً في غرب الأنبار.

كما تنشط حركة «النجباء»، وكذلك «كتائب سيد الشهداء»، في الأنبار، وتشير المصادر إلى أنهما يوجدان في المناطق القريبة من الحدود العراقية - السورية بالتنسيق مع التشكيلات الأمنية الأخرى. وهناك وجود لمقاتلين تابعين لـ«عصائب أهل الحق» ومنظمة «بدر» في مناطق مختلفة في المحافظة، لكنها بعيدة نسبياً عن الشريط الحدودي مع سوريا، بحسب المصادر

الداخلية العراقية قالت إنها ضبطت عشرات المسيرات في منطقة الـ35 في الأنبار (إعلام أمني)

وتوفر الطبيعة الجغرافية للمحافظة، المتمثلة بالصحاري الممتدة، والوديان الوعرة، والمواقع العسكرية المهجورة، بيئة مثالية للفصائل لإنشاء مستودعات أسلحة، وقواعد لإطلاق وتخزين الطائرات المسيّرة والمقذوفات الصاروخية، بعيداً عن الرقابة المباشرة لمركز الدولة.

وخلال الحرب الإيرانية - الأميركية في مارس (آذار) الماضي، قالت تقارير محلية إن قوات تابعة لـ«الحشد الشعبي» والفصائل غادرت مواقعها، وأعادت انتشارها بعيداً عن المناطق الحدودية.

وفي 31 أغسطس (آب) الماضي، نفى قائد عمليات قاطع الأنبار لـ«الحشد الشعبي»، قاسم مصلح، إخلاء مقرات «الحشد» في الأنبار، مؤكداً استمرار القطعات في أداء مهامها الأمنية بصورة طبيعية.

وقال مصلح، في بيان، إن قطعات قيادة عمليات قاطع الأنبار تواصل تنفيذ واجباتها ضمن مناطق المسؤولية، وبمستويات عالية من الجاهزية والاستعداد، مشيراً إلى أن جميع المقرات والقطعات تعمل وفق الخطط الأمنية المعتمدة.


قراءة فرنسية في اجتماع باريس... واستعداد أوروبي واضح لمساعدة لبنان

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يستقبل الرئيس اللبناني جوزيف عون على مدخل «الإليزيه» خلال زيارة سابقة (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يستقبل الرئيس اللبناني جوزيف عون على مدخل «الإليزيه» خلال زيارة سابقة (أرشيفية - رويترز)
TT

قراءة فرنسية في اجتماع باريس... واستعداد أوروبي واضح لمساعدة لبنان

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يستقبل الرئيس اللبناني جوزيف عون على مدخل «الإليزيه» خلال زيارة سابقة (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يستقبل الرئيس اللبناني جوزيف عون على مدخل «الإليزيه» خلال زيارة سابقة (أرشيفية - رويترز)

برئاسة ثلاثية فرنسية - لبنانية - أردنية يلتئم في باريس يوم الخميس المقبل اجتماع دولي غرضه التمهيد للمؤتمر المؤجل لدعم الجيش اللبناني والقوى الأمنية. وتفيد مصادر على صلة بالملف بأن المرتقب مشاركة 17 بعثة عسكرية على مستوى رؤساء الأركان ومجموعة من الخبراء. بيد أن فرنسا، الجهة الداعية، لم تعلن، حتى اليوم، رسمياً، عن الأطراف المشاركة. وتفيد المعلومات المتوافرة بأن اجتماع باريس سيضم، إلى جانب فرنسا ولبنان والأردن، بعثات أوروبية (ألمانية، وإيطالية، وبريطانية، وآيرلندية، وبعثة تمثل الاتحاد الأوروبي)، وبعثات عربية (السعودية، ومصر، والكويت، والإمارات، وقطر)، وأخرى دولية على رأسها الولايات المتحدة، وتشمل كندا وتركيا وباكستان. وستحضر بعثة تمثل الأمم المتحدة؛ نظراً للملف الرئيسي المعنية به، وعنوانه انتهاء مهمة «اليونيفيل» الحالية نهاية العام الحالي في جنوب لبنان، والبحث عن بديل عنها حتى لا تُترك المنطقة خالية من أي حضور دولي.

ثلاثة محاور لاجتماع باريس

رغم الطابع «التقني - التمهيدي» للاجتماع الذي حرصت باريس عليه لإبقاء سقف التوقعات منخفضاً بانتظار انعقاد المؤتمر «الرسمي» الذي تأجل بداية شهر مارس (آذار) الماضي بسبب اشتعال الجبهة اللبنانية - الإسرائيلية، فإن مشاركة الرئيسين الفرنسي إيمانويل ماكرون، واللبناني جوزيف عون، والعاهل الأردني عبد الله الثاني، توفر له قوة دفع إضافية بحيث لن يكون اجتماعاً عابراً.

ووضعت فرنسا، رسمياً، ثلاثة محاور متصلة له: الأول، يتناول تقييم الوضع الأمني العام في لبنان. والمحور الثاني يقوم على توفير الفرصة للجانب اللبناني لكي يعرض بالتفصيل احتياجات قواته الأمنية المختلفة، سواء بالنسبة للجيش أو بالنسبة لقوى الأمن الداخلي. أما المحور الثالث، وهو الأهم، فيتناول النظر في كيفية الاستجابة بالشكل الأفضل للاحتياجات العسكرية اللبنانية، والتعرف على ما تستطيع كل بعثة تقديمه، والتنسيق في ما بينها لجهة تعزيز قدرات القوات المسلحة اللبنانية. وفي هذا الخصوص، أفاد مصدر متابع للاتصالات التي سبقت موعد الاجتماع بأن المطلوب تحديداً هو «الانتقال من الوعود إلى الالتزامات الجدية والدقيقة» التي بمقدور كل طرف مشارك تقديمها لمساعدة الدولة اللبنانية على الوفاء بالتزاماتها، وفرض سلطتها على كافة الأراضي اللبنانية.

ترى باريس أن الغرض النهائي للاجتماع يتمثل، من جهة، في تمكين الجيش اللبناني من امتلاك القدرات والموارد اللازمة ليضطلع بمسؤولياته بفاعلية. وثمة قناعة نهائية مفادها أن أمراً كهذا لن يتحقق من غير توافر الدعم الدولي، وجهد جماعي لتلبية حاجاته العملية، وتزويده بالمعدات اللوجستية، والتدريب وبناء القدرات، وفقاً للأولويات وخطة العمل والحاجات التي حددها الجيش اللبناني. ومن جانب آخر، ترى باريس أن تعزيز القوى الأمنية اللبنانية من شأنه تمكين الجيش من التفرغ لمهامه الأساسية ذات الأولوية بدل توجيه جزء مهم من قواه للمحافظة على الأمن الداخلي.

الرئيس اللبناني جوزيف عون خلال زيارته التفقدية لمدينة النبطية السبت (الرئاسة اللبنانية)

قوة دفع إضافية

بانتظار أن تكشف المصادر الرئاسية عن مجريات وتفاصيل الاجتماع، وقبله عن المحادثات التي ستُجرى في قصر «الإليزيه» بين القادة الثلاثة، فمن المؤكد أن حضورهم يوفر عنصر دفع لاجتماع قادة أركان الجدول والمؤسسات المشاركة. وأفادت مصادر دبلوماسية متابعة بأن ملف «اليونيفيل» سيكون حاضراً على طاولة المحادثات، وأن باريس التي لعبت على الدوام دوراً رائداً في مجلس الأمن منذ سبعينيات القرن الماضي بالنسبة للقوة الدولية، وقد «حملت القلم» الذي دوّن القرارات الدولية، ومنها الخاصة بـ«اليونيفيل»، هناك تشديد على ضرورة مواصلة مهامها في جنوب لبنان رغم الانتقادات العديدة التي تعرضت لها، وستواصل القيام بهذا الدور، خصوصاً أنها ترأس في شهر سبتمبر (أيلول) الحالي مجلس الأمن الدولي. وتوفر لها هذه الرئاسة موقعاً إضافياً لمساعدة لبنان الذي سيكون حاضراً بقوة خلال ما يسمى «أسبوع القادة» التقليدي في الأمم المتحدة.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين يتصافحان خلال قمة الفضاء الدولية التي استضافتها باريس يومَي 8 و9 سبتمبر في «القصر الكبير» (رويترز)

آليتا الدعم الأوروبي

لكن المشاورات التي حصلت مؤخراً في مجلس الأمن أبقت الوضع ضبابياً، وفاقمت المخاوف من حدوث فراغ أمني تترتب عليه تبعات سلبية. بالتوازي، فإن وجود بعثة تمثل الاتحاد الأوروبي مهم من جانبين: الأول، أن بروكسل عازمة على تفعيل آليتين لدعم قدرات الجيش اللبناني: الأولى تندرج في إطار ما يسمى «سياسة الأمن والدفاع المشتركة» التي تتيح للاتحاد الأوروبي إرسال بعثات عسكرية أو مدنية خارج حدوده تعمل على تأهيل القوات المسلحة، وتوفير المشورة وإصلاح القطاع الأمني وتعزيز الاستقرار، وتُتخذ قرارات إرسالها بإجماع مجلس الاتحاد. أما الآلية الثانية فتُسمى «المرفق الأوروبي من أجل السلام»، وهو آلية مالية يمكن أن تستخدم لدعم الجيش اللبناني والقوى الأمنية مالياً بالتوازي مع المهمة الأولى. وقالت باريس إنها «تدفع في الاتجاهين» لمساعدة لبنان.

«العتب» الفرنسي

تبقى في الأجواء أربع ملاحظات، ومفاد الأولى أن مجيء الرئيس عون إلى فرنسا والتئام الاجتماع من شأنهما إعادة الحرارة إلى العلاقات اللبنانية - الفرنسية بعد ما شاع عن «عتب» باريس على لبنان؛ لأنه «لم يتمسك» بحضور فرنسي في المفاوضات التي أفضت إلى اتفاق يونيو (حزيران) الماضي مع إسرائيل برعاية أميركية خالصة. والثانية، معرفة ما إذا كانت المساعدات المرتقبة من الاجتماع ستكون مربوطة بـ«إنجازات» لبنانية على صعيد حصرية السلاح، أم أنها ستوضع في خانة مساعدة الدولة لإنجاز حصرية السلاح. والثالثة، معرفة ما إذا كانت فرنسا ستعلن موعداً جديداً لانعقاد المؤتمر الدولي المؤجل، أم أن الوضع المضطرب في المنطقة والحرب المتواصلة بين الولايات المتحدة وإيران سيبقيان الانتباه مشدوداً إلى ما يجري في الخليج ومضيق هرمز وباب المندب. ورابعاً، فإن المستجد انضمام الأردن إلى رعاية الاجتماع، والأرجح لاحقاً المؤتمر، علماً بأن عُمان لم تكن من ضمن المجموعة الخماسية التي كانت تتابع الوضع اللبناني، ويبدو أن باريس أرادت شريكاً عربياً في رعايته.

وأخيراً، ليس معلوماً اليوم ما سيكون عليه مضمون وشكل مخرجات الاجتماع، وهل ستكون هناك إشارات لدعم مالي أو سيبقى الاجتماع في إطار توفير الوسائل والقدرات للجيش اللبناني والقوى الأمنية. والشيء الثابت اليوم أن الجيش اللبناني سيستفيد من غالبية أسلحة ومعدات ووسائل النقل التي تستخدمها «اليونيفيل» التي ستتركها للبنان عند رحيلها باعتبار أن تكلفة نقلها ستكون مرتفعة.