«ميثاق النساء» ورواية الأقليات

أكبر الشرور اجتماعياً الرغبة في احتواء الآخر داخل الذات

«ميثاق النساء» ورواية الأقليات
TT

«ميثاق النساء» ورواية الأقليات

«ميثاق النساء» ورواية الأقليات

من دواعي السرور عندي أن أقرأ رواية صادرة عن قلم ينتمي لإحدى الأقليات الكثيرة التي يحفل بها العالم العربي، ولكنها في أغلب الأحيان تغيب عن التمثيل السياسي والثقافي وعن الوعي العام للأغلبية الدينية أو العرقية أو اللونية المحيطة بها. لذلك أبتهج حين يبرز كاتب أو كاتبة من داخل إحدى الأقليات فيثري الوجدان العام بمقاربة الوضع الإنساني من داخل النسيج الحياتي اليومي لتلك الأقلية المغيّبة عادة من الشأن العام. هناك كتّاب من الأقليات ينضوون اختياراً في الثقافة الحياتية للأغلبية المجتمعية حين يجلسون للكتابة، فلا ترى فيما يكتبون انعكاساً للنسيج اليومي لحياتهم في اختلافه عن النسيج العام. أذكر أني مرة سألت الكاتب المسرحي الألمع الفريد فرج: لماذا لا نجد في مسرحه شخصيات قبطية أو انعكاساً من أي لون لكونه مصرياً مسيحياً؟ فلم يحر جواباً فيما عدا أنه قال إنه ثقافياً ينتمي إلى الحضارة العربية الإسلامية.

لا غبار على هذا عندي؛ فالحضارة العربية الإسلامية شيء أوسع من الدين الإسلامي ومن الممكن الانتماء إليها من دون أن يكون المرء مسلماً، إلا أن هذا لا يمنع من الخصوصية المسيحية داخل الانتماء الحضاري الأوسع. إلا أني أعتقد أن الثقافات المهيمنة، دينية كانت أو عرقية، في بلادنا العربية لا تفسح المجال التعبيري أمام الثقافات الأخرى، تماماً كما أنها لا تفسح المجال أمامها سياسياً. هناك دائماً رفض سافر أو مُقنَّع للاختلاف. هناك رغبة لم أفهمها أبداً في احتواء الآخر. هناك عجز عن إدراك أن الاختلاف ثروة وأن التماثل والتشابه والاصطفاف هو أجدر بالآلات والروبوتات، لا بالوجود البشري الخلّاق، المتغير، المولِّد للأفكار على مدى تاريخه من آلاف السنين. لذلك أفرح بالروايات التي تؤكد في نسيجها خصوصيةً ما، عرقية أو دينية أو لغوية أو غيره، في الوقت ذاته الذي تؤكد التماثل الأكبر: التماثل البشري العابر للخصوصيات المتمايزة. هذه هي الأخلاقية الكبرى في الفن والأدب: التأكيد على التماثل رغم الاختلاف. أما أكبر الشرور اجتماعياً فهو الرغبة في احتواء الآخر في الذات وقصره على التماثل معها، ومحو خصوصيته ليتطابق مع ذات الغالبية. لذلك أفرح إذا ما قرأت رواية تكشف لي عن الخصوصية الكردية أو الخصوصية الطوارقية أو اليزيدية أو الشيعية أو المسيحية أو البهائية أو النوبية. أو كما في رواية حنين الصايغ «ميثاق النساء» (دار الآداب، 2023)، الخصوصية الدرزية.

من يريد أن يعرف شيئاً عن تاريخ الدروز ومذهبهم العقيدي منذ نشأته في القرن الحادي عشر حتى اليوم فلن تنقصه المصادر والمراجع. لكن الدروز ليسوا مادة تاريخية وإنما هم أفراد وأسر وجماعات لا يزيد عددهم حول العالم على المليون إلا بقليل ويعيش أغلبهم في سوريا ولبنان. تصف الموسوعات الدروز بأنهم جماعة مغلقة، باطنية، سرية، إلخ. فمن كان لا يكفيه ما يُستقى من كتب التاريخ والمذاهب، من كان يريد أن يتعرف على إنسانية الدروز كبشر يعيشون في الشارع المجاور أو في القرية المجاورة في الوطن نفسه يتكلمون اللغة نفسها ولكن لهم معتقدات مخالفة للشائع الغالب وفي نسيج حياتهم اليومية وعاداتهم خيوط من لون مختلف وإن كانوا فيما عدا ذلك يشبهوننا في كل شيء – من كان يريد ذلك فليس عليه إلا أن يقرأ رواية مثل «ميثاق النساء» لحنين الصايغ؛ فهي حقيقةٌ أن تكون خير دليل لنا في رحلة الاختلاف المفضي إلى التماثل تلك، فهي درزية، تعرف تلك الحياة «السرية» معرفة المعايشة اللصيقة من لحظة الميلاد. وهي كفيلة بفتح المغلق وكشف السري لنكتشف أن لا سرية هناك وإنما بشر عاديون مثلنا تماماً. هذا الاكتشاف لن تتيحه لك كتب التاريخ والعقائد، وإنما المُؤهَّل لكشفه لنا هو فن الرواية، ذلك الفن المنسوج من تفاصيل الحياة اليومية بعاداتها وطقوسها، بأكلها وشربها، بعلاقاتها الأسرية، وبمعتقداتها الدينية وكيف تؤثر تلك في حيوات أفرادها ومصائرهم.

هل تصدَّت حنين الصايغ إذن لكتابة رواية تصور لنا حياة الدروز وعقائدهم الإيمانية في «ميثاق النساء»؟ كلا بالتأكيد. إنما كانت الكاتبة، مثلها مثل أي روائي من أي مذهب أو خلفية، مشغولةً بقضايا وأفكار عن الفرد والمجتمع والحياة والموت وما بعد الموت إلى آخر ما يشغلنا نحن البشر ونحن الكتّاب الذين نضطلع بالتعبير عما يؤرق البشر من أفكار وأوضاع. كانت مشغولة بهذا كله واختارت أن تعبر عنه من داخل السياق الاجتماعي الذي تعرفه خير معرفة وهو سياق حياة الدروز في المجتمع اللبناني. ولعلي كنتُ غير دقيق حين كتبتُ «اختارت» فلا خيار عند الكاتب إلا يكتب لنا من داخل السياق الذي يعرفه معرفة حميمية، وإلا جاءت كتابته مصطنعة، خالية من نبض الحياة.

أما الهاجس الرئيسي لدى الكاتبة، فيوحي به على الفور عنوان الرواية، «ميثاق النساء».

يمكن أن نحزر من قبل القراءة أننا أمام رواية عن قضية المرأة في مجتمع عربي تقليدي، حريتها، علاقتها بالرجل في مجتمع ذكوري، علاقتها بالأب في مجتمع بطركي، ثقل التقاليد، العوائق أمام حرية الدراسة والعمل والكسب والاستقلال الاقتصادي، بل وإن شئنا أيضاً موقف قسم من رجال الدين منها والفهم المجتمعي له، وكيف أنهم يستخدمون الدين من حرية المرأة وتكريس السيطرة الذكورية عليها. كل هذا يمكن أن نتوقعه مع فرصة غير ضئيلة أن يصدق توقعنا من رواية بهذا العنوان، وخاصة أن كاتبتها امرأة. لكن من لم يكن درزياً أو غير مطلع على خصائص العقيدة الدرزية، فلن يدرك المغزى الكامل لكلمة «ميثاق» في العنوان إلا بعد أن يقطع شوطاً في القراءة. فميثاق النساء الذي يمكن أن نفهمه فهماً عاماً باعتباره ميثاق السلوكيات الذي يفرضه مجتمع بطركي على المرأة هو في الواقع أشد من ذلك؛ لأنه في الحقيقة نص عقيدي يحدد ضمن النصوص العقيدية للديانة الدرزية وضعية المرأة في المجتمع الدرزي.

نص كتبه رجل بطبيعة الحال وقام على تكريسه أجيال من الذكور ومن النساء اللاتي تشربن بالقيم الذكورية المفروضة عليهن عبر القرون. والمجتمع الدرزي كما نعرف من الرواية ومن خارج الرواية هو مجتمع «مغلق»؛ لأنه يحرّم على الدروز الزواج من غير الدروز كما أن الدعوة الدرزية انغلقت على نفسها وكفّت عن التبشير في خلال فترة لا تتجاوز العقود الثلاثة من نشأتها في القرن الحادي عشر. كل هذا ساعد على تماسك المجتمع وتقارب أفراده القليلين نسبياً وزاد في حرصهم على عاداتهم وتقاليدهم. بل يزيد من هذا كله أن الدروز يؤمنون بتناسخ الأرواح وأن الروح الدرزية لا تعود إلا في جسد وليد درزي، وكأن المجتمع يعيد تدوير ذاته لا يتجدد فيه شيء إلى الأبد.

هذه هي الخلفية التاريخية والعقيدية والمجتمعية لحياة بطلة روايتنا، أمل بونمر التي نعاصرها على امتداد ما يقرب من أربعمائة صفحة من الطفولة إلى المراهقة والزواج المبكر والجسد المنتهك والأمومة المتعثرة والطموح المكبوت للمعرفة والدراسة. هي تواجه قدراً مرسوماً لها من المهد إلى اللحد وما وراء اللحد ثم العودة من جديد. لكنه قدر لا تستسلم له، بل تصارعه هي الضعيفة المقهورة المعتمدة اقتصادياً المُراقَبة أسرياً واجتماعياً. قدر يكاد أن يقهرها، لكنها تفلت منه بعد نضال مرير وخسائر وتضحيات ليس هنا مجال بسطها.

هذه رواية نسوية إذن، بمعنى أنها قصة تحرر امرأة، ولأنها تتعامل مع المعطيات الحتمية التي نجدها في مثل هذه الروايات لأنها موجودة في المجتمعات القائمة وراءها.

ولكنها فيما عدا ذلك قصة تحرر وحسب. قصة تحرر إنساني. قصة مساءلة للمعتقدات والمقدسات والتقاليد الموروثة. قصة صراع الفرد للنهوض من تحت الثقل الباهظ للتاريخ والغيب والجماعة والأسرة، ذلك الثقل الذي ينسحق تحته الأغلبية في انصياع غير مُدرِك. وفوق كل هذا فالرواية بسياقها الدرزي غير المألوف لغير الدروز تمنحنا هبة أخرى ضمن توسيع مداركنا الإنسانية الذي نتوقعه من كل عمل أدبي يستحق الاسم. هي تعلمنا التماثل البشري الجوهري وراء كل اختلاف عرضي. فقصة أمل بونمر هي قصة الغالبية العظمى من النساء العربيات على اختلاف أديانهن وأوطانهن في الرقعة العريضة للعالم العربي. ليس هذا فقط وإنما واقع الأمر أن المجتمع الدرزي الصغير المتشبث بموروثاته بأي ثمن، والذي نتعرف عليه عن قرب في هذا الحكي الشائق ليس إلا نموذجاً مصغراً مع اختلاف التفاصيل لحال المجتمعات العربية التي ما زالت من الخليج إلى المحيط تعاني فصام الدين والعقل، والموروث والمستحدث على كل صعيد معاشي.


مقالات ذات صلة

نجيب محفوظ صاحب العمود الأسبوعي

ثقافة وفنون قراءة حصاد عدة سنوات من المقالات يسهِّل رصد الفرق بين محفوظ الروائي المبدع ومحفوظ كاتب العمود الصحافي

نجيب محفوظ صاحب العمود الأسبوعي

يصادف اليوم مرور عشرين سنة على رحيل نجيب محفوظ في الثلاثين من أغسطس (آب) 2006، ومع ذلك، ما زال تأثيره طاغياً في المشهد الروائي المصري والعربي.

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون محمد بدوي يعيد «أولاد حارتنا» إلى أرض النقد الأدبي

محمد بدوي يعيد «أولاد حارتنا» إلى أرض النقد الأدبي

بعد عشرين عاماً على رحيل نجيب محفوظ، الذي غادر عالمنا في الثلاثين من أغسطس عام 2006، يمعن الناقد المصري الدكتور محمد بدوي النظر والتأمل في عالم أديب نوبل

عمر شهريار
كتب التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

صدر حديثاً، عن بيت الحكمة للثقافة في القاهرة، كتاب «صنع الله إبراهيم: سردية التحوُّلات الاجتماعية في مصر» للناقد المصري الدكتور محمد ماهر بسيوني

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب «الشارقة الثقافية»: الأدب العربي وتشكيل الوعي الجمالي

«الشارقة الثقافية»: الأدب العربي وتشكيل الوعي الجمالي

صدر حديثاً العدد 118 (أغسطس/ آب 2026) من مجلة «الشارقة الثقافية»، وقد تضمَّن مجموعة من الموضوعات والمقالات والحوارات، في الأدب والفن والفكر والسينما والتشكيل

«الشرق الأوسط» (الشارقة)
ثقافة وفنون جبران خليل جبران

هل كان جبران يعاني من عقدة «الأنوثة»؟

لعل أحداً من الذين أطلقت عليهم تسمية «أدباء المهجر»، لم يكن موضع سجال دائم بين النقاد، منذ رحيله قبل نيف وتسعين عاماً حتى يومنا هذا، كما كان جبران خليل جبران.

شوقي بزيع

نجيب محفوظ صاحب العمود الأسبوعي

قراءة حصاد عدة سنوات من المقالات يسهِّل رصد الفرق بين محفوظ الروائي المبدع ومحفوظ كاتب العمود الصحافي
قراءة حصاد عدة سنوات من المقالات يسهِّل رصد الفرق بين محفوظ الروائي المبدع ومحفوظ كاتب العمود الصحافي
TT

نجيب محفوظ صاحب العمود الأسبوعي

قراءة حصاد عدة سنوات من المقالات يسهِّل رصد الفرق بين محفوظ الروائي المبدع ومحفوظ كاتب العمود الصحافي
قراءة حصاد عدة سنوات من المقالات يسهِّل رصد الفرق بين محفوظ الروائي المبدع ومحفوظ كاتب العمود الصحافي

يصادف اليوم مرور عشرين سنة على رحيل نجيب محفوظ في الثلاثين من أغسطس (آب) 2006، ومع ذلك، ما زال تأثيره طاغياً في المشهد الروائي المصري والعربي، ولا تكاد تمر سنة من دون أن يصدر كتاب يتناول تجربته الروائية وأعماله وحياته، بالإضافة إلى عشرات المقالات النقدية.

وبهذه المناسبة، ننشر هنا مقالين. الأول، هو قراءة في الأعمدة الأسبوعية التي كان ينشرها محفوظ في جريدة «الأهرام» المصرية، واستمرت عشرين سنة، من 1974 إلى 1994، وتوقفت بعد محاولة اغتياله. وفي المقال الثاني، عرضٌ لكتاب مكرَّس لرواية محفوظ الجدلية «أولاد حارتنا». والكتاب، وهو جزء من مشروع نقدي ستصدر أجزاؤه الأخرى قريباً، هو بمنزلة إعادة قراءة تقارب هذه الرواية مقاربةً نقدية أدبية بحتة، بعيداً عن التأويلات التي أُسقطت على هذا العمل الكبير من خارجه.

من جوانب نجيب محفوظ التي يقل الالتفات إليها جانب الكاتب صاحب العمود الأسبوعي في صحيفة يومية. الكاتب المنشغل بالأحداث الجارية، والوقائع اليومية -في السياسة، والاجتماع، والاقتصاد- التي تشغل الناس، والحكومات، وتصنع العناوين الرئيسة في الصحافة، وسائر وسائل الإعلام. هذا ما كان يشغل محفوظ في عموده الأسبوعي في جريدة «الأهرام» المسمّى «بوجهة نظر»، والذي كان عادة في حدود 300 كلمة تتناول الأحداث الجارية وقتها، والذي بدأه في 1974، واستمر يكتبه أسبوعياً حتى حادث الاعتداء على حياته في 14 أكتوبر (تشرين الأول) 1994، فانقطع لفترة، ثم لم يلبث أن عاد لمواصلة العمود عن طريق حوار يجريه معه أسبوعياً الكاتب محمد سلماوي. المقالات جمعها فتحي العشري في عدة كتب، إلا أنه اختار أن يبوب المقالات حسب موضوعاتها (حول الدين، الديمقراطية، التعليم... إلخ)، ضارباً عرض الحائط بالتسلسل الزمني للمقالات حسب تاريخ نشرها. لكن من حسن الحظ أنه عندما تُرجمت المقالات إلى الإنجليزية، ونُشرت في أربعة مجلدات عن دار «جنكو» البريطانية بعنوان: «كتابات نجيب محفوظ غير القصصية»، فإن الناشر والمترجمين اعتمدوا المنهج الزمني، فأعادوا للمقالات تسلسلها حسب تاريخ النشر، ما يتيح للدارس رصد الفكر المحفوظي، رصداً يتتبع تجاوبه مع أحداث الساعة كما وقعت حين كتابة المقالات، وهو ما لمسته حين كتبت بتكليف من الناشر المقدمات للأجزاء الأربعة.

ترى ما الذي يميز تلك المقالات الأسبوعية القصيرة التي كتب محفوظ منها ما لا يقل عن 1500 مقالة عبر ثلاثة عقود ونيف؟ قراءة حصاد عدة سنوات من المقالات مجتمعة اليوم يسهِّل رصد الفرق بين محفوظ الروائي المبدع ومحفوظ كاتب العمود الصحافي، والمعلق على الأحداث العامة، والمحلل السياسي الهاوي. أعدت على سبيل المثال قراءة المقالات التي كتبها في الفترة ما بين 1982 و1988، والتي تمثل الجزء الثالث من السلسلة، والمُعَنوَن: «سنوات مبارك المبكرة: 1982-1988» (صدرت الطبعة الورقية منه هذا العام). نُشرت المقالات أسبوعياً على مدى ست سنوات في الفترة الحرجة من تاريخ مصر المعاصر التي أعقبت اغتيال السادات، وتصاعد فيها الإرهاب، واشتدت الأزمة الاقتصادية في أعقاب سياسة الانفتاح الاستهلاكي التي ميزت عصر السادات... إلخ. كانت الصورة قاتمة تماماً، إلا أن ما لفتني في المقالات أنك تجد التفاؤل يقطر من مقالات محفوظ، والروح الإيجابية تنبض بها كلماته أسبوعاً بعد أسبوع. كانت مقالاته على وعي تام بالعيوب، والسلبيات، وإرث الديكتاتورية، والهزائم، والديون، والفقر، وأزمات الحياة اليومية، وضياع الشباب، وتفتت الوحدة الوطنية، وانتشار التعصب، والتفرق العربي، وحروب المنطقة، وتعثر التحول الديمقراطي... إلى آخر القائمة الطويلة، إلا أن روح القنوط لم تتسلل أبداً إلى مقالاته. كان يتجاوز هذا كله مقترحاً الحلول، وطالباً العبرة من الماضي، ومتطلعاً إلى مستقبل أفضل، وباثّاً العزيمة والأمل دائماً في مَن يقرأه. أدهشتني هذه الروح الشابة المتفائلة في غير هوادة في كاتب شيخ عاصر تراجع النهضة المصرية من أوائل القرن إلى أواخره. ازددت إعجاباً به، إلا أنني كنت على وعي بالمفارقة الكبيرة بين كتاباته الصحافية وكتاباته القصصية. إذا ما تركنا هذه المقالات وعدنا إلى رواياته، وقصصه القصيرة من نفس الفترة، فلن نجد فيها بارقة أمل. تلك هي الفترة التي نُشرت فيها «الباقي من الزمن ساعة»، «أمام العرش»، «يوم قُتل الزعيم»، «قشتمر»، وغيرها. هنا يصدمنا الواقع، والإحباط القومي والفردي بكل شراسته. أيُّ الصورتين نصدق؟ الصورة الفنية بطبيعة الحال. ولكنني أكبرت فيه القدرة على التفرقة بين التناول الفني حيث لا مناص من تصوير الوضع البشري في أحلك صوره، والتناول اليومي المباشر أمام الجمهور الذي يحتاج حلولاً وأفكاراً تعينه على مواجهة الحياة، ولا تدفع به نحو اليأس الكامل.

في سياق الحديث عن عمود الأحداث الجارية لمحفوظ أحب أن أقف عند مثال من استخدامه الخلّاق له. بتاريخ 23 أبريل (نيسان) 1987 كتب محفوظ مستشرفاً عيد تحرير سيناء (25 أبريل) من آخر فلول الاحتلال الإسرائيلي قائلاً: «ولتكن أيضاً مناسبة نذكر فيها أبطال التحرير، مثل أحمس، وعمر مكرم، وعرابي، ومصطفى كامل، ومحمد فريد، وسعد زغلول، ومصطفى النحاس، ومحمد نجيب، وجمال عبد الناصر (وكان قد ذكر السادات في موضع آخر من المقالة)، الأحياء في قلوبنا، وفي رحاب ربهم».

تُرجمت مقالات محفوظ إلى الإنجليزية ونُشرت في 4 مجلدات اعتمدت المنهج الزمني بعكس الطبعة العربية

أي عبقرية، وأي نظرة شمولية، وأي حس وطني ذلك الذي يقرن اسم أحمس الأول الفرعون المصري العظيم، مؤسس الأسرة الثامنة عشرة، ومحرر مصر من رعاة الشمال، الهكسوس، الذين احتلوا مصر السفلى لنحو مائة عام، بينما انحصر حكم الفراعنة في مصر العليا في طيبة، إلى أن شن أحمس حملة عليهم طردتهم من مصر السفلى، ومن سيناء، معيداً مجد الإمبراطورية المصرية القديمة. وكان ذلك من نحو ثلاثة آلاف وخمسمائة سنة. إلا أن نجيب محفوظ (الذي كتب روايته التاريخية الشهيرة «كفاح طيبة» عن أحمس، 1944) يقرن اسمه بأسماء قادة مصر المعاصرين من القرن العشرين. هذه هي وحدة التاريخ الوطني. هذا هو الفهم الحقيقي لتاريخ مصر، وتسلسله عبر العصور. هذا هو الوعي الذي يدرك الصلة والتشابه والقدوة الصالحة عبر آلاف السنين. هذا هو الحس الذي لم يفقد وعيه بتاريخ الوطن الممتد في الزمان حتى بداياته. وهي رسالة محفوظ لكل حاكم مطلق مزهو بنفسه يظن أن تاريخ مصر يبدأ به، وأن ما قبله كان عدماً. للسبب نفسه يذكر محفوظ في نفس القائمة اسمي مصطفى النحاس، ومحمد نجيب، وقد كانا من الأسماء المحرمة الممحوة من تاريخ مصر في الفترة الناصرية، وكانت كتب التاريخ تعلم التلامذة أن عبد الناصر كان أول رئيس للجمهورية المصرية (متجاهلةً محمد نجيب)، وأنه كان أول مصري يحكم مصر منذ عهد الفراعنة. لو كان لدى الدولة وجهازها الإعلامي والتعليمي حسّ بالتاريخ المصري لكان اسم أحمس تردد عالياً يوم تحرير سيناء، فما حدث في حرب 1973 وحتى اكتمال تحرير سيناء في 1982 ثم 1989 هو بالضبط ما قام به أحمس الأول قبل 35 قرناً من الزمان. لكن هذا لم يحدث، فليس في وعي الدولة المصرية الحديثة هذه الصلة الوطنية الممتدة في الماضي البعيد. لكن ما انقطع في فهم الدولة يعيد وصله نجيب محفوظ في مقالة صحافية عابرة. ليس من عجب أنه كثيراً ما وُصف بأنه ضمير مصر الحي.

لا يكفُّ نجيب محفوظ عن إدهاشي كلما أعدت قراءته بمعاصرته لهموم اليوم، حتى في هذه المقالات الآنية الوجيزة المواكبة لأحداث يومها. وكأنه حي بيننا لم يُوارَ التراب منذ عشرين عاماً. بتاريخ 27 سبتمبر (أيلول) 1990 كتب مقالة بعنوان: «الدروس القاسية» في معرض الحديث على غزو صدام حسين للكويت الذي لم يكن قد مضى عليه شهران بعد، وكانت الأزمة لا تزال في ذروتها، كتب قائلاً: «البلوى تكمن عادة في زعيم مستبد يفرض ذاته بالقوة، ويهيمن على أجهزة الإعلام حتى يتراءى لنفسه وقومه كأنه فوق البشر، وينطق عن الوحي، ويتصرف بالإلهام. ولا يثوب إلى رشده إلا وهو في قاع الهاوية. متى تبرأ الأوطان العربية من ذلك الداء القاتل؟ متى تُعدّ بيتها للحياة في هذا العصر؟ متى تؤمن بالحرية واحترام حقوق الإنسان؟». لا نزال نسأل معه «متى؟»، نسأل بنفس السخط، وبنفس الإلحاح «متى؟»، وكأن ثلاثين عاماً لم تمضِ على سؤاله. إما أن محفوظ كان يتمتع برؤية تنبئية تجعل كلامه صالحاً لقادم الأزمان، وإما أننا قد تجمدنا عند لحظة سؤاله. تحولنا إلى أصنام. توقفت ساعاتنا عن الدوران، بينما تدور الساعات في كل مكان آخر. صرنا مأسورين في زمن ماضٍ قبيح، وكلما حاولنا الخطو خارجه، وكلما حاولنا فكّ الحصار، رُددناً على أعقابنا محسورين إلى داخل الدائرة المسحورة الشريرة.


محمد بدوي يعيد «أولاد حارتنا» إلى أرض النقد الأدبي

محمد بدوي يعيد «أولاد حارتنا» إلى أرض النقد الأدبي
TT

محمد بدوي يعيد «أولاد حارتنا» إلى أرض النقد الأدبي

محمد بدوي يعيد «أولاد حارتنا» إلى أرض النقد الأدبي

بعد عشرين عاماً على رحيل نجيب محفوظ، الذي غادر عالمنا في الثلاثين من أغسطس عام 2006، يمعن الناقد المصري الدكتور محمد بدوي النظر والتأمل في عالم أديب نوبل، وتحديداً في روايته الإشكالية «أولاد حارتنا»، التي أثارت كثيراً من الجدل على مدار عقود، فيُصدر عنها كتاباً نقدياً بعنوان «مملكة الله: نجيب محفوظ في أولاد حارتنا»، الذي يأتي في إطار مشروع نقدي كبير لمقاربة أدب نجيب محفوظ، فحسبما أعلن الناقد في نهاية مؤلفه، هناك أكثر من كتاب آخر تحت الطبع عن المدونة الروائية المحفوظية. وأهم ما في هذا الكتاب أنه يخلص الرواية مما تجاذبها طويلاً من قراءات آيديولوجية، وتحيزات سياسية، ومن استدراجها إلى أرض الفقهاء حيناً والسياسيين حيناً آخر، ويُعيدها مرة أخرى إلى أرض العمل الأدبي، الذي يجب قراءته وفهم حمولاته في هذا السياق دون غيره، وبمعايير النقد الأدبي ومناهجه، وليس وفق أهواء وتحزبات وقناعات مسبقة قادمة من حقول أخرى.

الكتاب صدر في القاهرة عن «دار العين للنشر»، في مائتين وثلاثين صفحة، ويسعى لقراءة الرواية بوصفها «سرداً أليجورياً ذا حمولات ترميزية»، بما يجعلها ذات طبيعة أمثولية تمثل شوق الإنسانية إلى العدل، واحتياجها من آن لآخر إلى ثورة تعيده بعد فقدانه وضياعه، وتعيدها إلى مسارها الصحيح كلما ضلت الطريق. لم يتوقف بدوي عند قراءة الرواية فقط، بوصفها نصاً منغلقاً، بل كان دائماً في مراوحات بندولية: أولاً بين النص الروائي وشخوصه وأمكنته الدنيوية كما رسمها السارد، وبين الشخصيات الأصلية التي تحاكيها هذه الشخوص الروائية. وثانياً؛ مراوحات دائمة بين الرواية موضوع الكتاب وغيرها من روايات محفوظ السابقة عليها أو التالية لها، مشيراً إلى وجود امتدادات لفكرة أو أسلوب هنا أو هناك، وتمدد حضوره من عمل لآخر، أو لانقطاع أو تحول أو اختلاف بينها وبين بقية الأعمال. وثالثاً؛ مراوحة بين السارد أو المؤلف الضمني داخل الرواية الذي تحكمه تقاليد النوع الأدبي، وبين نجيب محفوظ الإنسان الواقعي، المحكوم بسياقات سياسية واجتماعية في لحظة كتابة الرواية، بما يؤشر على قفز الناقد فوق مقولة «موت المؤلف»، التي ظلت حاكمة للنقد الأدبي منذ بزوغ البنيوية وصرعة مناهج الحداثة النقدية.

هذه المراوحات، استلزمت من المؤلف قدراً هائلاً، ومثيراً للإعجاب، من المعارف، خصوصاً المعرفة العميقة بالنصوص المقدسة، التي يصعب فهم الرواية دون الرجوع إليها، سواء كانت الكتب المقدسة (القرآن الكريم، والإنجيل، والتوراة) أو النصوص الثانوية الشارحة، من كتب فقه وغيرها، فهذه النصوص تمثل الأصل الذي انبنت عليه الرواية، للوقوف على ما حاكاه السارد، وكيف حاكاه، ومن ثم كان الناقد ينطلق من تفاصيل السرد الروائي إلى تتبع أصوله في السرود المقدسة، وكيف أعاد محفوظ تقديمها بشكل فني، وفقاً لتقاليد الرواية الواقعية، بما يخدم بنيتها الروائية، بدءاً من اختيار المكان الواقعي (حارتنا)، بكل التفاصيل الواقعية التي اعتادها قارئ أدب محفوظ، وفي الوقت نفسه ترميز هذه الحارة بما يجعلها فضاءً كونياً صالحاً لإنتاج أمثولة كونية عن العدل وغيابه والكفاح لاستعادته.

يتكون الكتاب من أربعة فصول وخاتمة. الفصل الأول، «الكتابة والتّقنُّع»، يركز على وضعية السارد وعلاقته بالمؤلف، وكيف بدأ السارد حكايته، مرتدياً عدة أقنعة، أحدها قناع «الحكواتي»، الأقرب إلى شاعر الربابة، الذي يروي حكاية الحارة بعد أن انتقلت إليه شفاهةً من جيل لآخر، على عادة الرواة الشعبيين. والقناع الثاني قناع المؤرخ المحايد، وأول من تعلم حرفة الكتابة في الحارة، ومن ثم يخايل بقناع الحياد التاريخي هذا، وبقناع السارد المراقب فقط أحياناً، لكن مع التوغل في السرد كثيراً ما يتوارى هذا الحياد، وتبزغ انحيازات المؤلف الإنسان، الذي يتدخل أحياناً بوجهات نظره وقناعاته خلال مسارات السرد، ويتجلى هذا الانحياز منذ العنوان، خصوصاً في كلمة «حارتنا»، التي تشير إلى انتماء السارد إلى العالم المرويّ عنه، واتخاذه موضعاً محدداً فيه. تتداخل هذه الأقنعة معاً، ومع وضعية المؤلف المنحاز، لتشكل في كلّيتها جزءاً مهماً من البنية الروائية، ووجهات النظر السردية.

ينقسم الفصل الثاني، «القادمون من أقصى الزمن والسرد»، إلى ثلاثة مباحث؛ أولها يعالج كيفية الإمساك السردي بـ«نغمة» الانطلاق، وفي الوقت نفسه تمثيل حقبة ما قبل بداية البشرية سردياً، إذ «استخدم السرد كلمة الخلاء لتمثيل الهيولي والفراغ، وهو أقصى ما تقدر الواقعية على قوله، لتمثيل ما قبل الخلق، ما قبل امتلاء الفضاء بالكائنات». والمبحثان الثاني والثالث يقاربان كيفية صوغ الحدث المركزي في الرواية، وهو «هبوط لإنسان من جنة عدن إلى الأرض، بعد أن اقترف آدم وحواء جرم عصيان الله»، وكيف صاغ محفوظ هذا الحدث، والشخصيات، والفروقات بين الصياغة الروائية وما ورد في النصوص المقدسة على اختلافها.

الفصل الثالث، «سردية الثورة، خطيئة النسيان»، يشير فيه المؤلف بوضوح إلى أنه «خلف المشاهد والتفاصيل المتدفقة، معنى صلب بالغ الوضوح، يمكن صوغه على نحو بسيط، وربما بصيغة شعارية: العدالة هي الأصل. هي توق الناس القارّ في أجسادهم ولا وعيهم إلى التحرر والانعتاق. هذا التوق يخبو حين يغرق الفضاء في ركام من التفاصيل الصغيرة، وربما المبتذلة، ويقترف الناس إثم النسيان». هذا المعنى الرئيس يجعل الرواية تخلق صراعاً بين سرديتين: سردية الثورة من أجل الانعتاق، ويمثّلها مهمشو وحرافيش الحارة/ العالم، وسردية الثورة المضادة، التي تريد سلب ثروات المهمشين وحرياتهم، ويمثلها «الفتوات» و«ناظر الوقف»، الذين يسعون للسيطرة على مقدرات الشعوب وثرواتها من إرث الجد «الجبلاوي».

الفصل الرابع والأخير بعنوان «شعرية المحاكاة»، يتتبع فيه المؤلف جماليات محاكاة النص الروائي للسرد المقدس.

«أولاد حارتنا» من وجهة نظر الناقد، ليست رواية تاريخية، بل «كنائية، أساسها إنتاج مشابهة، تأتي بشخصية من السرد الأسطوري أو السرد التاريخي، وتقوم بتجذيرها في فضاء غير فضائها، أي في فضاء مختلف في زمانه ومكانه». إنها رواية تبحث عن اليوتوبيا، وتتبنى منطقها، وهذه «معضلة الأمثولة، التي تعني أن ثمة معنى تقوم كل أدواتها بصقله وتزيينه عبر صهر التناقضات، ليصبح المعنى واضحاً جلياً، يقينيا، سابقاً على الكتابة، وتتم البرهنة عليه بكل أدوات السرد»، هذا المعنى هو العدل، والتحرر، والبحث عن عالم مثالي.


هل كان جبران يعاني من عقدة «الأنوثة»؟

جبران خليل جبران
جبران خليل جبران
TT

هل كان جبران يعاني من عقدة «الأنوثة»؟

جبران خليل جبران
جبران خليل جبران

لعل أحداً من الذين أطلقت عليهم تسمية «أدباء المهجر» أو «رواد النهضة العربية»، لم يكن موضع سجال دائم بين النقاد والدارسين، منذ رحيله قبل نيف وتسعين عاماً حتى يومنا هذا، كما كان جبران خليل جبران. واللافت في الأمر أن السجالات التي اتخذت أشكالاً حادة في كثير من الأحيان، لم تقتصر ساحتها حول الريادة الأدبية والفكرية لصاحب «العواصف»؛ بل إنها طالت كل نأمة في حياته وسلوكياته وسيرته الشخصية، وبخاصة تلك المتصلة بالشأن العاطفي وعلاقته بالمرأة.

ومع أن مسألة التطابق بين نتاج الكاتب الإبداعي وبين سلوكه، كانت على الدوام مثاراً للجدل وتباين وجهات النظر، فإن شيئاً من الحياة الحقيقية لا بد من أن يتسرب إلى الأدب والفن، وينعكس في مراياهما التعبيرية.

ففي «الأجنحة المتكسرة» تظهر لنا صورة جبران اليافع والحالم الرومانسي، الذي روى قصة حبه الفاشلة لسلمى كرامة، مستخدماً لغة عاطفية تفطر قلوب القراء، وتستدرُّ دموعهم على نحو ميلودرامي.

وفي «الأرواح المتمردة»، تتحول مريم التي لجأ إلى بيت أمها راحيل، والتي شعر «بتموجات روحها حول روحه»، إلى نسخة معدلة من المجدلية. وفي «عرائس المروج» تقع الفتاة اليتيمة مرتا البانية ضحية شاب ثري يغرر بها ويعدها بالزواج، حتى إذا حملت منه اضطرت لممارسة البغاء لإطعام ولدها وثمرة حملها الآثم، لتموت في نهاية الأمر مُهانة ومرذولة. وفي هذه القصة وغيرها يعري جبران الأسس الفاسدة لنظام القيم، ويكشف عن الجوهر الروحي للكائنات، الذي لا تملك خطايا الجسد أن تنال من براءته.

أما في كتاب «النبي» فنقف على النسخة الأكثر نضجاً من شخصية جبران ومواقفه الإنسانية. فهو حين يُسأل عن الحب، يجيب بلسان بطله المصطفى، بأن على البشر أن يتبعوا صوت الحب ونداءاته، حتى لو كانت الطريق إليه وعرة وشائكة. ومع أنه لا يُظهر موقفاً سلبياً من الزواج، فإنه يرفض تحويل العلاقة إلى قيد، مؤكداً على فكرة المسافة التي ينبغي أن تفصل بين الطرفين، إضافة إلى أنه يرفض فكرة التوحد، والحلول في الآخر، كما في قوله: «غنوا وارقصوا معاً وافرحوا، ولكن ليبق كلٌّ منكم وحيداً». وحين يُسأل عن اللذة، فهو لا يرفض نشدانها ولا يدين طالبيها، شرط ألا يفقدوا قلوبهم في غنائها، وألا يهملوا الروح ويسيئوا إليها.

على أن المواقف النظرية الواضحة التي أطلقها جبران بشأن المرأة والحب والزواج والجسد والروح، لم يكن لها أن تحجب البلبلة المتأتية عن الطبيعة الفعلية لعلاقته بنساء حياته الكثيرات. فميخائيل نعيمة في كتابه عن جبران، لم يكتفِ بإنزال صديقه من مكانه السماوي إلى أرض الواقع؛ بل راح ينزع عنه صفتَي الروحانية والزهد الجسدي اللتين طالما ادَّعاهما، مؤكداً على الجانب الشهواني من شخصيته، وبخاصة في علاقته بميشلين، التي عرَّفته بها ماري هاسكل، ليخلص إلى القول بأن صديقه كان موزَّعاً بين عقل هاسكل وجسد ميشلين.

أما توفيق صايغ الذي يتهم نعيمة بالإساءة إلى صديقه، راداً الأمر إلى غيرته منه، فلا ينفي في كتابه «أضواء جديدة على جبران» أن تكون لجبران علاقات متعددة مع النساء، وبينها علاقة انجذاب شهواني مع ميشلين، إلا أنه -وهو المنذور للكتابة والخلق الإبداعي- كان يعرف كيف يضع في الوقت المناسب حدوداً لها. ويشير صايغ إلى أن علاقة هاسكل بجبران لم تكن روحانية خالصة ولا جسدية خالصة؛ بل ظلت تتأرجح بين النزعتين؛ حيث كانا يكتفيان بتبادل القبلات، رغم ما كان يتسبب فيه الأمر من أذى نفسي وجسدي للطرفين.

ولعل من يتتبع سيرة جبران العاطفية لا يلحظ عنده إقبالاً على الجنس يصل إلى حدود التهالك، ولا نفوراً منه يلامس حدود التبتل؛ بل هو يُظهر قدراً من الاعتدال يجعله أقرب إلى الإنسان الطبيعي، منه إلى الانحراف واللاسوية. أما عزوفه عن الزواج فقد كان عائداً إلى رغبته في التفرغ لكتابته وفنه. ولم تكن أناه النرجسية المبدعة لتقبل التنازل عن نفسها لأي شأن عابر، وهو الذي تنقل عنه هاسكل قوله لها عام 1922: «إن حضور عقل آخر مهما كان هذا الحضور طفيفاً، يدمر الأشياء بالنسبة لي. إني أفعل أفضل ما أستطيع فعله وأنا وحيد، والمرء يكون قريباً إلى كل إنسان عندما لا يكون قريباً إلى أي إنسان».

والواقع أن جبران قد حرص أشد الحرص على ألا يُفرغ طاقاته الحيوية العالية في مجال الجنس والرغبات الشهوانية البحتة؛ بل أراد أن يدَّخر جانبها الأكبر لشحن أعماله الفنية والإبداعية بأسباب القوة والتفجر. ولعل أكثر ما يؤكد ذلك قوله لهاسكل، في معرض تبرير اقتصار علاقتهما الجسدية على بعض القبلات والعناقات المتقشفة: «إن فيَّ رغم ضعفي الجسماني دفئاً وفيراً من الناحية الجنسية، وأعتقد أن فيَّ دون شك شيئاً حيوياً أيضاً؛ لأني أعتقد أن جزءاً كبيراً من الناحية الجنسية يتحول وينصبُّ في نتاجي».

ولعلنا نستطيع -في ضوء ما تقدم- أن نفهم السبب الحقيقي الذي أبقى علاقته بمي زيادة في إطارٍ لغوي وجداني، تكفلت بحمله عشرات الرسائل المحمولة عبر المحيطات. فالواضح أن جبران كان يبحث عبر مي عن وقود إضافي لمنع جذوة الإبداع في داخله من الضمور، وهو ما لم يكن ليتوفر إلا عبر رفع مي إلى خانة المتخيل الطيفي الذي يؤلفه من عندياته. وجبران الذي يقول في كتابه «رمل وزبد» ما حرفيته: «كل رجل يحب امرأتين: واحدة يخلقها خياله، والثانية لم تولَد بعد»، كان يدرك في قرارته أن هذه الجذوة الإبداعية التي ولدتها علاقته الأفلاطونية بامرأة التخيل، كانت مرشحة للانطفاء السريع لو التقى بامرأة اللحم والدم.

المواقف النظرية التي أطلقها جبران بشأن المرأة والحب والزواج والجسد والروح لم تحجب البلبلة المتأتية عن الطبيعة الفعلية لعلاقته بالنساء

أما الذين رأوا في رسوم جبران العارية، والخالية من أي دلالة شهوانية، ما يدل على نقص في ذكورته، أو على تبرمه من النوازع الجسدية، فهم يخلطون عن عمد -أو عن غير عمد- بين الفن والحياة؛ لأن تلك الرسوم كانت تعكس توق صاحبها إلى التسامي الروحي والتجرد من حاجات الجسد الترابي، دون أن يعني أنه كان يعاني من الوهن الجنسي، أو من ارتفاع في منسوب الأنوثة، كما ذهب بعض الدارسين.

وقد لا يكون الباحث اللبناني خريستو نجم بعيداً عن الحقيقة حين أشار في كتابه «المرأة في حياة جبران»، إلى أن علاقة الحدب والحنو المفرط التي ربطت الأخير بأمه كاملة رحمة، قد جعلته يبحث عن صورها في ملامح نسائه الكثيرات، بما يفسر أن معظم اللواتي ارتبط بهن كنَّ يكبرنه سناً. فحلا الضاهر كانت تكبره بعامين، وماري هاسكل تكبره بعشر سنوات، وسلطانة ثابت تكبره بخمس سنوات، وجوزيفين بيبودي تكبره بست سنوات، وحتى ميشلين عشيقته الأثيرة، كانت تكبره ببضعة أشهر.

إلا أن ما توصل إليه نجم من خلاصات حاسمة حول «أنثوية» جبران ونفوره من الجنس، وصولاً إلى رميه بالعجز الجنسي، ليس في مكانه أبداً؛ إذ ليس يكفي أن يستشهد نجم بكتابَي «دمعة وابتسامة» و«الأجنحة المتكسرة» المفرطين في لغتهما الوجدانية وانكسارهما الحزين، لكي يرى فيهما «نمط جبران الأنثوي الذي يخلو من كل أثر للاقتحام الرجولي»؛ لأنه في هذه الحالة سيضع في دائرة الأنوثة عشرات من الكتاب والفنانين والشعراء الرومانسيين. ثم لماذا لم يدر في خلد نجم أن يستشهد بأعمال مغايرة تظهر فيها «ذكورية» جبران وفحولته الغاضبة على نحو واضح، كما هي الحال في «الأرواح المتمردة» و«العواصف» وغيرها؟

صحيح أن جبران قد قال لماري هاسكل: «إن المرأة في نفس الفنان هي مصدر قوته»، وأنه شبَّه نفسه بالمرأة الحامل، مضيفاً ما حرفيته: «أشعر أني كنت أُمًّا غير مرة»، إلا أنه لم يكن يقصد بالتأكيد المعنى الفيسيولوجي للكلمة؛ بل المعنى الرمزي الذي يُكسب الكاتب صفات الرقة والصبر، والإصغاء المرهف إلى الأشياء والكائنات، ويجعل من الكتابة بحد ذاتها حالة من أحوال الأنوثة.