ماذا ستفعل الطبقة الوسطى المصرية لموازنة نفقاتها في رمضان؟

مع توجيه رئاسي بحزمة «حماية اجتماعية جديدة»

محاولات حكومية للتخفيف عن المواطنين قبل شهر رمضان (وزارة التموين المصرية)
محاولات حكومية للتخفيف عن المواطنين قبل شهر رمضان (وزارة التموين المصرية)
TT

ماذا ستفعل الطبقة الوسطى المصرية لموازنة نفقاتها في رمضان؟

محاولات حكومية للتخفيف عن المواطنين قبل شهر رمضان (وزارة التموين المصرية)
محاولات حكومية للتخفيف عن المواطنين قبل شهر رمضان (وزارة التموين المصرية)

قبل عدة سنوات، كانت إسراء النجار (34 عاماً) تستقبل شهر رمضان بتزيين منزلها في مدينة السادس من أكتوبر (جنوب القاهرة) بالكثير من الزينة والفوانيس الجديدة، وتشتري «الياميش» (الفواكه المجففة) بكميات كبيرة، لكن مع ارتفاعات الأسعار، بدأت تتخلى شيئاً فشيئاً عن هذه العادات، لتستقبل الشهر هذا العام بخطة للتوفير، تلائم ميزانيتها.

تحدثت «الشرق الأوسط» مع 3 ربات بيوت، ينتمين إلى الطبقة الوسطى في مناطق مختلفة، وأكدن كلهن أن عاداتهن تبدلت في رمضان، مع الأعباء الاقتصادية الضاغطة، ليلجأن إلى حيل عند إعداد الطعام لزيادة كمياته، أو استبدال بأنواع مرتفعة الثمن أخرى منخفضة، مع الاتجاه إلى تقليل العزومات.

ووجّه الرئيس عبد الفتاح السيسي، السبت، خلال اجتماع مع رئيس مجلس الوزراء ووزير المالية، بإعلان «حزمة جديدة للحماية الاجتماعية تستهدف دعم الفئات الأَولى بالرعاية والأقل دخلاً» قبل شهر رمضان، وكذلك صرف رواتب فبراير (شباط) الحالي للموظفين مبكراً قبل حلول الشهر.

وتشهد مصر موجات من ارتفاع الأسعار، خصوصاً في المواسم التي يتزايد فيها الطلب على السلع، وفي مقدمتها شهر رمضان. وطرحت الحكومة مؤخراً سلعاً مخفضة بنسبة تتراوح بين 15 و30 في المائة بأكثر من 7 آلاف منفذ، غير أن ذلك لم يمنع موجات الزيادة الموسمية، خصوصاً في اللحوم.

تقليل الكميات

تتكون أسرة إسراء من 4 أفراد، بينهم طفلان في المرحلة الابتدائية، وتعتمد الأسرة على دخل الأب فقط، ومع أعباء المدارس تجد الأم نفسها مضطرة إلى تقليل النفقات الاعتيادية في رمضان، موضحة لـ«الشرق الأوسط»: «اللحوم ضرورية ولا يمكن الاستغناء عنها على المائدة وقت الإفطار، خصوصاً مع وجود أطفال، لكنني ألجأ إلى تقليل الكمية عن ذي قبل، والاستغناء عن أنواع المكسرات ذات الأسعار المرتفعة مقابل أخرى أقل، مع تقليل في الكميات».

إحدى الأسواق المصرية في حي السيدة زينب تتزين لاستقبال شهر رمضان (الشرق الأوسط)

وارتفعت نسبة التضخم على أساس شهري في يناير (كانون الثاني) الماضي بمعدل 1.2 في المائة، مقارنة بـ0.2 في المائة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، في وقت سجل معدل التضخم على أساس سنوي في نفس الشهر 11.2 في المائة.

وبخصوص «العزائم» تقول إسراء «نقللها قدر المستطاع، ونلجأ إلى لقاء أصدقائنا في الخارج مع الاعتماد على نظام (الديش بارتي)؛ أي أن يحضر كل شخص فطاره معه، ونتناوله في مكانٍ ما»، ورغم كل ذلك قد تحتاج الثلاثينية إلى اللجوء لمدخرات لأسرتها لاستكمال الشهر.

النفقات على العزومات فقط

أما الستينية صفاء عبد الشافي، من منطقة شبرا الخيمة (شمال القاهرة)، فتركز نفقاتها على بند العزومات مع تمضية الأيام الأخرى بـ«أي أكل». تقول لـ«الشرق الأوسط»: «أولادي يفطرون معي هم وأطفالهم عدة أيام في الأسبوع في رمضان، وفيها أعد اللحوم والأسماك، والأيام الأخرى أقتصد في النفقات وأتناول أي شيء».

تشكو صفاء من ارتفاعات الأسعار، وهي تعتمد في دخلها على معاش من وظيفتها ومعاش زوجها الراحل، ورغم ذلك لا تقبل على الشراء من المنافذ الحكومية، وتقول: «نعتاد على اللحوم البلدي وليست المجمدة أو المستوردة؛ لذا لا أقتنع بالسلع المدعمة».

مثلها لا تقتنع حنان حسين (56 عاماً)، وهي موظفة حكومية، باللحوم الموجودة في هذه المنافذ، لكنها تلجأ لحيلة أخرى لتقليل التكلفة، قائلة لـ«الشرق الأوسط» إنها تُدخل مع اللحوم خضراوات وتقوم بفرمها، لزيادة كمية اللحم من جهة، وحتى تصبح الوجبات مغذية وصحية أكثر من جهة أخرى.

تعتمد حنان، التي تقطن مدينة المنصورة في محافظة الدقهلية (دلتا النيل)، على راتبها مع معاش زوجها ودخل إضافي له من عمل بعد المعاش، لمواكبة ارتفاعات الأسعار، وخصوصاً أن لديها ابنتين تقضيان معها معظم الشهر لسفر زوجَيهما بالخارج. أما «العزائم» الأخرى أو المكسرات لإعداد الحلويات... فبنود تستغني عنها الخمسينية للتوفير.

مساحة اجتماعية ضاغطة

ويقول الباحث في الإنثروبولوجيا وليد محمود، لـ«الشرق الأوسط»، إن شهر رمضان يتحول كل عام في مصر إلى مساحة اجتماعية ضاغطة تعيد فيها الطبقة الوسطى تعريف علاقتها بالاستهلاك وبصورتها عن نفسها، خصوصاً في ظل أن الإنفاق على الغذاء هو البند الذي يستهلك النسبة الكبرى من مصروفات الأسر المصرية.

محل خضراوات وفاكهة في مدينة 6 أكتوبر يعكس تراجع حركة الشراء مع كثرة المعروض (الشرق الأوسط)

وتنفق الأسر المصرية أكثر من ثُلث ميزانيتها على بند الطعام والشراب، بمعدل 37 في المائة، وفق بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2017-2018.

وأضاف محمود أن الإنفاق على الغذاء يزداد موسمياً في رمضان. ومع موجات التضخم، وجدت الطبقة الوسطى نفسها أمام معادلة دقيقة، تجمع بين الحفاظ على الطقوس الدينية والاجتماعية وضبط الميزانية المحدودة، فبدأت عملية تكيّف هادئة.

وتبرز تفاصيل هذه العملية وفق الباحث في الإنثروبولوجيا في «تفاصيل الحياة اليومية؛ إذ تراجعت الموائد الممتدة اليومية لصالح عزومة أسبوعية، أو مشاركة الضيوف في تحضير الأطباق بما يوزع التكلفة رمزياً دون إعلان صريح للتقشف، وتقليص الإنفاق على الزينة والفوانيس مع إعادة استخدام ما تبقى من الأعوام السابقة، وخفض كميات (الياميش) المستورد مع استبدال به بدائل أقل سعراً، أو الاكتفاء بوجود رمزي يحفظ الشكل العام دون عبء مالي كبير»، مشيراً إلى أن كل ذلك ينسجم مع مفهوم «الاستهلاك الدفاعي» الذي تشير إليه دراسات سلوك المستهلك في أوقات الأزمات.

ويتفق معه الخبير الاقتصادي خالد الشافعي، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن رمضان أصبح موسماً يستوجب على الأسر تعديل ميزانيتها وإعادة ترتيب أولوياتها بشكل مستمر لإشباع أكبر قدر ممكن من احتياجاتها بما يتوفر لديها من موارد، مثمّناً المحاولات الحكومية في طرح سلع بأسعار تنافسية، وإتاحة بدائل مختلفة أمام المواطنين.

ويشير الباحث في الإنثروبولوجيا أيضاً إلى «استحداث عادات جديدة لدى الطبقة الوسطى في رمضان، مثل متابعة العروض والتسوق المقارن عبر التطبيقات الرقمية، وزيادة أشكال الاجتماع الافتراضي عبر مجموعات التواصل».


مقالات ذات صلة

مصر تطالب بتكثيف المساعدات الدولية لتلبية الاحتياجات المتزايدة بغزة

العالم العربي جولة لوزير الدولة والتنمية البريطاني في مخازن المساعدات اللوجستية بالعريش شمال شرقي مصر يوم الأربعاء (محافظة شمال سيناء)

مصر تطالب بتكثيف المساعدات الدولية لتلبية الاحتياجات المتزايدة بغزة

طالبت مصر، الأربعاء، بتكثيف المساعدات الدولية لتلبية الاحتياجات المتزايدة في قطاع غزة، وسط استمرار الانتهاكات والخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الحكومة المصرية تسعى لتعزيز قدراتها التخزينية من البترول والغاز  (صفحة وزارة البترول على فيسبوك)

مصر تعلن عن منطقة حرة للنفط والغاز بالعلمين

أعلنت الحكومة إنشاء «منطقة حرة للنفط والغاز» في مدينة العلمين على ساحل البحر المتوسط

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
العالم العربي جانب من العاصمة المصرية القاهرة (الشرق الأوسط)

ارتياح في مصر بعد تطمينات رسمية باستقرار أوضاع العمالة في الإمارات

بعد أيام من تداول أنباء عبر منصات التواصل الاجتماعي عن استغناء جماعي عن العمالة المصرية في الإمارات خرجت القاهرة وأبوظبي بتصريحات رسمية تنفي صحة هذه المزاعم

محمد عجم (القاهرة)
شمال افريقيا السيسي خلال استقباله حفتر في العلمين بمصر أمس الأربعاء (الرئاسة المصرية)

مصر تعزز جهودها لتقليص الفجوات السياسية بين حفتر والدبيبة

تعزز مصر تحركاتها وجهودها السياسية والدبلوماسية لتقليص الفجوات بين الأطراف الليبية، في وقت تسعى فيه أطراف إقليمية ودولية إلى دفع البلاد نحو تسوية تنهي الانقسام

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا جدد الرئيس السيسي تكليف حسن عبد الله برئاسة المركزي (رويترز)

كيف حافظت السياسة النقدية المصرية على الاستقرار النسبي للجنيه؟

أعاد تجديد تكليف محافظ البنك المركزي المصري، حسن عبد الله، تسليط الضوء على السياسات النقدية المصرية التي حافظت على قدر من الاستقرار النسبي للجنيه.

أحمد عدلي (القاهرة)

نزوح 200 ألف سوداني منذ انطلاق معارك النيل الأزرق

برهم صالح ممثل الأمم المتحدة يرحب باللاجئين السودانيين في مخيم أورا للاجئين بإثيوبيا يوم 20 يونيو (أ.ف.ب)
برهم صالح ممثل الأمم المتحدة يرحب باللاجئين السودانيين في مخيم أورا للاجئين بإثيوبيا يوم 20 يونيو (أ.ف.ب)
TT

نزوح 200 ألف سوداني منذ انطلاق معارك النيل الأزرق

برهم صالح ممثل الأمم المتحدة يرحب باللاجئين السودانيين في مخيم أورا للاجئين بإثيوبيا يوم 20 يونيو (أ.ف.ب)
برهم صالح ممثل الأمم المتحدة يرحب باللاجئين السودانيين في مخيم أورا للاجئين بإثيوبيا يوم 20 يونيو (أ.ف.ب)

أكد مسؤول حكومي سوداني نزوح أكثر من 200 ألف شخص من مدينتي الكرمك وقيسان ومناطق أخرى في إقليم النيل الأزرق، جنوب شرقي السودان، جراء المعارك بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، وسط تحذيرات من تفاقم الأوضاع الإنسانية والصحية للنازحين، في ظل الأمطار الغزيرة ونقص الغذاء ومواد الإيواء وصعوبة وصول المساعدات.

وكانت قوات تحالف «تأسيس» بقيادة «الدعم السريع» قد أعلنت، الأسبوع الماضي، فرض سيطرتها على مدينتي الكرمك وقيسان الاستراتيجيتين الواقعتين قرب الحدود مع إثيوبيا، في تطور أدى إلى موجة نزوح واسعة باتجاه مناطق أكثر أمناً؛ خصوصاً مدينتي الدمازين العاصمة والرصيرص كبرى مدن الولاية.

وقال مفوض العودة الطوعية للنازحين واللاجئين في إقليم النيل الأزرق، هاشم أورطة، لـ«الشرق الأوسط»، إن عدد الأشخاص الذين نزحوا من الكرمك وقيسان وبلدات أخرى، متأثرة بالقتال تجاوز 200 ألف شخص منذ انطلاق المعارك، مؤكداً أنهم يعيشون «أوضاعاً إنسانية بالغة الصعوبة».

وتعد مفوضية العودة الطوعية للنازحين واللاجئين في إقليم النيل الأزرق جهة حكومية محلية معنية بمتابعة أوضاع النازحين واللاجئين وتنسيق عمليات عودتهم وإعادة إدماجهم. وتعود جذور الجهاز الحكومي المختص بالعودة الطوعية في السودان إلى عام 2003، عندما أُنشئت وحدة للنزوح والعودة الطوعية تابعة لمفوضية العون الإنساني.

رئيس أركان الجيش السوداني الفريق ياسر العطا لدى لقائه حاكم إقليم النيل الأزرق في وقت سابق هذا العام (فيسبوك)

وأضاف أورطة أن نساء حوامل وكباراً في السن، من الرجال والنساء، لقوا حتفهم أثناء محاولتهم الفرار من مناطق القتال، في رحلات نزوح شاقة استمرت عدة أيام، اضطر خلالها كثيرون إلى السير لمسافات طويلة وسط الأمطار ووعورة الطرق.

وبحسب أورطة، استقبلت مخيمات ومراكز إيواء النازحين في محيط الدمازين، عاصمة الإقليم، خلال الأيام الأخيرة، عشرات الآلاف من المدنيين، غالبيتهم من النساء والأطفال، بينما تتزايد حاجتهم إلى الغذاء ومياه الشرب والرعاية الصحية ومواد الإيواء.

ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من الرقم الإجمالي الذي أورده المسؤول المحلي. ومفوضية العودة الطوعية ليست تابعة للأمم المتحدة، لكنها تتعاون مع وكالاتها والمنظمات الدولية، بما فيها مفوضية شؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة، في ملفات النزوح والعودة والمساعدات الإنسانية.

مخاوف من الأوبئة

وحذر المسؤول الحكومي المحلي من مخاطر صحية متزايدة داخل تجمعات النازحين؛ خصوصاً مع موسم الأمطار، معرباً عن قلقه من انتشار الملاريا وحمى الضنك وغيرهما من الأمراض المرتبطة بالخريف، في ظل اكتظاظ مراكز الإيواء وضعف الخدمات الصحية. وقال إن السلطات المحلية تبذل جهوداً لتوفير الغذاء والمياه ومواد الإيواء، إلا أن الإمكانات المتاحة لا تتناسب مع حجم الاحتياجات والأعداد المتزايدة التي تصل يومياً. وأضاف: «الحاجة كبيرة مقارنة بالأعداد التي تتدفق على المخيمات»، داعياً المنظمات المحلية والإقليمية والدولية إلى التدخل العاجل وتوفير المساعدات الإنسانية للمتضررين.

ويزيد استمرار القتال من صعوبة الاستجابة الإنسانية، إذ يحول انعدام الأمن في عدد من المناطق دون وصول المنظمات والإمدادات إلى السكان والنازحين، في وقت تواجه فيه السلطات المحلية ضغوطاً متزايدة لتوفير الاحتياجات الأساسية للأعداد الكبيرة من الفارين.

رحلة نزوح وسط الأمطار

ووصف شهود عيان أوضاعاً قاسية واجهها المدنيون خلال رحلتهم من مناطق القتال باتجاه الدمازين والرصيرص، مشيرين إلى أن هطول الأمطار الغزيرة أدى إلى تدهور الطرق الترابية وصعوبة عبورها، وأجبر بعض الأسر على قطع مسافات طويلة في ظروف شديدة الصعوبة.

وتكتسب الأزمة بُعداً إضافياً بسبب طبيعة إقليم النيل الأزرق الجغرافية؛ حيث تتسبب الأمطار الموسمية في ارتفاع مناسيب الأنهار والخيران وانقطاع عدد من الطرق، ما يجعل حركة المدنيين ونقل المساعدات أكثر صعوبة.

نساء وأطفال أجبروا على الفرار من منازلهم في مدينة قيسان بالنيل الأزرق (الشرق الأوسط)

وكانت «شبكة أطباء السودان» قد قالت، في وقت سابق، إن الهجمات على قيسان أدت إلى فرار أكثر من 5 آلاف شخص إلى الدمازين، محذرة من أن الأوضاع الإنسانية والصحية للنازحين تتدهور نتيجة النقص الحاد في الغذاء ومواد الإيواء. وأضافت الشبكة أن عشرات الآلاف من المدنيين يواجهون موجات جديدة من النزوح في أنحاء الإقليم مع تصاعد الأعمال العدائية، مطالبة بالسماح بوصول المساعدات الإنسانية من دون عوائق، بما يشمل الغذاء ومياه الشرب والأدوية والمستلزمات الطبية ومواد الإيواء، وضمان حصول النازحين على الرعاية الصحية الأساسية.

وفي أحدث تقدير أممي، قالت المنظمة الدولية للهجرة إن نحو 5400 شخص نزحوا جراء القتال في قيسان والكرمك والمناطق المحيطة بهما خلال الأسبوع الماضي فقط.

مطالبة أممية بوصول آمن للمساعدات

من جانبه، دعا مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» أطراف النزاع إلى حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية إليهم بسرعة وأمان ومن دون عوائق. وحذر المكتب من أن القدرة على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة محدودة بسبب نقص الموارد وتمويل العمليات الإنسانية في السودان، في وقت تؤدي فيه موجات النزوح الجديدة إلى زيادة الضغط على المجتمعات المضيفة والخدمات الأساسية في المناطق التي يصل إليها الفارون.

وتفتح التطورات الأخيرة في النيل الأزرق بؤرة جديدة للنزوح الجماعي في السودان، بالتزامن مع موجات نزوح أخرى تشهدها مناطق كردفان ودارفور. كما يثير امتداد القتال إلى مناطق قريبة من الحدود الإثيوبية مخاوف من تحول جزء من حركة النزوح الداخلي إلى تدفقات عبر الحدود إذا استمرت المواجهات واتسع نطاقها.

وفي ظل غياب مؤشرات على توقف قريب للقتال، يحذر مسؤولون محليون وناشطون في المجال الصحي من أن الأولوية العاجلة تتمثل في تأمين الغذاء والمياه النظيفة والمأوى والرعاية الصحية للنازحين، قبل أن تؤدي الأمطار والاكتظاظ وضعف الخدمات إلى أزمة صحية أوسع في مراكز الإيواء.


الانقسام وفوضى الميليشيات يعمقان خسائر الدينار الليبي

محافظ مصرف ليبيا المركزي في لقاء مع مبعوث الرئيس الفرنسي بطرابلس الأربعاء (مصرف ليبيا المركزي)
محافظ مصرف ليبيا المركزي في لقاء مع مبعوث الرئيس الفرنسي بطرابلس الأربعاء (مصرف ليبيا المركزي)
TT

الانقسام وفوضى الميليشيات يعمقان خسائر الدينار الليبي

محافظ مصرف ليبيا المركزي في لقاء مع مبعوث الرئيس الفرنسي بطرابلس الأربعاء (مصرف ليبيا المركزي)
محافظ مصرف ليبيا المركزي في لقاء مع مبعوث الرئيس الفرنسي بطرابلس الأربعاء (مصرف ليبيا المركزي)

يواصل الدينار الليبي نزيفاً في قيمته أمام الدولار بـ«السوق الموازية»، في ظل تداخل الأزمات السياسية والأمنية وتداعيات الانقسام المؤسسي، بما يزيد الضغوط على اقتصاد البلاد ويهدد بتفاقم الأعباء المعيشية على المواطنين، وسط مخاوف متفاقمة من أن يدفع الليبيون تكلفة جديدة للصراع على السلطة والموارد.

وتجاوز الدولار مستوى 9 دنانير في السوق الموازية، ليواصل التذبذب فوق هذا المستوى على وقع تصاعد التوترات الأمنية، بما في ذلك استهداف مرافق نفطية، واشتباكات بين فصائل مسلحة في الزاوية (غرب البلاد)، إلى جانب الضغوط لرفع الإنفاق على المرتبات، وفق خبراء اقتصاديين.

واجهة البنك المركزي بطرابلس (رويترز)

ويتفق وزير الاقتصاد الليبي السابق، سلامة الغويل، مع هذه الرؤية في تشخيص الأزمة، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الانقسام السياسي بين شرق البلاد وغربها وصراعات الساسة، وفوضى الميليشيات والإنفاق الموازي بين الحكومتين، كلها عوامل تتضافر لتعمق خسائر الدينار الليبي». معتقداً أن هذا الوضع المتردي في التواصل مع طرفي الانقسام الليبي، «يدفع ثمنه المواطن الليبي، الذي بات يعيش تدهوراً غير مسبوق في أحواله المعيشية».

وتوالت تحليلات المراقبين عبر صفحات التواصل الليبية حول تقدير أسباب ارتفاع سعر الدولار في السوق الموازية، واتساع الفجوة مع السعر الرسمي إلى 2.76 دينار؛ حيث بلغ سعر الدولار في السوق الموازية إلى 9.11 دينار، حسب وسطاء ومتداولين، مقابل 6.35 دينار وفق السعر الرسمي لمصرف ليبيا المركزي.

ويلقي أستاذ اقتصاد بجامعة بنغازي، علي الشريف، باللائمة على الانقسام الاقتصادي في تدهور سعر الدينار بوصفه سبباً رئيسياً، فيما ذهب الخبير الاقتصادي عبد الحميد الفضيل إلى عدّ أن جانباً من السياسة النقدية «أصبح مرتهناً لضغوط وتعليمات سياسية وأمنية، بما يحد من قدرة المصرف على إدارة أدواته، بعيداً عن التجاذبات».

غير أن العضو السابق بمجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي، محمد أبو سنينة، لم يجد خياراً سوى «الواقعية الاقتصادية في التعامل مع هذا الواقع المعقد، بوصفه الأنسب في الحالة الليبية الراهنة»، مشيراً إلى أن «هدف الاقتصاديين يجب أن يكون هو التخفيف من حدة الأزمة، وتلافي احتمالات الانهيار، إلى حين انتهاء الانقسام السياسي، وتوحيد المؤسسات السيادية».

مواطن ليبي يعد عملات ورقية من فئة الدينار الليبي في مصرف الجمهورية الحكومي (الصفحة الرسمية للمصرف)

ولا تقف خسائر تراجع الدينار عند سعر الصرف، بل تمتد إلى القوة الشرائية للمواطنين، وفي هذا السياق يقول المستشار المتقاعد بالمحكمة العليا الليبية، جمعة أبو زيد، إن «الأجور الحالية تبدو أعلى من الناحية الاسمية مقارنة بما قبل 2011، لكنها فقدت جزءاً كبيراً من قيمتها الفعلية، بفعل ارتفاع الأسعار وتراجع قيمة العملة». ويضرب مثالاً على ذلك بسعر اللحوم، قائلاً إن كيلوغرام اللحم الذي كان يُباع بنحو 10 دنانير قبل 2011 أصبح يتجاوز 110 دنانير، في صورة تعكس اتساع الفجوة بين نمو الأجور، وتكاليف المعيشة.

ووسط النقاش المتصاعد بشأن الأزمات الاقتصادية، تلقى محافظ مصرف ليبيا المركزي، ناجي عيسى، مساندة أممية بعد استقالته التي قدمها إلى مجلسي النواب و«الأعلى للدولة» في 10 أغسطس (آب) الحالي. وفي هذا السياق حثت المبعوثة الأممية هانا تيتيه، الثلاثاء، المؤسسات الليبية على دعم المحافظ والمصرف، خلال إحاطتها أمس مجلس الأمن.

وجاء الموقف الأممي بعد لقاءات أجراها عيسى مع تيتيه والسفير البريطاني لدى ليبيا مارتن رينولدز، ولاحقاً مع المبعوث الخاص للرئيس الفرنسي بول سولير، لكنها أثارت انتقادات من نائب رئيس مجلس النواب فوزي النويري، الذي شدّد على أن التواصل مع المسؤولين الأجانب لا يمنحهم صلاحية التدخل في قرارات المؤسسات السيادية.

تيتيه خلال إحاطة أمام مجلس الأمن عبر تقنية «الفيديو كونفرنس» الثلاثاء (البعثة الأممية)

في المقابل، دعت تيتيه إلى بذل جهود أكبر للسيطرة على الإنفاق العام، وضمان التزام الأطراف بالمعايير المحددة في إطار برنامج التنمية الموحد، بما يعزز قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها المالية، ويحد من الضغوط التي تواجه المالية العامة، وسوق النقد الأجنبي.

وكان عيسى قد أعلن استقالته من منصبه من دون كشف أسبابها، مكتفياً بالإشارة في رسالته إلى مجلسي النواب و«الأعلى للدولة» إلى «حساسية» تلك الأسباب. وفي المقابل رجح مصدر في المصرف المركزي، تحفظ عن ذكر اسمه، عدول عيسى عن الاستقالة بتسريع تنفيذ اتفاق الإنفاق الموحد، وتفعيل بنوده.

ويهدف اتفاق الإنفاق الموحد، الذي جرى التوصل إليه برعاية أميركية في أبريل (نيسان) الماضي، إلى وضع إطار موحد لإدارة الإنفاق وتوزيع الموارد، بما يحد من ازدواجية الإنفاق التي عمقت الانقسام المالي. ويشمل الاتفاق الرواتب والتسيير والتنمية، والدعم ومخصصات المؤسسة الوطنية للنفط.

يأتي ذلك في ظل انقسام سياسي ومؤسسي مستمر منذ أكثر من عقد بين سلطات متنافسة في شرق ليبيا وغربها، وما ترتب عليه من ازدواجية في إدارة الموارد والإنفاق العام، بينما تزداد الضغوط الاقتصادية على المواطنين، وتتراجع القوة الشرائية للعملة المحلية.


توحيد المؤسسة العسكرية يتصدر محادثات ليبية - فرنسية

المنفي ومبعوث ماكرون في لقاء بالعاصمة طرابلس (المجلس الرئاسي)
المنفي ومبعوث ماكرون في لقاء بالعاصمة طرابلس (المجلس الرئاسي)
TT

توحيد المؤسسة العسكرية يتصدر محادثات ليبية - فرنسية

المنفي ومبعوث ماكرون في لقاء بالعاصمة طرابلس (المجلس الرئاسي)
المنفي ومبعوث ماكرون في لقاء بالعاصمة طرابلس (المجلس الرئاسي)

تصدر ملف توحيد المؤسسة العسكرية محادثات رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي، الأربعاء، مع المبعوث الخاص للرئيس الفرنسي إلى ليبيا بول سولير، إلى جانب مستجدات الوضعين السياسي والاقتصادي، وسبل تعزيز التعاون بين طرابلس وباريس.

وأدرج المجلس الرئاسي، في بيان، المحادثات التي جرت في طرابلس ضمن الجهود الرامية إلى ترسيخ الاستقرار، وحماية سيادة الدولة، ودعم مسار بناء الدولة الليبية الموحدة. كما تناول اللقاء توحيد مؤسسات الدولة، والوضع الاقتصادي، وسبل تعزيز التعاون الاقتصادي بين ليبيا وفرنسا، بما في ذلك بحث إمكانية فتح خط اقتصادي مباشر بين طرابلس وباريس.

كما استعرض اللقاء آخر التطورات السياسية، ورؤية المجلس الرئاسي ومبادرته الثلاثية للدفع بالعملية السياسية، من خلال حوار ليبي مباشر وفاعل، يفضي إلى توافقات وطنية مستدامة، تتجاوز الحلول المؤقتة والترتيبات المرحلية والتفاهمات المحدودة.

والمبادرة الثلاثية هي «خرطة طريق» سياسية توافقية، أطلقتها رئاسات (المجلس الرئاسي، ومجلس النواب، والمجلس الأعلى للدولة)، بهدف كسر الجمود، وإنهاء المراحل الانتقالية، وتوحيد المؤسسات السيادية، تمهيداً لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة في موعد أقصاه فبراير (شباط) 2027.

ووفق بيان المجلس الرئاسي، أكد سولير عزم فرنسا على مواصلة تطوير العلاقات مع ليبيا، وتعزيز التعاون المشترك في مختلف المجالات، بما يخدم المصالح المتبادلة بين البلدين.

وجاءت زيارة سولير إلى طرابلس بعد نحو عام من آخر زيارة معلنة له إلى ليبيا في أغسطس (آب) 2025، حين التقى المنفي ورئيس حكومة الوحدة في غرب ليبيا عبد الحميد الدبيبة، وبحث معهما التطورات السياسية والأمنية، ودعم المسار الأممي، وإجراء الانتخابات وإنهاء المراحل الانتقالية.

كما سبق أن التقى سولير بباريس في مايو (أيار) الماضي مع وزير الدولة للاتصال والشؤون السياسية وليد اللافي، وبحث مع التطورات السياسية في ليبيا، وسبل دفع مسار التوافق والاستقرار، إلى جانب توحيد المؤسسات الوطنية، وتعزيز التعاون الليبي ـ الفرنسي.

وتزامنت زيارة المبعوث الفرنسي مع تصاعد الاحتجاجات في مناطق عدة من غرب ليبيا، على خلفية أزمة انقطاع الكهرباء وتدهور الأوضاع المعيشية، وسط مطالبات بإسقاط حكومة الوحدة المؤقتة.

الدبيبة يلتقي رئيس المؤسسة الوطنية للنفط مسعود سليمان في طرابلس الأربعاء (مكتب الدبيبة)

وفي طرابلس، أغلق محتجون طرقاً حيوية بالسواتر الترابية والإطارات المشتعلة، الأربعاء، احتجاجاً على انقطاعات الكهرباء، التي أغرقت مناطق واسعة في الظلام لساعات طويلة.

ونقلت وسائل إعلام محلية أن متظاهرين أغلقوا طريق البيفي في تاجوراء شرق العاصمة، مساء الثلاثاء، ما تسبب في اختناقات مرورية على أحد المحاور الحيوية، التي تخدم آلاف المواطنين يومياً.

وفي الزاوية، التي تبعد نحو 40 كيلومتراً غرب طرابلس، أحرق محتجون إطارات وأغلقوا أجزاء من الطريق الساحلي، احتجاجاً على انقطاع الكهرباء. كما أغلق شباب من أولاد طالب وتيجي الطريق، الرابط بين تيجي والحوامد، مطالبين بإسقاط حكومة الدبيبة على خلفية أزمة الكهرباء وتدهور الظروف المعيشية.

وتأتي هذه التحركات في إطار موجة احتجاجات متجددة في غرب ليبيا، حيث شهدت مناطق عدة انقطاعات للكهرباء، امتدت لأكثر من يومين، بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف.

من جهته، دعا حراك «إنقاذ ليبيا» إلى تنظيم مظاهرات سلمية في مدن مختلفة للمطالبة بتحسين الخدمات الأساسية.

وأرجعت الشركة العامة للكهرباء الانقطاعات الواسعة، التي شملت طرابلس ومناطق الساحل الغربي والجنوب، إلى خروج وحدات توليد عن الخدمة في محطات الزاوية والرويس وطرابلس وأوباري، إلى جانب نقص إمدادات الغاز عقب إقفال صمام في منطقة سيدي السائح، ما أدى إلى فقدان نحو ألف ميغاواط من القدرة التوليدية، كما أسهمت هجمات بطائرات مسيّرة على منشآت في الزاوية، بينها محطات تحويل وخزانات وقود، في تفاقم الأزمة خلال الأسابيع الماضية.

وأعلنت الشركة، في بيانات متتالية، عودة الكهرباء تدريجياً بعد إعادة تشغيل 12 وحدة، بينها أربع في الزاوية وثلاث في الرويس وثلاث في طرابلس، إلا أن مناطق أخرى ظلت تعاني محدودية التغذية، وسط تحذيرات من عجز إضافي في حال استمرار نقص الوقود.

وفي محاولة لمعالجة الأزمة، بحث الدبيبة مع رئيس المؤسسة الوطنية للنفط مسعود سليمان، الأربعاء، إجراءات التعامل مع أوضاع الكهرباء والوقود. وتابع خلال الاجتماع كميات الغاز والوقود السائل الموردة إلى محطات توليد الكهرباء، ومعدلات الاستهلاك والاحتياجات الفعلية للمحطات، إلى جانب عمليات توريد الوقود وتوزيعه في مختلف المناطق.

وشدد الدبيبة على ضرورة التنسيق اليومي والمباشر بين المؤسسة الوطنية للنفط والشركة العامة للكهرباء، والتعامل الفوري مع أي نقص أو طارئ يؤثر في عمليات التوليد أو التوزيع.

ووجّه الدبيبة بتشكيل غرفة تنسيق مشتركة تضم الجهات المعنية، تتولى المتابعة اليومية لكميات الوقود والغاز المخصصة لمحطات توليد الكهرباء، ومراقبة احتياجات الشبكة والتدخل العاجل لمعالجة أي اختناق، مع رفع تقارير دورية حول مستوى التنفيذ والنتائج.