ستارمر يستبعد الاستقالة وسط تبعات فضيحة إبستين

الشرطة البريطانية تعلن أنها «تقيم مزاعم» تتعلق بالأمير السابق أندرو

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر مع السفير السابق في واشنطن بيتر ماندلسون (أرشيفية - أ.ب)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر مع السفير السابق في واشنطن بيتر ماندلسون (أرشيفية - أ.ب)
TT

ستارمر يستبعد الاستقالة وسط تبعات فضيحة إبستين

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر مع السفير السابق في واشنطن بيتر ماندلسون (أرشيفية - أ.ب)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر مع السفير السابق في واشنطن بيتر ماندلسون (أرشيفية - أ.ب)

استبعد رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، الاثنين، الاستقالة، بينما يستعد لمواجهة نواب حزبه العمالي وسط تخبط حكومته في تبعات فضيحة جيفري إبستين المدان بجرائم جنسية، وما تكشّف عن صلات بينه وبين السفير البريطاني السابق في واشنطن، بيتر ماندلسون. ويواجه الزعيم العمالي الذي تدنت شعبيته، أزمة ثقة وسلطة غير مسبوقة ودعوات متصاعدة للاستقالة، لتعيينه عام 2024 ماندلسون سفيراً للمملكة المتحدة في واشنطن، رغم علمه بأنه بقي على صلة بالمتموّل الأميركي حتى بعد إدانته في 2008. وتعهد ستارمر، متوجهاً إلى فريقه في «10داونينغ ستريت» بالقول: «المضي قدماً... بثقة بينما نواصل تغيير البلاد»، وفق ما أفاد به مسؤول في الحكومة طالباً عدم كشف اسمه.

القط «لاري» المعروف في «داونينغ ستريت» ينتظر عند عتبة المقر الرسمي لرئيس الوزراء البريطاني في لندن الاثنين (أ.ف.ب)

وقال المتحدث الرسمي باسم ستارمر للصحافيين إن «رئيس الوزراء يصبّ تركيزه على أداء مهامه»، مؤكداً أنه يشعر بـ«التفاؤل» على الرغم من الكلام المتزايد في البرلمان بأن أيامه باتت معدودة. وفي آخر نكسة يتلقاها ستارمر، أعلن المسؤول الإعلامي في مكتبه، تيم آلن، الاثنين، الاستقالة من منصبه بعد أشهر على تعيينه، وذلك غداة استقالة مورغان ماكسويني مدير مكتبه لكونه «أوصى» بتعيين ماندلسون. ومع تنحي ماكسويني، خسر رئيس الوزراء أقرب مستشاريه والقيادي الذي ساعده على إعادة الحزب العمالي إلى الواجهة، بعدما خلف اليساري جيريمي كوربين عام 2020.

موقف «لا يمكن أن يستمر» -وقال آلن في بيان مقتضب إنه يريد «السماح بتشكيل فريق جديد في داونينغ ستريت». وتعاقب عدد من المسؤولين الإعلاميين إلى الآن خلال ولاية ستارمر القصيرة، وباتت الاستقالات والتغيير في السياسات والتعثر من سمات إدارته؛ ما أدى إلى تراجع شعبيته. ومن المتوقع أن يتوجّه ستارمر بكلمة لاحقاً، الاثنين، إلى نواب حزبه في اجتماع حاسم. وأعلنت زعيمة المعارضة المحافظة، كيمي بادينوك، لإذاعة «بي بي سي»: «المستشارون يقدمون النصائح والقادة يقرّرون. اتّخذ قراراً سيئاً، وعليه أن يتحمل مسؤولية ذلك»، معتبرة أن ستارمر في موقف «لا يمكن أن يستمر».

مراسلون خارج منزل السفير السابق بواشنطن بيتر ماندلسون في لندن الأحد (إ.ب.أ)

ويواجه ستارمر أخطر أزمة منذ توليه السلطة، مع تفاقم تداعيات تعيين ماندلسون منذ أن كشفت رسائل إلكترونية أنه بقي على علاقة مع إبستين الذي انتحر في زنزانته عام 2019 قبل محاكمته، حتى بعد وقت طويل من إدانته. ودعا عدد من النواب العماليين معظمهم من الجناح اليساري المعارض لخط رئيس الوزراء الوسطي، إلى أن يحذو حذو ماكسويني ويستقيل. وانضم إليهم، الاثنين، رئيس الحزب العمال الاسكوتلندي أناس ساروار، معتبراً أنه «يجب وضع حد لهذا التمويه، وينبغي تغيير القيادة في داونينغ ستريت». ونقلت صحف بريطانية عن وزراء طلبوا عدم كشف أسمائهم قولهم إنهم يعتقدون أنّه سيتنحّى قريباً، غير أن عدداً من الشخصيات البارزة في حزب العمال دافعت عنه، لا سيما في غياب خلف بارز له مع اقتراب انتخابات محلية حاسمة للحزب في أيار (مايو). واعتبر وزير العمل بات ماكفادين أن ستارمر سيبقى في منصبه مشيراً إلى أنه يحظى بتفويض لـ5 سنوات. وحزب العمال متراجع بشكل كبير في استطلاعات الرأي، ويتقدّم عليه حزب «إصلاح المملكة المتحدة» اليميني المتطرف بزعامة نايجل فاراج بأكثر من 10في المائة منذ عام.

وزاد ذلك من مخاوف النواب العماليين رغم أن الانتخابات التشريعية المقبلة لا تزال بعيدة وهي مقررة عام 2029. وكان ستامر قد عيّن الوزير والمفوّض الأوروبي السابق ماندلسون، في هذا المنصب الحساس في ديسمبر (كانون الأول) 2024 قبيل عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض. لكنه أقاله في سبتمبر (أيلول) 2025 بعد نشر وثائق تضمنت تفاصيل عن علاقته بإبستين.

وعادت القضية إلى الواجهة مع نشر وزارة العدل الأميركية وثائق جديدة أخيراً، كشفت أن ماندلسون (72 عاماً) سرب معلومات لإبستين من شأنها التأثير في الأسواق، خصوصاً حين كان وزيراً في حكومة غوردن براون بين عامي 2008 و2010. وفتحت الشرطة البريطانية تحقيقاً في الأمر، وقامت، الجمعة، بتفتيش موقعين على صلة بماندلسون. وحاول رئيس الوزراء، الأسبوع الماضي، احتواء الأزمة، فأعرب أمام البرلمان، الأربعاء، عن «ندمه» على تعيين ماندلسون، مؤكداً أنه كذب بشأن مدى علاقاته بإبستين «قبل وفي أثناء مدة عمله سفيراً». كما اعتذر ستارمر، الخميس، لضحايا إبستين، معرباً عن شعوره «بالأسف لتصديقه أكاذيب بيتر ماندلسون، وتعيينه سفيراً في واشنطن على الرغم من صلاته بالمجرم الجنسي المدان». ومن المقرر أن تنشر الحكومة البريطانية عشرات آلاف الرسائل الإلكترونية والرسائل النصية والوثائق المتعلقة بتعيين ماندلسون؛ ما قد يزيد الضغط على ستارمر والوزراء العماليين.

«مزاعم» بشأن الأمير السابق أندرو

أعلنت شرطة منطقة وادي التايمز في بريطانيا، الاثنين، أنها «تقيم مزاعم» بأن الأمير السابق أندرو أرسل تقارير تجارية سرية إلى إبستين، بينما قال مكتب الأمير ويليام إنه «قلق للغاية» بشأن ما سيكشفه التحقيق الأميركي. وأطلقت قوة الشرطة، التي تغطي مناطق غرب لندن، بما في ذلك منزل الأمير السابق في وندسور، التحقيق بعدما نشرت وسائل إعلام تقارير عن رسائل بريد إلكتروني تشير إلى أن الأمير آنذاك أرسل إلى إبستين تقارير من جولة قام بها في جنوب شرقي آسيا في عام 2010 بصفته مبعوث بريطانيا للتجارة الدولية.


مقالات ذات صلة

قضية إبستين تلاحق وزيرة العدل الأميركية رغم إقالتها

الولايات المتحدة​ وزيرة العدل الأميركية السابقة بام بوندي خلال مناسبة في البيت الأبيض (أ.ب)

قضية إبستين تلاحق وزيرة العدل الأميركية رغم إقالتها

سعت وزارة العدل الأميركية إلى تجنيب الوزيرة المقالة بام بوندي الإدلاء بشهادتها أمام لجنة التحقيقات الخاصة بقضية جيفري إبستين.

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ بيل غيتس وطليقته ميليندا فرينش (رويترز)

بيل غيتس سيمثل أمام لجنة في الكونغرس في قضية إبستين

اعترف غيتس البالغ 70 عاما، في لقاء عام، بعلاقتين خارج إطار الزواج.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ وزيرة العدل الأميركية بام بوندي تصفق بينما كان الرئيس دونالد ترمب يمر قربها خلال مناسبة في ممفيس بتينيسي (رويترز)

ترمب يقيل وزيرة العدل بسبب قضية إبستين

حضرت بوندي جلسة المحكمة العليا الأميركية الأربعاء، حين حضر الرئيس ترمب جلسةً خاصةً حول قضية حق المواطنة بالولادة في الولايات المتحدة

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ نسخ مطبوعة من ملفات جيفري إبستين في ميامي بفلوريدا (أ.ف.ب) p-circle

ضحايا سابقات لإبستين يقاضين الحكومة الأميركية بعد الكشف عن هوياتهن

رفعت ضحايا سابقات للمُدان بجرائم جنسية جيفري إبستين دعوى قضائية ضد الحكومة الأميركية وشركة غوغل، بسبب الكشف عن هويات ضحايا عن طريق الخطأ.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا ولي عهد النرويج الأمير هاكون وولية العهد الأميرة ميته - ماريت خلال مراسم منح جائزة نوبل للسلام في أوسلو... النرويج 10 ديسمبر 2025 (رويترز)

ولية عهد النرويج تعود للظهور العام بعد غياب لأشهر

شاركت ولية عهد النرويج الأميرة ميت-ماريت في فعالية ملكية، الثلاثاء، لأول مرة منذ أشهر، في أعقاب سلسلة من الفضائح والمشاكل الصحية.

«الشرق الأوسط» (أوسلو)

بريطانيا والنرويج تقودان عملية عسكرية لردع غواصات روسية في شمال المحيط الأطلسي

وزير الدفاع البريطاني جون هيلي يدلي ببيان حول النشاط العسكري الأخير للمملكة المتحدة في مقر رئاسة الوزراء في «9 داونينغ ستريت» بوسط لندن 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
وزير الدفاع البريطاني جون هيلي يدلي ببيان حول النشاط العسكري الأخير للمملكة المتحدة في مقر رئاسة الوزراء في «9 داونينغ ستريت» بوسط لندن 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بريطانيا والنرويج تقودان عملية عسكرية لردع غواصات روسية في شمال المحيط الأطلسي

وزير الدفاع البريطاني جون هيلي يدلي ببيان حول النشاط العسكري الأخير للمملكة المتحدة في مقر رئاسة الوزراء في «9 داونينغ ستريت» بوسط لندن 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
وزير الدفاع البريطاني جون هيلي يدلي ببيان حول النشاط العسكري الأخير للمملكة المتحدة في مقر رئاسة الوزراء في «9 داونينغ ستريت» بوسط لندن 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت القوات المسلحة البريطانية، الخميس، إنَّ القوات العسكرية البريطانية قادت ونظيرتها النرويجية عمليةً استمرَّت أسابيع؛ لردع غواصات روسية يُشتبه في قيامها بـ«أنشطة خبيثة» في شمال المحيط الأطلسي، حسبما أفادت وكالة «أسوشييتد برس».

وقال وزير الدفاع البريطاني، جون هيلي، إن فرقاطة وطائرات ومئات من الأفراد قاموا بمراقبة غواصة هجومية روسية وغواصتين تجسُّستَين بالقرب من البنية التحتية تحت سطح البحر شمال المملكة المتحدة. وأضاف أن السفن الروسية غادرت في نهاية المطاف بعد العملية التي استمرَّت أكثر من شهر.

وقال هيلي إنَّ رسالته إلى روسيا هي: «نحن نرى نشاطكم فوق كابلاتنا وخطوط أنابيبنا، ويجب أن تعلموا أنَّ أي محاولة للإضرار بها لن يتم التسامح معها، وستكون لها عواقب وخيمة».

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدث إلى مشاة البحرية الملكية على متن سفينة «إتش إم إس سانت ألبانز» في أوسلو، خلال زيارته للنرويج يوم 9 مايو 2025 (أ.ب)

وسعى مسؤولون بريطانيون إلى إبقاء روسيا في دائرة الضوء الدولية، حتى في وقت يتركز فيه اهتمام العالم على الصراع في الشرق الأوسط. كما شدَّدوا على الترابط بين النزاعات في الشرق الأوسط وفي أوكرانيا، قائلين إن روسيا زوَّدت إيران بأجزاء طائرات مسيّرة ودعم آخر.

وقال هيلي، في مؤتمر صحافي، إن «بوتين يرغب في أن ننشغل بالشرق الأوسط»، لكن روسيا هي التهديد الرئيسي للمملكة المتحدة وحلفائها.

وأضاف: «لن نرفع أعيننا عن بوتين».

وفي أواخر مارس (آذار)، قالت المملكة المتحدة إنَّ جيشها مستعدٌّ لاحتجاز سفن يُشتبه في أنها جزء من «الأسطول الظلّي» الروسي الذي ينقل النفط، في انتهاك للعقوبات الدولية المفروضة على موسكو بسبب حربها في أوكرانيا. وكانت بريطانيا في السابق تساعد فرنسا والولايات المتحدة فقط على مراقبة السفن قبل الصعود إليها.

وقال هيلي: «نحن مستعدون لاتخاذ إجراءات» ضد تلك السفن.


انتخابات تتابعها أوروبا باهتمام في المجر

بيتر ماجيار زعيم المعارضة خلال الاحتفال بالعيد الوطني المجري في بودابست - 15 مارس 2026 (رويترز)
بيتر ماجيار زعيم المعارضة خلال الاحتفال بالعيد الوطني المجري في بودابست - 15 مارس 2026 (رويترز)
TT

انتخابات تتابعها أوروبا باهتمام في المجر

بيتر ماجيار زعيم المعارضة خلال الاحتفال بالعيد الوطني المجري في بودابست - 15 مارس 2026 (رويترز)
بيتر ماجيار زعيم المعارضة خلال الاحتفال بالعيد الوطني المجري في بودابست - 15 مارس 2026 (رويترز)

تشهد المجر، الأحد المقبل، انتخابات برلمانية تنطوي على تداعيات واسعة تتجاوز حدود البلاد. وبعد 16 عاماً في السلطة، يواجه رئيس الوزراء، فيكتور أوربان، تحدياً خطيرا ومتوصلاً من بيتر ماجيار، الذي يتقدم حزبه (تيلزا)، في معظم استطلاعات الرأي المستقلة، وإن لم يكن ذلك تقدماً حاسماً.

ويقول غريغوار روس، المحلل السياسي البارز مدير برامج أوروبا وروسيا وأوراسيا في «تشاتام هاوس» (المعهد الملكي البريطاني) إن نتيجة السباق سوف تحدد المسار الداخلي في المجر، وقدرة الاتحاد الأوروبي على العمل بشكل متماسك، وأيضاً توازن النفوذ بين روسيا والغرب في وسط أوروبا. كما ستشكل اختباراً لشبكة الحلفاء السياسيين، أصحاب التوجهات المتشابهة التي يبنيها الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، في أوروبا.

نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس (يمين) ورئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان خلال فعالية في بودابست - 7 أبريل 2026 (رويترز)

وأكد روس أن زيارة جيه دي فانس، نائب الرئيس الأميركي، للمجر، هذا الأسبوع، في دعم علني لأوربان، هي شكل غير معتاد من الانخراط السياسي الأميركي المباشر في انتخابات أوروبية، وتعكس عمق الانقسام بين واشنطن وحلفائها التقليديين عبر الأطلسي.

أكثر من مجرد حكومة: نظام كامل

ومن منظور داخلي بحت، لا تمثل هذه الانتخابات مجرد اختيار بسيط بين الاستمرارية والتغيير، بل هي اختبار لمدى ترسخ نظام سياسي بأكمله. فعلى مدار العقد الماضي، طورت المجر نموذجاً يتميز بمركزية قوية، ودور نشط للدولة في الاقتصاد، بحسب روس. وترجم ذلك إلى سياسات ملموسة: وضع سقف لأسعار الطاقة، وبرامج دعم مباشر للأسر، ونهج تقوده الدولة في القطاعات الاستراتيجية.

وفي الوقت نفسه، أصبحت الضغوط الاقتصادية أكثر وضوحاً؛ إذ أدى التضخم إلى تآكل القوة الشرائية، وأصبحت المالية العامة أكثر تقييداً مقارنةً بالدورات الانتخابية السابقة.

رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان لدى وصوله لحضور اجتماع المجلس الأوروبي في بروكسل - 18 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

وثمة جانب آخر أساسي في هذا النموذج، ألا وهو الخطاب السياسي القائم على السيادة ومقاومة الضغوط الخارجية. وقد اتسمت علاقة أوربان مع الاتحاد الأوروبي بنزاع متواصل ومتعمق حول قضايا متعددة، من سيادة القانون والهجرة إلى الحرب في أوكرانيا. ولا يزال هناك نحو 20 مليار يورو من أموال الاتحاد الأوروبي مجمَّدة نتيجة لذلك. وقد أدى ذلك إلى نتائج واضح، مثل تأجيل مشاريع البنية التحتية، وانخفاض المنح التنموية للشركات، وتقلص الإنفاق العام.

ويقول روس إنه بعدما جعل نظام أوربان المواجهة مع الاتحاد الأوروبي محوراً أساسياً لمشروعه، بدأ يدرك تداعيات هذه الاستراتيجية عليه، في صورة أموال مؤجلة، وميزانيات أكثر تشدداً، وخيارات سياسية أقل. وقد يكون الثمن السياسي لكل هذا باهظاً.

مزيد من الاحتكاك أم التقارب؟

وتحمل الانتخابات أهمية لديناميكيات الاتحاد الأوروبي الداخلية، فلطالما استخدمت المجر وضعها لتعطيل أو إعادة تشكيل قرارات جماعية للتكتل، خصوصاً فيما يتعلق بالدعم المالي لأوكرانيا، وهو ما خلق توتراً داخل التكتل، حيث لا يزال الإجماع مطلوباً في قضايا السياسة الخارجية الأساسية.

ومن المرجَّح أن يؤدي فوز أوربان إلى تصاعد الدعوات، لا سيما من ألمانيا ودول أخرى، إلى اعتماد التصويت بالأغلبية المؤهلة داخل الاتحاد، لتحجيم قدرة بودابست على تعطيل القرارات.

ويؤكد المحلل روس أن التغيير في القيادة قد يخفف ما تضعه المجر من عراقيل، لكنه لن يعني بالضرورة توافقاً تاماً مع مواقف الاتحاد الأوروبي الرئيسية. وعلى سبيل المثال، من المرجَّح أن يظل الرأي العام في المجر حذراً بشأن الهجرة.

وفيما يتعلق بأوكرانيا وروسيا، تبنت المجر موقفاً مميزاً داخل الاتحاد يجمع بين الموافقة الرسمية على العقوبات والتزامات «حلف شمال الأطلسي (الناتو)»، مع نهج أكثر حذراً، أحياناً براغماتياً، تجاه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وقد شمل ذلك استمرار التعاون في مجال الطاقة مع موسكو، وموقفاً أكثر تحفظاً بشأن الدعم العسكري لأوكرانيا.

وقد تعيد حكومة بقيادة بيتر ماجيار ضبط هذا التوازن، لكن القيود الأساسية (الجغرافية والاقتصادية والسياسية) التي تواجه أي حكومة مجرية لن تختفي بين ليلة وضحاها.

استمرارية حتمية

يتعين التعامل بحذر مع احتمالات التغيير؛ حيث إن بيتر ماجيار ليس شخصية خارج النظام تسعى لتفكيكه من جذوره، بل هو مِن داخله ويدرك كيف يعمل هذا النظام.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يرحب برئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان في الكرملين - 28 نوفمبر 2025 (أ.ب)

وقد تحاشت حملته عمداً تصوير الانتخابات كصراع بين «مجر وأخرى» متناقضتين. وهذا مهم، لأنه يشير إلى سيناريو يكون فيه التغيير انتقائياً وتدريجياً، لا جذرياً شاملاً.

وربما تتغير بعض المجالات بسرعة نسبية؛ فقد تستقر العلاقات مع بروكسل، مما يفتح الباب أمام جزء من تمويل الاتحاد الأوروبي. كما قد تتعدل نبرة السياسة الخارجية، خصوصاً تجاه كييف وموسكو.

ولكن ثمة عناصر أخرى أكثر رسوخاً، مثل الدور المركزي للدولة في الاقتصاد، والأهمية الكبيرة لمشروعات الطاقة الضخمة.

تغيير على الهوامش

أعادت الحرب الأخيرة في منطقة الخليج أمن الطاقة إلى صدارة الحملة الانتخابية.

وتنتج محطة «باكس» النووية في المجر نحو نصف كهرباء البلاد. ويعتمد بناء مفاعلات جديدة على التكنولوجيا والتمويل من روسيا عبر «روساتوم» (المؤسسة الحكومة للطاقة النووية في روسيا). كما أن البنية التحتية للغاز في المجر كانت تاريخياً موجهة نحو الإمدادات الروسية.

وأبرزت أحداث حديثة هشاشة هذه البنية؛ إذ عثر على متفجرات في صربيا قرب خط أنابيب يزود المجر بالغاز الروسي. وتزعم أوكرانيا أن روسيا ربما دبرت الحادث، كعملية «راية زائفة»، وهو أمر غير مستبعَد، ولكن لم يتم إثباته.

ويظهر هذا أن الاعتماد على الطاقة ليس قضية اقتصادية فحسب، بل استراتيجية أيضاً.

ورغم أن تنويع مصادر الطاقة ممكن، فإنه يتطلب سنوات من الاستثمار في خطوط أنابيب بديلة، وتحديث الشبكات، والتنسيق الإقليمي، مما يحد من قدرة أي حكومة على المناورة على المدى القصير.

رئيس الوزراء، فيكتور أوربان خلال حملته الانتخابية في 27 مارس 2026 (رويترز)

وينبغي ضبط توقعات الاتحاد الأوروبي وفقاً لذلك. ففي ظل حكومة بقيادة بيتر ماجيار، من المرجح ألا يكون المسار انفصالاً كاملاً عن روسيا، بل إعادة توازن تدريجية تتشكل بقدر ما تمليه القيود العملية وبقدر ما تحدده النيات السياسية.

وجذب نهج إدارة الحملة الانتخابية الانتباه؛ حيث زعم صحافيون ومنظمات غير حكومية وجود ممارسات تطمس الحدود بين السياسات العامة والتعبئة السياسية، خصوصاً في المناطق الأكثر ضعفاً من الناحية الاقتصادية.

وتواجه الحكومة اتهامات بتقديم مزايا مادية وبرامج توظيف عامة لكسب أصوات فئات بعينها، وتنظيم نقل الناخبين إلى مراكز الاقتراع. ولكن الأدلة تشير بشكل أكبر إلى شبكات محلية من المحسوبية والاعتماد، بدلاً من شراء الأصوات. وقد لا يكون ذلك كافياً لإبطال نتائج الانتخابات، لكنه يعكس بيئة تنافس غير متكافئة بشكل متزايد.

خيارات مقيدة

ويتحدث روس عن لوحة خيارات مقيدة أكثر من كونها بدائل واضحة، فسياسات الاقتصاد في المجر تتأثر بضيق الحيز المالي والتمويل الخارجي المشروط، واستراتيجية الطاقة تحددها البنية التحتية طويلة الأمد والتبعية القائمة. أما السياسة الخارجية، فتقع عند تقاطع عضوية الاتحاد الأوروبي والتزامات «الناتو» والاعتبارات البراغماتية.

ويؤكد روس في ختام تحليله أن تغيير القيادة لن يؤدي تلقائياً إلى تحول في النظام، فقد تطور النظام السياسي في المجر خلال العقد الماضي بطريقة تعكس أوجه تفضيل هيكلية ومجتمعية عميقة تتعلق بالسيادة، ودور الدولة، وحدود التأثير الخارجي. وهذه ليست أموراً يسهل تغييرها بمجرد تداول السلطة.


«مدمرة للغاية»... بريطانيا وفرنسا تدينان الهجمات الإسرائيلية على لبنان

ينظر أحد رجال الإنقاذ بالقرب من مبنى متضرر في موقع غارة إسرائيلية نُفذت يوم الأربعاء في تلة الخياط ببيروت (رويترز)
ينظر أحد رجال الإنقاذ بالقرب من مبنى متضرر في موقع غارة إسرائيلية نُفذت يوم الأربعاء في تلة الخياط ببيروت (رويترز)
TT

«مدمرة للغاية»... بريطانيا وفرنسا تدينان الهجمات الإسرائيلية على لبنان

ينظر أحد رجال الإنقاذ بالقرب من مبنى متضرر في موقع غارة إسرائيلية نُفذت يوم الأربعاء في تلة الخياط ببيروت (رويترز)
ينظر أحد رجال الإنقاذ بالقرب من مبنى متضرر في موقع غارة إسرائيلية نُفذت يوم الأربعاء في تلة الخياط ببيروت (رويترز)

أعلنت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر، الخميس، أن بريطانيا ترغب بشدّة في أن يُشمل لبنان بوقف إطلاق النار في الشرق الأوسط.

وقالت كوبر، في تصريحات لـ«قناة سكاي نيوز»: «نرغب في وقف لإطلاق النار يمدّد إلى لبنان. وأنا أشعر بقلق بالغ إزاء الهجمات المتصاعدة لإسرائيل التي شهدناها بالأمس في لبنان».

وأضافت: «رأينا التداعيات الإنسانية والنزوح الواسع النطاق في لبنان. لذا، نحن نرغب بشدّة في أن يمدّد وقف إطلاق النار إلى لبنان».

ووصفت وزيرة الخارجية البريطانية قصف إسرائيل للبنان بأنه «مدمر للغاية»، مضيفة أن الحرب يجب أن تتوقف لمنع تداعي وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران.

يتصاعد الدخان والحطام بعد استهداف مبنى بغارة جوية إسرائيلية في منطقة العباسية على مشارف مدينة صور جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وتابعت قائلة: «هذا التصعيد الذي رأيناه من إسرائيل أمس مدمر للغاية ونريد أن نرى وقفاً للأعمال القتالية»، وفقاً لما

ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

من جانبه، أعلن وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو، اليوم، عبر أثير إذاعة «فرانس إنتر»، أن الضربات الإسرائيلية على لبنان «غير مقبولة»، مشيراً إلى تضامن فرنسا مع يوم الحداد الوطني الذي أقرّته السلطات اللبنانية.

وصرّح: «ندين بشدّة هذه الضربات الكثيفة... التي أودت خلال 10 دقائق بحياة أكثر من 250 شخصاً أضيفوا إلى 1500 ضحية قضوا في النزاع الذي أشعل (حزب الله) فتيله ضدّ إسرائيل في الثاني من مارس (آذار) الماضي»، مشدّداً على أن «هذه الهجمات غير مقبولة خصوصاً أنها تضعف وقف إطلاق النار المؤقّت الذي تمّ التوصّل إليه أمس بين

الولايات المتحدة وإيران».

وأكّد بارو: «نعم، ينبغي لإيران أن تتوقّف عن ترهيب إسرائيل بواسطة (حزب الله) الذي ينبغي له بصورة ملحّة أن يلقي السلاح ويسلّمه إلى الدولة اللبنانية. ولكن، لا! ينبغي ألا يكون لبنان بمثابة كبش فداء لحكومة مربكة لأنه تمّ التوصّل

إلى وقف لإطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران».

وأعلن رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، الخميس، يوم حداد وطني على ضحايا الغارات الإسرائيلية غير المسبوقة على لبنان منذ بدء الحرب بين إسرائيل و«حزب الله»، التي أوقعت أكثر من 100 قتيل ومئات الجرحى.