مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية تحسباً لمغامرات روسية

«أوريون 26» تجرى بمشاركة 24 بلداً وتستمر لنهاية أبريل

 مدرعات متعددة المهام كما تظهر داخل حاملة الطوافات «تونير» التابعة للبحرية الفرنسية (رويترز)
مدرعات متعددة المهام كما تظهر داخل حاملة الطوافات «تونير» التابعة للبحرية الفرنسية (رويترز)
TT

مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية تحسباً لمغامرات روسية

 مدرعات متعددة المهام كما تظهر داخل حاملة الطوافات «تونير» التابعة للبحرية الفرنسية (رويترز)
مدرعات متعددة المهام كما تظهر داخل حاملة الطوافات «تونير» التابعة للبحرية الفرنسية (رويترز)

منذ يوم الأحد، انطلقت مناورات «أورويون 26» التي تتواصل حتى 30 أبريل (نيسان) المقبل، وتضم فرقاً من 24 دولة غالبيتها أوروبية، ولكن بمشاركة أميركية وكندية ودول أخرى؛ مثل اليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية وسنغافورة والبرازيل. وانضمت إلى المناورات دولتان عربيتان هما المغرب وقطر.

وتعد «أوريون 26» النسخة الثانية من التدريبات التي جرت قبل 3 أعوام تحت اسم «أوريون 23». ورغم الميزة المشتركة بين التدريبين، بحيث إنهما يتمان بمبادرة من فرنسا وبقيادتها، فإن مناورات «أوريون 26» تتميز بضخامتها من جهة، وبأنها تحصل في ظل وضع جيو - استراتيجي بالغ التعقيد. فالولايات المتحدة، في ظل الولاية الثانية للرئيس دونالد ترمب، لم تعد الشريك الأطلسي الموثوق به بالنسبة للجناح الأوروبي للحلف، ما يدفع الأوروبيين للسعي لتعزيز دفاعاتهم الخاصة والاعتماد على جيوشهم وقدراتهم الذاتية. وما فاقم مخاوفهم الظروف التي أحاطت برغبة ترمب في السيطرة على جزيرة غرينلاند القطبية، رغم أن السيادة فيها تعود للدنمارك، العضو في الحلف الأطلسي وفي الاتحاد الأوروبي. كذلك، فإن الأضواء التي سلطتها واشنطن على الأطماع الروسية والصينية في الممرات البحرية الجديدة بالقطب الشمالي، لا يمكن فصلها عن الهدف من هذه المناورات.

ومن جهة ثانية، فإن تواصل الحرب الأوكرانية يترافق مع تصاعد القلق الأوروبي من الخطط الروسية، حيث إن المخططين العسكريين (كما في ألمانيا وفرنسا مثلاً) لا يستبعدون أن تعمد روسيا لاستهداف بلد أوروبي في شمال أوروبا، أو بلدان بحر البلطيق، خصوصاً تلك التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفياتي حتى تفككه نهاية عام 1991.

حاملة الطوافات الفرنسية «تونير» التابعة للبحرية الفرنسية والمشاركة في المناورات العسكرية خلال تمرين في البحر المتوسط قبالة الساحل الفرنسي قريباً من قاعدة طولون (رويترز)

سيناريو مواجهة هجوم روسي

بالنظر لما سبق، فإن «أوريون 26» كما خططت له قيادة أركان القوات الفرنسية، يحاكي خطة منسقة لرد هجوم وهمي استهدف دولة أوروبية. ورغم لجوء القيادة المذكورة لتسميات وهمية، فإن المقصود درء هجوم روسي. والغرض من المناورة التأقلم مع العمل الجماعي بين قوات مختلفة الجنسيات، ولكن بعضها اعتاد على مثل هذا النوع من التدريبات في إطار الحلف الأطلسي.

وبما أن فرنسا، التي تدفع دول الاتحاد الأوروبي منذ وصول الرئيس إيمانويل ماكرون إلى قصر الإليزيه، إلى بناء قواه الذاتية، هي التي تقود المناورات، فإنها توفر العدد الأكبر من القوات والأسلحة والمعدات. كما أن المناورات البرية والجوية تدور على أراضيها وفي أجوائها، فيما المناورات البحرية تحصل في المحيط الأطلسي الشمالي. وتشارك القوات الفرنسية بنحو 8 آلاف رجل (من أصل 12500) من مختلف الأسلحة و140 طائرة وطوافة و1200 مسيرة و6 أنظمة دفاع جوي، كما حضرت 10 قواعد جوية موزعة على الأراضي الفرنسية و2500 عربة مصفحة. وفيما يخص البحرية، فإن باريس تشارك بحاملة الطائرات «شارل ديغول» ومجموعتها المواكبة وبـ25 وحدة عسكرية قتالية بحرية، وهيأت قاعدتين بحريتين لهذه المناورات الأولى في مياه المتوسط والثانية على شاطئها الأطلسي. ولقيادة العمليات، أقيمت قيادة أركان مشتركة انضم إليها ضباط من الدول المشاركة.

وترسم المعلومات المتوافرة صورة إجمالية لهذه المناورات التي تشمل عمليات برمائية وأرضية وإنزالاً جوياً وسيطرة على الأجواء والحرب السيبرانية، وتوفير الحماية لمناطق معرضة للاختراقات وتأمينها. ويريد القيمون على هذه المناورات تحقيق 3 أهداف: تعزيز الجاهزية للقتال عالي الشدة، بما في ذلك في سياقات حرب «هجينة» واختبار قابلية العمل البيني بين القوات المشاركة، وأخيراً اختبار إجراءات القيادة المشتركة بين مختلف الفروع العسكرية والحلفاء، وكذلك مدى التكامل والتآزر بين المجالات العملياتية.

جنود من البحرية الفرنسية على قارب مطاطي خلال تمرين في مياه البحر المتوسط لتأمين حاملة الطوافات «تونير» (رويترز)

حماية الأطلسي الشمالي

لعل الأبرز في «أوريون 26» يتناول العمليات البحرية، خصوصاً في شمال الحلف الأطلسي، حيث تفيد التقارير العسكرية بتزايد العمليات الروسية «المعادية» بأشكال مختلفة. ولا يمكن فصل هذا الجانب عن الضغوط الأميركية التي تعتبر أن الأوروبيين لا يقومون بما هو كافٍ لحماية هذه المنطقة الاستراتيجية. وشكّل هذا الجانب إحدى حجج ترمب للمطالبة بوضع اليد على جزيرة غرينلاند. ورغم التوافق الأولي الذي نجح مارك روته، الأمين العام للحلف الأطلسي، في الترويج له لدى ترمب والذي جعل الأخير يتراجع عن عزمه السيطرة على غرينلاند بما في ذلك اللجوء إلى العمل العسكري، فإن من الواضح أن هناك أزمة أمنية حقيقية يتعين على الأوروبيين وعلى الحلف الأطلسي التعامل معها بجدية.

ومن هنا، فإن المناورات التي بدأت، تعد «مقدمة» لما سيقوم به الغربيون في هذه المنطقة البحرية الاستراتيجية.

ونقلت صحيفة «لو باريزيان» في عددها ليوم الأحد، أن الهدف لما سمته «استعراض القوة» وفق الجنرال غوديليير، أحد المسؤولين عن المناورات، «يهدف قبل كل شيء، إلى تعزيز جاهزية القوات والقيادات لمعارك عالية الشدة، أي لمواجهة خصم يمتلك قدرات لا تقلّ عن قدراتنا، إن لم تكن مماثلة لها»، أكان ذلك في الفضاء والحرب السيبرانية والإلكترونية والتهديدات المعلوماتية، والاستخبارات عبر الأقمار الاصطناعية، والتشويش الكهرومغناطيسي، وكل ما يميز الحروب «الجديدة». ويشدد الجنرال غوديليير على أهمية السيطرة على الأجواء، لاعتباره أن «القتال الجوي - الفضائي يُعدّ عنصراً محورياً؛ بل هو شرطٌ مسبق لعرقلة إرادة الخصم وحريته في العمل»، وبالتالي السيطرة على أرض المعركة.


مقالات ذات صلة

الجيش اللبناني يجري تدريبات مشتركة مع الجيش البريطاني

المشرق العربي عناصر من الجيش اللبناني على متن آلية عسكرية خلال جولة إعلامية للاطلاع على عمليات الجيش في منطقة جنوب الليطاني ببلدة علما الشعب قرب الحدود مع إسرائيل يوم 28 نوفمبر 2025 (رويترز)

الجيش اللبناني يجري تدريبات مشتركة مع الجيش البريطاني

يبدأ الجيش اللبناني، الثلاثاء، تدريبات مشتركة مع الجيش البريطاني، وفق ما أعلن الطرفان، على أن يشارك عناصر من جيوش الولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا في المناورة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شؤون إقليمية جانب من مناورات أجرتها تركيا في بحر إيجه في سبتمبر الماضي (وزارة الدفاع التركية)

أزمة جديدة بين أنقرة وأثينا

صدرت تحذيرات من مواجهة عسكرية بين تركيا واليونان، على خلفية إعلان أثينا الاستعداد للبدء مجدداً في مشروع للربط الكهربائي مع قبرص وإسرائيل أسفل مياه المتوسط.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شمال افريقيا الجيش المصري يعلن عن تدريب عسكري مشترك مع إيطاليا (المتحدث العسكري المصري)

مناورة مصرية - إيطالية تدعم تعزيز العلاقات

أعلن الجيش المصري تنفيذ تدريبات عسكرية مشتركة مع الجانب الإيطالي تضمنت مناورات بمناطق جبلية في إيطاليا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
أوروبا جندي بيلاروسي يشارك في عرض عسكري بالعاصمة مينسك (أرشيفية - رويترز) p-circle

بيلاروسيا تنفّذ مناورات عسكرية على حدودها مع الاتحاد الأوروبي

أجرت بيلاروسيا، المتحالفة مع روسيا، مناورات عسكرية في الجزء الغربي من أراضيها، على حدودها مع الاتحاد الأوروبي الذي بلغت التوترات بينها وبينه ذروتها.

«الشرق الأوسط» (مينسك)
أوروبا سيّاح يشاهدون المناورة العسكرية متعددة الجنسيات بقيادة اليونان ومصر (أ.ب)

سياح في جزيرة كريت يتابعون عن قرب تدريبات عسكرية تقودها اليونان ومصر

حظي المصطافون في جزيرة كريت اليونانية، الجمعة، بمشاهدة عن قرب لتدريبات «ميدوسا» العسكرية واسعة النطاق كانت تجري أمامهم.

«الشرق الأوسط» (ماليمي (اليونان))

المديرة التنفيذية لمؤسسة «نوبل» تستقيل من منصبها

هانا شتيرنه (مؤسسة نوبل)
هانا شتيرنه (مؤسسة نوبل)
TT

المديرة التنفيذية لمؤسسة «نوبل» تستقيل من منصبها

هانا شتيرنه (مؤسسة نوبل)
هانا شتيرنه (مؤسسة نوبل)

أعلنت هانا شتيرنه، المديرة التنفيذية لمؤسسة «نوبل» المرموقة، استقالتها، الجمعة، بعد أيام من إعلان الفائزين بجوائز نوبل لهذا العام.

وقالت المؤسسة، في بيان، إن الصحافية السويدية والمديرة الإعلامية (57 عاماً)، ستتنحى عن منصبها، لأسباب «شخصية وصحية».

وقالت شتيرنه: «كانت رحلة رائعة لتطوير أنشطة مؤسسة نوبل والمساهمة في ضمان وصول جوائز نوبل إلى الناس في جميع أنحاء العالم».

وأضافت: «أشعر بالفخر إزاء ما حققناه معاً، وبالزملاء ذوي الكفاءة العالية في مختلف المجالات المرتبطة بنوبل».

وتولت شتيرنه إدارة المؤسسة في مطلع عام 2025. وقبل ذلك، كانت تتولى رئاسة هيئة البث العامة السويدية «إس في تي».

أُسست مؤسسة نوبل في عام 1900 لإدارة إرث رجل الصناعة السويدي ومخترع الديناميت ألفريد نوبل (1833-1896).


البابا ليو يقيم قداساً في المستشفى بعد خضوعه لجراحة لاستئصال ورم سرطاني

أشخاص يلتقطون صورة مع تمثال البابا جون بول الثاني خارج مستشفى جيميلي في روما (رويترز)
أشخاص يلتقطون صورة مع تمثال البابا جون بول الثاني خارج مستشفى جيميلي في روما (رويترز)
TT

البابا ليو يقيم قداساً في المستشفى بعد خضوعه لجراحة لاستئصال ورم سرطاني

أشخاص يلتقطون صورة مع تمثال البابا جون بول الثاني خارج مستشفى جيميلي في روما (رويترز)
أشخاص يلتقطون صورة مع تمثال البابا جون بول الثاني خارج مستشفى جيميلي في روما (رويترز)

أقام البابا ليو الرابع عشر قداساً، الجمعة، في المستشفى الذي يتلقى فيه العلاج، بعد خضوعه لعملية جراحية لاستئصال ورم سرطاني في الرئة، وفق ما أظهرت صور له هي الأولى التي ينشرها الفاتيكان بعد إجراء العملية.

وأظهرت الصور البابا، البالغ (71 عاماً) والمولود في شيكاغو، واقفاً أمام مذبح في غرفة من المستشفى في روما، مرتدياً ثوباً كهنوتياً أخضر.

وبدا البابا في حالة جيدة، وإلى جانبه سكرتيره الخاص الكاهن البيروفي إدغارد ريمايكونيا، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وذكر المكتب الإعلامي للفاتيكان أن البابا أقام القداس بحضور الطاقمَيْن الطبي والتمريضي في مستشفى جيميلي، إلى جانب أشخاص كانوا موجودين في المكان خارج أوقات دوامهم، كما انضم إليهم عناصر من الشرطة.

وأضاف أن البابا أعرب عن شكره لجميع العاملين من أطباء وممرضين وموظفي خدمات، على تفانيهم في العمل وقربهم من الناس واهتمامهم بضعف الإنسان، وخصوصاً على ما تلقاه شخصياً في الأيام الماضية من رعاية واهتمام وعلاج.

ومن المتوقع أن يترأس البابا صلاة «التبشير الملائكي» التقليدية، الأحد، لكن مصدراً في الفاتيكان لم يوضح ما إذا كانت الصلاة ستُقام من داخل المستشفى أم من الفاتيكان.

وتعوّد البابا إقامة صلاة «التبشير الملائكي» كل يوم أحد من نافذة القصر الرسولي المطلة على ساحة القديس بطرس، أمام حشود في الساحة.

البابا ليو الرابع عشر يقيم قداساً في المستشفى الذي يتلقى فيه العلاج (د.ب.أ)

فحوص مستمرة

أدخل البابا ليو، الثلاثاء، إلى مستشفى جيميلي في روما والواقع شمال الفاتيكان، حيث خضع لعملية جراحية لاستئصال ورم سرطاني في رئته اليمنى.

وذكر الأطباء أنه يتعافى بشكل طبيعي، لكن الفحوص المستمرة ستحدد المسار المقبل لعلاجه.

وأفاد أطباؤه، الخميس، بأن صورة الأشعة للصدر أظهرت «تعافياً جيداً للرئة التي أُجريت لها الجراحة».

وأفادوا، الجمعة، بأن الفحوص أظهرت «تحسناً مستمراً في حالته العامة»، لافتين النظر إلى أنه بات الآن يمارس «أنشطته اليومية المعتادة بشكل مستقل تماماً».

ولم تظهر بعد نتائج الفحوص التي ستحدد ما إذا كان السرطان قد انتشر. وقال مصدر في الفاتيكان إن «معنويات (البابا) جيدة، وهذا واضح. كما أن تعافيه يسير على ما يرام، بدليل أن البابا تمكن من إقامة القداس».

«أيام أفضل»

لم يدل المكتب بأي معلومات عن الموعد المحتمل لخروج البابا من المستشفى، مكتفياً بتكرار ما سبق أن ذكره الطبيب لجهة أن تعافيه سيستغرق نحو أسبوع.

وإذا قام البابا صلاة «التبشير الملائكي» من نافذة مستشفى جيميلي، فلن تكون سابقة في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية.

ففي 6 فبراير (شباط) 2005، أطل البابا يوحنا بولس الثاني، الذي كان يبلغ حينها (84 عاماً)، من نافذة المستشفى خلال تعافيه من مشكلات تنفسية نجمت عن الإنفلونزا، فيما تولى أحد مساعديه تلاوة صلاة التبشير واقفاً إلى جانبه.

كما أقام البابا فرنسيس الصلاة ذاتها من نافذة المستشفى في 11 يوليو (تموز) 2021، وكان يبلغ حينها (84 عاماً) أيضاً، وذلك عقب خضوعه لجراحة في القولون. وقال يومها للحشود المجتمعة: «أنا سعيد لأنني تمكنت من الالتزام بموعد صلاة (التبشير الملائكي) ليوم الأحد، حتى من هنا».

ونشر الفاتيكان، الجمعة، مجموعة من الرسوم والرسائل التي أرسلها أطفال في المستشفى، بالإضافة إلى رسالة من شابة تبلغ (18 عاماً) كتبت فيها «سنحيا أياماً أفضل».

وكتب طفل في السابعة اسمه أنجيلو نقل إلى الطابق العاشر من مستشفى جيميلي قبل 36 يوماً، حيث خضع لجراحة في الرأس: «أمي وأنا نصلي من أجلك كل ليلة. أتمنى أن تتحسن صحتك قريباً».


الحرب في أوكرانيا جمعت شمل القمة الأوروبية

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية في بروكسل (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية في بروكسل (رويترز)
TT

الحرب في أوكرانيا جمعت شمل القمة الأوروبية

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية في بروكسل (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية في بروكسل (رويترز)

تفرّق الأوروبيون حول كل الملفات التي كانت مطروحة على طاولة القمة الأوروبية يومي الخميس والجمعة، وتعمّقت خلافاتهم حول مواضيع أساسية، مثل الهجرة والموازنة التي ستحدد سياسات الاتحاد خلال السنوات السبع المستقبلة، لكن الحرب في أوكرانيا جمعت شملهم حول موقف موحد لمواصلة تقديم الدعم العسكري والمالي واللوجستي إلى كييف، وتكريس القطيعة بين واشنطن وبروكسل، في مقاربة أخطر أزمة تواجه القارة الأوروبية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي كان هو نجم هذه القمة بلا منازع، إذ وصل العاصمة البلجيكية مساء الخميس، وأجرى محادثات وصفها بالممتازة مع رئيس الوزراء البلجيكي حول الأصول المالية الروسية المجمدة في بلدان الاتحاد، ومعظمها لدى المصارف البلجيكية، التي قالت عنها مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية، كاياك آلّاس، ظهر الجمعة، إنها «لا يجب أن تعاد إلى روسيا، قبل أن تحصل منها أوكرانيا على التعويضات التي تستحقها جراء الدمار الذي خلّفته الاعتداءات الروسية عليها».

الرئيس إيمانويل ماكرون (يسار) مصافحاً المستشار الألماني فريدريش ميرتس في بروكسل (أ.ف.ب)

في اليوم الثاني من القمة، حلّ عليها ضيفاً الرئيس الأوكراني طيلة الجلسة الصباحية، واستقبله القادة الأوروبيون بحفاوة لافتة وتصفيق طويل، كما لو أنهم كانوا يشعرون بحاجة ملحة لإظهار موقف موحد بعد سلسلة الخلافات العميقة التي ميّزت معظم اللقاءات الأخيرة. وكانت حفاوتهم تلك، وما تبعها من مواقف صدرت عن مسؤولة السياسة الخارجية ورئيس المجلس، رداً واضحاً على الموقف الأميركي الذي أكدت انكفاءه تصريحات الرئيس دونالد ترمب، التي دعا فيها إلى البحث عن بديل لرئاسة أوكرانيا، وتحميله زيلينسكي مسؤولية عدم التوصل إلى حلّ لإنهائها.

أما الملف الخلافي الذي استهلك معظم النقاش الذي دار يوم الخميس في القمة، فكانت موازنة الاتحاد للفترة 2028 - 2034، التي ستحدد العناوين السياسية الكبرى خلال السنوات المقبلة، التي برزت فيها خلافات عميقة حولها، تبدّت في المواجهة الشرسة بين مجموعة الدول «المقتصدة» التي تقودها ألمانيا وتدعو إلى خفض كبير في المقترح الذي أعدته المفوضية، ومجموعة «أصدقاء التضامن» بقيادة إسبانيا وإيطاليا، وتطالب بتخصيص مزيد من الموارد لمواجهة المرحلة المقبلة.

زيلينسكي في طريقه للقمة الأوروبية (أ.ف.ب)

وليس أدلّ على عمق الخلافات حول هذا الإطار المالي المتعدد السنوات من تصريحات رئيس الوزراء السويدي كريسترسون، الذي قال: «بصراحة، لسنا في عجلة من أمرنا للتوصل إلى اتفاق، والمواطن السويدي ليس صرّافاً آلياً للاتحاد الأوروبي». وردّ عليها رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز بقوله: «هذا الاقتراح ليس كافياً على الإطلاق».

وما يزيد من تعقيدات هذا الملف، ويعرقل بتّه قبل نهاية السنة، أن السنة المقبلة هي سنة انتخابات بامتياز في العديد من الدول الأعضاء، ما يجعل النقاش حول كل الملفات الحساسة سياسياً وموجهاً في الدرجة الأولى للاستهلاك الداخلي.

الرئيس إيمانويل ماكرون (يسار) مصافحاً المستشار الألماني فريدريش ميرتس الخميس بمناسبة قمة الاتحاد الأوروبي في بروكسل (أ.ف.ب)

ويعتبر هذا الإطار المالي بمثابة إعلان للأولويات السياسية، يحدد أين وكيف ستنفق الموارد المالية في السنوات السبع المقبلة. ويتضمن الاقتراح الذي وضعته المفوضية خفضاً ملحوظاً في بعض الأبواب الرئيسية التقليدية، مثل السياسة الزراعية المشتركة وسياسة التضامن، وزيادات في بعض الأبواب التي صارت من الأولويات الجديدة بسبب الظروف الجيوسياسية الراهنة، مثل الدفاع والأمن، وتعزيز القدرات التنافسية لمساعدة المؤسسات الأوروبية في السباق الذي تتصدره الولايات المتحدة والصين، وتتقدمان على بلدان الاتحاد الأوروبي بأشواط.

الرئاسة الدورية الحالية التي تتولاها آيرلندا تحاول منذ أشهر الدفع نحو اتفاق نهائي حول هذا الإطار المالي، رغم أنه لن يدخل حيز التنفيذ سوى في مطلع عام 2028. السبب التقني المعلن وراء هذا الاندفاع هو أن الإطار له تداعيات على البنى التحتية والإدارات التي ستتولى تنفيذه عندما يدخل حيز التنفيذ، وتحتاج وقتاً للاستعداد له. لكن ثمة سبباً سياسياً غير معلن، وهو أن فرنسا مقبلة على انتخابات رئاسية واشتراعية في أبريل (نيسان) المقبل، ولا يخفى على أحد أنه في حال وصول اليمين المتطرف إلى الإليزيه أو سيطرته على الأغلبية في الجمعية الوطنية، لن يكون من السهل أبداً التوصل إلى اتفاق، ناهيك عن الانتخابات المقررة أيضاً في بولندا وإيطاليا وفنلندا، حيث لن تتراجع الدول عن مواقفها المعلنة خشية تعرضها لخسارة في الأصوات.

مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي كايا كالاس (أ.ب)

الطبق الخلافي الآخر على مائدة القمة كانت الهجرة، التي أصبحت العنوان الرئيسي لمعظم الحملات الانتخابية في الدول الأعضاء، والمرشحة لمزيد من الاستقطاب والاستهلاك والمزايدات على أبواب الانتخابات، خاصة بعد الأحداث التي شهدتها مدينة سبتة الإسبانية هذا الصيف. ورغم أن الدول الأعضاء أبدت مؤخراً عن استعدادها للتضامن مع إسبانيا، بعكس ما حصل في بداية أحداث سبتة، لم تبخل في انتقاداتها لرئيس الوزراء الإسباني وسياسة الهجرة التي ينهجها، وقرار تسوية أوضاع مئات الآلاف من المهاجرين غير الشرعيين، الذي تعتبره بعض الدول الدافع الذي استقطب آلاف الشبان المغاربة الذين تدفقوا على سبتة هذا الصيف.

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال افتتاح فعالية في بروكسل يوم 29 سبتمبر 2026 (أ.ب)

ولم يمنع ذلك رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، ونظيرتها الدنماركية، من مطالبة سانشير بإعادة النظر في قرار تسوية أوضاع المهاجرين غير الشرعيين، الأمر الذي رفضه رئيس الوزراء الإسباني بشدة في المؤتمر الصحافي الذي عقده بعد القمة.

لكن سانشيز، الذي جاء إلى القمة مستعداً لهذه المواجهة، فنّد جميع الاتهامات التي وجّهت إليه بالأرقام والبيانات الصادرة عن أجهزة المفوضية، التي قالت رئيستها فون در لاين إن تدفق عشرات الآلاف من المهاجرين إلى سبتة لم يؤثر على سياسة الهجرة الأوروبية، وإن التدفقات غير الشرعية تراجعت العام الماضي بنسبة 55 في المائة، وبنسبة الثلث منذ بداية هذا العام.