مشهد سياسي جديد في تونس... وهوّة آخذة في الاتّساع

«اختلال كبير» بين سلطة مركزية يقودها رئيس الدولة ومعارضة ضعيفة ونخب مقسّمة

تظاهرة احتجاجية في تونس العاصمة (آ ف ب)
تظاهرة احتجاجية في تونس العاصمة (آ ف ب)
TT

مشهد سياسي جديد في تونس... وهوّة آخذة في الاتّساع

تظاهرة احتجاجية في تونس العاصمة (آ ف ب)
تظاهرة احتجاجية في تونس العاصمة (آ ف ب)

بعد 15 سنة من اندلاع الثورة التونسية وسقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي، تمرّ تونس بـ«مرحلة مفصلية جديدة»، لا تقلّ تعقيداً عن تلك التي عرفتها إبان مرحلة الاضطرابات الاجتماعية والشبابية في ديسمبر (كانون الأول) 2010 و يناير (كانون الثاني) 2011. إذ تحل الذكرى الخامسة عشرة «للانتفاضة الشبابية» وسط تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والاستقطاب السياسي. وفي الوقت نفسه، تعمّقت الاختلافات بين «جبهات سياسية» متقابلة: واحدة تساند السلطة القائمة باسم «التصحيح» و«إنقاذ الدولة» و«الدفاع عن السيادة الوطنية»، وأخرى معارضة تتهم الحكومة و«الأطراف» الموالية لها بـ«إجهاض الانتقال الديمقراطي والتعددية والإصلاحات» التي تقرّرت خلال العشرية الماضية وبخاصة في عهد حكومات «الوحدة الوطنية» بعد انتخابات 2014 و 2019.

تكشف التظاهرات الثقافية والسياسية التي نظّمت بمناسبة الذكرى الـ15 لاندلاع الثورة التونسية، بحسب الأكاديمي الحقوقي الحبيب بوعجيلة «اختلالاً كبيراً جداً في المشهد السياسي التونسي الجديد بين سلطة مركزية يقودها رئيس الدولة وفريقه ومعارضة ضعيفة ونخب مقسمة».

بوعجيلة، القيادي سابقاً في جبهة معارضة ترأسها الزعيم اليساري والوزير السابق أحمد نجيب الشابي، رأى في أحد التصريحات التي جمعتها «الشرق الأوسط» أن حصيلة السنوات الـ15 الماضية، ولا سيما منذ قرارات «يوليو (تموز) 2021» التي أدّت إلى حل البرلمان والحكومة المنتخبين، كانت تهميش الأحزاب والنقابات والعديد من قوى المجتمع المدني. وانعكس ذلك وفق تقديره في «انهيار المشهد السياسي والحزبي» الذي ساد ما بين 2011 و2021. وتسبّب بإضعاف تأثير كل الشخصيات والأطراف السياسية المحسوبة على قوى «الإسلام السياسي» وحلفائها السابقين في البرلمان والحكومة بمن فيهم «صنّاع القرار» داخل مؤسسات الدولة إبان عهدي الرئيسين الأسبقين المنصف المرزوقي (2011-2014) والباجي قائد السبسي (2014-2019 ) ورئيس حكومته الليبرالي يوسف الشاهد ( 2016-2020).

اختفوا من المشهد

في الوقت عينه، سجلت الإعلامية والأكاديمية منية العرفاوي في تصريح آخر لـ«الشرق الأوسط» من بين مظاهر اختلال موازين القوى في المشهد السياسي الحالي «تغييب» فاعلين سياسيين كبار لعبوا دوراً خلال العقد الماضي. إذ «اختفى من المشهد تقريباً معظم قيادات حزب النهضة الإسلامي وحزبي الرئيس المنصف المرزوقي (حزب المؤتمر) والرئيسين مصطفى بن جعفر وإلياس الفخفاخ (حزب التكتل) من جهة، وأحزاب «نداء تونس» (قايد السبسي) و«تحيا تونس» (الشاهد) و«قلب تونس» (بزعامة نبيل القروي صاحب المرتبة الثانية في الانتخابات الرئاسية عام 2019) و«مشروع تونس» (الذي تزعمه الوزير المستشار السابق في قصر قرطاج محسن مرزوق).

أما عبد اللطيف الهرماسي، عالم الاجتماع والأمين العام للحزب الجمهوري المعارض، فقال إن «غلطات قيادات المعارضة السابقة بعد ثورة 2011 ساهمت في إجهاض مسار الانتقال الديمقراطي والإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية». وربط «مظاهر الخلل» في المشهد السياسي الحالي «بالمضايقات والمحاكمات السياسية، بجانب انسحاب قطاع كبير من المثقفين والسياسيين والحقوقيين من العمل السياسي والحقوقي لأسباب عديدة منها فشل محاولات تشكيل جبهة وطنية موحدة للمعارضة تناضل أساساً من أجل الحريات والإفراج عن المساجين السياسيين».

ملفات التآمر على أمن الدولة

بالتوازي، أدى فتح ملفات قضائية وأمنية ضد عشرات من السياسيين ورجال الأعمال وأصحاب المؤسسات الإعلامية إلى «إبعاد فاعلين من المشهد السياسي والإعلامي من كل الألوان السياسية والثقافية»، وفق الإعلامي والناشط النقابي خليل الحناشي، الذي سجّل أن برلمانيين ونشطاء حقوقيين ومحامين وزعماء سياسيين كباراً أحيلوا إلى القضاء بتهم «التآمر على أمن الدولة» و«قضايا إرهابية ومالية». وبالفعل، صدرت بحق بعضهم حضورياً أو غيابياً أحكام بالسجن وخطايا مالية تحرمهم من حقوقهم المدنية والسياسية. وشملت الأحكام الغيابية بالسجن وزراء ومستشارين سابقين في رئاسة الجمهورية والحكومة وفي المجلس الوطني التأسيسي الذي قام بصيغة دستور 2014 وشكل حكومات العشرية الماضية.

كذلك، حمّل زياد دبار، رئيس نقابة الصحافيين التونسيين، من جهته، الحكومة مسؤولية «إضعاف أدوار المجتمع المدني والنقابات والأحزاب والأجسام الوسيطة بين السلطة والرأي العام ووسائل الإعلام». واعتبر أن «تراجع هامش الحرّيات الإعلامية ساهم في تعقيد المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحقوقية التي تراكمت خلال السنوات الـ15 الماضية»، على الرغم من الدور الكبير الذي ما زالت تلعبه «قوى ديمقراطية وشبابية مستقلة دفاعاً عن استقلالية القضاء والإعلام ومطلب الانفراج السياسي».

"التعثر الاقتصادي الاجتماعي يربك «الاستثناء الديمقراطي»"

«إصلاحات»... رغم الأخطاء الفادحة

في المقابل، وأيضاً، خلال لقاءات مع «الشرق الأوسط»، رأى جامعيون وحقوقيون، مثل الأكاديمي والمؤرخ والحقوقي محمد ضيف الله، أن «المشهد السياسي المتعثّر حالياً لا ينبغي أن يقلّل من دور النخب التونسية ماضياً وحاضراً ومستقبلاً».

إذ قال ضيف الله إنه «لا بد من استحضار التنويه الدولي منذ 2011 بالطبقة السياسية التونسية ونخب البلاد التي تعامل معها العالم في السنوات الماضية بعدّها تقود الاستثناء الديمقراطي الإيجابي في مسار الثورات العربية».

وأردف أن التوافقات السياسية السابقة ساهمت في إنجاز إصلاحات سياسية اقتصادية اجتماعية عديدة تحققت في العقد الأول لما بعد الثورة، «بما في ذلك نجاح تونس، نسبياً، في تنظيم انتخابات تعدّدية لم يطعن أحد في نزاهتها... وشملت تلك الانتخابات مؤسسات السلطات التنفيذية والبرلمان والقضاء والهيئات الدستورية».

ومن جانبه، نوّه القيادي النقابي رشيد النجار بإقرار البرلمان المؤقت عام 2014 «دستوراً توافقياً تقدّمياً» كرّس الحقوق والحريات والفصل بين السلطات وتمثيل الأقليات الانتخابية، واعتمد قوانين تضمّنت «إرساء مشهد حزبي متنوع» ضمّ إسلاميين معتدلين وليبراليين، ويساريين ينبذون الإقصاء ومستقلين، وقوى مدنية أخرى.

في المقابل، سجّلت جنات بن عبد الله، الخبيرة الاقتصادية والإعلامية، أن التجربة الديمقراطية الأولى (2011–2021) «لم تُفضِ إلى الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي المنشود». ولذا فإن الشباب والمهمّشين الذين خرجوا إلى الشوارع قبل 15 سنة، ثم بعد تنظيم عدة انتخابات تعدّدية، مطالبين بالكرامة والعدالة الاجتماعية «وجدوا أنفسهم أمام بطالة مستفحلة وتفاوت جهوي صارخ وغلاء معيشة وتراجع القدرة الشرائية وصراع سياسي – آيديولوجي أنهك مؤسسات الدولة وأفقدها النجاعة».

وتابعت بن عبد الله: «وهكذا نشأ تناقض عميق بين اتساع هامش الحرية السياسية وتدهور الأوضاع المعيشية والمؤشرات الاقتصادية». وهنا يرى الخبيرالاقتصادي والسياسي الدولي، ماهر قلال، أن هذا التناقض «مهّد لتراجع الثقة الشعبية في الأحزاب والنقابات والنخب الحاكمة وفي الديمقراطية التمثيلية ذاتها».

منعرج 25 يوليو

لقد شكّل منعرج «25 يوليو 2021»، بلا شك، نقطة تحوّل حاسمة. إذ أعلن الرئيس قيس سعيّد سلسلة «إجراءات استثنائية» شملت تجميد البرلمان، والحكم بالمراسيم، وحلّ المجلس النيابي، ثم اعتماد دستور جديد سنة 2022 أعاد تركيز السلطة التنفيذية في يد رئيس الجمهورية وقصر قرطاج.

ومن ثم، قدّم أنصار هذا المسار ما جرى بوصفه «تصحيحاً لمسار الثورة» وقطيعة مع منظومة حزبية فاشلة و«نخب فاسدة». لكن في المقابل، اعتبرت المعارضة أنّ ما حدث يمثّل «انقلاباً على الدستور وعلى مكتسبات الانتقال الديمقراطي» على حد تعبير الحقوقي أحمد الغيلوفي.

ثم إن الإعلامي والحقوقي زياد الهاني يرى أنه «بصرف النظر عن الأوصاف، فإنّ الواقع السياسي الجديد أفرز تهميشاً واسعاً للأحزاب وبرلماناً ضعيف الصلاحيات والتأثير وتضييقاً متزايداً على الإعلام والمعارضة، وتراجعاً ملحوظاً في استقلالية القضاء». وهذا ما قرأه شاكر الحوكي، الخبير الجامعي في القانون والعلوم السياسية بأن تونس انتقلت عملياً من «أزمة تجربة ديمقراطية متعثرة إلى نظام رئاسي شديد المركزية».

مشهد سياسي جديد

في هذا المناخ العام نظم أنصار الرئيس قيس سعيّد في الذكرى الـ15 للثورة الشبابية تجمّعات ومظاهرات مساندة لسياساته، عدّها سعيّد بحضور رئيسة حكومته سارة الزعفراني «تفويضاً شعبياً».

بيد أن المعارضة ومنظمات حقوقية وتنسيقيات عائلات المساجين السياسيين نظمت بدورها سلسلة من المسيرات والوقفات الاحتجاجية، شارك فيها آلاف الشباب والطلاب للمطالبة بـ«التغيير» و«الحوار الوطني و الحريات والإفراج عن كل المساجين في قضايا ذات صبغة سياسية...».

وأيضاً، نظمت النقابات والمنظمات المهنية، يتقدمها «الاتحاد العام التونسي للشغل» ونقابات المحامين والصحافيين والأطباء والطلاب والقضاة، تظاهرات رفعت في الوقت نفسه مطالب مهنية وأخرى حقوقية وسياسية، بينها «تنظيم حوارات بين السلطات والمجتمع المدني وتحرير الإعلام وتوسيع هامش الحريات العامة في البلاد».

المناخ الإقليمي

مع هذا، فإن المناخ الدولي والإقليمي من جهة وانقسامات النخب من جهة ثانية، كانا من العوامل التي تداخلت لتكرّس واقعاً جديداً أبرز ملامحه أن «السلطة التنفيذية باتت اللاعب شبه الوحيد في الساحة السياسية، في حين تعاني بقية المؤسسات من التهميش»، وفق بلاغات رسمية أصدرتها رئاستا «الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان» و«الهيئة الوطنية للقضاة» وكذلك عمادة المحامين.

الأكاديمي والحقوقي الحبيب بوعجيلة يستبعد تغير هذا المشهد السياسي قريباً «بما في ذلك عبر تنظيم انتخابات عامة جديدة، وذلك لأن نسب المشاركة الضعيفة جداً في انتخابات السنوات الثلاث الماضية كشفت عن عمق أزمة الشرعية والتمثيل».

أما الصادق بلعيد، العميد السابق لكلية الحقوق بتونس، فيقول إن «العزوف الانتخابي لم يعد مجرد ظاهرة عابرة، بل تحوّل إلى مؤشر سياسي خطير يعكس فقدان الثقة في السياسة، وشعوراً واسعاً بأنّ الانتخابات لا تغيّر الواقع المعيش... وهذا في مرحلة تبدو فيها قوى المجتمع المدني والمعارضة ضعيفة ومفككة، تعاني من انقسامات داخلية، ومن ملاحقات قضائية تطول بعض رموزها، ومن عجز واضح عن بلورة مشروع بديل جامع قادر على استقطاب غالبية الرأي العام وتحريك الشارع».

الاقتصاد... والتغيير السياسي

في مثل هذا المشهد، يتزايد تأثير الأزمة الاقتصادية «بوصفها العامل الحاسم».

وحقاً، عدّ الخبير الاقتصادي والمالي جمال الدين عويدي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، «التضخم المالي وتراجع القدرة الشرائية والبطالة وأزمة المالية العمومية... عوامل جعلت المطلب الاجتماعي يتقدّم على المطالب الحقوقية والسياسية وعلى شعارات التعددية والانفتاح السياسي».

ومن جهتها، حذّرت ندوات اقتصادية وسياسية عقدت أخيراً بمشاركة خبراء تونسيين وأجانب من «سيناريوهات» استفحال الاختلال بين الطبقات والفئات والجهات. وأطلق نواب في البرلمان الجديد، بمناسبة مناقشة موازنة وقانون المالية، «صيحات فزع» بالجملة بسبب ملفات الأمن الاجتماعي وارتفاع الأسعار وتكاليف العلاج والنقل والكهرباء والمياه.

ولكن على الرغم من الاتهامات التي توجّهها قيادات معارضة ونقابية إلى البرلمان وتشكيكها في تمثيليته الشعبية، فوجئ المراقبون بالكم الهائل من الانتقادات التي وجهها نواب محسوبون على السلطة للحكومة وكبار المسؤولين.

وهذه الانتقادات دفعت بعض أنصار السلطة إلى الكلام مجدداً عن «تأسيس حزب سياسي رئاسي»، على الرغم من إعلان الرئيس ومقربين منه مراراً أنه لم ينتمِ قط إلى أي حزب سياسي ولن يؤسس أي حزب.

وللعلم، كانت الفيضانات الأخيرة التي شهدتها عدة محافظات تونسية، وتسببت في خسائر مادية كبيرة وفي سقوط قتلى، مناسبة لنزول الرئيس سعيّد بنفسه للمناطق المتضررة وانتقاده مجدداً مَن اتهمهم «بالتقصير والفساد» معلناً تمسكه بمنهجه السياسي والإعلامي والاجتماعي ذاته، أي «الانحياز للفقراء والمهمشين وضحايا الفساد دون الانتماء إلى أي حزب».

حقائق

3 اتجاهات للمشهد السياسي التونسي

> تبرز في تونس راهناً ثلاثة سيناريوهات محتملة:

1- ترسيخ «النظام الرئاسي المركز» مع استقرار هشّ، إذا نجحت السلطة في تجنّب انهيار اقتصادي شامل، واضطرابات اجتماعية نقابية.

2- انفجار اجتماعي واضطراب نقابي سياسي إذا تفاقمت الأزمة المعيشية. وهذا سيناريو له جذور عميقة في تاريخ تونس منذ سبعين سنة بحكم التأثير القوي للنقابات، وبخاصة «الاتحاد العام التونسي للشغل».

3- انفراج سياسي تدريجي يقوم على حوار وطني جديد وإعادة الاعتبار للتعددية والحريات. وهذا احتمال قائم، قد يجري التمهيد له بإصدار قرارات عفو رئاسي، وسراح شرطي لفائدة عشرات من المساجين السياسيين والنقابيين، وذلك بعدما أصدرت المحاكم ضدهم أحكاماً نهائية، بما يسمح قانونياً لرئاسة الجمهورية ووزارة العدل بالتدخل وتخفيف العقوبات أو تغيير صبغتها، خاصة أن نسبة من المعتقلين من بين مَن تجاوزت أعمارهم السبعين.

استطراداً، يرى مراقبون أنه إذا لم تتحسن أوضاع الشعب المعيشية ومؤشرات الاقتصاد الوطني فلن تصمد الإصلاحات السياسية، مهما حسنت النيات والشعارات.

وبالفعل، تزايدت المخاوف من انفجار الأوضاع الاجتماعية والأمنية بعد «تأزم» أوضاع سكان بعض الجهات «المهمّشة» في المحافظات الجنوبية والغربية، بينها محافظة قابس، حيث نُظّمت مظاهرات شارك فيها عشرات آلاف الشباب والمواطنين احتجاجاً على التلوث والبطالة. وحذر الناطق الرسمي باسم «اتحاد الشغل»، سامي الطاهري، من مضاعفات توتر علاقات السلطات بالنقابات في مرحلة كشفت فيها موازنة الدولة لعام 2026 استفحال التضخم المالي والتداين والضرائب وظواهر الفقر والبطالة.

كذلك، كشفت كارثة الفيضانات الأخيرة مدى تدهور البنية الأساسية والخدمات العمومية، بما في ذلك في المحافظات السياحية الساحلية والعاصمة تونس.



مقالات ذات صلة

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

حصاد الأسبوع مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي

صبحي أمهز (بيروت)
حصاد الأسبوع يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج

فتحية الدخاخني ( القاهرة)
حصاد الأسبوع ابراهيم محلب (رويترز)

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
حصاد الأسبوع الناشط الأيود الراخل خلال لقائه بالمغفور له الملك فيصل بن عبد العزيز عام 1964 (آ ب)

ترمب يحاول «تبييض» صفحات أميركا

ودّعت الولايات المتحدة أخيراً القس جيسي جاكسون، أحد أهم الشخصيات السوداء في تاريخ البلاد، والقيادي الجماهيري الذي لعب دوراً محورياً في تجييش الناخب الأسود

علي بردى (واشنطن)
حصاد الأسبوع ترمب مع مغنية "الراب" الترينيدادية نيكي ميناج (آ ب)

ترمب... و«أصدقاؤه السود»

> في موازاة السياسات التي تعيد الاعتبار لزعماء كانوا مسؤولين عن بعض أسوأ مراحل الرق، يرفض الرئيس دونالد ترمب الاتهامات التي توجه إليه بأنه «عنصري»، مكرّراً


بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.