مشهد سياسي جديد في تونس... وهوّة آخذة في الاتّساع

«اختلال كبير» بين سلطة مركزية يقودها رئيس الدولة ومعارضة ضعيفة ونخب مقسّمة

تظاهرة احتجاجية في تونس العاصمة (آ ف ب)
تظاهرة احتجاجية في تونس العاصمة (آ ف ب)
TT

مشهد سياسي جديد في تونس... وهوّة آخذة في الاتّساع

تظاهرة احتجاجية في تونس العاصمة (آ ف ب)
تظاهرة احتجاجية في تونس العاصمة (آ ف ب)

بعد 15 سنة من اندلاع الثورة التونسية وسقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي، تمرّ تونس بـ«مرحلة مفصلية جديدة»، لا تقلّ تعقيداً عن تلك التي عرفتها إبان مرحلة الاضطرابات الاجتماعية والشبابية في ديسمبر (كانون الأول) 2010 و يناير (كانون الثاني) 2011. إذ تحل الذكرى الخامسة عشرة «للانتفاضة الشبابية» وسط تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والاستقطاب السياسي. وفي الوقت نفسه، تعمّقت الاختلافات بين «جبهات سياسية» متقابلة: واحدة تساند السلطة القائمة باسم «التصحيح» و«إنقاذ الدولة» و«الدفاع عن السيادة الوطنية»، وأخرى معارضة تتهم الحكومة و«الأطراف» الموالية لها بـ«إجهاض الانتقال الديمقراطي والتعددية والإصلاحات» التي تقرّرت خلال العشرية الماضية وبخاصة في عهد حكومات «الوحدة الوطنية» بعد انتخابات 2014 و 2019.

تكشف التظاهرات الثقافية والسياسية التي نظّمت بمناسبة الذكرى الـ15 لاندلاع الثورة التونسية، بحسب الأكاديمي الحقوقي الحبيب بوعجيلة «اختلالاً كبيراً جداً في المشهد السياسي التونسي الجديد بين سلطة مركزية يقودها رئيس الدولة وفريقه ومعارضة ضعيفة ونخب مقسمة».

بوعجيلة، القيادي سابقاً في جبهة معارضة ترأسها الزعيم اليساري والوزير السابق أحمد نجيب الشابي، رأى في أحد التصريحات التي جمعتها «الشرق الأوسط» أن حصيلة السنوات الـ15 الماضية، ولا سيما منذ قرارات «يوليو (تموز) 2021» التي أدّت إلى حل البرلمان والحكومة المنتخبين، كانت تهميش الأحزاب والنقابات والعديد من قوى المجتمع المدني. وانعكس ذلك وفق تقديره في «انهيار المشهد السياسي والحزبي» الذي ساد ما بين 2011 و2021. وتسبّب بإضعاف تأثير كل الشخصيات والأطراف السياسية المحسوبة على قوى «الإسلام السياسي» وحلفائها السابقين في البرلمان والحكومة بمن فيهم «صنّاع القرار» داخل مؤسسات الدولة إبان عهدي الرئيسين الأسبقين المنصف المرزوقي (2011-2014) والباجي قائد السبسي (2014-2019 ) ورئيس حكومته الليبرالي يوسف الشاهد ( 2016-2020).

اختفوا من المشهد

في الوقت عينه، سجلت الإعلامية والأكاديمية منية العرفاوي في تصريح آخر لـ«الشرق الأوسط» من بين مظاهر اختلال موازين القوى في المشهد السياسي الحالي «تغييب» فاعلين سياسيين كبار لعبوا دوراً خلال العقد الماضي. إذ «اختفى من المشهد تقريباً معظم قيادات حزب النهضة الإسلامي وحزبي الرئيس المنصف المرزوقي (حزب المؤتمر) والرئيسين مصطفى بن جعفر وإلياس الفخفاخ (حزب التكتل) من جهة، وأحزاب «نداء تونس» (قايد السبسي) و«تحيا تونس» (الشاهد) و«قلب تونس» (بزعامة نبيل القروي صاحب المرتبة الثانية في الانتخابات الرئاسية عام 2019) و«مشروع تونس» (الذي تزعمه الوزير المستشار السابق في قصر قرطاج محسن مرزوق).

أما عبد اللطيف الهرماسي، عالم الاجتماع والأمين العام للحزب الجمهوري المعارض، فقال إن «غلطات قيادات المعارضة السابقة بعد ثورة 2011 ساهمت في إجهاض مسار الانتقال الديمقراطي والإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية». وربط «مظاهر الخلل» في المشهد السياسي الحالي «بالمضايقات والمحاكمات السياسية، بجانب انسحاب قطاع كبير من المثقفين والسياسيين والحقوقيين من العمل السياسي والحقوقي لأسباب عديدة منها فشل محاولات تشكيل جبهة وطنية موحدة للمعارضة تناضل أساساً من أجل الحريات والإفراج عن المساجين السياسيين».

ملفات التآمر على أمن الدولة

بالتوازي، أدى فتح ملفات قضائية وأمنية ضد عشرات من السياسيين ورجال الأعمال وأصحاب المؤسسات الإعلامية إلى «إبعاد فاعلين من المشهد السياسي والإعلامي من كل الألوان السياسية والثقافية»، وفق الإعلامي والناشط النقابي خليل الحناشي، الذي سجّل أن برلمانيين ونشطاء حقوقيين ومحامين وزعماء سياسيين كباراً أحيلوا إلى القضاء بتهم «التآمر على أمن الدولة» و«قضايا إرهابية ومالية». وبالفعل، صدرت بحق بعضهم حضورياً أو غيابياً أحكام بالسجن وخطايا مالية تحرمهم من حقوقهم المدنية والسياسية. وشملت الأحكام الغيابية بالسجن وزراء ومستشارين سابقين في رئاسة الجمهورية والحكومة وفي المجلس الوطني التأسيسي الذي قام بصيغة دستور 2014 وشكل حكومات العشرية الماضية.

كذلك، حمّل زياد دبار، رئيس نقابة الصحافيين التونسيين، من جهته، الحكومة مسؤولية «إضعاف أدوار المجتمع المدني والنقابات والأحزاب والأجسام الوسيطة بين السلطة والرأي العام ووسائل الإعلام». واعتبر أن «تراجع هامش الحرّيات الإعلامية ساهم في تعقيد المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحقوقية التي تراكمت خلال السنوات الـ15 الماضية»، على الرغم من الدور الكبير الذي ما زالت تلعبه «قوى ديمقراطية وشبابية مستقلة دفاعاً عن استقلالية القضاء والإعلام ومطلب الانفراج السياسي».

"التعثر الاقتصادي الاجتماعي يربك «الاستثناء الديمقراطي»"

«إصلاحات»... رغم الأخطاء الفادحة

في المقابل، وأيضاً، خلال لقاءات مع «الشرق الأوسط»، رأى جامعيون وحقوقيون، مثل الأكاديمي والمؤرخ والحقوقي محمد ضيف الله، أن «المشهد السياسي المتعثّر حالياً لا ينبغي أن يقلّل من دور النخب التونسية ماضياً وحاضراً ومستقبلاً».

إذ قال ضيف الله إنه «لا بد من استحضار التنويه الدولي منذ 2011 بالطبقة السياسية التونسية ونخب البلاد التي تعامل معها العالم في السنوات الماضية بعدّها تقود الاستثناء الديمقراطي الإيجابي في مسار الثورات العربية».

وأردف أن التوافقات السياسية السابقة ساهمت في إنجاز إصلاحات سياسية اقتصادية اجتماعية عديدة تحققت في العقد الأول لما بعد الثورة، «بما في ذلك نجاح تونس، نسبياً، في تنظيم انتخابات تعدّدية لم يطعن أحد في نزاهتها... وشملت تلك الانتخابات مؤسسات السلطات التنفيذية والبرلمان والقضاء والهيئات الدستورية».

ومن جانبه، نوّه القيادي النقابي رشيد النجار بإقرار البرلمان المؤقت عام 2014 «دستوراً توافقياً تقدّمياً» كرّس الحقوق والحريات والفصل بين السلطات وتمثيل الأقليات الانتخابية، واعتمد قوانين تضمّنت «إرساء مشهد حزبي متنوع» ضمّ إسلاميين معتدلين وليبراليين، ويساريين ينبذون الإقصاء ومستقلين، وقوى مدنية أخرى.

في المقابل، سجّلت جنات بن عبد الله، الخبيرة الاقتصادية والإعلامية، أن التجربة الديمقراطية الأولى (2011–2021) «لم تُفضِ إلى الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي المنشود». ولذا فإن الشباب والمهمّشين الذين خرجوا إلى الشوارع قبل 15 سنة، ثم بعد تنظيم عدة انتخابات تعدّدية، مطالبين بالكرامة والعدالة الاجتماعية «وجدوا أنفسهم أمام بطالة مستفحلة وتفاوت جهوي صارخ وغلاء معيشة وتراجع القدرة الشرائية وصراع سياسي – آيديولوجي أنهك مؤسسات الدولة وأفقدها النجاعة».

وتابعت بن عبد الله: «وهكذا نشأ تناقض عميق بين اتساع هامش الحرية السياسية وتدهور الأوضاع المعيشية والمؤشرات الاقتصادية». وهنا يرى الخبيرالاقتصادي والسياسي الدولي، ماهر قلال، أن هذا التناقض «مهّد لتراجع الثقة الشعبية في الأحزاب والنقابات والنخب الحاكمة وفي الديمقراطية التمثيلية ذاتها».

منعرج 25 يوليو

لقد شكّل منعرج «25 يوليو 2021»، بلا شك، نقطة تحوّل حاسمة. إذ أعلن الرئيس قيس سعيّد سلسلة «إجراءات استثنائية» شملت تجميد البرلمان، والحكم بالمراسيم، وحلّ المجلس النيابي، ثم اعتماد دستور جديد سنة 2022 أعاد تركيز السلطة التنفيذية في يد رئيس الجمهورية وقصر قرطاج.

ومن ثم، قدّم أنصار هذا المسار ما جرى بوصفه «تصحيحاً لمسار الثورة» وقطيعة مع منظومة حزبية فاشلة و«نخب فاسدة». لكن في المقابل، اعتبرت المعارضة أنّ ما حدث يمثّل «انقلاباً على الدستور وعلى مكتسبات الانتقال الديمقراطي» على حد تعبير الحقوقي أحمد الغيلوفي.

ثم إن الإعلامي والحقوقي زياد الهاني يرى أنه «بصرف النظر عن الأوصاف، فإنّ الواقع السياسي الجديد أفرز تهميشاً واسعاً للأحزاب وبرلماناً ضعيف الصلاحيات والتأثير وتضييقاً متزايداً على الإعلام والمعارضة، وتراجعاً ملحوظاً في استقلالية القضاء». وهذا ما قرأه شاكر الحوكي، الخبير الجامعي في القانون والعلوم السياسية بأن تونس انتقلت عملياً من «أزمة تجربة ديمقراطية متعثرة إلى نظام رئاسي شديد المركزية».

مشهد سياسي جديد

في هذا المناخ العام نظم أنصار الرئيس قيس سعيّد في الذكرى الـ15 للثورة الشبابية تجمّعات ومظاهرات مساندة لسياساته، عدّها سعيّد بحضور رئيسة حكومته سارة الزعفراني «تفويضاً شعبياً».

بيد أن المعارضة ومنظمات حقوقية وتنسيقيات عائلات المساجين السياسيين نظمت بدورها سلسلة من المسيرات والوقفات الاحتجاجية، شارك فيها آلاف الشباب والطلاب للمطالبة بـ«التغيير» و«الحوار الوطني و الحريات والإفراج عن كل المساجين في قضايا ذات صبغة سياسية...».

وأيضاً، نظمت النقابات والمنظمات المهنية، يتقدمها «الاتحاد العام التونسي للشغل» ونقابات المحامين والصحافيين والأطباء والطلاب والقضاة، تظاهرات رفعت في الوقت نفسه مطالب مهنية وأخرى حقوقية وسياسية، بينها «تنظيم حوارات بين السلطات والمجتمع المدني وتحرير الإعلام وتوسيع هامش الحريات العامة في البلاد».

المناخ الإقليمي

مع هذا، فإن المناخ الدولي والإقليمي من جهة وانقسامات النخب من جهة ثانية، كانا من العوامل التي تداخلت لتكرّس واقعاً جديداً أبرز ملامحه أن «السلطة التنفيذية باتت اللاعب شبه الوحيد في الساحة السياسية، في حين تعاني بقية المؤسسات من التهميش»، وفق بلاغات رسمية أصدرتها رئاستا «الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان» و«الهيئة الوطنية للقضاة» وكذلك عمادة المحامين.

الأكاديمي والحقوقي الحبيب بوعجيلة يستبعد تغير هذا المشهد السياسي قريباً «بما في ذلك عبر تنظيم انتخابات عامة جديدة، وذلك لأن نسب المشاركة الضعيفة جداً في انتخابات السنوات الثلاث الماضية كشفت عن عمق أزمة الشرعية والتمثيل».

أما الصادق بلعيد، العميد السابق لكلية الحقوق بتونس، فيقول إن «العزوف الانتخابي لم يعد مجرد ظاهرة عابرة، بل تحوّل إلى مؤشر سياسي خطير يعكس فقدان الثقة في السياسة، وشعوراً واسعاً بأنّ الانتخابات لا تغيّر الواقع المعيش... وهذا في مرحلة تبدو فيها قوى المجتمع المدني والمعارضة ضعيفة ومفككة، تعاني من انقسامات داخلية، ومن ملاحقات قضائية تطول بعض رموزها، ومن عجز واضح عن بلورة مشروع بديل جامع قادر على استقطاب غالبية الرأي العام وتحريك الشارع».

الاقتصاد... والتغيير السياسي

في مثل هذا المشهد، يتزايد تأثير الأزمة الاقتصادية «بوصفها العامل الحاسم».

وحقاً، عدّ الخبير الاقتصادي والمالي جمال الدين عويدي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، «التضخم المالي وتراجع القدرة الشرائية والبطالة وأزمة المالية العمومية... عوامل جعلت المطلب الاجتماعي يتقدّم على المطالب الحقوقية والسياسية وعلى شعارات التعددية والانفتاح السياسي».

ومن جهتها، حذّرت ندوات اقتصادية وسياسية عقدت أخيراً بمشاركة خبراء تونسيين وأجانب من «سيناريوهات» استفحال الاختلال بين الطبقات والفئات والجهات. وأطلق نواب في البرلمان الجديد، بمناسبة مناقشة موازنة وقانون المالية، «صيحات فزع» بالجملة بسبب ملفات الأمن الاجتماعي وارتفاع الأسعار وتكاليف العلاج والنقل والكهرباء والمياه.

ولكن على الرغم من الاتهامات التي توجّهها قيادات معارضة ونقابية إلى البرلمان وتشكيكها في تمثيليته الشعبية، فوجئ المراقبون بالكم الهائل من الانتقادات التي وجهها نواب محسوبون على السلطة للحكومة وكبار المسؤولين.

وهذه الانتقادات دفعت بعض أنصار السلطة إلى الكلام مجدداً عن «تأسيس حزب سياسي رئاسي»، على الرغم من إعلان الرئيس ومقربين منه مراراً أنه لم ينتمِ قط إلى أي حزب سياسي ولن يؤسس أي حزب.

وللعلم، كانت الفيضانات الأخيرة التي شهدتها عدة محافظات تونسية، وتسببت في خسائر مادية كبيرة وفي سقوط قتلى، مناسبة لنزول الرئيس سعيّد بنفسه للمناطق المتضررة وانتقاده مجدداً مَن اتهمهم «بالتقصير والفساد» معلناً تمسكه بمنهجه السياسي والإعلامي والاجتماعي ذاته، أي «الانحياز للفقراء والمهمشين وضحايا الفساد دون الانتماء إلى أي حزب».

حقائق

3 اتجاهات للمشهد السياسي التونسي

> تبرز في تونس راهناً ثلاثة سيناريوهات محتملة:

1- ترسيخ «النظام الرئاسي المركز» مع استقرار هشّ، إذا نجحت السلطة في تجنّب انهيار اقتصادي شامل، واضطرابات اجتماعية نقابية.

2- انفجار اجتماعي واضطراب نقابي سياسي إذا تفاقمت الأزمة المعيشية. وهذا سيناريو له جذور عميقة في تاريخ تونس منذ سبعين سنة بحكم التأثير القوي للنقابات، وبخاصة «الاتحاد العام التونسي للشغل».

3- انفراج سياسي تدريجي يقوم على حوار وطني جديد وإعادة الاعتبار للتعددية والحريات. وهذا احتمال قائم، قد يجري التمهيد له بإصدار قرارات عفو رئاسي، وسراح شرطي لفائدة عشرات من المساجين السياسيين والنقابيين، وذلك بعدما أصدرت المحاكم ضدهم أحكاماً نهائية، بما يسمح قانونياً لرئاسة الجمهورية ووزارة العدل بالتدخل وتخفيف العقوبات أو تغيير صبغتها، خاصة أن نسبة من المعتقلين من بين مَن تجاوزت أعمارهم السبعين.

استطراداً، يرى مراقبون أنه إذا لم تتحسن أوضاع الشعب المعيشية ومؤشرات الاقتصاد الوطني فلن تصمد الإصلاحات السياسية، مهما حسنت النيات والشعارات.

وبالفعل، تزايدت المخاوف من انفجار الأوضاع الاجتماعية والأمنية بعد «تأزم» أوضاع سكان بعض الجهات «المهمّشة» في المحافظات الجنوبية والغربية، بينها محافظة قابس، حيث نُظّمت مظاهرات شارك فيها عشرات آلاف الشباب والمواطنين احتجاجاً على التلوث والبطالة. وحذر الناطق الرسمي باسم «اتحاد الشغل»، سامي الطاهري، من مضاعفات توتر علاقات السلطات بالنقابات في مرحلة كشفت فيها موازنة الدولة لعام 2026 استفحال التضخم المالي والتداين والضرائب وظواهر الفقر والبطالة.

كذلك، كشفت كارثة الفيضانات الأخيرة مدى تدهور البنية الأساسية والخدمات العمومية، بما في ذلك في المحافظات السياحية الساحلية والعاصمة تونس.



مقالات ذات صلة

لبنان وإسرائيل... اتفاق إطاري تراه واشنطن ممهداً لـ «سلام دائم»

حصاد الأسبوع الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

لبنان وإسرائيل... اتفاق إطاري تراه واشنطن ممهداً لـ «سلام دائم»

انتهت الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في واشنطن، الجمعة، بتوقيع اتفاق إطار قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إنه يمهد «لسلام دائم» بين

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع إسماعيل قاآني (آ ب)

عبر لبنان... هل يتشكّل ترتيب إقليمي جديد؟

> تضع إيران نتائج الحرب الحالية في إطار «انتصار» أجبر إسرائيل على بحث الانسحاب. وجاء تهديد قائد «فيلق القدس» إسماعيل قاآني بأن إسرائيل ستنسحب طوعاً

حصاد الأسبوع كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!

آبيلاردو دي لا اسبيريلّا... «نسخة ترمب» الكولومبية يعزّز هيمنة اليمين المتطرف على أميركا اللاتينية

أطلق على نفسه اللقب الذي بات يعرف به اليوم: El Tigre (أي النمر)، ويقول إنه يتوكّل على الله والشعب وإن الحقيقة العارية نبراسه في السياسة. وعندما فاجأ القاصي

حصاد الأسبوع رئيس الأرجنتين ميلاي (آ ب)

رياح الإعصار اليميني تشتدّ بلا هوادة في أميركا اللاتينية

تعتبر الأوساط اليمينية في أميركا اللاتينية أن أهمية وصول آبيلاردو دي لا إسبيريلّا إلى الرئاسة في كولومبيا - ثالثة كبرى دول «منطقة» أميركا اللاتينية بعد البرازيل

«الشرق الأوسط» ( مدريد)
حصاد الأسبوع أعلام إسرائيلية على طريق شمال غور الأردن في الضفة الغربية... وثمة مخاوف في عمّان من ترحيل إسرائيل فلسطينيين إلى الضفة الشرقية لنهر الأردن (أ.ب)

الأردن أمام «مرحلة مفصلية»... تحديات إقليمية واستحقاقات داخلية

تتزاحم التحديات التي يواجهها الأردن. وأمام حالة عدم اليقين التي تعيشها المنطقة، بفعل الاضطرابات المُرشحة للتوسُّع، واحتمالات استمرار الصراع بين أطراف الحرب

محمد خير الرواشدة (عمّان)

لبنان وإسرائيل... اتفاق إطاري تراه واشنطن ممهداً لـ «سلام دائم»

الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

لبنان وإسرائيل... اتفاق إطاري تراه واشنطن ممهداً لـ «سلام دائم»

الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

انتهت الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في واشنطن، الجمعة، بتوقيع اتفاق إطار قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إنه يمهد «لسلام دائم» بين البلدين. وقال روبيو خلال حفل التوقيع الذي رفعت فيه أعلام الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل جنباً الى جنب «يسرنا الاعلان عن اتفاق إطار بين الحكومة اللبنانية ذات السيادة وبالطبع حكومة إسرائيل، بوساطة ودعم من الولايات المتحدة»، بحسب «وكالة الصحافة الفرنسية». وأشار الى أن هذا الاتفاق يمّهد الطريق «لإطار من أجل سلام دائم وأمن».وتناولت جولة المفاوضات التي رعتها الولايات المتحدة، الانتقال من البحث في وقف النار إلى مناقشة نموذج ميداني يفترض أن تنسحب بموجبه إسرائيل تدريجياً من أراضٍ تحتلها في جنوب لبنان، ليتولى الجيش اللبناني السيطرة عليها ويمنع عودة الوجود العسكري لـ«حزب الله».

الفريق الأميركي في المفاوضات ممثلاً بوزير الخارجية روبيو يحط به السفير الأميركي لدى لدى ميشال عيسى (يمين الصورة) والمسؤول في الخارجية مايكل نيدهام (غيتي/آ ف ب)

وخلف الأبواب وقبيل توقيع الاتفاق وفي غمرة الضجيج الإعلامي الصادر من طهران وأذرعها حول «الانتصارات والمقاومة»، تكشف التفاصيل المسرّبة من غرف التفاوض المغلقة في العاصمة الأميركية واشنطن وسويسرا عن مشهد مغاير تماماً. إنه مشهد تتقاطع فيه الضغوط الأميركية الحازمة مع رغبة إسرائيلية في انتزاع مكاسب أمنية جوهرية، وتنازلات إيرانية هيكلية تعيد صياغة نفوذها الإقليمي من بيروت إلى بغداد.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قال إن الطرفين الإسرائيلي واللبناني أحرزا تقدماً وباتا قريبين جداً من «التزام نيات» (كلامه هذا جاء قبل إعلان الاتفاق الإطاري الجمعة). في حين أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن المفاوضات تتناول الإجراءات الأمنية اللازمة لإعادة الاستقرار وبسط سلطة الدولة حتى الحدود المعترف بها دولياً. غير أن مسؤولين إسرائيليين ولبنانيين نفوا كلاماً أميركياً عن انسحاب من جزء من «المنطقة العازلة» باعتباره «بادرة حسن نية».

هذه الفجوة لا تلغي أهمية الجولة، لكنها تحدد طبيعتها؛ فما تحقق هو تفاهم أوّلي على الاتجاه، لا اتفاق على التنفيذ. لذا تبدو الجولة بداية مسار سياسي وأمني جديد أكثر منها خاتمة لمسار عسكري قائم.

والأهم أن المفاوضات اللبنانية باتت متصلة، من دون أن تكون مندمجة بالكامل، بالتفاوض الأميركي مع إيران؛ إذ تصر واشنطن على أن مستقبل لبنان يناقش مع حكومته، لكنها تحمّل طهران في الوقت نفسه مسؤولية ضبط «حزب الله» ووقف تمويله وتسليحه، بما يجعل الجولة جزءاً من اختبار أوسع لترتيب إقليمي مختلف عمّا ساد قبل الحرب.

من «التزام النيات» إلى اختبار الانسحاب

أبرز ما خرجت به الجولة هو قبول مبدئي بفكرة «المناطق النموذجية» أو «التجريبية». وتقوم الخطة على اختيار مساحة محدّدة تنسحب منها القوات الإسرائيلية بعد التحقق من إزالة البنية العسكرية لـ«حزب الله»، ثم تدخلها وحدات من الجيش اللبناني وتتولّى تأمينها، قبل تكرار النموذج في مناطق أخرى. وهذه صيغة تجمع بين المطلب اللبناني بالانسحاب واستعادة السيادة، والمطلب الإسرائيلي بضمان ألا تتحوّل الأرض المُخلاة إلى منصّة يعيد الحزب منها بناء قدراته.

لكن عبارة «التزام نيات» التي استخدمها روبيو تكشف عن حدود الإنجاز بقدر ما تعكسه؛ فهي تشير إلى توافق على الهدف العام، من دون أن تعني اتفاقاً على الخرائط والجداول الزمنية وقواعد المراقبة.

كذلك، لا يزال الخلاف قائماً حول موقع المنطقة الأولى: هل تبدأ من مساحة تقع شمال الليطاني، كما أفادت معلومات لبنانية، أم من داخل «المنطقة العازلة» التي أقامتها إسرائيل؟

وهل يكون الانسحاب خطوة نحو خريطة شاملة، أم قراراً منفصلاً يخضع في كل مرة إلى تقييم أمني إسرائيلي؟

لقد جاء الالتباس حول الانسحاب ليؤكد أن هذه الأسئلة لم تحسم بعد؛ فالمسؤول الأميركي قال إن إسرائيل «سحبت قوات من جزء من المنطقة»، من دون تحديد مساحته أو موقعه. وفي المقابل، بينما قال مسؤول أمني إسرائيلي إن الجيش لم ينسحب، أفاد مسؤول لبناني كبير بأن بيروت لا تعلم شيئاً عن الخطوة. وقد يعني ذلك أن واشنطن أعلنت عن موافقة سياسية إسرائيلية قبل تنفيذها، أو أن ما جرى إعادة انتشار محدودة لا تعدّها إسرائيل انسحاباً ولا تملك بيروت معلومات عملياتية عنها.

في الحالتين، تحاول الإدارة الأميركية، على ما يبدو، منع انهيار المفاوضات تحت ضغط المناوشات والضربات. فالجنوب لا يزال منطقة حرب فعلية بالنسبة إلى عشرات آلاف النازحين الذين لا يستطيعون العودة، إما بسبب بقاء القوات الإسرائيلية وإما بسبب الدمار الواسع، ولذلك تقاس قيمة الجولة بقدرتها على إنتاج أول تسليم واضح وموثق للأرض إلى الجيش.

«المناطق النموذجية»

تختلف دلالة الخطة باختلاف الطرف الذي ينظر إليها؛ فبالنسبة إلى لبنان، ينبغي أن تكون «المنطقة النموذجية» أول حلقة في مسار ينتهي بانسحاب إسرائيلي كامل، ووقف الغارات والاغتيالات، وعودة السكان، وانتشار الدولة حتى الحدود الدولية.

أما بالنسبة إلى إسرائيل، فهي «اختبار لقدرة» الجيش اللبناني على إزالة منشآت «حزب الله»، وضبط طرق الإمداد، ومنع عودة عناصر الحزب بصفة مدنية أو عبر هياكل محلية.

لذلك تتمسك إسرائيل بمقاربة «منطقة بعد أخرى»؛ لأنها لا تريد الالتزام سلفاً بخريطة انسحاب شاملة قبل أن ترى نتائج المرحلة الأولى. كما أنها تربط أي تراجع بنزع سلاح الحزب أو، في الحد الأدنى، بتجريد المنطقة المعنية من البنية العسكرية والأسلحة القادرة على تهديد مستوطنات الشمال. في المقابل، تخشى بيروت أن تتحوّل الخطة إلى «إعادة تنظيم للاحتلال»، بانسحاب من نقاط ثانوية والإبقاء على شريط أمني أضيق.

هذا الخلاف يترك سؤالاً أساسياً بلا جواب: ما المقصود حقاً بنزع سلاح «حزب الله»؟ هل يقتصر في المرحلة الأولى على إبعاد السلاح والمقاتلين عن المناطق التي ستنتشر فيها الدولة؟ أم يشمل ترسانة الحزب على مستوى لبنان؟

وما الأولوية بين الصواريخ الدقيقة والبعيدة، والطائرات المسيّرة، والدفاعات الجوية، والصواريخ المضادة للدروع، والأنفاق ومراكز القيادة؟

المُعلن حتى الآن لا يثبت اتفاقاً نهائياً على نوع السلاح أو جدول جمعه. والأرجح أن واشنطن تحاول «تفكيك» المشكلة إلى مراحل: تثبيت مناطق خالية من الوجود العسكري أولاً، ثم الانتقال إلى السلاح الثقيل والاستراتيجي، مع ترك ملف السلاح الفردي والبنية التنظيمية إلى عملية لبنانية أطول. لكن بينما تقول إسرائيل إنها تخشى أن يمنح التدرّج الحزب وقتاً لإعادة التموضع، يخشى لبنان صداماً داخلياً يعجز الجيش عن احتوائه.

«الضمانة الأميركية»

هنا تبرز أهمية الضمانة الأميركية؛ فنجاح النموذج يتطلب آلية تحقق تحدّد من يقرّر أن المنطقة أصبحت خالية من السلاح، وكيف ترصد الخروق، وما الذي يحدث إذا حاول الحزب العودة إليها، وما حدود الحق الإسرائيلي في التحرك. ذلك أنه من دون اتفاق على هذه القواعد، قد يصبح كل خرق ذريعة لاستئناف الغارات، وكل غارة سبباً لعودة لقتال.

فصل مسار لبنان ومسؤولية إيران

للوهلة الأولى، تبدو السياسة الأميركية حيال لبنان «مزدوجة».

وزير الخارجية روبيو يؤكد أن المفاوضات بين لبنان وإسرائيل «منفصلة» عن المباحثات مع إيران؛ لأن لبنان دولة ذات سيادة، ولديه حكومة تتعامل واشنطن معها مباشرة. لكن نائب الرئيس جي دي فانس يقود في موازاة ذلك مساراً تفاوضياً مع طهران يتضمّن وقف القتال في لبنان، وبين هذا وذاك، يهدد الرئيس دونالد ترمب بضرب إيران مجدداً إذا لم تمنع «حزب الله» من «إثارة المتاعب».

غير أن هذا «التعدّد» قد يكون توزيعاً للأدوار أكثر منه تناقضاً. فمسار روبيو يحدد صاحب الحق في القرار... أي الحكومة اللبنانية، لا إيران ولا «حزب الله». أما مسار فانس فيتعامل مع الطرف القادر على تعطيل القرار عبر التمويل والتسليح والتوجيه السياسي. وبهذا المعنى، تحاول واشنطن الفصل بين «شرعية» التفاوض و«مسؤولية» التخريب: إنها تتفاوض على مستقبل لبنان مع بيروت، لكنها تتفاوض مع طهران على وقف دعم القوة التي تستطيع إفشال أي ترتيب. ومن ثم، تستخدم الإدارة حاجة طهران إلى تثبيت وقف الحرب وتخفيف العقوبات للضغط عليها في ملف «حزب الله»، من دون منحها وصاية على لبنان.

لذلك تبدو تصريحات ترمب أكثر من تهديد عابر؛ فهي تنقل المسؤولية عن عمليات الحزب من مستوى التنظيم المحلي إلى الدولة الراعية، وتقول عملياً إن استمرار العنف في لبنان قد تكون له كلفة مباشرة على إيران.

بيد أن هذه الاستراتيجية تنطوي على مخاطرة واضحة؛ فإدراج لبنان في «مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية» يمنح طهران ورقة للقول إن انسحاب إسرائيل تحقق نتيجة ضغطها ومفاوضاتها، لا نتيجة المسار اللبناني. وأيضاً، يثير خشية في بيروت وتل أبيب من أن تصبح تفاصيل الأمن اللبناني جزءاً من مساومات تتعلق بالنووي والعقوبات ومضيق هرمز. ولهذا يصرّ روبيو على الفصل العلني، حتى وهو يقرّ بأنه لا يمكن تجاهل البُعد الإيراني بسبب علاقة طهران بـ«حزب الله».

من هنا، يرى البعض أن واشنطن لا تستطيع الفصل الكامل بين المسارين، لكنها تمنع دمجهما سياسياً، وأن نجاحها يتوقّف على قدرتها على استخدام النفوذ الإيراني لضبط الحزب من دون تحويل إيران إلى شريك في تقرير شكل الدولة اللبنانية أو حدود الترتيبات مع إسرائيل.

من افتتاح جلسة المفاوضات الخامسة في واشنطن (الوكالة الوطنية للأنباء - لبنان)

مخاوف إسرائيل وامتحان الجيش اللبناني

ينطلق القلق الإسرائيلي من أن التفاهم الأميركي مع إيران قد ينقذ «حزب الله» من نتائج الحرب؛ فمسؤولون إسرائيليون يخشون أن تنتقل الأولوية الأميركية من تفكيك الحزب وإخراج النفوذ الإيراني إلى مجرد وقف النار ومنع الاحتكاك، وأن تضغط واشنطن على إسرائيل للانسحاب قبل قيام ضمانات أمنية قادرة على الصمود.

ولهذا تتمسّك إسرائيل بحرية العمل ضد ما تعتبره إعادة تسلح أو تهديداً وشيكاً، وترفض حتى الآن تقديم التزام غير مشروط بالعودة إلى الحدود. وبالفعل، باتت «المنطقة العازلة» ورقة تفاوض وضمانة أمنية؛ وبالتالي، فإن التخلي عنها بلا نزع للسلاح يعرّض نتنياهو لانتقادات داخلية.

في المقابل، يواجه الجيش اللبناني امتحاناً يتجاوز دخول الأرض التي تنسحب منها إسرائيل؛ إذ عليه أن يثبت قدرته على البقاء فيها وضبطها، وأيضاً منع عودة الحزب، والتعامل مع مخازن السلاح والأنفاق، من دون الانجرار إلى مواجهة أهلية. يضاف إلى ذلك أنه يحتاج إلى عديد وتجهيز وتمويل وغطاء سياسي، لا تزال كلها موضع سؤال، خصوصاً مع اتساع الدمار والحاجة إلى حماية عودة السكان وتأمين الحدود.

في هذه الأثناء، تبحث الولايات المتحدة تدريب الوحدات اللبنانية والتحقق من جاهزيتها وموثوقيتها. ولقد تداولت تقارير دوراً محتملاً للقيادة الوسطى الأميركية (سينتكوم) في الإشراف أو المراقبة، لكن لم يصدر حتى الآن أي إعلان نهائي يحدّد ما إذا كانت الـ«سينتكوم» ستتولى تدقيقاً مباشراً في العناصر... أم ستكتفي بالدعم والتنسيق.

محللون يرون أن المشكلة الأعمق هي أن انتشار الجيش ليس مرادفاً لنزع السلاح؛ إذ يمكن للجيش أن يتولى الإشراف على منطقة محدّدة إذا انسحبت إسرائيل منها وتوافرت له المساعدة، لكن تفكيك منظومة «حزب الله» في أنحاء لبنان يحتاج إلى قرار سياسي وطني وآلية تدريجية وضمانات للطائفة الشيعية، إضافة إلى منع إيران من إعادة بناء قنوات التمويل والتسليح.

وإذا حمّلت واشنطن الجيش وحده أكثر مما يستطيع تحمّله، فقد يتحول النموذج من اختبار لسيادة الدولة إلى اختبار يكشف عن حدودها.


عبر لبنان... هل يتشكّل ترتيب إقليمي جديد؟

إسماعيل قاآني (آ ب)
إسماعيل قاآني (آ ب)
TT

عبر لبنان... هل يتشكّل ترتيب إقليمي جديد؟

إسماعيل قاآني (آ ب)
إسماعيل قاآني (آ ب)

تضع إيران نتائج الحرب الحالية في إطار «انتصار» أجبر إسرائيل على بحث الانسحاب. وجاء تهديد قائد «فيلق القدس» إسماعيل قاآني بأن إسرائيل ستنسحب طوعاً أو «تفرّ مهزومة»؛ في محاولة واضحة لتقديم المسار التفاوضي باعتباره ثمرة صمود محور طهران.

ومع أن تصريح قاآني لا يخفي بأنه خطاب تعبوي موجّه إلى الداخل ولأذرع إيران في المنطقة، لا يمكن تجاهل حقيقة أن إيران نجحت في إدراج وقف القتال في لبنان ضمن تفاهماتها مع واشنطن، وأنها حافظت على النظام وعلى ورقة تفاوض إقليمية رغم الضربات.

في المقابل، صورة القوة الإيرانية تبدو مختلفة عند قياسها بما اضطرت طهران إلى قبوله. فلبنان يخوض «مفاوضات مباشرة» مع إسرائيل حول انتشار الجيش ونزع سلاح أبرز حلفائها. وواشنطن تحمّل إيران علناً مسؤولية سلوك «حزب الله»، في حين تواجه الفصائل الموالية لطهران في العراق ضغوطاً للاندماج في مؤسسات الدولة أو تقليص مظاهر سلاحها المستقل. وهذا، بجانب أن التفاوض على العقوبات والملف النووي بات مرتبطاً بدرجة ما بقدرة إيران على ضبط شبكتها الإقليمية.

هنا، يرى السفير الأميركي السابق جيمس جيفري في «فورين أفيرز» أن الإخفاق في تحقيق الأهداف القصوى لا يعني انتصار إيران؛ لأن المواجهات منذ 2023 أضعفت قدراتها وشبكة وكلائها وعززت موقع واشنطن. غير أن هذا التقييم يظل موضع نقاش، خصوصاً أن «حزب الله» لم يختف، والفصائل العراقية لم تُنزع أسلحتها، وإيران أظهرت قدرة على استخدام هرمز وملفات المنطقة لفرض تفاوض مباشر.

بناءً عليه، قد يكون من الأدق القول إن المنطقة تدخل «مرحلة انتقال»، لا نهاية مكتملة لمحور إيران. إذ تنتقل طهران من الاعتماد على تنظيمات كبيرة ومعلنة تملك ترسانات واسعة إلى شبكات أصغر وأكثر سرّيّة، أو تقبل بدمج شكلي لبعض الفصائل مع احتفاظها بنفوذ داخل مؤسسات الدولة.

لذلك؛ سيكون نجاح النموذج اللبناني مهماً أبعد من حدوده: فإذا انسحبت إسرائيل، وانتشر الجيش، ومُنع الحزب من استعادة وجوده، يصبح هذا الواقع سابقة لحصر السلاح بيد الدولة. وعندها فقط يمكن القول إن الجولة الخامسة دشّنت مرحلة مختلفة في لبنان والمنطقة. أما إذا بقي الانسحاب معلقاً أو عاد الحزب إلى المناطق المُخلاة، فستتحول الجولة الخامسة هدنة تفاوضية أخرى.


آبيلاردو دي لا اسبيريلّا... «نسخة ترمب» الكولومبية يعزّز هيمنة اليمين المتطرف على أميركا اللاتينية

كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!
كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!
TT

آبيلاردو دي لا اسبيريلّا... «نسخة ترمب» الكولومبية يعزّز هيمنة اليمين المتطرف على أميركا اللاتينية

كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!
كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!

أطلق على نفسه اللقب الذي بات يعرف به اليوم: El Tigre (أي النمر)، ويقول إنه يتوكّل على الله والشعب وإن الحقيقة العارية نبراسه في السياسة. وعندما فاجأ القاصي والداني بفوزه في الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية في كولومبيا قال إن انتصاره يعني «الهزيمة الكاملة لجميع السياسيين والأحزاب التي حكمت البلاد إلى اليوم». ولكن على الرغم من خطاب آبيلاردو دي لا اسبيريلّا، الذي أكّد فيه على امتداد حملة الانتخابات الرئاسية بأنه «نزل إلى الميدان» ليطوي صفحة الماضي إلى غير رجعة، جاء فوزه بفارق صغير جداً على منافسه اليساري، ليضع بلاده كولومبيا ضمن المعسكر اليميني المتطرف الذي انضمت إليه 12 دولة في أميركا اللاتينية خلال السنوات الثلاث الماضية.

عندما ظهرت النتائج النهائية للدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية في كولومبيا، معلنة فوز المرشح اليميني المتطرف آبيلاردو دي لا اسبيريلّا بنسبة 49.66 في المائة من الأصوات مقابل 48.70 في المائة لمنافسه اليساري إيفان سيبيدا المدعوم من الرئيس الحالي غوستافو بترو، خرج الرئيس المنتخب أمام أنصاره في مدينة بارّانكيّا، ليقول: «أرث بلداً صعباً، بلداً منقسماً على ذاته، مثقلاً بالديون وفي حاجة إلى إعادة الإعمار. لن أعدكم بالمعجزات ولن أخادع الشعب بحلول سحرية. النهوض من الهاوية يقتضي جهداً وتضحيات وانضباطاً ومثابرة». ثم أضاف: «أعرف أننا قد ورثنا كارثة، لكن ما إن أتولى السلطة في السابع من أغسطس (آب) المقبل، سأكشف النقاب عن تسعين مرسوماً في الأمن والاقتصاد والصحة والتعليم، من شأنها أن تغيّر ملامح البلاد إلى الأبد».

وبالمناسبة، فإن بارانكيّا، ميناء البلاد الأول، دارت فيه أحداث رائعة غابرييل غارسيّا ماركيز «وقائع موت معلن»، التي تروي قصة حقيقية بطلها مهاجر متحدر من أصول لبنانية يدعى سانتياغو نصّار.

سياسياً، على رغم التأييد الشعبي الواسع الذي ناله دي لا اسبيريلّا في هذه الانتخابات وناهز 13 مليوناً من الأصوات، أي ربع عدد السكان تقريباً، فإنه كان يعلم أن منافسه اليساري حصد هو أيضاً نسبة عالية من الأصوات تقارب ما حصل عليه هو. ومن ثم، فبرنامجه لتحقيق «المعجزة الكولومبية» الموعودة وتعهده بإحداث تغيير جذري في كل القطاعات، ستكون دونهما عقبات كثيرة ليس أقلّها أن نصف البلاد تقريباً يعارض سياسته بشدة.

البداية والمسيرة

ولد آبيلاردو دي لا اسبيريلّا في بوغوتا عاصمة كولومبيا قبل 47 سنة، وبعد نيله شهادة الحقوق من جامعة بوغوتا أسّس مكتباً للمحاماة سرعان ما اكتسب شهرة واسعة بعدما تولّى الدفاع في قضايا عدة عن متهمين بأعمال احتيال ضخمة واغتيالات تعرّض لها زعماء نقابيون وسياسيون. وكذلك تولّى أيضاً الدفاع عن رجل الأعمال المعروف أليكس صعب الذي كان الذراع المالية لنظام الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو.

وإلى جانب نشاطه في المحاماة، خاض دي لا اسبيريلّا أيضاً مجال الأعمال، حيث أسس مؤسسات عدة للملابس الرجالية الفاخرة والمشروبات والمطاعم، إلا أنه بعد فشلها، قرّر إقفالها جميعاً مطالع العام الماضي في أعقاب تسجيلها خسائر تقدّر بملايين الدولارات. كذلك، سبق للرجل دخول مجال الغناء كمغنٍ يؤدي وصلات من الأغاني الشعبية الإيطالية المشهورة والأوبرا.

الترشّح للرئاسة

مطلع الصيف الماضي أعلن دي لا اسبيريلّا عن نيّته الترشّح للانتخابات الرئاسية، علماً بأنه لم يسبق أن تولّى أي وظيفة رسمية، ولم يشارك في أي نشاط سياسي. ولم يطل الوقت حتى أطلق حملة لجمع التواقيع دعماً للتيّار الذي ترشّح باسمه «المدافعون عن الوطن»، وتحالف مع الوزير السابق خوسيه مانويل رستريبو، الذي يحظى بتأييد واسع في الأوساط اليمينية، كمرشح لمنصب نائب الرئيس.

والواقع، أنه عندما أعلن دي لا اسبيريلّا ترشحه الرسمي وكشف عن برنامجه السياسي الذي يتضمّن مقترحات راديكالية لم يسبق أن طرحها أي حزب أو زعيم سياسي في كولومبيا، لم تكن شعبيته تتجاوز 10 في المائة من الناخبين وفق استطلاعات الرأي الأولى. وكان من مقترحات برنامجه: إنهاء جميع عمليات السلام مع الجماعات المسلحة وإلغاء الاتفاقات الموقّعة في إطارها، وترخيص حمل السلاح للمدنيين، وإلغاء عدد من الوزارات والانسحاب من منظمات دولية مثل محكمة البلدان الأميركية لحقوق الإنسان ومنظمة الأمم المتحدة، وترميم العلاقات مع إسرائيل بعدما كان قرّر قطعها الرئيس الحالي غوستافو بترو... بل وفتح سفارة لكولومبيا في مدينة القدس.

«إيمان» متأخر... وتقارب مع إسرائيل

أيضاً، أعلن المرشح اليميني المتطرف أنه سيقارب العلاقات مع «الجارة» فنزويلا، ولكن عن طريق وزارة الخارجية الأميركية لا عن طريق حكومة الرئيسة دلسي رودريغيز. وكان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»، مع الإشارة إلى أنه كان ملحداً حتى عام 2021 عندما أعلن اعتناقه الكاثوليكية. وأيضاً، هناك توعّده الضرب بيد من حديد لمكافحة الجريمة، والدفاع عن الأسرة التقليدية والملكية الخاصة، ومنع الإجهاض والموت الرحيم والسماح للمثليين بالتبنّي، كما تعهد إقفال محكمة السلام التي أسّست لمحاكمة الثوار والعسكريين السابقين الذين ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية.

من ناحية ثانية، ملفّات كثيرة حول علاقات دي لا اسبيريلّا بأشخاص ضالعين في قضايا فساد وجرائم، أثارت جدلاً واسعاً حول أهليته للترشح في الانتخابات الرئاسية، وأيضاً حيازته الجنسية الأميركية التي نالها خلال فترة قصيرة عندما أقام في ميامي؛ ما أثار شبهات حول الأسباب وراء حصوله عليه بسرعة وسهولة. وتقدّمت جهات عدة بطعون في ترشيحه، لكن القضاء بتّ لصاح أهليته للترشح.

حليف طبيعي لترمب ... ولليمين التقليدي

النتائج النهائية بيّنت أن دي لا اسبيريلّا حصل على تأييد واسع بين الناخبين الذين كانوا دعموا المرشحة المحافظة بالوما فالنسيا في الدورة الأولى. والأخيرة كانت مدعومة بدورها من القيادات اليمينية التقليدية، وبخاصة، الرئيس الأسبق مانويل أوريبي، وأيضاً من مجتمع الأعمال والنخب الاقتصادية الذي كان يخشى ولاية يسارية ثانية بعد الرئيس الحالي بترو.

ولكن، بناءً على كل ما سبق ذكره، لم يكن مستغرباً أبداً أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب كان أول مهنئي الرئيس الكولومبي الجديد. وللعلم، غرّد ترمب على حسابه «تشرّفت كثيراً بدعم (النمر)، وأتطلع إلى العمل معه لبناء علاقة وطيدة بين كولومبيا والولايات المتحدة تعود بالخير والعظمة على البلدين». أيضاً الرئيس الأرجنتيني اليميني المتطرف خافيير ميلاي، الذي يطلق هو أيضاً على نفسه لقب «الأسد»، صرّح قائلاً: «الأسد والنمر يُسمع زئيرهما الآن في أرجاء أميركا اللاتينية».

أما الرئيس المنتخب نفسه، فقد عرض في تصريحاته الأولى بعد الفوز على منافسه اليساري إيفان سيبيدا توقيع «اتفاق وطني» عوضاً عن فتح جبهة سياسية واجتماعية بينهما، بيد أنه حذّر في الوقت نفسه من أنه لن يتهاون في التعاطي مع التعبئة الشعبية والاحتجاجات والإضرابات التي هددت بها النقابات العمالية والتنظيمات الاجتماعية.

وعود انتخابية ومصاعب معيشية

للتذكير، كان دي لا اسبيريلّا قد وعد بخفض الضرائب وتقديم محفّزات مالية للشركات المنتجة؛ بهدف تسريع وتيرة النمو الاقتصادي وخفض العجز المالي الذي سجّل ارتفاعاً ملحوظاً خلال ولاية بترو. كان العجز قد ارتفع خصوصاً بسبب المشاريع الاجتماعية التي أقرَّتها حكومة بترو دعماً للطبقات العاملة والفقيرة والمناطق الريفية التي يقطنها السكان الأصليون.

بالتوازي، كان بين التدابير التي وعد بها الرئيس الجديد في برنامجه الانتخابي، ولقيت ترحيباً واسعاً في الأوساط المحافظة، القضاء على زراعة الكوكايين بواسطة رشّ 330 ألف هكتار من المساحات الزراعية بالمبيدات. إلا أنه من المتوقع، في حال تنفيذه هذا الوعد، أن يواجه معارضة شديدة من سكان الريف الذين يعيشون بنسبة كبيرة على هذه الزراعة، ويطالبون بتحويلها إلى الاستهلاك الطبي.

أيضاً، تعهّد دي لا اسبيريلّا في برنامجه ببناء 10 سجون ضخمة في مناطق نائية عن المدن الكبرى، واعتقال 10 من كبار زعماء التنظيمات المسلحة في البلاد وإحالتهم إلى القضاء، واستعادة سيطرة الأجهزة الأمنية ومؤسّسات الدولة على ما أسماه «الأراضي الضائعة»، أي تلك التي تقع تحت سيطرة الجماعات المسلحة منذ عقود.

ومن الأزمات الأخرى المستعصية منذ سنوات في كولومبيا تراجع الخدمات الصحية، خاصة في الأرياف، ونقص الأدوية الأساسية في مرافق كثيرة، ناهيك من هجرة الأطباء سعياً وراء رواتب لائقة. ولقد تعهّد دي لا اسبيريلّا بـ«ضخ ما يلزم من أموال» في القطاع الصحي لإنهاضه، بل وقال إن لديه خطة لتحويل كولومبيا مركزاً إقليمياً لصناعة الأدوية.

المراقبون يرون أن دي لا اسبيريلّا نجح، كما فعل دونالد ترمب في الولايات المتحدة، في تسويق أسلوب عيشه الفاخر كعلامة للنجاح، لكنه سيصطدم قريباً - على الأرجح - بواقع اجتماعي مختلف جداً، وبنقابات عمالية في حال من التعبئة والجهوزية للدفاع عن المكتسبات التي حققتها خلال ولاية بترو.