سيف الإسلام القذافي... «ولماذا لا أثق بهم؟!»

نجل العقيد فاوض الإسلاميين في سجون والده... وأراد ضمّهم إلى «ليبيا الغد»

سيف الإسلام القذافي يتحدث في مؤتمر صحافي بطرابلس في 4 أغسطس 2010 (إ.ب.أ)
سيف الإسلام القذافي يتحدث في مؤتمر صحافي بطرابلس في 4 أغسطس 2010 (إ.ب.أ)
TT

سيف الإسلام القذافي... «ولماذا لا أثق بهم؟!»

سيف الإسلام القذافي يتحدث في مؤتمر صحافي بطرابلس في 4 أغسطس 2010 (إ.ب.أ)
سيف الإسلام القذافي يتحدث في مؤتمر صحافي بطرابلس في 4 أغسطس 2010 (إ.ب.أ)

«ولماذا لا أثق بهم؟!». بهذا السؤال الموجز، ردّ سيف الإسلام القذافي على سؤالي له عن سبب «ثقته بالإسلاميين» المعتقلين في سجون والده في ليبيا، الذين كان يتفاوض معهم من أجل الإفراج عنهم. ثم استرسل مطولاً في شرح ما يسعى إليه. قال إن «الإسلاميين» أقروا بأنهم ارتكبوا خطأ بحمل السلاح ضد الحكم الليبي، وبأن بناء «ليبيا الغد» يحتاج إلى سواعد كل أبنائها. أضاف أن «الإسلاميين» الذين تفاوض معهم وخرجوا من السجون أثبتوا أنهم جديرون بالثقة، وأنهم لن يعودوا إلى حمل السلاح.

كان سيف يتحدث في لقاء جمعني به خلال إحدى زياراته للندن في نهايات الألفية الماضية أو بدايات الألفية الجديدة، وكان وقتها مشغولاً بإفراغ سجون والده من أعضاء في جماعات إسلامية، بما في ذلك قادة «الجماعة الإسلامية المقاتلة». كانت تلك الجماعة قد شنّت حرب عصابات في منتصف تسعينات القرن الماضي لقلب نظام الحكم، وكادت تنجح في اغتيال القذافي الأب، لكن الأمن الليبي نجح في هزيمتها في أواخر التسعينات. بعض قادة «المقاتلة» كانوا مسجونين في ليبيا منذ سنوات طويلة، لكن بعضهم سلمته الولايات المتحدة للقذافي خلال «الحرب ضد الإرهاب» التي طالت الجماعات التي كانت تتخذ من أفغانستان مقراً لها، في أعقاب هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001.

لقطة من مقابلة تلفزيونية مع سيف القذافي في 16 مارس 2011 (أ.ف.ب)

كان سؤالي لسيف القذافي عن «الثقة» بهؤلاء الإسلاميين منطلقاً من خلفية معرفتي بأن هناك تياراً في نظام والده، يضم واحداً من إخوته على الأقل، يقود حملة معاكسة تماماً لما يسعى إليه هو. كان أصحاب الرأي المعاكس يجادلون بأن سيف يرتكب خطأ عندما يثق بأن الذين يعمل على الإفراج عنهم لن يثوروا مجدداً ضد الحكم في ليبيا، عندما تسنح لهم الفرصة. وقتها، قال أحد كبار مسؤولي أجهزة الأمن، وكان مسؤولاً عن سجن قادة «المقاتلة»: «لن يخرجوا إلا على جثتي»، في تحدٍّ مباشر لسيف، معتقداً أن القذافي الأب يتبنى رأيه هو وليس رأي نجله، في من كان يسميهم النظام الليبي «زنادقة».

في أي حال، لم يتمكن المعارضون من وقف مسعى سيف. فقد وافق قادة «المقاتلة» على إصدار ما عُرف بـ«المراجعات» التي حرّموا فيها حمل السلاح ضد أنظمة الحكم في الدول الإسلامية وأدانوا كثيراً من الممارسات التي تُنسب إلى تنظيم «القاعدة» وجماعات أخرى متأثرة بفكره. في النهاية، كان القذافي الأب هو من حسم الأمر، ونزل عند ما يريده سيف، الذي كان يُطرح اسمه كخليفة لوالده.

عندما اندلعت «ثورة فبراير» 2011 في ليبيا، كان سيف أحد أكثر من تم انتقاده من المحيطين بوالده بسبب «ثقته بالإسلاميين». فقد كان بعض الذين أفرج عنهم من أوائل الذين حملوا السلاح وانضموا إلى الثوار، وهو الأمر الذي دفع بسيف، كما قيل وقتها، إلى إعلان موقفه المتشدد ضد معارضي والده، خلال كلمته الشهيرة في باب العزيزية بطرابلس في بدايات الثورة.

في الواقع، كانت علاقة سيف بإخوته محور إشاعات تتردد وهمس يدور في الكواليس قبل سنوات من سقوط نظام القذافي الأب. فقد كان الحديث يدور عن خلافات شديدة تدور بين سيف وبين شقيقه المعتصم (الذي قُتل مع والده في سرت عام 2011). وعندما سألت سيف عن هذا الموضوع، كان ردّه يوحي بنوع من الشعور بالغرور. فقد كان فرحاً وهو يشرح أن الأميركيين يحاولون جاهدين، لكنهم لا يعرفون بحقيقة ما يدور بينه وبين أشقائه. لم ينفِ وجود اختلافات، لكن جوابه أوحى بأن العائلة موحدة في النهاية تحت سقف الأب.

سيف الإسلام القذافي في باب العزيزية بطرابلس في 23 أغسطس 2011 (أ.ف.ب)

كان سيف دائم الزيارات للندن آنذاك. فقد كان «يقطف» النتائج التي يجهد من أجلها المفاوضون الليبيون الذين يسعون إلى تسوية ملفات، تورط فيها نظام والده، على غرار قضية لوكربي (تفجير طائرة «بان أميركان» عام 1988)، وقضية طائرة «يوتا» الفرنسية (عام 1989)، وقضية الممرضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني (المتهمين في قضية نشر الأيدز بين أطفال مستشفى بنغازي).

نجحت جهود القذافي الابن في تسوية معظم تلك القضايا، التي تضمنت دفع تعويضات بملايين الدولارات. لكن جهوده كان لا بد أن تصطدم في نهاية المطاف بحقيقة أنه يحاول تقديم صورة مختلفة لليبيا عن صورتها الحقيقية تحت حكم والده. كان هذا محور سؤالي له، في لقاء عام أمام حشد من الطلبة في إحدى كليات لندن. ردّ قائلاً: «لا أحب هذا السؤال!».


مقالات ذات صلة

كيف أصبحت مدن ليبية «تتحكّم» في صناعة القرار السياسي؟

شمال افريقيا تقف مدينة الزاوية بتشكيلاتها المسلحة وقواها المتنافرة كـ«حجر عثرة» أمام أي سلطة تستقر في سدة الحكم (صفحات معبرة عن الزاوية)

كيف أصبحت مدن ليبية «تتحكّم» في صناعة القرار السياسي؟

في ظل استمرار الانقسام المؤسسي، تعاظم دور بعض المدن الليبية وتأثيرها في صناعة القرار السياسي، مدعومة بما تمتلكه من تشكيلات مسلحة ومقربين من دوائر السلطة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا سيف الإسلام القذافي وقت القبض عليه عام 2011 (رويترز)

«عائلة القذافي» تصعّد ضغوطها لكشف قتلة سيف الإسلام

للمرة الثانية، انتقدت عائشة القذافي شقيقة سيف الإسلام «التباطؤ» في قضيته وعدم كشف هوية القتلة حتى الآن، وقالت: «إن كل يوم يمضي على الجريمة يزيدها وضوحاً».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا هانيبال القذافي خلال احتفال بالذكرى الـ40 لـ«الثورة الليبية» في 2 سبتمبر 2009 (أ.ف.ب)

هانيبال القذافي يثير استياء الزنتان بعد حديثه عن «الغدر» بسيف الإسلام

لام هانيبال القذافي على الزنتان، بسبب ما تعرض له شقيقه سيف الإسلام من «غدر» بالمدينة، وقال على النيابة العامة الليبية «وضع أسرته في الصورة وإبراء ذمتها».

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا المحمودي في أحد المؤتمرات قبل عام 2011 (حسابات موثوقة على مواقع التواصل)

البغدادي المحمودي يدعو الليبيين لـ«فتح صفحة جديدة وطي سنوات الألم»

حضّ البغدادي المحمودي، آخر رئيس وزراء في عهد الرئيس الراحل معمر القذافي، على اتّباع مسار «المصالحة الوطنية»، وقال: «لقد أنهكت الانقسامات وطننا».

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من جنازة سيف الإسلام القذافي في مدينة بني وليد غرب ليبيا (متداولة)

حديث «الجنائية الدولية» عن عدم وجود «شهادة وفاة» لسيف الإسلام يفجِّر جدلاً حاداً في ليبيا

بعد أكثر من 110 أيام على مقتل سيف الإسلام القذافي، نجل العقيد الراحل معمر القذافي، عاد اسمه ليتصدر المشهد الليبي مجدداً، ولكن من بوابة «الجنائية الدولية».

علاء حموده (القاهرة )