تصعيد إسرائيلي «مركّب» في جنوب لبنان

يشمل إنذارات الإخلاء والقصف الجوي والاغتيالات

ألسنة لهب تتصاعد جراء استهداف إسرائيلي لمنزل في بلدة عين قانا بجنوب لبنان بعد إنذار بإخلائه (أ.ب)
ألسنة لهب تتصاعد جراء استهداف إسرائيلي لمنزل في بلدة عين قانا بجنوب لبنان بعد إنذار بإخلائه (أ.ب)
TT

تصعيد إسرائيلي «مركّب» في جنوب لبنان

ألسنة لهب تتصاعد جراء استهداف إسرائيلي لمنزل في بلدة عين قانا بجنوب لبنان بعد إنذار بإخلائه (أ.ب)
ألسنة لهب تتصاعد جراء استهداف إسرائيلي لمنزل في بلدة عين قانا بجنوب لبنان بعد إنذار بإخلائه (أ.ب)

بلغ التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان مستوى مرتفعاً، الاثنين، بتنفيذ اغتيالَين، ثم قصف منزلين في بلدتين بالجنوب بعد إصدار إنذارَي إخلاء، وهو تصعيد يتنامى منذ مطلع العام، ويشمل الملاحقات والغارات الجوية التي تستهدف مناطق شمال الليطاني، إضافة إلى قصف مجمعات سكنية بعد إنذارات إخلاء.

ومنذ مطلع عام 2026، اتخذ التصعيد الإسرائيلي في لبنان مساراً مزدوجاً ومتدرّجاً؛ يبدأ بالإنذار العلني والضغط النفسي، بموازاة اغتيالات دقيقة وضربات موضعية، في إطار لا يرقى إلى حرب شاملة، لكنه يتجاوز مفهوم التهدئة.

سكان محليون يتجمعون قرب ركام منزل استهدفته غارة إسرائيلية في بلدة عين قانا بجنوب لبنان بعد إنذار بالإخلاء (أ.ب)

ووفق أرقام «الدولية للمعلومات»، فقد بلغ عدد الأشخاص الذين قضوا في عمليات اغتيال نفذتها إسرائيل منذ مطلع عام 2026 حتى يوم الاثنين 2 فبراير (شباط) الحالي 27 شخصاً، وهو رقم يضع هذا المسار في خانة السياسة الثابتة لا الحوادث المعزولة.

اغتيالات وإنذارات

وتواصل هذا النهج في الساعات الأخيرة؛ إذ أصدر الجيش الإسرائيلي ظهر الاثنين إنذاراً إلى سكان بلدتَيْ كفر تبنيت وعين قانا، اللتين تقعان في شمال الليطاني بجنوب لبنان، واستهدفت غارات جوية موقعين بهما؛ ما أدى إلى تدميرهما. وأعلن الجيش أن طائراته أغارت على مستودعات أسلحة عدة تابعة لـ«حزب الله» في جنوب لبنان، وذلك لمنع محاولاته إعادة تفعيل قدراته.

وجاءت الإنذارات بعد ملاحقات أسفرت عن وقوع قتيل و8 جرحى، وفق ما أفادت به وزارة الصحة اللبنانية. واستهدفت مسيّرة إسرائيلية سيارة من نوع «جيب شيروكي» عند مفترق طرق بلدة القليلة جنوب صور، بالتزامن مع غارة من مسيّرة آلية في محيط باتولية؛ ما أدى إلى سقوط 4 جرحى، وسبقت ذلك صباحاً غارةُ لمسيّرة إسرائيلية على أوتوستراد الزهراني - صور؛ ما أدى إلى سقوط قتيل و4 جرحى.

دخان يتصاعد جراء غارة جوية استهدفت منزلاً في بلدة عين قانا بجنوب لبنان بعد إنذار بالإخلاء (أ.ف.ب)

وفي سياق موازٍ، تسللت قوة إسرائيلية فجراً إلى بلدة عيتا الشعب، وفخّخت منزلاً ودمرته، فيما ألقت مسيّرة 3 قنابل صوتية فوق البلدة نفسها، وسُجّل تحليق مكثّف من الطيران الإسرائيلي في أجواء الجنوب وصولاً إلى سماء بعلبك.

أداة ضغط

اعتمدت إسرائيل منذ بداية العام نمطاً تصاعدياً في توجيه إنذارات علنية ومباشرة إلى القرى والبلدات اللبنانية، شكّلت في مجملها أداة ضغط عسكري ونفسي متقدمة، وخرقاً عملياً لوقف إطلاق النار الساري منذ أواخر عام 2024.

ففي 5 يناير (كانون الثاني) 2026، وجّه الجيش الإسرائيلي إنذاراً عاجلاً إلى سكان 4 قرى جنوبية طالباً إخلاءها الفوري، ونشر التحذير عبر بيانات رسمية مرفقة بخرائط على منصة «إكس»، قبل أن تُنفَّذ الغارات فعلاً؛ ما أدى إلى نزوح عشرات العائلات. وفي 11 يناير، تكرّر المشهد في بلدة كفرحتا، حيث صدر إنذار بإخلاء مبنى محدد بزعم استخدامه بنيةً تحتيةً عسكرية، قبل أن يُستهدف بالقصف بعد ساعات. أما في 15 من الشهر الماضي، فتوسّعت رقعة الإنذارات لتشمل البقاع الغربي، خصوصاً بلدتي سحمر ومشغرة، إضافة إلى إنذارين في جزين بالجنوب، حيث جرى تحذير السكان من الوجود في 4 مبانٍ سكنية أو الاقتراب منها، قبل تدميرها بالغارات. وأكدت مصادر أمنية لبنانية لاحقاً أن الجيش اللبناني كشف على المواقع ولم يعثر فيها على أسلحة؛ مما دفع بوزارة الخارجية اللبنانية إلى توجيه رسالة احتجاج إلى مجلس الأمن الدولي.

وبلغ هذا المسار ذروته في 21 يناير 2026، مع إنذار واسع النطاق شمل مباني في 5 بلدات جنوبية، أعقبه قصف مكثف أدى إلى تدمير منازل وإصابة مدنيين، في ما وصفته الرئاسة اللبنانية بأنه أخطر تصعيد منذ سريان الهدنة.

تصعيد نوعي

عسكرياً، قال العميد المتقاعد ناجي ملاعب، لـ«الشرق الأوسط»، إنّ «الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة منذ مطلع العام الحالي شهدت تصعيداً نوعياً متعدّد الأبعاد»، موضحاً أنّ «الإنذارات تشكّل ركيزة أساسية في هذا المسار».

ألسنة لهب تتصاعد جراء استهداف إسرائيلي لمنزل في بلدة كفر تبنيت بجنوب لبنان بعد إنذار بإخلائه (أ.ف.ب)

وأوضح ملاعب أنّ «الإنذارات التي يوجّهها الجيش الإسرائيلي إلى القرى الجنوبية لا يمكن فصلها عن سياسة مدروسة لخلق حالة رعب وضغط نفسي بين السكان»، عادّاً أنّ الجانب الإسرائيلي يحاول التشكيك في واقع المهمة الموكلة إلى الجيش اللبناني جنوب الليطاني.

وأضاف أنّ «إسرائيل تستثمر في هذا الواقع، لا سيما في توقيت زيارة قائد الجيش (العماد رودولف هيكل) إلى الولايات المتحدة»، عادّاً أنّ «تكثيف الإنذارات داخل القرى وحتى داخل المنازل يهدف إلى التشكيك في مهام قيادة الجيش اللبناني أمام المجتمع الدولي، خصوصاً في ظل الرعاية الأميركية الحالية لهذا الملف».

وأكد أنّ «الإنذارات ليست إجراءً أمنياً معزولاً، بل هي جزء من معركة سياسية ونفسية تهدف إلى إظهار أنّ المهمة لم تُنجز، وإلى إبقاء الجنوب تحت ضغط دائم».

نمط الاغتيالات

بالتوازي مع مسار الإنذارات، اعتمدت إسرائيل نمطاً ثابتاً من الاغتيالات الدقيقة، نُفّذت في معظمها بواسطة طائرات مسيّرة، واستهدفت سيارات ودراجات وأحياناً منازل ومحيطها، في القرى الحدودية وعمق الجنوب.

وخلال الأسابيع الأولى من العام، سُجّلت اغتيالات في بلدات كفر دونين، وجويا، وزيتا بنعفول، وبنت جبيل، وزوطر، والمنصوري، ورب ثلاثين. وقالت إسرائيل إنّ المستهدفين «عناصر تقنيون أو لوجيستيون».

استهداف الإعمار وبناء بنك الأهداف

وفي قراءته المسار العام، أشار ملاعب إلى أنّ البعد الأول من التصعيد تمثّل في استهداف مباشر لوسائل إعادة الإعمار، كما حدث أخيراً في بلدة الغازية، عادّاً أنّ «هذا الاستهداف لا يمكن فصله عن توقيت مناقشة موازنة عام 2026 في المجلس النيابي اللبناني، التي تضمّنت بنداً مخصصاً لإعادة إعمار الجنوب». ورأى أنّ «الرسالة الإسرائيلية كانت واضحة بأنه لا إعادة إعمار في الجنوب من دون تفاهم مسبق مع إسرائيل، وبالشروط التي تفرضها».

أما البعد الثاني، فيتعلّق بتكثيف الاغتيالات، وهو تصعيد يربطه ملاعب بالاجتماع الذي عقده رئيس الحكومة الإسرائيلية في كريات شمونة، في سياق طمأنة المستوطنين العائدين إلى شمال الجليل.

وأضاف أنّ «إسرائيل بنت خلال المدة الماضية بنك أهداف واسعاً يطول عناصر في (حزب الله)، جرى جمعه عبر وسائل تقنية واستخبارية مختلفة؛ بهدف تحييد عناصر يُنظر إليهم على أنهم قادرون على لعب دور فاعل في أي رد محتمل».


مقالات ذات صلة

«حزب الله» يفعّل استهدافاته للدفاع الجوي الإسرائيلي استباقاً لتجدد الحرب

تحليل إخباري طفل يبكي والده الذي قُتل بغارة إسرائيلية استهدفت بلدة دير قانون النهر في جنوب لبنان أثناء تشييع الضحايا (رويترز)

«حزب الله» يفعّل استهدافاته للدفاع الجوي الإسرائيلي استباقاً لتجدد الحرب

فعّل «حزب الله»، في الأيام الأخيرة، استهدافاته لمنصات القبة الحديدية للدفاع الجوي داخل الأراضي الإسرائيلية، فيما بدا أنه محاولة لرفع كلفة الخسائر المادية

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي مشيعون يحملون نعوش ضحايا قتلوا بغارات إسرائيلية في جنوب لبنان الجمعة (أ.ف.ب)

إيران تسعى لطمأنة «حزب الله»: لن نتخلى عن دعمكم

قال «حزب الله» اإن أمينه العام نعيم قاسم تلقى رسالة من وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أكدت أن طهران «لن تتخلى» عن دعمه،

«الشرق الأوسط» (بيروت)
خاص جنود من الجيش اللبناني يديرون نقطة تفتيش في بيروت يوم 14 مايو 2026 (إ.ب.أ)

خاص لبنان يحاصر النفوذ الإيراني ويستوضح من واشنطن دوافع عقوباتها

يقف لبنان على بعد أيام من اجتماع المسار الأمني-العسكري بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي في 29 مايو (أيار) الجاري في البنتاغون، استعداداً لاستئناف المفاوضات

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي آثار دمار في مدينة صور جنوب لبنان بعد استهداف بغارة إسرائيلية (د.ب.أ)

لبنانيون تحت الإنذار... الغارات تُحوّل الهواتف إلى مصدر خوف يومي

تسبق اليد العين إلى الهاتف لدى كثير من اللبنانيين، لا بحثاً عن الرسائل أو تصفحاً لمواقع التواصل الاجتماعي، بل لمعرفة ما إذا كانت ساعات النوم حملت غارات جديدة.

صبحي أمهز (بيروت)
خاص رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون خلال لقائه وفد جمعية مصارف لبنان (الرئاسة اللبنانية)

خاص أولويات الحرب لم تحجب مواجهات مالية «مستمرة» في لبنان

تستمر القضايا المالية والنقدية العالقة في لبنان، بتوليد مزيد من الاستحقاقات الحيوية، في وقت اعترف فيه صندوق النقد بأن الأزمة نظامية.

علي زين الدين (بيروت)

إيران تعد «حزب الله» بشمول لبنان في «صفقة إسلام آباد»


مشيعون يحملون نعوش ضحايا قُتلوا بغارات إسرائيلية في جنوب لبنان الجمعة (أ.ف.ب)
مشيعون يحملون نعوش ضحايا قُتلوا بغارات إسرائيلية في جنوب لبنان الجمعة (أ.ف.ب)
TT

إيران تعد «حزب الله» بشمول لبنان في «صفقة إسلام آباد»


مشيعون يحملون نعوش ضحايا قُتلوا بغارات إسرائيلية في جنوب لبنان الجمعة (أ.ف.ب)
مشيعون يحملون نعوش ضحايا قُتلوا بغارات إسرائيلية في جنوب لبنان الجمعة (أ.ف.ب)

وعدت إيران، أمس، «حزب الله» بأن يكون لبنان جزءاً من صفقة إسلام آباد، حيث تبحث مع الولايات المتحدة اتفاقاً ينهي الحرب في إيران.

وقال «حزب الله»، في بيان، إن أمينه العام نعيم قاسم تلقى رسالةً من وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أكد فيها أن طهران «لن تتخلى» عن دعمه وأن أحدث مقترح لإنهاء الحرب مع الولايات المتحدة شدد على «إيقاف الحرب بشكل دائم ومستقر» في لبنان.

ورغم المباحثات الجارية، كثف «حزب الله» من استهدافاته للدفاعات الجوية الإسرائيلية على الحدود مع لبنان، تحسباً لتجدد الحرب. وأعلن الحزب، السبت، عن استهداف أربع منظومات للدفاع الجوي (القبة الحديدية) في موقعين عسكريين رئيسيين، غداة إعلانه استهداف منظومة أخرى.

في المقابل، كثف الجيش الإسرائيلي استهدافاته داخل الأراضي اللبنانية، وأصدر إنذارات إخلاء لـ15 بلدة في الجنوب.


10 آلاف كردي تقدّموا بطلب الحصول على الجنسية السورية

جانب من احتفالات الأكراد بيوم اللغة الكردية في القامشلي شمال شرقي سوريا يوم 14 مايو 2026 (رويترز)
جانب من احتفالات الأكراد بيوم اللغة الكردية في القامشلي شمال شرقي سوريا يوم 14 مايو 2026 (رويترز)
TT

10 آلاف كردي تقدّموا بطلب الحصول على الجنسية السورية

جانب من احتفالات الأكراد بيوم اللغة الكردية في القامشلي شمال شرقي سوريا يوم 14 مايو 2026 (رويترز)
جانب من احتفالات الأكراد بيوم اللغة الكردية في القامشلي شمال شرقي سوريا يوم 14 مايو 2026 (رويترز)

في خطوة جديدة تُسهم في تسوية الخلافات بين دمشق والأكراد، أعلنت وزارة الداخلية السورية أن ما لا يقل عن 10 آلاف كردي تقدموا بطلبات الحصول على الجنسية السورية. ويأتي ذلك في إطار تنفيذ المرسوم «13»، الذي نصّ على إلغاء الإجراءات الاستثنائية المرتبطة بإحصاء عام 1962، والذي تسبب في حرمان شريحة واسعة من الأكراد من الجنسية السورية لعقود. وكشفت «الداخلية السورية»، السبت، أن عدد طلبات تجنيس المواطنين المشمولين بأحكام المرسوم «13»، وصل إلى 2892 طلباً عائلياً، تشمل تفويضاً قانونياً لتجنيس 10516 فرداً. وأوضحت أن الغالبية العظمى من الطلبات كانت في الحسكة (أقصى شمال شرقي البلاد)، تليها حلب (شمال)، ثم دمشق.ومن المنتظر بعد انتهاء المرحلة الأولى المتضمنة استقبال الطلبات الانتقال إلى المرحلة الثانية التي تتضمن التدقيق في صحة البيانات، ومن ثم المرحلة النهائية المتضمنة الحصول على الجنسية.


«ثغرات» عائلية قادت إسرائيل إلى قيادات «حماس»

فلسطينيون يحملون صور القائد العسكري لـ«حماس» عز الدين الحداد خلال تشييعه في مدينة غزة يوم 16 مايو 2026 (أ.ف.ب)
فلسطينيون يحملون صور القائد العسكري لـ«حماس» عز الدين الحداد خلال تشييعه في مدينة غزة يوم 16 مايو 2026 (أ.ف.ب)
TT

«ثغرات» عائلية قادت إسرائيل إلى قيادات «حماس»

فلسطينيون يحملون صور القائد العسكري لـ«حماس» عز الدين الحداد خلال تشييعه في مدينة غزة يوم 16 مايو 2026 (أ.ف.ب)
فلسطينيون يحملون صور القائد العسكري لـ«حماس» عز الدين الحداد خلال تشييعه في مدينة غزة يوم 16 مايو 2026 (أ.ف.ب)

واجهت إسرائيل صعوبات في بداية الحرب على غزة للوصول إلى قيادات «حماس»، خصوصاً قادة «كتائب القسام»، الجناح العسكري للحركة، الذين استغلوا الأنفاق أسفل الأرض في التخفي والتنقل من مكان إلى آخر، قبل أن تتغير تحركاتهم بعدما باتت تلك الأنفاق لا توفر لهم الحماية الكاملة، فأصبحوا ملاحقين فوق الأرض، حتى نجحت إسرائيل في الوصول إليهم لاحقاً.

وتُظهر معلومات تتبعتها «الشرق الأوسط»، أن بعض القيادات العسكرية البارزة وصلت إليهم إسرائيل بعد تواصلهم بطريقة أو بأخرى مع عائلاتهم أو اللقاء بهم، وكان آخرهم القائد العسكري عزالدين الحداد.

وتؤكد مصادر ميدانية في حركة «حماس» أن بعض القيادات تم اغتيالهم بعد تواصلهم مع عائلاتهم التي كانت تحت المراقبة الشديدة من قبل أجهزة الاستخبارات، ولم يتبين أن أياً منهم كان متعاوناً مع تلك الأجهزة بعد تحقيقات أُجريت.