بعد المظاهرات العملاقة التي بدأت قبل 10 أيام وبلغت ذروتها في تل أبيب، مساء السبت، ضد استفحال الجريمة في مجتمعهم، يستعد المواطنون العرب في إسرائيل، يوم غد (الاثنين)، لبدء «عصيان مدني» يتمثل في الامتناع عن شراء أي شيء ودفع أي التزامات ضريبية أو غرامات، كنوع من التصعيد في احتجاجهم ضد سياسة الحكومة اليمينية المتطرفة.
وكانت المظاهرة الكبيرة، التي أقيمت السبت، محفزاً كبيراً لمعركة العرب في إسرائيل ضد سياسة الحكومة، التي يقولون إنها «تشجع العصابات على مهاجمتهم»، وضمّت المظاهرة عشرات ألوف المواطنين (بحسب المنظمين أكثر من 100 ألف شخص، ووفق الشرطة 28 ألفاً، وقدّرتهم الصحافة العبرية بـ40 ألفاً)، بينهم نحو 7000 متظاهر يهودي، رأوا جميعاً أن حكومة بنيامين نتنياهو تتعمد إهمال هذا الموضوع، لدوافع عنصرية وسياسية.

وجاءت مظاهرة تل أبيب بعد 4 ساعات فقط من سقوط قتيل جديد في مدينة اللد، ليصل عدد القتلى في المجتمع العربي إلى 27 شخصاً خلال شهر واحد، ما يمثل زيادة كبيرة؛ إذ تضاعفت معدلات الجرائم خلال السنوات العشر الماضية تحت قيادة بنيامين نتنياهو، بنسبة تجاوزت 400 في المائة.
تصاعد في الجرائم
ووقعت 58 جريمة قتل ضد العرب في إسرائيل خلال عام 2015، وتزايدت عام 2016 إلى 64 جريمة، وفي عام 2017 وقعت 67 جريمة، وفي عام 2018 قُتل 71 شخصاً، أما في عام 2019 فقد قُتل 89 شخصاً، ووقعت 96 جريمة قتل عام 2020، وبدأت دالة الجرائم بالتصاعد بوتيرة أسرع حتى عام 2021 حيث وقعت 126 جريمة قتل، وفي عام 2022 قُتل 116 شخصاً.
وقفزت معدلات الجريمة عام 2023 لأكثر من ضعف العام الذي سبقه، إذ وقعت 245 جريمة قتل، لتحافظ على هذه الأرقام المضاعفة لعامين متتالين، حيث وقعت 230 جريمة عام 2024، فيما حطّم عام 2025 كل الأرقام القياسية بـ252 جريمة قتل.
وإذا استمرت وتيرة القتل التي بدأت في شهر يناير الماضي؛ فإن المعدل السنوي سيرتفع مرة أخرى إلى نحو 324 قتيلاً، والغالبية الساحقة من هذه الجرائم وقعت على خلفية الابتزاز والإتاوات.

وفي الأيام العشرة الأخيرة، شهدت البلاد هبة شعبية واسعة من جراء تفاقم العنف، وذلك بمبادرة صاحب «سوبر ماركت» في مدينة سخنين، يدعى علي زبيدات، بعد حاول أفراد العصابات ابتزازه ومطالبته بدفع «إتاوة»، وأطلقوا 200 رصاصة على متجره، فخرج بحملة شعبية وجرف وراءه عشرات ألوف المواطنين.
وأقيمت مظاهرة ضخمة في سخنين، قبل أقل من أسبوعين شارك فيها 45 ألف مواطن على الأقل، ثم انطلقت عشرات المظاهرات في البلدات العربية.
الزحف نحو العصيان المدني
وبدأت عملية الزحف نحو العصيان المدني قبل أيام، إذ يطفئ العرب التيار الكهربائي لمدة ساعة في كل يوم، ويمتنعون عن الشراء ببطاقة الائتمان لمدة ساعة أيضاً في اليوم.
وقرّر منظمو المظاهرات تطوير تلك المظاهر إلى يوم كامل يمتنعون فيه عن الشراء بتاتاً، وهم يقصدون التذكير بأنهم يشكلون 20 في المائة من السكان ومن القوة الشرائية.
وبدعوة من «لجنة المتابعة العليا» و«اللجنة القطرية» وعدة حركات سلام يهودية، تم تنظيم مظاهرة في تل أبيب، السبت، تحت عنوان «مسيرة الرايات السوداء ضد الجريمة والعنف والخاوة (الإتاوة)».
وانطلقت المظاهرة من ساحة متحف تل أبيب، وصولاً إلى ميدان «هبيما» في المدينة حيث اختتمت بمهرجان خطابي تنديداً باستفحال الجريمة وانعدام الأمن والأمان في المجتمع العربي واحتجاجاً على تقاعس السلطات والشرطة الإسرائيلية وتواطؤها مع الجريمة المنظمة.

وردّد المتظاهرون خلال سيرهم في شوارع تل أبيب هتافات تتهم الشرطة بالتقصير، ورفعوا رايات سوداء ولافتات كُتبت عليها شعارات، من بينها «إلى متى الذُل؟»، «حاربوا الإجرام واجمعوا السلاح»، «أوقفوا حرب الجريمة»، «سجل أنا عربي ودم أولادي ليس مباحاً»، «الاحتلال أفسد إسرائيل وجعل الجريمة شيئاً عادياً»، «نتنياهو مسؤول عن الجريمة»، «سياسة الحكومة: العربي الجيد عربي ميت»، «معاً ننتصر على الكهانية»، «كفى للجريمة»، «نختار طريق النضال معاً، ضد الفاشية والجريمة ولأجل المساواة والديمقراطية»، «لا إله إلا الله – الطخيخ (يقصد من يتم استئجارهم لإطلاق الرصاص القاتل من عصابات المافيا) عدو الله».

وبالإضافة إلى جميع النواب العرب في الكنيست، شارك في المظاهرة رئيس حزب الديمقراطيين، يائير غولان، ونواب حزبه الأربعة وبعض نواب حزب يائير لبيد وعدة ألوف من المواطنين اليهود، الذين اعتبروا هذه المعركة مشتركة في الأهداف.
وبرز بين الخطباء والحضور، تمثيل لجميع شرائح المجتمع العربي، مسلمين ومسيحيين ودروزاً. وقال رئيس اللجنة القُطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية ورئيس بلدية سخنين، مازن غنايم، خلال المهرجان الخطابي للمظاهرة، إن «الشرطة متفقة مع عصابات الإجرام العربية على أن يمتنعوا عن ممارسة الإجرام ضد اليهود، وتسكت على جرائمهم في الوسط العربي».
وقالت ختام أبو فنة، والدة ضحية جريمة القتل، فراس أبو فنة، من كفر قرع، إن «ابني البكر فراس قتل، وهو في مصدر رزقه أثناء عمله... الجريمة خطفت ابني من حضني وترك طفلاً صغيراً كان يبلغ عدة شهر، والآن أنا أعمل حتى لا تبتلى أمهات أخريات مثلي».
وقد أثارت المظاهرة اهتماماً كبيراً وغير مسبوق في إسرائيل. فقد تم بثّ أخبارها في جميع القنوات الفضائية العبرية، وقام موقع «واي نت»، أكبر المواقع الإسرائيلية، الذي يتبع صحيفة «يديعوت أحرونوت»، ببثّ المظاهرة بثاً حياً حتى نهايتها.
وقام بتصوير محاولة عناصر من نشطاء اليمين الفاشي، وبينهم مردخاي دافيد، الذي اعتدى على رئيس الحكومة الأسبق إيهود باراك، بالتعرض إلى بعض المتظاهرين اليهود، بالقول: «يساريون خونة» و«مثليون مرضى».








