بين الحرب والوحدة… مسنّون سودانيون يعودون إلى دار بلا أبناء

مسؤول حكومي: نخطط لإدماجهم في أسر بديلة

استقبل سكان الحي المسنّين العائدين للدار بحفاوة كبيرة (الشرق الأوسط)
استقبل سكان الحي المسنّين العائدين للدار بحفاوة كبيرة (الشرق الأوسط)
TT

بين الحرب والوحدة… مسنّون سودانيون يعودون إلى دار بلا أبناء

استقبل سكان الحي المسنّين العائدين للدار بحفاوة كبيرة (الشرق الأوسط)
استقبل سكان الحي المسنّين العائدين للدار بحفاوة كبيرة (الشرق الأوسط)

بقدمٍ مبتورة، متوكئاً على عصا، عاد المسنّ السوداني، محمد الحسن البالغ من العمر 70 عاماً، إلى دار رعاية المسنّين في العاصمة الخرطوم. ورغم الإعياء والإرهاق اللذين بدوا واضحين على ملامح وجهه، فإنه كان غامراً بالفرح معبراً عن مشاعره بقوله: «أخيراً رجعنا إلى دارنا العامرة... لقد اشتقنا إليها كثيراً».

وأعادت السلطات السودانية، مؤخراً 21 مسنّاً إلى دار «الضو حجّوج» في مدينة الخرطوم بحري، إحدى مدن العاصمة المثلثة. وكان هؤلاء المسنون قد غادروا الدار بعد نحو شهرين من اندلاع الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، وتم نقلهم حينها إلى دار إيواء بديلة في مدينة شندي بولاية نهر النيل شمال البلاد.

وخلال رحلة نزوحه، أُصيب الحسن بجرح في قدمه اليمنى ما استدعى تدخلاً جراحياً أدى إلى بتر جزءٍ منها. وقال لــ«الشرق الأوسط» إن المعاملة الكريمة التي يجدها من العاملين في الدار دفعته منذ سنوات إلى اتخاذ قرار قضاء بقية حياته فيها.

وخلال حديثه، أشار إلى ما حل بالدار التي لم تسلم جدرانها من آثار القذائف خلال العمليات العسكرية، فضلاً عن الدمار الكبير الذي لحق بالمباني المجاورة لها. وقبيل اندلاع الحرب، كانت الدار تؤوي 26 مسنّاً، توفي منهم أربعة في أثناء إقامتهم في دار الرعاية البديلة بولاية نهر النيل.

حفاوة الاستقبال

لحظة عودة 21 مسنّاً إلى دار «الضو حجّوج» في مدينة الخرطوم بحري (الشرق الأوسط)

شكلت عودة المسنّين حدثاً استثنائياً لأهالي المنطقة الذين استقبلوهم بحفاوة بالغة، بعدما عاشوا بينهم سنوات عدة. وقال وزير التنمية الاجتماعية في ولاية الخرطوم، صديق فريني، إن «جميع المسنّين وصلوا إلى الدار وهم بصحة جيدة». وأضاف أن «بعض المسنّين يقيمون في الدار منذ عشرات السنين، ولا يسأل عنهم أي من أبنائهم أو أقربائهم، أحياناً نحاول إجراء اتصالات هاتفية بذويهم لإبلاغهم بظروفهم الصحية في حال مرض أحدهم، لكنهم يمتنعون عن الرد. وفي كثير من الأوقات يطلب مسنّون الاتصال بأبنائهم بدافع الشوق لرؤيتهم أو سماع أصواتهم... لكن من دون جدوى».

فقدان الأهل

كثير من المسنّين تخلى عنهم ذووهم وقطعوا التواصل معهم تماماً بعد مكوثهم سنوات طويلة في الدار. وقد وصل بعضهم إلى مرحلة العجز وعدم القدرة على المشي، فيما تعرّض آخرون لوعكات صحية خطيرة وأمراض مزمنة.

ولم يصدق المسنّ سلمان سليمان عودته إلى الدار، فانخرط في بكاء شديد، وظل يردد بصوت عالٍ «أنا في حلم أم حقيقة؟»، موضحاً أنه أُصيب بمرض الفشل الكلوي الحاد، وظل يتلقى العلاج خلال فترة النزوح في مدينة عطبرة الشمالية. وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «أمنيتي الوحيدة أن أعود للعيش في منزلي الذي هجرته قبل الحرب».

ورغم ملامح الفرح التي ارتسمت على وجوه المسنّين عقب عودتهم إلى دارهم، فإنها سرعان ما تتبدد مع استحضار ذكريات فراق الأسرة وانقطاع التواصل معهم. وقال أحدهم إن «آخر ما يتمناه هو أن يرى أبناءه قبل أن يرحل عن هذه الدنيا».

ورغم الإعياء والتعب الشديدين، تساءل مسنٌّ آخر: «هل سيأتي أبنائي ليحملوني على أكتافهم بعد موتي؟ لكنني أسامحهم رغم الحياة المرّة التي عشتها من دونهم، وسأظل أحبهم».

أسر بديلة

أحد المسنّين العائدين إلى دار«الضو حجّوج» في مدينة بحري (الشرق الأوسط)

وذكر وزير التنمية الاجتماعية، صديق فريني، أنه في حال وفاة أحد المسنّين داخل الدار، تُتخذ إجراءات الدفن عقب إبلاغ الشرطة.

وكشف عن توجه نحو تحول تدريجي لتجفيف الدار من المسنّين عبر إدماجهم في أسرٍ بديلة، مشيراً إلى أن هذا الخيار يُعد من أفضل الحلول لإيواء المسنّين، لما يوفره من بيئة أسرية واجتماعية مستقرة تساعدهم على التعايش.

وتأسست دار «الضو حجّوج» لرعاية وكفالة المسنّين عام 1928 في مدينة الخرطوم بحري، ويُشترط لقبول المقيمين فيها أن يتجاوز عمر الشخص 65 عاماً، ويتم إدخالهم بعد إجراءات مشددة عبر النيابة والشرطة. غير أن هناك حالات نادرة جرى فيها قبول مسنّين حضروا برفقة أقاربهم، أو رفضوا العيش مع أسرهم.

وتبلغ السعة الاستيعابية للدار 70 شخصاً، ووفقاً لإحصاءات منظمة الصحة العالمية، تبلغ نسبة المسنّين في السودان نحو 4 في المائة من إجمالي عدد السكان.


مقالات ذات صلة

حرب السودان تدخل عامها الرابع... ولا آفاق لوقف القتال

شمال افريقيا سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم الأربعاء (أ.ب)

حرب السودان تدخل عامها الرابع... ولا آفاق لوقف القتال

رغم الجهود المتواصلة لإنهاء الحرب في السودان، فإنها تدخل عامها الرابع دون مؤشرات تدل على وجود أي رغبة من طرفيها الجيش و«الدعم السريع» في التوصل لحل سلمي

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا الدخان يتصاعد من داخل مطار الخرطوم خلال اشتباكات سابقة بين «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني (رويترز)

مستشار لترمب: لا ننحاز لأحد في حرب السودان ونركّز على الجانب الإنساني

قال مسعد ​بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية اليوم الأربعاء، إن الولايات المتحدة ‌لا ‌تنحاز ​لأي ‌طرف ⁠في ​الحرب الدائرة ⁠في السودان.

«الشرق الأوسط» (برلين - الخرطوم)
شمال افريقيا واحد من كل 4 سودانيين يعيش فقراً مدقعاً بأقل من دولارين في اليوم (رويترز)

السودان: 700 قتيل بهجمات مسيّرات منذ يناير.. و70 % من السكان تحت خط الفقر

تضاعفت معدلات الفقر في السودان منذ اندلاع الحرب قبل 3 سنوات، بحيث بات 70 في المائة من السكان يعيشون تحت خط الفقر.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا طالبات بمدرسة بحري الحكومية (الشرق الأوسط)

أكثر من نصف مليون طالب سوداني يؤدون امتحانات الشهادة الثانوية

انطلقت، الاثنين، أولى جلسات امتحانات الشهادة الثانوية السودانية في المناطق التي يسيطر عليها الجيش السوداني.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس خلال المؤتمر الصحافي بمطار الخرطوم الاثنين (مجلس الوزراء)

الحكومة السودانية ترفض استبعادها عن مؤتمر برلين

احتجَّت الحكومة السودانية، برئاسة كامل إدريس، رسمياً على عدم دعوتها للمشارَكة في «مؤتمر برلين»، المزمع عقده في الـ15 من أبريل (نيسان) الحالي.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

«مؤتمر برلين»: تعهدات بـ 1.5 مليار دولار للسودان

المشاركون في المؤتمر الدولي بشأن السودان الذي استضافته العاصمة الألمانية برلين يوم الأربعاء (أ.ف.ب)
المشاركون في المؤتمر الدولي بشأن السودان الذي استضافته العاصمة الألمانية برلين يوم الأربعاء (أ.ف.ب)
TT

«مؤتمر برلين»: تعهدات بـ 1.5 مليار دولار للسودان

المشاركون في المؤتمر الدولي بشأن السودان الذي استضافته العاصمة الألمانية برلين يوم الأربعاء (أ.ف.ب)
المشاركون في المؤتمر الدولي بشأن السودان الذي استضافته العاصمة الألمانية برلين يوم الأربعاء (أ.ف.ب)

تعهدت الجهات المانحة تقديم مساعدات بقيمة 1.5 مليار دولار إلى السودان، وذلك خلال المؤتمر الذي استضافته العاصمة الألمانية برلين أمس، برعاية ألمانيا والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي.

وعُقد «مؤتمر برلين» وسط غياب ممثلين عن طرفي الحرب، أي الجيش السوداني، والحكومة الموالية له، و«قوات الدعم السريع». وقبل انطلاقه، انتقدت الحكومة السودانية استضافة ألمانيا للمؤتمر، قائلة إن هذا «تدخل مفاجئ وغير مقبول» في الشأن الداخلي. ويعد هذا المؤتمر الدولي الثالث حول السودان بعد مؤتمرين سابقين في باريس، ولندن.

وحض الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، في كلمة مسجلة خلال المؤتمر، على السلام في السودان، و«إنهاء كابوس» الحرب، ووقف «التدخلات الخارجية، وتدفق الأسلحة اللذين يؤججان النزاع». وطالب طرفي القتال بـ«وقف فوري للأعمال الحربية».


رئيس الوزراء السوداني: لسنا معنيين بمخرجات مؤتمر برلين

رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)
رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)
TT

رئيس الوزراء السوداني: لسنا معنيين بمخرجات مؤتمر برلين

رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)
رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)

قال رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس، الأربعاء، إن حكومته غير معنية بمخرجات «مؤتمر برلين» الدولي بشأن الوضع الإنساني في السودان، مؤكداً أنها لم تتلقَّ دعوة للمشاركة في المؤتمر.

وأضاف في مؤتمر صحافي بالعاصمة الخرطوم أن تغييب الحكومة السودانية «خطأ فادح» من قبل الجهات المنظمة للمؤتمر، مشيراً إلى الاحتجاجات التي نظمتها مجموعات من السودانيين في العواصم الأوروبية تعبيراً عن رفضها لتوصيات المؤتمر واستبعاد الحكومة.

وقال: «كنا نأمل أن تُقدَّم لنا الدعوة للمشاركة في مؤتمر برلين لتوضيح الحقائق كافة عن الأوضاع في السودان».

وأكد أن حكومته منفتحة على كل المبادرات وعلى الحوار مع الأطراف الإقليمية والدولية الساعية لتحقيق السلام العادل والشامل في السودان.


تصريحات نائب عن المهاجرات الأفريقيات تثير جدلاً واسعاً في تونس

مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
TT

تصريحات نائب عن المهاجرات الأفريقيات تثير جدلاً واسعاً في تونس

مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)

أثارت تصريحات نائب تونسي حول الاغتصاب والمهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء جدلاً وانتقادات واسعة، وجّهتها منظمات المجتمع المدني، وصولاً إلى اتهامه بـ«العنصرية» حيال المهاجرين.

وفي جلسة استماع وتوجيه أسئلة لوزير الداخلية، عُقدت بالبرلمان، قال النائب طارق المهدي في مداخلته عن قضية المهاجرات: «أن تُغتصب أفريقية (مهاجرة) فهذا أمر لا يحدث. التونسيات جميلات... لا ينقصنا شيء في تونس». وأضاف المهدي في تصريحات نقلتها «وكالة الصحافة الفرنسية»: «يجب أن يخرجن بأي ثمن. لقد تم تجاوز كل الخطوط الحمراء».

وتثير الهجرة من دول أفريقيا جنوب الصحراء جدلاً في تونس بشكل منتظم.

ومطلع عام 2023، ندّد الرئيس قيس سعيّد بوصول «جحافل من المهاجرين غير النظاميين»، متحدثاً عن مؤامرة «لتغيير التركيبة الديموغرافية» للبلاد.

وندد «المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية»، في بيان، الثلاثاء، بتصريحات المهدي، معتبراً أنها «عنصرية... وتمثل اعتداء صارخاً على الكرامة الإنسانية، وتبريراً خطيراً للعنف الجنسي والاغتصاب ضد النساء»، وطالب بمحاسبته.

ولاحقاً، كتب النائب على صفحته على «فيسبوك»: «إنهم يخرجون كلامي كلياً عن سياقه، والذي لا أقصد منه أي تشجيع على أي شكل من أشكال العنف، ولا على الاغتصاب. قصدت من قولي حتى ولو خانني التعبير... أن أقول إن نساءنا من أكثر النساء جمالاً وثقافة، ولا غاية لنا أن تعتدي على أي كان».

كما استنكرت «الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان» التصريحات، في بيان، وعدّتها «انتهاكاً خطيراً لكرامة النساء، ومساساً جوهرياً بمبادئ حقوق الإنسان».

وأكدت أن خطاب المهدي «ينطوي على عنصرية فجة، ويغذي بشكل مباشر خطاب الكراهية، والتمييز ضد المهاجرين والمهاجرات من أفريقيا جنوب الصحراء».

وتُعد تونس نقطة عبور مهمة في شمال أفريقيا لآلاف المهاجرين الوافدين من دول أفريقيا جنوب الصحراء، والذين يسعون للوصول بشكل غير قانوني إلى أوروبا من طريق البحر.