«ملفات إبستين» الجديدة: تسريبٌ رسميٌّ ضخم يفضح شبكة علاقات ويخلط السياسة ويُربك العدالة

الأمير أندرو أحد «الأسماء اللامعة»... وكذلك وزير التجارة الأميركي هوارد لوتنيك

وثائق ترتبط بملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثائق ترتبط بملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

«ملفات إبستين» الجديدة: تسريبٌ رسميٌّ ضخم يفضح شبكة علاقات ويخلط السياسة ويُربك العدالة

وثائق ترتبط بملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثائق ترتبط بملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

أفرجت وزارة العدل الأميركية، الجمعة، عن أضخم دفعة حتى الآن من «ملفات جيفري إبستين»، ضمن موجة كشفٍ بدأت نهاية 2025 بموجب «قانون شفافية ملفات إبستين». الإعلان جاء على لسان نائب المدعي العام تود بلانش الذي قال إن الوزارة نشرت ما يزيد على ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق، بالإضافة إلى آلاف المقاطع المصوّرة، ومئات آلاف الصور، مؤكداً أن ذلك يمثّل نهاية الدفعات المخطط لها، و«خاتمة» المراجعة الأوسع ضمن الالتزام بالقانون الذي فُرض لإتاحة هذه الملفات للجمهور، مع تنقيحات واسعة لحماية الضحايا ولأسباب قانونية وإجرائية أخرى.

صورة تُظهر بعض ملفات إبستين في 19 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

لكن المفارقة أن الإفراج، بدل أن يطوي الملف، أعاد تعويمه سياسياً وأخلاقياً. فعلى الرغم من أن الحكومة ترى أنها قامت بما عليها (ضمن حدود التنقيح والاستثناءات)، فإن منتقدين من ناجين وناجيات، ومن مشرّعين ديمقراطيين وجمهوريين، يؤكدون أن «شفافية الكم» لا تعني «شفافية المعنى»، وأن الثغرات في الحجب والتأخير والانتقاء قد تُبقي الأسماء الأقوى في مأمن، في حين يتعرّض الضحايا لكلفة إضافية من الانكشاف.

صورة وزّعتها لجنة الرقابة بمجلس النواب الأميركي تُظهر الرئيس ترمب مع جيفري إبستين وقد نشرها الديمقراطيون باللجنة في واشنطن (رويترز)

ما الذي كُشف فعلاً؟

حسب وسائل الإعلام الأميركية فإن طبيعة المواد المنشورة تضع الرأي العام أمام مأزقٍ منهجي: كثير من الوثائق ليست أحكاماً أو نتائج نهائية، بل مراسلات، وخلاصات مقابلات، وسياقات جمع معلومات، وأدلة رقمية متفرقة. وهذا يعني أن وجود اسم في بريد إلكتروني أو جدول مواعيد لا يساوي تلقائياً اتهاماً، فضلاً عن إدانة. ومع ذلك، فإن القيمة السياسية والإعلامية تكمن في أن الوثائق تكشف عن استمرار «العلاقات الطبيعية» لإبستين مع شخصيات نافذة، بعد اتهامه وإدانته في قضايا سابقة، أي بعد أن كان ينبغي أن يصبح عبئاً لا «مضيفاً» و«وسيطاً» في دوائر القوة.

ضمن العناوين الأكثر تداولاً، برز حضور الأمير أندرو في الوثائق الجديدة بوصفه أحد «الأسماء اللامعة» التي تُظهر الملفات كيف تعاملت السلطات الأميركية مع محاولة فهم شبكة العلاقات المحيطة بإبستين. وتشير تقارير إلى أن الدفعة تتضمّن مواد تتصل بمحاولات لترتيب مقابلة من قِبل السلطات الأميركية، وهو ما يُعيد تسليط الضوء على البعد الدولي للقضية، وعلى حدود قدرة واشنطن على استكمال خيوطها خارج الولاية القضائية الأميركية.

النائب الديمقراطي توم ماسي والجمهورية مارجوري غرين في مؤتمر صحافي حول ملفات إبستين 18 نوفمبر 2025 (رويترز)

وفي المسار نفسه، كشفت وثائق منشورة عن أن رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك، وزوجته نِلي بريئيل، أقاما عدة مرات في شقة مملوكة لإبستين في نيويورك، وفق مراسلات بريدية تتعلق بترتيبات إقامة ومواعيد سفر وتنسيق لوجيستي، بما في ذلك رسالة تشير إلى مغادرتهما المؤقتة في أثناء سفرهما إلى جامعة هارفارد، وطلب ترتيب التنظيف خلال الغياب.

وتؤكد التقارير أن باراك أقرّ بمعرفته بإبستين، لكنه نفى مراراً مشاهدته أو مشاركته في أي نشاط غير قانوني أو غير لائق.

وتكشف رسائل إلكترونية عن أن هوارد لوتنيك الذي يشغل منصب وزير التجارة نسّق في ديسمبر (كانون الأول) 2012 تفاصيل لقاء/غداء على جزيرة إبستين (ليتل سانت جيمس)، بما في ذلك ترتيبات الوصول والتوقيت ومراسلات مع مساعدة إبستين، إلى جانب تواصل من زوجته للتنسيق.

كما أظهرت الوثائق مراسلات بين إبستين ورجل الأعمال إيلون ماسك خلال 2012-2014، تتضمّن محاولات متبادلة لتنسيق لقاءات وزيارات، وتحديداً دعوة إبستين له لزيارة جزيرته في الكاريبي، ورد ماسك بما يفيد بأنه «سيحاول» ترتيب ذلك.

إحدى الضحايا خلال وقفة للمطالبة بالشفافية حول ملفات إبستين خارج مبنى الكابيتول نوفمبر الماضي (د.ب.أ)

وحسب ما نقلته تقارير صحافية استندت إلى الوثائق المنشورة، فإن الرسائل تتقاطع أيضاً مع جدل سابق، بعدما قال ماسك علناً في سبتمبر (أيلول) الماضي إن إبستين حاول إقناعه بالذهاب إلى الجزيرة وإنه «رفض». هنا لا تُحسم «واقعة الزيارة» بحد ذاتها دائماً، لكن ثِقل المادة يكمن في إبراز نمط السعي إلى علاقة اجتماعية، حتى لو لم تُترجم إلى لقاء فعلي.

ويرى محللون أن المهم هنا ليس «الإشارة إلى الأسماء» بقدر ما هو إظهار آلية عمل الشبكة: رسائل قصيرة، ونبرة ودّية، وتنسيق سفر وعشاء وخصوصية، أي أدوات الحياة اليومية للنخبة التي تتحول، في ملف من هذا النوع، إلى مادة سياسية وقضائية محتملة، وإلى دليل على «طبيعة العلاقات» حتى إن لم تُثبت وحدها جرماً.

جيفري إبستين وجيسلين ماكسويل على متن طائرة خاصة في صورة أفرجت عنها وزارة العدل الأميركية بواشنطن (رويترز)

المشرّعون يرفعون السقف

في موازاة ضخامة الإفراج، برزت انتقادات حادة بشأن اتساع التنقيحات وتفاوتها، بل حتى بشأن أخطاء محتملة في حماية هوية الضحايا. تقارير صحافية تحدثت عن غضب الناجين، لأن بعض المواد المنشورة، على حد وصفهم، كشفت عن معلومات تعريفية أو سياقية عن الضحايا، في حين بقيت أسماء رجال يُشتبه بضلوعهم أو صِلتهم بالجرائم محجوبة أو غير واضحة، ما يُنتج انطباعاً بأن ميزان الحماية يميل ضد الضحايا.

الرئيس الأسبق بيل كلينتون ظهر في أكثر من صورة ضمن وثائق إبستين (أ.ب)

وفي خطوة لافتة، وجّه النائبان، الديمقراطي رو خانا، والجمهوري توماس ماسي، وهما من رعاة قانون الإفراج، رسالة رسمية إلى تود بلانش يطلبان فيها اجتماعاً للاطلاع على النسخ غير المنقّحة من المواد، مشيرين إلى «مخاوف بشأن نطاق التنقيحات واتساقها»، ولا سيما في تقارير مقابلات الضحايا، التي قالا إن صفحات كثيرة منها خرجت «مُسوّدة بالكامل» بلا معنى رقابي أو مساءلة عامة. الرسالة تطلب أيضاً الاطلاع على وثائق بعينها: رسائل البريد الإلكتروني المستخرجة من حسابات إبستين، ومواد مقابلات الضحايا في فلوريدا ونيويورك، ومسودة لائحة اتهام ومذكرة ادعاء تعود إلى تحقيق 2007 في فلوريدا، بوصفها مفاتيح لفهم كيف انتهت تسوية «الحصانة» الشهيرة آنذاك.

صورة تجمع الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون وجيفري إبستين ضمن الملفات المفرج عنها من جانب وزارة العدل الأميركية (رويترز)

هذا التطور يضع وزارة العدل أمام معضلة جديدة: السماح بمراجعة غير مُنقّحة يخفف ضغط الاتهام بـ«التلاعب»، لكنه يفتح أيضاً باباً لصدام حول ما إذا كان «الكونغرس» سيحوّل ما يراه في «الغرفة الآمنة» إلى سلاح سياسي جديد، أو إلى ضغط قانوني على خطوات ادعاء قادمة.

كما ربطت تقارير بين السجال واتهامات متكررة لوزيرة العدل بام بوندي بعدم الالتزام بروح القانون، خصوصاً مع اتساع الفجوة بين ما قيل إن الحكومة جمعته من صفحات «محتملة الصلة» وما أُطلق فعلياً.

رئيس لجنة الرقابة والإصلاح الحكومي في مجلس النواب جيمس كوم يغادر بعد تخلّف هيلاري كلينتون عن جلسة الاستماع (أ.ف.ب)

في النهاية، ما كُشف يوم الجمعة يُقوّي يد من يقول إن إبستين لم يكن «مجرماً منفرداً»، بل كان جزءاً من بيئة نفوذ كانت تتعامل معه رغم سمعته وملفاته السابقة، لكنه في الوقت نفسه يُعطي خصوم الإفراج مادة، ليقولوا إن الدولة قد تُغرق الجمهور بالوثائق، كي تُعفي نفسها من تقديم تفسير واضح: لماذا أُبرمت التسويات؟ ومَن صمت؟ ومَن فشل في حماية الضحايا؟ وما الذي بقي خارج الضوء؟


مقالات ذات صلة

مصر: إنقاذ لص فشل في تسلّق برج سكني

يوميات الشرق اللص بعد إلقاء القبض عليه (وزارة الداخلية)

مصر: إنقاذ لص فشل في تسلّق برج سكني

تمكنت السلطات المصرية من إلقاء القبض على لص فشل في تسلّق برج سكني، بعد رواج مقطع فيديو يصوره وهو يحاول الهروب من السكان.

محمد الكفراوي (القاهرة)
شمال افريقيا وزير العدل السابق القيادي في «حركة النهضة» نور الدين البحيري (الشرق الأوسط)

تونس: سجن وزير العدل السابق نور الدين البحيري 4 سنوات

أصدرت محكمة تونسية، في وقت متأخر من مساء الثلاثاء، حكماً بسجن وزير العدل السابق القيادي في «حركة النهضة» نور الدين البحيري 4 سنوات.

«الشرق الأوسط» (تونس)
يوميات الشرق وزارة الداخلية أصدرت بياناً حول الواقعة (وزارة الداخلية)

مصر: قضية «فرد أمن التجمع» بين «ضغوط» التنازل واستمرار محاكمة المتهم

تصاعدت تداعيات حادث تعدي شخص على فرد أمن في مجمع سكني بالتجمع الخامس (شرق القاهرة)، واتضح بعد القبض على المعتدي أنه صاحب مصنع.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)

حادث اعتداء على فرد أمن يؤلب «مواجع طبقية» في مصر

فجّر مقطع مصور لحادث اعتداء رجل أعمال مصري على فرد أمن، غضباً على مواقع التواصل الاجتماعي، وأدّى إلى تجديد الفروق الطبقية في مصر.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق لا أحد في الهامش... الجميع داخل الإطار نفسه (منظّمة «كير»)

«كرامة بلا مساومة»: إعادة صياغة خطاب الحماية في لبنان

العنف قد يتسلَّل عبر عبارة أو نظرة أو سلوك داخل بيت يُفترض أنه مساحة أمان...

فاطمة عبد الله (بيروت)

قرار الحرب يُلهب الانقسامات بين مؤيدي ترمب ومعارضيه

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح نائبه جي دي فانس بينما يصفق رئيس مجلس النواب مايك جونسون خلال خطاب «حالة الاتحاد» يوم 24 فبراير (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح نائبه جي دي فانس بينما يصفق رئيس مجلس النواب مايك جونسون خلال خطاب «حالة الاتحاد» يوم 24 فبراير (رويترز)
TT

قرار الحرب يُلهب الانقسامات بين مؤيدي ترمب ومعارضيه

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح نائبه جي دي فانس بينما يصفق رئيس مجلس النواب مايك جونسون خلال خطاب «حالة الاتحاد» يوم 24 فبراير (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح نائبه جي دي فانس بينما يصفق رئيس مجلس النواب مايك جونسون خلال خطاب «حالة الاتحاد» يوم 24 فبراير (رويترز)

ألهبت العمليات العسكرية الأميركية التي بدأتها إدارة الرئيس دونالد ترمب ضد النظام الإيراني بالتنسيق مع إسرائيل، خلافات حادّة في واشنطن حول طريقة التعاطي مع برنامجي طهران النووي والصاروخي، وسبل كبح الميليشيات التي تدور في فلكها.

وتوالت ردود الفعل من عدد كبير من المسؤولين والمشرعين الأميركيين، وبينهم مسؤولون كبار في الكونغرس، صباح السبت، حين أعلن الرئيس ترمب بدء العمليات العسكرية، تحت اسم عملية «ملحمة الغضب»، ودعوته الصريحة للإيرانيين من أجل الاستيلاء على مؤسسات الدولة الإيرانية، وقوله لاحقاً إن شاغله الرئيسي هو «حرية» الشعب الإيراني، وأنّ الولايات المتحدة تعمل على جعل إيران مكاناً «آمناً».

ووسط الانقسامات بين المشرعين حول ما إذا كان ينبغي العودة إلى الكونغرس لإصدار قرار في شأن صلاحيات الحرب لدى الرئيس الأميركي، فسّر عدد من الديمقراطيين تصريحات ترمب بأنها تتجاوز المطالب الرئيسية الثلاثة التي أعلنها لجهة تصفية البرنامج النووي، ووقف تطوير الصواريخ الباليستية وتدمير الترسانة الصاروخية البعيدة المدى، وإنهاء الدعم الإيراني للميليشيات التابعة لها في المنطقة؛ وأبرزها «حزب الله» في لبنان وجماعة الحوثي في اليمن والفصائل الموالية لطهران في العراق.

عصبة الثمانية

وقال رئيس مجلس النواب مايك جونسون إن قادة الكونغرس المعروفين باسم «عصبة الثمانية»، المؤلفة من أربعة جمهوريين وأربعة ديمقراطيين، يُمثّلون قيادات الحزبين الذين لديهم صلاحية الاطّلاع على أسرار استخبارية حساسة للغاية، تلقوا معلومات مسبقة عن احتمال شنّ عملية عسكرية ضد إيران خلال إحاطة سريّة، في وقت سابق من هذا الأسبوع، شارك فيها وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي يتولى منصب مستشار الأمن القومي في إدارة الرئيس ترمب، ومدير وكالة الاستخبارات المركزية «سي آي إيه» جون راتكليف.

وقال جونسون في منشور على «إكس»: «تم إطلاع عصبة الثمانية بالتفصيل، في وقت سابق من هذا الأسبوع، على أن التحرك العسكري قد يصبح ضرورياً لحماية القوات الأميركية والمواطنين الأميركيين في إيران». وتابع: «تلقيت تحديثات لاحقاً من الوزير روبيو، وسأبقى على اتصال وثيق مع الرئيس ووزارة الحرب مع استمرار هذه العملية».

وأكد روبيو بالفعل أنه أبلغ بعض أعضاء «عصبة الثمانية» مسبقاً بالضربات ضد إيران. وتلقى كل من جونسون وزعيم الأكثرية في مجلس الشيوخ السيناتور جون ثون، ونائب رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ مارك وارنر، إشعاراً مسبقاً.

ترحيب جمهوري

ووصف السيناتور ليندسي غراهام، وهو حليف رئيسي لترمب، العملية الأميركية - الإسرائيلية المشتركة في إيران بأنها «ضرورية». وكتب على موقع «إكس» أن «نهاية أكبر دولة راعية للإرهاب باتت وشيكة. حفظ الله الرئيس ترمب وجيشنا وحلفاءنا في إسرائيل». وأضاف: «الحرية للشعب الإيراني الذي عانى طويلاً. هذه العملية ضرورية ومبررة منذ زمن طويل».

وأشاد النائب الجمهوري توم إيمر بالرئيس دونالد ترمب. وقال لشبكة «فوكس نيوز» إن «هذا عمل جريء وحاسم من الرئيس ترمب»، مضيفاً أن المرشد علي خامنئي «مسؤول عن قتل مئات من أفراد الجيش الأميركي وذبح شعبه».

وكذلك رحب السيناتور الديمقراطي جون فيترمان، الذي أيّد الضربات الأميركية على المنشآت النووية الإيرانية العام الماضي، بالضربات الجديدة، قائلاً إن ترمب «كان على استعداد لفعل ما هو صواب وضروري لتحقيق سلام حقيقي في المنطقة». وأضاف: «حفظ الله الولايات المتحدة وجيشها العظيم وإسرائيل».

دعوات لاستعادة المبادرة

في المقابل، انتقد النائب الجمهوري توماس ماسي البيت الأبيض لعدم إبلاغ الكونغرس بالعملية قبل إطلاقها. وقال بالتزامن مع بدء الحرب إن هذا العمل العسكري «غير مصرح به من الكونغرس. الولايات المتحدة تهاجم إيران وفقاً لوكالة (أسوشييتد برس)».

كذلك، قال كبير الديمقراطيين في لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ السيناتور مارك وارنر، في بيان، إن الضربات الأميركية والإسرائيلية في إيران تثير «مخاوف قانونية ودستورية بالغة». وأضاف أن «الدستور واضح: قرار خوض الحرب منوط بالكونغرس، وشن عمليات عسكرية واسعة النطاق - لا سيما في غياب تهديد وشيك للولايات المتحدة - يثير مخاوف قانونية ودستورية بالغة». وطالب الإدارة بأن تقدم «تبريراً قانونياً واضحاً، وهدفاً نهائياً محدداً، وخطة تتجنب جر الولايات المتحدة إلى حرب أخرى مكلفة وغير ضرورية».

وكان كبير الديمقراطيين في لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ، السيناتور جاك ريد، انتقد إدارة ترمب لتقصيرها في تزويد الكونغرس بأي «إحاطات أو معلومات استخباراتية حقيقية» قبل الضربات. ورأى أنه «من الصعب تبرير أي عمل عسكري دون أساس منطقي».

وكان الديمقراطيون يضغطون من أجل التصويت على قرار صلاحيات الحرب في الأيام المقبلة. ودعا عضو لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية بمجلس الشيوخ، السيناتور الديمقراطي آندي كيم، المشرعين إلى العودة فوراً إلى واشنطن، وإصدار قرار للحد من سلطة الرئيس في شنّ أي عمل عسكري إضافي ضد إيران دون موافقة الكونغرس.

وقال عبر شبكة «سي إن إن» إنه «في الوقت الراهن، لا أثق إطلاقاً بهذا الرئيس الذي انتهك دستورنا بشكل صارخ». وأضاف: «لذا، يجب أن يعود الكونغرس إلى الانعقاد فوراً للتصويت على صلاحيات الحرب، لتأكيد إرادة الشعب الأميركي الرافض للحرب».

وندد السيناتور الديمقراطي تيم كاين بالضربات الجوية، واصفاً إياها بأنها «خطيرة». وقال إن «هذه الضربات خطأ فادح». وأضاف أنه «يجب على مجلس الشيوخ أن يعود فوراً إلى الانعقاد للتصويت على قرار بشأن صلاحيات الحرب لمنع استخدام القوات الأميركية في الأعمال العدائية ضد إيران». كما اعتبر أنه «يجب على كل عضو في مجلس الشيوخ أن يُعلن موقفه رسمياً من هذا العمل الخطير وغير الضروري والأحمق».

القادة العسكريون

كان القادة العسكريون الكبار في وزارة الحرب الأميركية «البنتاغون» حذّروا من احتمال افتقارهم للموارد اللازمة لحملة عسكرية مُستدامة. الجنرال المتقاعد من سلاح الجو الأميركي، سيدريك لايتون، قال إن «التقديرات الاستخبارية تشير إلى قدرة إيران على الرد»، مستدركاً أن «ردها السريع مُفاجئ، ويُشير إلى أنها كانت تستعد لهجوم بهذه الشدة». وأكد أن «لدى إيران ما بين ألفين إلى ثلاثة آلاف صاروخ قادرة على إطلاقها، لكنها لا تمتلك، على الأقل وفقاً للتقديرات الاستخبارية، منصات الإطلاق التي كانت تمتلكها سابقاً».

حريق في طهران عقب ضربات أميركية - إسرائيلية صباح السبت (رويترز)

وبحسب السفير الأميركي السابق في إسرائيل، دانيال شابيرو، فإن الولايات المتحدة وإسرائيل تقومان «بمخاطرة كبيرة». وقال: «لا شك في أننا نواجه الآن لحظة محورية، بل ربما تحولية، في الشرق الأوسط»، مؤكداً أن ما أعلنه الرئيس الأميركي «هو في جوهره حرب لتغيير النظام في إيران».

وقام رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين بوضع خيارات محتملة للضربات على مدى أسابيع، وأطلع ترمب عليها عدة مرات قبل ضربات السبت. وشملت هذه الخيارات كل شيء، بدءاً من قصف سريع يستهدف مجموعة مختارة من المواقع النووية، وصولاً إلى حملات جوية واسعة النطاق تهدف إلى تغيير النظام وتدمير الجيش الإيراني.

ومع ذلك، عبّر عن قدر كبير من عدم اليقين في شأن عواقب هذه الخيارات، ومنها التنبؤ بنتيجة عملية تغيير النظام. وفي اجتماعات منفصلة في «البنتاغون»، عبّر الجنرال كاين عن قلقه في شأن السلبيات المحتملة لشن عملية عسكرية واسعة النطاق ضد إيران، مُبدياً مخاوفه حيال حجم هذه المهمة وتعقيدها واحتمال وقوع خسائر بشرية أميركية فيها.


الحشد العسكري الأميركي في الشرق الأوسط: كيف بنت واشنطن آلة الحرب لضرب إيران؟

حاملة الطائرات «يو إس إس فورد» تغادر خليج سودا بجزيرة كريت يوم 26 فبراير (أ.ب)
حاملة الطائرات «يو إس إس فورد» تغادر خليج سودا بجزيرة كريت يوم 26 فبراير (أ.ب)
TT

الحشد العسكري الأميركي في الشرق الأوسط: كيف بنت واشنطن آلة الحرب لضرب إيران؟

حاملة الطائرات «يو إس إس فورد» تغادر خليج سودا بجزيرة كريت يوم 26 فبراير (أ.ب)
حاملة الطائرات «يو إس إس فورد» تغادر خليج سودا بجزيرة كريت يوم 26 فبراير (أ.ب)

مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب بدء «عملية قتالية كبرى» ضد إيران، لم يكن المشهد وليد ساعات، بل نتيجة حشدٍ متدرّج وضع، بحسب توصيفات أميركية وغربية، «بنية جاهزة لحملة» تتجاوز ضربات محدودة.

فواشنطن نقلت إلى مسرح الشرق الأوسط أصولاً بحرية وجوية هي الأكبر منذ عقود، وربطتها بشبكة قواعد ودفاعات جوية ووسائط إنذار مبكر، بما يسمح بشنّ ضربات متتابعة، والتعامل مع أي ردٍّ إيراني محتمل على قواعدها وحلفائها في الوقت نفسه.

أهداف ترمب المُعلَنة

في خطابه الذي رافق قرار الحرب، قدّم ترمب هدفاً عسكرياً مباشراً: تدمير منظومات الصواريخ الإيرانية و«إبادة وسحق» القدرات البحرية، في إطار كبح برنامجَي طهران النووي والبالستي.

لكن ترمب ذهب أبعد من اللغة العسكرية البحتة، إذ ربط العملية بهدفٍ سياسي ورمزي يتمثّل في «الحرية للشعب الإيراني»، وحثّ الإيرانيين على «الاستحواذ على حكومتهم» بعد توقف الضربات، ما فُهم على أنه اقترابٌ من خطاب تغيير النظام، أو على الأقل فتح الباب له.

ومن زاوية إدارة العمليات، نقلت «رويترز» عن مسؤول أميركي أن الضربات متوقع أن تمتد لعدة أيام، وهو تفصيل شديد الدلالة: حملة متعددة الأيام تتطلب حشداً مختلفاً عن ضربة محدودة.

فما هي أبرز القدرات العسكرية التي حرّكتها واشنطن إلى المنطقة، والتي تشارك اليوم في أكبر عملية عسكرية أميركية في الشرق الأوسط منذ عقود؟

الحشد البحري

حشدت الولايات المتحدة الأميركية قوة بحرية ضخمة في المنطقة. ونشرت أكثر من اثنتي عشرة قطعة بحرية أميركية في الشرق الأوسط، بينها حاملة الطائرات «أبراهام لنكولن» العاملة في بحر العرب، إلى جانب تسع مدمرات وثلاث سفن قتالية ساحلية. وفي خطوة نادرة، تموضعت أيضاً أكبر حاملة طائرات في العالم «جيرالد فورد» في شرق المتوسط مع مدمرات إضافية، ورُصدت الحاملة الخميس في خليج سودا بجزيرة كريت، حيث تزوّدت بالإمدادات والذخائر، قبل أن تغادر باتّجاه ميناء حيفا.

وذهب موقع «ميليتري تايمز» الأميركي إلى تفاصيل «حزمة القوة»، متحدثاً عن إعادة توجيه مجموعة «أبراهام لنكولن» إلى بحر العرب منذ أواخر يناير (كانون الثاني)، ما أضاف نحو 5700 عسكري إلى المنطقة، ثم قرار ترمب إرسال «فورد» مع ثلاث مدمرات وأكثر من 5000 عنصر إضافي، ليرتفع الوجود البحري إلى ما لا يقل عن 16 سفينة.

وظيفة هذا الحشد ليس كونها «منصة ضرب» فقط، فالمدمرات المزوّدة بصواريخ موجهة تؤمّن أيضاً قدرات دفاع جوي وبحري لحماية الحاملات والقواعد الساحلية، وتتيح إطلاق صواريخ «كروز» في موجات متتابعة، وهي ميزة تُستخدم عادةً لافتتاح العمليات عبر ضرب الرادارات والدفاعات الجوية ومراكز القيادة قبل إدخال الطيران إلى العمق.

القوة الجوية

في الجو، لم تعتمد واشنطن على الأجنحة الجوية على متن الحاملات فقط، بل دفعت بطبقات إضافية من الطائرات إلى قواعد الشرق الأوسط وقواعد أوروبية مساندة، وفق تتبعات مصادر مفتوحة وبيانات تتبع طيران وتقارير إعلامية.

ويورد تقرير «ميليتري تايمز» أرقاماً تعكس اتساع الحركة اللوجستية؛ فقد رُصدت أكثر من 100 مقاتلة (منها إف - 35، وإف - 22، وإف - 15، وإف - 16) في اتجاه المنطقة، إضافة إلى أكثر من 100 طائرة تزويد بالوقود وأكثر من 200 طائرة شحن خلال منتصف فبراير (شباط)، ما يعني تجهيزاً لعمليات ممتدة وحاجة إلى تدوير الذخائر وقطع الغيار والوقود.

كما نُقلت 12 مقاتلة «إف - 22» إلى قاعدة في إسرائيل، حسب مسؤول أميركي، ورصدت صور أقمار اصطناعية أكثر من 50 طائرة في قاعدة موفق السلطي بالأردن يُرجّح ارتباط معظمها بالحشد الأميركي، في حين أشار باحثون إلى تحرك طائرات الإنذار المبكر «إي - 3» إلى المنطقة لتنسيق حركة أسراب كبيرة في مسرح واسع.

هذه المنظومة التي تشمل مقاتلات شبح وأنظمة الإنذار المبكر وطائرات التزود بالوقود، تمنح واشنطن خيارين متوازيين؛ أولاً، ضربات دقيقة من مسافات بعيدة وبزمن بقاء طويل فوق الأهداف، وثانياً، قدرة دفاعية لاعتراض صواريخ ومسيرات إيرانية قد تُطلق رداً على قواعد أميركية أو على إسرائيل أو على ممرات الملاحة.

شبكة القواعد والدفاعات

رغم أن واشنطن لا تُظهر نية لإدخال قوات برية هجومية كبيرة، فإن لديها عشرات الآلاف من العسكريين في قواعد منتشرة بالمنطقة، ما يجعل «الجبهة الخلفية» جزءاً من معادلة الحرب.

وتذكر تقارير أن واشنطن تحسّبت لقيام إيران بإطلاق صواريخ على مصالحها وقواعدها المنتشرة في المنطقة، وشددت على تعزيز دفاعاتها الجوية والبرية، مع استمرار المدمرات في توفير دفاع جوي من البحر.

بنك الأهداف

الهدف المعلن للعملية العسكرية، حسب ترمب، هو تدمير القوة الصاروخية والبحرية الإيرانية. وهذا يضع في مقدمة الأهداف منصات إطلاق الصواريخ الباليستية وصواريخ الكروز، ومخازنها، ووحدات القيادة والسيطرة المرتبطة بها، والرادارات التي تمنحها «صورة» عن المجال الجوي والبحري.

وفي الشق البحري، تُصبح الأهداف المحتملة: الزوارق السريعة، ومواقع الصواريخ الساحلية المضادة للسفن، ومراكز مراقبة السواحل، وأي بنى تسمح لإيران بتهديد الملاحة في مضيق هرمز وبحر عُمان.

حاملة الطائرات «يو إس إس فورد» في خليج جزيرة كريت اليونانية 26 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

لكن التطور اللافت، وفق «أسوشييتد برس»، أن الضربات امتدت إلى أهداف عبر البلاد، مع تقارير عن انفجارات في طهران، وأن أولى الضربات كانت بالقرب من مكاتب المرشد علي خامنئي. وهذا يوسّع صورة بنك الأهداف من «قدرات» إلى «مراكز ثقل»؛ أي مقار القيادة والحرس الثوري. كما أن «واشنطن بوست» تحدثت عن افتتاح العملية بصواريخ «توما هوك» وذخائر تُطلق من الطائرات، وهو نمط يُستخدم عادةً لتفكيك الدفاعات وفتح الممرات الجوية.

بالتوازي، تظل «المعضلة النووية» حاضرةً في الخلفية: فهذه هي المرة الثانية التي تضرب فيها واشنطن، إيران، منذ عودة ترمب، بعدما استهدفت في يونيو (حزيران) 2025 مواقع نووية إيرانية. لكن الجديد في العملية اليوم أنه وفق التصريحات المعلنة، لا يقتصر التحرك العسكري على النووي، بل يركز على الصواريخ والبحرية، مع خطاب سياسي يتجاوز ذلك.

حملة تستمر أياماً

الرسالة الأوضح من حجم التحشيد أن واشنطن تستعد لسيناريو «الحملة» لا «الضربة»، وهو ما يدعم تصريحات مسؤول أميركي قال لـ«رويترز»، إن الضربات ستستمر عدة أيام. ويقدّم الحشد الأميركي صورةً عن حرب «مصممة على مرحلتين»: تفكيك القدرة الإيرانية على إطلاق الصواريخ وتهديد الممرات البحرية، ثم الضغط على مركز القرار عبر ضربات دقيقة تطول عقد القيادة والرموز، بالتوازي مع خطابٍ سياسي يرفع سقف الأهداف إلى «حرية الإيرانيين». لكن اتساع بنك الأهداف يعني أيضاً اتساع هامش سوء التقدير: فكلما اقتربت الضربات من «مركز النظام»، اقتربت المنطقة من حرب مفتوحة لا تُدار فقط بالصواريخ والطائرات، بل أيضاً بإيقاع الردود المتبادلة على القواعد والممرات البحرية.


البيت الأبيض: ترمب لا يعتزم إلقاء كلمة اليوم بعد الهجوم على إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
TT

البيت الأبيض: ترمب لا يعتزم إلقاء كلمة اليوم بعد الهجوم على إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

أكد البيت الأبيض لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، اليوم (السبت)، أن الرئيس دونالد ترمب لا يعتزم التوجه بكلمة إلى الأميركيين، غير تلك التي سبق أن أدلى بها بعيد بدء الهجوم المشترك مع إسرائيل على إيران.

وكان ترمب نشر، عبر منصته «تروث سوشيال»، في وقت مبكر، السبت، كلمة مصوّرة من مقر إقامته في فلوريدا، أعلن فيه بدء هجوم واسع النطاق، مؤكداً أنه يهدف إلى تدمير قدرات إيران العسكرية وإطاحة نظام الحكم في طهران.