احتفى لقاء أقيم ضمن معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ57 بالفنان الراحل عبد المنعم مدبولي، تناول العديد من كواليس حياة الفنان الراحل، وعلاقته بتلامذة مسرحية «مدرسة المشاغبين»، وسبب تركه العمل بها، ومشواره مع فؤاد المهندس، والفرق المسرحية التي شكلها، وعمله مع نجمي الكوميديا أمين الهنيدي، ومحمد عوض، وكثيرين غيرهم.
شارك في اللقاء الإعلامي محمد سعيد محفوظ الذي تولى مهمة تحرير كتاب «مع خالص تحياتي... مذكرات عبد المنعم مدبولي»، وأشرف على طباعته بمؤسسة «ميدياتوبيا»، والدكتور سيد علي إسماعيل الذي قام بتدقيق تواريخ أحداثه، وضبط بعض الأسماء غير المكتملة التي جاءت في حكايات مدبولي، وقد شارك في اللقاء اثنان من عائلة صاحب المذكرات؛ أمل عبد المنعم مدبولي وشقيقها أحمد.

وقال عنهما الدكتور محمد سعيد محفوظ خلال اللقاء إنهما «بذلا مجهوداً كبيراً لخروج المذكرات للنور، ولم يبخلا بأرشيف والدهما الفنان الراحل ومقتنياتهم ومعلوماتهم وذكرياتهم، حتى يخرج الكتاب للنور»، وأوضح محفوظ أن الكتاب استغرق عامين من أجل أن يظهر بالصورة التي تليق بأحد أهم ممثلي الكوميديا في مصر والوطن العربي.
مشروع عبد المنعم مدبولي لن يقف عند حدود مذكراته لكن «ميدياتوبيا»، حسب محفوظ، «ستقوم بإنتاج فيلم وثائقي يتحدث فيه مدبولي عن حياته بصوته، فلدينا كثير من التسجيلات التي يحكي فيها بنفسه تفاصيل كثيرة عن حياته والفرق المسرحية التي قام بتشكيلها وأعماله ومسرحياته وعلاقته بزملائه فؤاد المهندس ومحمد عوض وأمين الهنيدي وغيرهم ممن عمل معهم خلال مسيرته الفنية الطويلة».
وفي المذكرات التي تتكون من 44 فصلاً يتحدث مدبولي عن تفاصيل علاقته بعادل إمام وسعيد صالح ويونس شلبي، ويكشف أن سبب قراره عدم استكمال المسرحية معهم، كان تباريهم في الارتجال.
وتركز دور المؤرخ المسرحي الدكتور سيد على إسماعيل على التدقيق التاريخي للأحداث، والأسماء، وأضاف الكثير من الهوامش الشارحة لما رأى أنه يحتاج إلى توضيح من تفاصيل جاءت مختصرة في المذكرات، وقال إسماعيل إن «أهمية سيرة حياة مدبولي تكمن في أنها غير مكتملة، ويتطلب الأمر الكثير من الأبحاث لإجلاء الجوانب الناقصة لكشف ملابسات ما لم يأت مدبولي على ذكره من قصص وحكايات بما فيها قصة رسالته التي كتبها لفتوح نشاطي، وقال إنه بعثها له وهو ما زال طالباً، وكان يحدثه عن تقديره لقيمته ممثلاً، ومحبته للفن، ورغبته في أن يسير على نهجه في مجال المسرح».

وقالت أمل مدبولي إن «كثيراً من القصص تحدثت عن ترك والدها العمل في مسرحية مدرسة المشاغبين»، مشيرة إلى أنه صبر كثيراً على أبطالها، ولفت نظرهم أكثر من مرة إلى تسابقهم في البحث عما يضحك الجمهور دون أن يكون له علاقة بالمسرحية، وأضافت: «انسحب والدي من مدرسة المشاغبين أكثر من مرة، وكان يعود بعد تعهدهم بالالتزام بنص المسرحية، لكنه في المرة الأخيرة وحين تأكد أنهم غير جادين في وعودهم، قرر الانسحاب دون رجعة»، أما عن علاقته بفؤاد المهندس «فقد سعى كثيرون لإفسادها لكنهم لم يفلحوا»، وفق تصريحات أمل، وفي مسرحية «ريا وسكينة» قدم عملا عظيماً رغم تقدمه في العمر.
كتب عبد المنعم مدبولي مذكراته في أجندات، وقام بذلك على مراحل من حياته، وبعد رحيله حسب قول ابنته «كادت هذه الأجندات تتعرض للضياع، فقد كانت بحوزة أحد المحررين لأكثر من 16 عاماً، كان الاتفاق معه على أن يعمل على تجهيزها للنشر، لكنه لم يقم بشيء»، وتابعت: «بعدها قررت العائلة التحرك، واستعادتها، وقد بدأت الفصول بعبارة مفتاحية بخط مدبولي واستوحى بعض عناوينها من أسماء أعماله المسرحية». وعن تصدي الدكتور محمد سعيد محفوظ لمسؤولية تحرير وطباعة مذكرات مدبولي قال لـ«الشرق الأوسط»: «وجدتُ نفسي أمام مسؤولية استثنائية وأنا أستعرض رحلتي في تحرير مذكرات العملاق عبد المنعم مدبولي؛ لم تكن مجرد توثيق لمسيرة فنية، بل كانت غوصاً في أعماق إنسان صنع البهجة من قلب الشقاء». وأضاف: «ما أذهلني وتوقفتُ أمامه طويلاً هو ذلك التناقض المدهش بين صرامته المهنية في بناء الكوميديا، وروح التراجيديا التي كانت تسكن وجدانه وتطل برأسها بين السطور»، ولفت إلى أن المسودات التي عكف على تحريرها كشفت له عن «أرشيف حي لمصر؛ فمدبولي لم يكتب مذكراته كفنان فحسب، بل كمؤرخ اجتماعي دقيق رصد بعين ثاقبة تحولات الحياة المصرية منذ عشرينات القرن الماضي، كان يملك ذاكرة حديدية جعلته يحتفظ بتفاصيل إنسانية دقيقة، وصوراً مكتوبة لشخصيات وحكايات تجعل من المذكرات وثيقة تاريخية تتجاوز حدود المسرح والسينما لتؤرخ لروح العصر».





