كشفت دراسة علمية حديثة عن أدلة قوية تشير إلى أن اختلافات جينية شائعة في الحمض النووي للأم قد تلعب دوراً أساسياً في زيادة خطر فقدان الحمل. واعتمدت الدراسة التي قادها باحثون من جامعة جونز هوبكنز في الولايات المتحدة على تحليل بيانات وراثية لما يقارب 140 ألف جنين ناتج من عمليات الإخصاب خارج الجسم (IVF)، مقدّمةً أوضح تفسير حتى اليوم لأسباب هذا الخطر.
ظاهرة عالمية شائعة
وتأتي هذه النتائج في سياق ظاهرة شائعة عالمياً؛ إذ ينتهي نحو 15 في المائة من حالات الحمل المعروفة بالإجهاض، بينما تُفقد حالات أخرى كثيرة في مراحل مبكرة جداً دون أن تلاحظها المرأة. وعلى مدى عقود عزا العلماء السبب الرئيسي لفقدان الحمل إلى امتلاك الجنين عدداً غير صحيح من الكروموسومات، لكن الأمر الذي ظل غير مفهوم هو سبب تعرّض بعض النساء لهذا الخطر أكثر من غيرهن.
وتفتح الدراسة الجديدة التي نُشرت في مجلة Nature في 21 يناير (كانون الثاني) 2026 نافذة مهمة لفهم المراحل الأولى من تطوّر الإنسان، وقد تمهّد الطريق مستقبلاً لتحسين تشخيص المخاطر وتطوير رعاية خصوبة أكثر دقة.
أخطاء الكروموسومات في صلب المشكلة
لكي ينمو الجنين بشكل طبيعي يجب أن يمتلك العدد الصحيح من الكروموسومات، وهو 46 كروموسوماً موزعة على 23 زوجاً. وإذا وُجدت كروموسومات زائدة أو ناقصة - وهي حالة تُعرف باسم اختلال الصيغة الصبغية aneuploidy - فإن الجنين غالباً لا يستطيع الاستمرار في النمو. وتُعد متلازمة داون الناتجة من وجود نسخة إضافية من الكروموسوم 21 من الحالات القليلة التي يمكن أن ينجو فيها الجنين رغم هذا الخلل.
وتنشأ معظم أخطاء الكروموسومات في البويضة وليس في الحيوان المنوي، ويزداد حدوثها مع تقدّم عمر المرأة. إلا أن العمر وحده لا يفسّر سبب تعرّض بعض النساء الشابات أيضاً لفقدان الحمل المتكرر. وقد اشتبه العلماء منذ فترة طويلة بوجود عوامل موروثة، لكن إثبات ذلك كان صعباً.
وقال راجيف مكوي، الباحث الرئيسي في الدراسة وأستاذ علم الأحياء الحاسوبي في جامعة جونز هوبكنز، إن المشكلة تكمن في أن التأثيرات الجينية هنا صغيرة جداً، ولرصدها فإننا نحتاج إلى عينات ضخمة للغاية.
نظرة غير مسبوقة على الأجنة المبكرة
وقد حصل الباحثون على بيانات فريدة من شركة متخصصة في فحص سلامة الأجنة الناتجة من الإخصاب الصناعي شملت معلومات وراثية لنحو 139 ألف جنين وأكثر من 23 ألف عائلة. وباستخدام نماذج حاسوبية متقدمة، بحث الفريق عن أنماط تربط بين اختلافات في جينات الأمهات واحتمال تكوّن أجنة ذات أخطاء كروموسومية لا تستطيع الاستمرار.
وكانت النتائج لافتة؛ إذ ظهرت أقوى الارتباطات في جينات مسؤولة عن كيفية اقتران الكروموسومات ببعضها وتبادلها للمادة الوراثية وبقائها متماسكة أثناء تكوّن البويضات.
دور «الغراء» الذي يمسك الكروموسومات
من بين الجينات المهمة التي كشفتها الدراسة جين يُعرف باسم SMC1B يسهِم هذا الجين في تكوين جزء من بنية حلقية تُسمى «الكوهيسين» cohesin تعمل كغراء جزيئي يُبقي الكروموسومات متماسكة أثناء انقسام الخلايا. وإذا اختل عمل هذه البنية قد تنفصل الكروموسومات في وقت مبكر؛ ما يؤدي إلى بويضات تحمل عدداً غير صحيح منها.
واللافت، أن هذه الجينات نفسها دُرست على مدى عقود في كائنات نموذجية مثل الفئران والديدان، حيث ثبت أنها أساسية لعملية الانقسام الكروموسومي السليم. وظهورها الآن بوضوح في دراسة بشرية واسعة يعزّز الفهم العلمي لهذه الآليات.
وقال مكوي إن هذه النتائج تتطابق تماماً مع ما توصل إليه علماء الأحياء التجريبيون منذ سنوات طويلة.
لماذا يظل العمر عاملاً مهماً؟
تبدأ الخلايا المسؤولة عن الحمل لدى المرأة في الانقسام منذ أن تكون هي نفسها جنيناً في رحم أمها. في هذه المرحلة تتكوّن أزواج الكروموسومات ثم تتوقف العملية بالكامل، وقد يبقى هذا التوقف لحين البلوغ.
وعند حدوث الإباضة والإخصاب لاحقاً، يُستأنف الانقسام. لكن إذا ضعفت الآلية التي تُبقي الكروموسومات متماسكة طوال هذه السنوات الطويلة فقد تنفصل مبكراً؛ ما يؤدي إلى وجود عدد غير طبيعي من الكروموسومات، وهو أحد الأسباب الرئيسية لفقدان الحمل.
آفاق البحث والعلاج مستقبلاً
يحذّر الباحثون من أن هذه النتائج لا تسمح بعدُ بالتنبؤ الدقيق بخطر الإجهاض لدى امرأة بعينها؛ إذ إن تأثير كل اختلاف جيني يبقى محدوداً مقارنة بعوامل مثل العمر والبيئة. ومع ذلك، تُعد هذه النتائج خطوة مهمة؛ لأنها تحدد مسارات بيولوجية واضحة قد تصبح أهدافاً لتطوير أدوية تقلل من أخطاء الكروموسومات في البويضات.
ويعمل الفريق حالياً على دراسة اختلافات جينية نادرة قد يكون لها تأثير أكبر، إضافة إلى استكشاف دور التغيرات الدقيقة في جينات كل من الأم والأب. وفي الوقت الراهن تقدّم الدراسة أمراً لا يقل أهمية فهماً أعمق.
وقال مكوي إن هذه الدراسة تساعدنا على فهم سبب شيوع فقدان الحمل ولماذا يختلف خطره من امرأة إلى أخرى. ومع فهم البيولوجيا الكامنة وراء ذلك نقترب خطوة من دعم أفضل وعلاجات أدق وإجابات أوضح للعائلات التي تواجه هذه التجربة الصعبة.




