السعودية تجمع قادة العالم لرسم ملامح أسواق العمل الجديدة

40 وزيراً اتفقوا على حوكمة الذكاء الاصطناعي وحماية المهارات العابرة للحدود

جانب من الاجتماع الوزاري بمشاركة 40 وزير عمل (المؤتمر الدولي لسوق العمل)
جانب من الاجتماع الوزاري بمشاركة 40 وزير عمل (المؤتمر الدولي لسوق العمل)
TT

السعودية تجمع قادة العالم لرسم ملامح أسواق العمل الجديدة

جانب من الاجتماع الوزاري بمشاركة 40 وزير عمل (المؤتمر الدولي لسوق العمل)
جانب من الاجتماع الوزاري بمشاركة 40 وزير عمل (المؤتمر الدولي لسوق العمل)

برعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، انطلقت، الاثنين، في مدينة الرياض أعمال النسخة الثالثة من المؤتمر الدولي لسوق العمل بمشاركة واسعة من وزراء العمل وصناع القرار والخبراء من مختلف دول العالم في حدث يعكس تصاعد الدور السعودي في قيادة الحوار العالمي حول تحولات أسواق العمل وتحدياتها المستقبلية.

وشكّل المؤتمر الذي يُعقد على مدى يومي 26 و27 يناير (كانون الثاني) الحالي، منصة رفيعة المستوى لمناقشة قضايا مفصلية تتصدرها التحولات التقنية المتسارعة والذكاء الاصطناعي وتغير أنماط التجارة ونظم المهارات وبناء أسواق عمل أكثر مرونة واستدامة مع تركيز خاص على تمكين الشباب بوصفهم ركيزة اقتصادات المستقبل.

منصة عالمية

وافتتح المؤتمر وزير الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية السعودي المهندس أحمد الراجحي، مؤكداً أن أسواق العمل العالمية تمر بمرحلة تحول غير مسبوقة نتيجة التطور التقني والتحولات الديمغرافية وتغير متطلبات المهارات مما يستدعي تعزيز التعاون الدولي وتكثيف تبادل الخبرات.

وأوضح أن المؤتمر تجاوز مرحلة تبادل الرؤى إلى العمل على تطوير حلول عملية قائمة على الأدلة تعزز جاهزية أسواق العمل لمتغيرات المستقبل لا سيما في ظل التوسع المتسارع في استخدام التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي.

وأشار الراجحي إلى أن محاور النسخة الحالية تشمل تحولات التجارة وتأثيرها على فرص العمل والاقتصادات غير الرسمية ونظم المهارات العالمية وتأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف، إضافةً إلى التوظيف في أوقات الأزمات وبناء أسواق عمل مرنة، مؤكداً أن استضافة المملكة للمؤتمر تأتي في سياق الإسهام الفاعل في الحوار العالمي، بالتوازي مع عرض تجربتها ضمن إطار «رؤية 2030».

وزير الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية أحمد الراجحي (المؤتمر الدولي لسوق العمل)

أدوار متكاملة

وعلى هامش المؤتمر، شدد وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي بندر الخريف، خلال جلسة حوارية، على أن دور الحكومات بات أكثر أهمية في وضع الأطر المنظمة للتعامل مع الوظائف الجديدة والتقنيات الحديثة ونماذج الأعمال المتغيرة وبناء منظومة متكاملة تنسق الجهود بين القطاعين العام والخاص ومؤسسات التعليم والقوى العاملة.

وأوضح أن بناء سوق عمل مستدام يرتكز على ثلاثة محاور رئيسية: دور الحكومة في صياغة السياسات، ودور منظومة التعليم والقطاع الخاص في مواءمة المخرجات مع الاحتياجات المستقبلية، ودور الفرد في الاستعداد للمنافسة عالمياً.

وأكد أن المملكة لا تعاني نقصاً في الفرص الوظيفية في القطاعين الصناعي والتعديني بقدر حاجتها إلى كفاءات مؤهلة، مشيراً إلى أن مستقبل الوظائف في هذه القطاعات مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتكنولوجيا والاستثمار في المهارات المتقدمة.

وزير الصناعة والثروة المعدنية بندر الخريف (المؤتمر الدولي لسوق العمل)

السياحة وخفض البطالة

من جهته، أكد وزير السياحة أحمد الخطيب أن قطاع السياحة كان من أبرز المحركات في خفض معدلات البطالة في السعودية إلى مستويات قياسية منخفضة تنافس دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومجموعة العشرين.

وأوضح أن القطاع وفّر 250 ألف وظيفة جديدة للسعوديين منذ إطلاق الاستراتيجية الوطنية للسياحة في عام 2019، ليتجاوز إجمالي العاملين فيه حاجز المليون موظف بنهاية العام الماضي.

وأشار الخطيب إلى أن التحول الهيكلي الذي تقوده «رؤية 2030» عبر تنويع مصادر الدخل وتطوير القطاعات الناعمة مثل السياحة والثقافة والترفيه جعل الإنسان محور التنمية، مؤكداً أن توطين الوظائف السياحية وتمكين الكوادر الوطنية يمثلان أولوية لضمان تقديم تجربة تعكس الثقافة السعودية الأصيلة، وأن القطاع يعد من أكثر القطاعات جذباً للشباب والنساء.

وزير السياحة أحمد الخطيب (المؤتمر الدولي لسوق العمل)

الاستثمار المستدام

وأضافت نائبة الرئيس لشؤون الناس في مجموعة البنك الدولي، مامتا مورثي، أن منظومات القوى العاملة بحاجة إلى التطور بما يتماشى مع التحولات السريعة في الاقتصاد العالمي، مؤكدةً أن التعاون بين السعودية والبنك الدولي يمثل نموذجاً لتحويل السياسات القائمة على الأدلة إلى فرص اقتصادية ملموسة للشركات بمختلف أحجامها مع تعزيز نمو الوظائف الشاملة.

وشددت في كلمة لها خلال المؤتمر على أن الاستثمار المستدام في الإنسان يعد عنصراً محورياً في إطلاق إمكانات رأس المال البشري ويتطلب تحولاً جوهرياً في هيكلة التمويل وآليات تنفيذ التحول في القوى العاملة.

وسلَّطت مورثي الضوء على التحديات المستمرة في تطوير المهارات بما في ذلك أنظمة تعليم تركز على المدخلات أكثر من النتائج وبرامج تدريب مصممة لأدوار وظيفية لم تعد مناسبة، وعدم التوافق بين المهارات المطلوبة والمتوافرة، وعدم القدرة على توسيع نطاق الحلول الفعالة، محذرةً من مخاطر النهج القائم على العرض فقط دون ارتباط كافٍ بالطلب الحقيقي في سوق العمل.

كما عرضت ثلاثة تحولات رئيسية مطلوبة في تطوير القوى العاملة تشمل اعتماد حلول يقودها القطاع الخاص وترسيخ منهجيات قائمة على السوق لفتح فرص وظيفية عبر سلاسل القيمة وإعطاء الأولوية لإصلاحات قائمة على القطاعات لتحقيق تحول طويل الأمد في منظومة العمل.

نائبة الرئيس لشؤون الناس في مجموعة البنك الدولي مامتا مورثي (المؤتمر الدولي لسوق العمل)

اجتماع وزاري

واختُتمت أعمال الاجتماع الوزاري للمؤتمر برئاسة الراجحي وبمشاركة 40 وزير عمل من دول تمثل مجموعة العشرين وأقاليم العالم المختلفة، إلى جانب المدير العام لمنظمة العمل الدولية غيلبرت هونغبو. وركز الاجتماع على مواءمة سياسات التوظيف مع متطلبات الجاهزية المستقبلية وتبادل التجارب العملية وتعزيز الاتساق بين سياسات أسواق العمل.

وأسفر الاجتماع عن الاتفاق على ستة إجراءات رئيسية، شملت تطوير منهجيات الاعتراف بالمهارات وقابليتها للنقل، وتوجيه الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي في أنظمة سوق العمل، وتكييف أنظمة الحماية الاجتماعية لدعم التنقل والتحولات المهنية وتعزيز استخدام البيانات لربط الأفراد بالفرص وتحسين تخطيط القوى العاملة لاستباق فترات الاضطراب، إضافةً إلى تطوير مسارات الحصول على الوظيفة الأولى والعودة إلى سوق العمل.

أكاديمية سوق العمل

وفي ختام اليوم الأول تم الاحتفاء بتخريج الدفعة الأولى من أكاديمية سوق العمل الدولية من 34 دولة بالتزامن مع إطلاق الدفعة الثانية في خطوة تُظهر استمرارية جهود المؤتمر في بناء القدرات العالمية وتزويد صناع سياسات سوق العمل بالأدوات العملية القائمة على الأدلة.

يأتي هذا المسار ضمن رؤية الأكاديمية التي أُطلقت في النسخة الثانية من المؤتمر مطلع عام 2025 بشراكة استراتيجية بين المؤتمر الدولي لسوق العمل والبنك الدولي، وشركة «تكامل القابضة» بوصفها منصة تعليمية متخصصة تعزز الفهم التطبيقي لتحديات أسواق العمل وقدرة الدول على تصميم وتنفيذ إصلاحات فعّالة ومتوافقة مع السياقات المحلية.

الدفعة الأولى من أكاديمية سوق العمل الدولية (المؤتمر الدولي لسوق العمل)

وشمل البرنامج التدريبي للدفعة الأولى مساراً متكاملاً جمع بين التعلم الحضوري وتبادل الخبرات الدولية انطلق من الرياض وتضمن برنامجاً في واشنطن ركز على دور التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في توظيف الشباب، ثم تدريباً متقدماً في باريس بعنوان «الوظائف الآن: استراتيجيات متقدمة لتحول سوق العمل».

وفي هذا السياق، شهدت الدفعة الثانية مشاركة 31 دولة ليرتفع عدد الدول المنضمة إلى الأكاديمية إلى 50 دولة حتى الآن مع استهداف توسيع المشاركة إلى أكثر من 75 دولة بحلول 2028 في إطار نموذج عالمي مستدام لبناء القدرات وتحويل مخرجات الحوار إلى أثر عملي ملموس.

ويؤكد انعقاد المؤتمر بمشاركة أكثر من 40 وزير عمل وأكثر من 200 متحدث دولي وحضور يتجاوز 10 آلاف مشارك المكانة التي بات يحتلها بوصفه منصة عالمية مؤثرة في صياغة مستقبل العمل وترسيخ دور الرياض مركزاً للحوار القائم على الأدلة وبناء الشراكات الدولية الهادفة إلى أسواق عمل أكثر كفاءة واستدامة وجودة حياة أفضل حول العالم.


مقالات ذات صلة

الجدعان: الأسواق الناشئة تقود 70 % من نمو العالم

الاقتصاد الجدعان متحدثاً للحضور في «مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة» (الشرق الأوسط)

الجدعان: الأسواق الناشئة تقود 70 % من نمو العالم

أكد وزير المالية السعودي محمد الجدعان، أن الاقتصاد العالمي يمرُّ بلحظة تحول عميق، تقودها الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية.

«الشرق الأوسط» (العلا)
الاقتصاد كريستالينا غورغييفا متحدثة إلى الحضور في النسخة الثانية من «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة» (الشرق الأوسط)

غورغييفا من العلا: النمو العالمي لا يزال دون مستويات ما قبل الجائحة

قالت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، إن النمو العالمي لا يزال دون مستويات ما قبل الجائحة.

«الشرق الأوسط» (العلا)
الاقتصاد وزير المالية خلال كلمته الافتتاحية في المؤتمر (الشرق الأوسط)

انطلاق «مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة»

أكد وزير المالية السعودي محمد الجدعان، أن الاقتصادات النامية تواجه زيادة التعرُّض للصدمات الجيوسياسية، وهي تمثل 60 في المائة من إجمالي الناتج العالمي.

«الشرق الأوسط» (العلا)
الاقتصاد وزير الاستثمار السعودي خالد الفالح خلال إعلانه عن توقيع اتفاقات استراتيجية مع سوريا في دمشق (إكس)

الرياض توقع «عقوداً استراتيجية» مع دمشق لدعم الاقتصاد السوري

​قال وزير الاستثمار السعودي ‌خالد الفالح، ‌السبت، ⁠إن ​المملكة ‌ستستثمر 7.5 مليار ريال (⁠ملياري دولار) لتطوير ‌مطارين في مدينة حلب السورية على مراحل عدة.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
الاقتصاد متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)

الأسواق الناشئة... القطب الذي يعيد كتابة قواعد الاقتصاد الدولي

تبرز الأسواق الناشئة اليوم بوصفها إحدى أهم الركائز في خريطة الاقتصاد العالمي الجديد فلم تعد مجرد وجهات استثمارية ثانوية بل تحولت إلى محرك أساسي للنمو العالمي

«الشرق الأوسط» (العلا)

قفزة لسهم طيران «ناس» بعد إعلان تأسيس شركة في سوريا

إحدى طائرات «طيران ناس» تحلِّق في سماء المملكة (واس)
إحدى طائرات «طيران ناس» تحلِّق في سماء المملكة (واس)
TT

قفزة لسهم طيران «ناس» بعد إعلان تأسيس شركة في سوريا

إحدى طائرات «طيران ناس» تحلِّق في سماء المملكة (واس)
إحدى طائرات «طيران ناس» تحلِّق في سماء المملكة (واس)

ارتفع سهم شركة «ناس» السعودية للطيران بنسبة ​5.7 في المائة ليسجل 64.45 ريال للسهم بعد أن أعلنت الشركة عن مشروع مشترك مع الهيئة العامة للطيران المدني السوري لإنشاء ‌شركة طيران ‌جديدة باسم «ناس ⁠سوريا».

وقالت ​الشركة ‌إن الجانب السوري سيمتلك 51 في المائة من المشروع المشترك وستمتلك «طيران ناس» 49 في المائة، ومن المقرر أن تبدأ العمليات في ⁠الربع الرابع من 2026.

وأعلنت السعودية السبت حزمة استثمار ضخمة في سوريا في قطاعات الطاقة والطيران والعقارات والاتصالات، وذلك في ظل تحرك المملكة لتكون داعماً رئيسياً للقيادة ​السورية الجديدة.

وأظهرت بيانات مجموعة بورصات لندن أن توصية ⁠محللين في المتوسط للسهم هي «شراء» مع متوسط سعر مستهدف للسهم يبلغ 79 ريالاً.

وحقق السهم بذلك أكبر نسبة صعود بين الأسهم المدرجة على المؤشر السعودي الذي ارتفع 0.8 في المائة ‌اليوم الأحد.


محافظ بنك إنجلترا من العلا: الاقتصاد العالمي يتماسك رغم تصاعد المخاطر

محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي متحدثاً في النسخة الثانية من «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة» (الشرق الأوسط)
محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي متحدثاً في النسخة الثانية من «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة» (الشرق الأوسط)
TT

محافظ بنك إنجلترا من العلا: الاقتصاد العالمي يتماسك رغم تصاعد المخاطر

محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي متحدثاً في النسخة الثانية من «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة» (الشرق الأوسط)
محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي متحدثاً في النسخة الثانية من «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة» (الشرق الأوسط)

قال محافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي، إن الاقتصاد العالمي أظهر مرونة لافتة خلال العام الماضي رغم حالة عدم اليقين الكبيرة المحيطة بالسياسات، مشيراً إلى أن مستوى النشاط الاقتصادي تأثر بهذه الضبابية مع تفاوت الزخم بين الدول والقطاعات والمناطق، غير أن الاقتصاد العالمي أثبت قدرة واضحة على التكيف مع مشهد سريع التغير.

وأوضح خلال كلمته في النسخة الثانية من «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة»، الأحد، أن التضخم لم يرتفع بشكل ملحوظ خلال العام الماضي، رغم استمرار ضغوط تكاليف المعيشة في العديد من الدول، مضيفاً أن الأوضاع المالية العالمية كانت داعمة إلى حد كبير على الرغم من فترات التقلب وارتفاع عوائد السندات السيادية، لافتاً إلى أن تقييمات أسهم قطاع التكنولوجيا، ولا سيما المرتبطة بالذكاء الاصطناعي لعبت دوراً مهماً في ذلك.

وأشار إلى أن ظروف الأسواق كان يمكن أن تكون أسوأ بكثير، معتبراً أن عدم حدوث ذلك يعكس عدة عوامل من بينها أن الأسواق أصبحت أكثر حذراً في ردود فعلها وأن بعض إعلانات التحولات في السياسات لم تنفذ بالكامل، كما أُعلن عنها، فضلاً عن تردد الأسواق في تسعير المخاطر الجيوسياسية عندما تكون بعض أصول الملاذ الآمن التقليدية قريبة من بؤر هذه المخاطر نفسها.

وأضاف أن هناك أيضاً ميلاً لدى الأسواق للاعتقاد بأن «هذه المرة مختلفة»، مدفوعاً بتوقعات فوائد الذكاء الاصطناعي.

وفي المقابل، حذَّر من مخاطر الاطمئنان المفرط، مشيراً إلى أن أحدث تقييم للمخاطر في الاقتصاد العالمي يظهر أنها تميل إلى الجانب السلبي، معدداً أربعة مصادر رئيسية لهذه المخاطر: احتمال تصاعد التوترات الجيوسياسية، وتعطل التوازن الهش في سياسات التجارة، وظهور هشاشة مالية في ظل ارتفاع مستويات الدين العام، إلى جانب احتمال خيبة الآمال بشأن مكاسب الإنتاجية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

وتطرق بيلي إلى الخلفية الهيكلية للاقتصاد العالمي، موضحاً أن الصدمات الاقتصادية في السنوات الأخيرة كانت أكبر بكثير من تلك التي أعقبت الأزمة المالية العالمية وأن معظمها جاء من جانب العرض، وهو ما يصعب على الأطر الاقتصادية التقليدية التعامل معه.

ولفت إلى تراجع معدلات النمو المحتمل في كثير من الاقتصادات المتقدمة خلال الخمسة عشر عاماً الماضية نتيجة ضعف نمو الإنتاجية.

وأضاف أن شيخوخة السكان وتراجع معدلات الإحلال في العديد من الدول يضغطان على النمو الاقتصادي والأوضاع المالية العامة، محذراً من أن هذه القضية رغم تداولها منذ سنوات لم تحظَ بعد بالاهتمام الكافي في النقاشات العامة.

كما نبَّه إلى أن تراجع الانفتاح التجاري ستكون له آثار سلبية على النمو، لا سيما في الاقتصادات الأكثر انفتاحاً.

وفيما يتعلق بالنظام المالي، أبان أن الإصلاحات التي أعقبت الأزمة المالية جعلته أكثر متانة وقدرة على امتصاص الصدمات الكبيرة رغم انتقال جزء من الوساطة المالية من البنوك إلى المؤسسات غير المصرفية، مؤكداً أن البنوك لا تزال مصدراً أساسياً للائتمان والسيولة.

وتطرق إلى التحولات الكبيرة في أسواق السندات الحكومية وصعود أسواق الأصول الخاصة وابتكارات تهدف إلى توسيع نطاق النقود في القطاع الخاص.

وعن الإنتاجية، رجح بيلي أن يكون الذكاء الاصطناعي والروبوتات «التكنولوجيا العامة التالية» القادرة على دفع النمو، معرباً عن تفاؤله الواقعي بإمكاناتهما، لكنه شدَّد على أن أثر هذه الابتكارات يحتاج وقتاً للظهور كما حدث سابقاً مع الكهرباء وتقنيات المعلومات.

وأضاف أن تأثير الذكاء الاصطناعي في سوق العمل قد يأتي عبر أربعة مسارات: تعزيز الإنتاجية، وإحلال بعض الوظائف، وخلق مهام جديدة، وإعادة توزيع الوظائف بين القطاعات، مؤكداً أن النتيجة النهائية لا تزال غير مؤكدة.

وأكد أهمية التعليم والتدريب على المهارات، داعياً إلى تجنب الاستنتاجات المبسطة بشأن آثار الذكاء الاصطناعي على التوظيف.


الجدعان: الأسواق الناشئة تقود 70 % من نمو العالم

الجدعان متحدثاً للحضور في «مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة» (الشرق الأوسط)
الجدعان متحدثاً للحضور في «مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة» (الشرق الأوسط)
TT

الجدعان: الأسواق الناشئة تقود 70 % من نمو العالم

الجدعان متحدثاً للحضور في «مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة» (الشرق الأوسط)
الجدعان متحدثاً للحضور في «مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة» (الشرق الأوسط)

أكد وزير المالية السعودي محمد الجدعان، أن الاقتصاد العالمي يمرُّ بلحظة تحول عميق، تقودها الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية، والتي باتت تُشكِّل اليوم نحو 60 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي من حيث القوة الشرائية، وتسهم بأكثر من 70 في المائة من النمو العالمي.

وأوضح الجدعان، خلال كلمته الافتتاحية في «مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة» بنسخة الثانية الذي عُقد في العلا، الأحد، أن هذه الاقتصادات أصبحت المُحرِّك الرئيسي للنشاط الاقتصادي الدولي بعد أن تضاعفت حصتها في الاقتصاد العالمي بأكثر من مرتين منذ عام 2000، لافتاً إلى أن أكبر 10 اقتصادات ناشئة في مجموعة العشرين تمثل وحدها الآن أكثر من نصف نمو العالم.

وأشار إلى أنه رغم هذا الدور المحوري، فإن هذه الاقتصادات تواجه بيئةً دوليةً تزداد تعقيداً وتشرذماً، مع ارتفاع مستويات الديون، وتباطؤ نمو التجارة العالمية، وزيادة التعرُّض للصدمات الجيوسياسية.

وحذَّر الجدعان من أن أكثر من نصف البلدان منخفضة الدخل تعاني حالياً من ضائقة ديون، أو تقع تحت خطرها، في وقت تراجعت فيه معدلات نمو التجارة إلى نحو نصف ما كانت عليه قبل الجائحة، مما يفرض ضرورة تبني استجابة سياسية منسقة ونابعة من الملكية الوطنية للدول؛ لضمان فاعلية مواجهة هذه التحولات الهيكلية.

وشدَّد على أن التجربة السعودية خلال العقد الماضي عزَّزت دروساً أساسية، في مقدمتها؛ الاستقرار الاقتصادي الكلي هو الأساس المتين للنمو وليس عائقاً له، وأن مصداقية السياسات تأتي من كفاءة التنفيذ والقدرة على ترجمة الاستراتيجيات إلى نتائج ملموسة، وليس من مجرد الخطط.

وفي هذا السياق، أكد أن الإصلاحات الهيكلية جاءت ثانياً، وهي لا يمكن أن تحقق نتائجها المرجوة ما لم تدعمها مؤسسات قوية وقادرة على الإنجاز، مشيراً إلى أن الحوكمة والشفافية تظلان الضمانة الأساسية لتحويل الرؤى إلى أثر ملموس على أرض الواقع.

وأشار الجدعان إلى أن تعزيز التعاون الدولي، وتفعيل دور المؤسسات متعددة الأطراف يأتي ثالثاً، مثل صندوق النقد والبنك الدوليَّين، ليس فقط بوصفها جهات إقراض، بل بوصفها مستشارين موثوقين لدعم الاقتصادات الناشئة في رحلتها وسط الصدمات المتكررة.

وفي ختام كلمته، حثَّ المشاركين في المؤتمر على الصراحة والتركيز على الحلول العملية والخبرات الميدانية بدلاً من الأطر النظرية؛ بهدف صياغة خريطة طريق تساعد الأسواق الناشئة على التكيُّف مع المشهد العالمي المتغير بسرعة، بما يخدم الصالح العام.

وتحتضن محافظة العلا السعودية، النسخة الثانية من «مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة 2026»، بالشراكة بين وزارة المالية وصندوق النقد الدولي وبمشاركة رفيعة المستوى من صناع القرار الاقتصادي، ووزارة المالية، ومحافظي البنوك المركزية، وقادة المؤسسات المالية الدولية، ونخبة من الخبراء والمختصين من مختلف دول العالم.

جانب من المعرض المصاحب للمؤتمر (الشرق الأوسط)

ويأتي إطلاق المؤتمر في ظلِّ مرحلة يشهد فيها الاقتصاد العالمي تحولات جوهرية في أنظمة التجارة والمالية الدولية، وما يصاحبها من تحديات متزايدة تتعلق بتباطؤ النمو، وتصاعد حالة عدم اليقين، وازدياد الضغوط على اقتصادات الأسواق الناشئة، الأمر الذي يبرز أهمية تعزيز الحوار الدولي، وتنسيق السياسات الاقتصادية، ودعم مرونة هذه الاقتصادات بما يعزِّز الاستقرار الاقتصادي العالمي.

ويهدف المؤتمر إلى الإسهام في تشكيل أجندة السياسات الاقتصادية لاقتصادات الأسواق الناشئة بما يدعم تحقيق النمو والازدهار، ويعزِّز في الوقت ذاته الاستقرار الاقتصادي العالمي، من خلال توفير منصة دولية رفيعة المستوى لتبادل الرؤى، ومناقشة السياسات، واستعراض التجارب والخبرات ذات الصلة.

ويُعقد المؤتمر هذا العام تحت عنوان «السياسات في ظل إعادة ضبط أنظمة التجارة والمالية الدولية»، إذ يسلّط الضوء على التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي، وما تفرضه من تحديات وفرص أمام اقتصادات الأسواق الناشئة، خصوصاً في مجالات التجارة الدولية، والأنظمة النقدية والمالية، والسياسات الاقتصادية الكلية.

ويركّز برنامج المؤتمر على عدد من القضايا والسياسات ذات الأولوية، من أبرزها إعادة تشكيل التجارة العالمية في ظل التغيرات الجيوسياسية والاقتصادية، وديناميكيات النظام النقدي والمالي الدولي، إضافة إلى التحديات التي تواجه السياسة النقدية في بيئة تتسم بعدم اليقين والتحولات الهيكلية.

كما يناقش المؤتمر مرونة السياسات المالية وأطرها في عالم يتسم بتكرار الصدمات الاقتصادية، ودور السياسات العامة في تعزيز القدرة على الصمود، إلى جانب بحث سبل تحفيز النمو بقيادة القطاع الخاص، ورفع الإنتاجية، وتحقيق التوازن بين دور الدولة وتمكين القطاع الخاص في اقتصادات الأسواق الناشئة.

ويُختتم المؤتمر بنقاشات تركز على تعزيز صمود اقتصادات الأسواق الناشئة والتحول الاقتصادي، واستعراض أبرز الدروس المستفادة، والخطوات المستقبلية لدعم التعاون الدولي، وتنسيق السياسات، وبناء حلول عملية تسهم في مواجهة التحديات الاقتصادية العالمية.

ويُتوقع أن يسهم مؤتمر العلا في رفع مستوى الوعي الدولي بقضايا اقتصادات الأسواق الناشئة، وتسليط الضوء على دورها المحوري في الاقتصاد العالمي، وتعزيز حضور هذه القضايا في الأجندة الاقتصادية والإعلامية الدولية، بما يدعم تحقيق نمو اقتصادي أكثر شمولية واستدامة على المدى الطويل.