بالتزامن مع القرارات السيادية الأخيرة لمجلس القيادة الرئاسي اليمني، بما في ذلك ملء شواغر عضوية المجلس بعضوين جديدين، وتعيين رئيس وزراء جديد وتكليفه تشكيل حكومة جديدة، برز حراك دبلوماسي لافت للمجلس، عكس سعياً واضحاً لإعادة تعريف اليمن كـ«قضية دولة» لا كملف أزمة إنسانية فقط، مع التشديد على أن المشكلة الجوهرية تكمن في التهديد الحوثي محلياً وإقليمياً.
جاء ذلك خلال لقاءات أجراها أعضاء المجلس في الرياض مع سفراء: الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وألمانيا، والنرويج، حيث حملت اللقاءات رسائل سياسية وأمنية واقتصادية، أكدت أن استقرار اليمن لم يعد شأناً داخلياً، بل ركيزة لأمن المنطقة والعالم، وأن أي مقاربة تتجاوز جذور الأزمة المتمثلة في الجماعة الحوثية، لن تقود إلا إلى سلام هش يعيد إنتاج الفوضى.
هذا الحراك رافقه تأكيد متجدد على محورية الدور السعودي، وطرح القضية الجنوبية ضمن مسار حوار جامع، يعكس محاولة جادة لإعادة بناء الثقة الدولية بالدولة اليمنية ومؤسساتها، وربط الدعم الخارجي بإصلاحات حقيقية، وتوحيد القرار، وحصر السلاح بيد الدولة.
وفي هذا السياق، استقبل رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، في الرياض، رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي لدى اليمن باتريك سيمونيه، ما عكس بوضوح توجه القيادة اليمنية نحو تعزيز الشراكة مع أوروبا على قاعدة المصالح المشتركة.

وذكر الإعلام الرسمي أن العليمي ثمّن الدعم الأوروبي السياسي والإنساني والتنموي، خصوصاً إسهامه في خطة الاستجابة الإنسانية التي تمثل شريان حياة لملايين اليمنيين، لكنه في الوقت ذاته وضع هذا الدعم في سياقه الأوسع، حيث بناء القدرات وتحسين الخدمات واستعادة الثقة بالمؤسسات التمويلية الدولية.
الحوثيون جذر الخراب
شدد العليمي خلال اللقاء مع سفير الاتحاد الأوروبي على أن التحولات الأخيرة في الداخل اليمني، وفي مقدمها جهود استعادة مؤسسات الدولة وتعزيز وحدة القرار السيادي، تمثل مدخلاً حقيقياً لأي استقرار مستدام، مشيراً إلى أن الميليشيات الحوثية لا تزال جذر الخراب ومصدر تهديد مباشر للأمن الإقليمي والدولي، بما في ذلك خطوط التجارة العالمية.
ورأى رئيس مجلس القيادة اليمني أن أي مقاربة دولية تساوي بين الدولة والميليشيا، أو تتجاهل هذه الحقيقة، لن تقود إلى سلام، بل إلى إعادة إنتاج الأزمة.
كما جدّد العليمي التأكيد على عدالة القضية الجنوبية، ورفض حسمها بالقوة أو التمثيل الأحادي، لافتاً إلى الترتيبات الجارية لعقد حوار جنوبي – جنوبي شامل برعاية السعودية، باعتباره مساراً مسؤولاً لمعالجة واحدة من أعقد القضايا الوطنية.

في موازاة ذلك، التقى عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح مع سفيرة المملكة المتحدة، ومبعوثة النرويج، وأكد أن ملف اليمن بات مرتبطاً بشكل مباشر بأمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب، مشيراً إلى أن تأمين الممرات المائية الدولية مرهون بإنهاء سيطرة أدوات إيران، ممثلة في الحوثيين، على العاصمة صنعاء.
وأكد صالح أن استمرار سيطرة الحوثيين لا يهدد اليمن فحسب، بل يضع المنطقة والعالم أمام مخاطر متزايدة، وهو ما يفسر تنامي الاهتمام الدولي بما يجري على الساحة اليمنية.
ونقل الإعلام الرسمي أن سفيرتَي المملكة المتحدة والنرويج جددتا التزامهما بدعم مجلس القيادة الرئاسي والحكومة اليمنية، ومساندة الجهود السعودية الرامية إلى تحقيق الاستقرار.
إدارة متزنة للتحديات
من جهته، عقد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الله باوزير لقاءين مع سفيرَي الولايات المتحدة وألمانيا، وأكد أن المرحلة الراهنة تتطلب إدارة متزنة للتحديات، تقوم على تعزيز مؤسسات الدولة، ومنع الفراغات السياسية والأمنية، ومعالجة القضايا الوطنية بالحوار والمسؤولية، محذراً من الانزلاق إلى صراعات داخلية جديدة.
وأوضح باوزير أن ما تشهده بعض المحافظات الجنوبية ليس انتصاراً لطرف على آخر، بل تصويب للمسار، وإعادة اعتبار للدولة ومؤسساتها، وحماية للاستقرار العام. كما شدد على أهمية مؤتمر الحوار الجنوبي الذي سترعاه السعودية، باعتباره مظلة جامعة لا تقصي أحداً، وصولاً إلى رؤية عادلة تُطرح ضمن مسار الحل السياسي الشامل.

ونقلت المصادر الرسمية أن السفير الأميركي ستيفن فاجن جدد التزام بلاده بدعم مجلس القيادة والحكومة اليمنية، وتعزيز التعاون في حماية الملاحة الدولية، ومكافحة الإرهاب، والتنسيق لمواجهة التحديات المشتركة، في حين جدد السفير الألماني دعم بلاده لوحدة اليمن وسيادته، ومساندة جهود السلام والعمل الإنساني والتنموي.
جوهر الأزمة
في سياق الحراك الرئاسي اليمني، أكد عضو مجلس القيادة عثمان مجلي أن جوهر الأزمة اليمنية يتمثل في استمرار انقلاب الحوثيين المدعومين من النظام الإيراني، محذراً من أن أي تساهل مع تقويض سلطة الدولة لا يخدم السلام، بل يغذي الإرهاب، ويكرّس الفوضى، ويمدّد أمد الصراع بما يهدد أمن اليمن ودول الجوار معاً.
وشدد مجلي خلال لقائه سفيرة المملكة المتحدة لدى اليمن عبده شريف، على أن الدعم الذي تقدمه السعودية لمجلس القيادة الرئاسي والحكومة اليمنية كان عاملاً حاسماً في توحيد مختلف القوى الوطنية ضمن إطار واحد وقرار سيادي موحد، انطلاقاً من إدراك مشترك بأن المعركة الأساسية هي استعادة الدولة ومواجهة المشروع الحوثي.

وأوضح أن مجلس القيادة يعمل، بدعم إقليمي، على ترسيخ نموذج «عدن المدنية» بعيداً عن عسكرة المدن، من خلال إخلائها من المعسكرات، ونقلها إلى الجبهات أو ثكنتها العسكرية، باعتبار ذلك خطوة أساسية لبناء دولة مستقرة وآمنة.
كما لفت مجلي إلى أن الجماعة الحوثية لا تزال تتلقى دعماً عسكرياً ومالياً وتقنياً من إيران، التي تحاول تعويض تراجع نفوذها الإقليمي عبر استخدام الحوثيين كأداة منخفضة التكلفة لتهديد أمن اليمن والممرات البحرية الحيوية، داعياً المجتمع الدولي إلى موقف أكثر وضوحاً في دعم سلطة الدولة، والاستثمار في الأمن ومكافحة الإرهاب، وبناء مستقبل أفضل لليمنيين.







