الأوروبيون ينشرون قوة عسكرية «رمزية» في غرينلاند لمواجهة أطماع واشنطن

رئيسة وزراء الدنمارك أكّدت أن الطموح الأميركي بالاستيلاء على الجزيرة «ما زال قائماً»

ماكرون يصافح جنوداً فرنسيين لدى زيارته قاعدة عسكرية جوية في «إيستر» قرب مارسيليا يوم 15 يناير (أ.ب)
ماكرون يصافح جنوداً فرنسيين لدى زيارته قاعدة عسكرية جوية في «إيستر» قرب مارسيليا يوم 15 يناير (أ.ب)
TT

الأوروبيون ينشرون قوة عسكرية «رمزية» في غرينلاند لمواجهة أطماع واشنطن

ماكرون يصافح جنوداً فرنسيين لدى زيارته قاعدة عسكرية جوية في «إيستر» قرب مارسيليا يوم 15 يناير (أ.ب)
ماكرون يصافح جنوداً فرنسيين لدى زيارته قاعدة عسكرية جوية في «إيستر» قرب مارسيليا يوم 15 يناير (أ.ب)

أحبط فشل الاجتماع الثلاثي رفيع المستوى في البيت الأبيض، الأربعاء، الذي ضمّ ممثّلين عن الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند آمال كوبنهاغن ونوك «عاصمة غرينلاند» والعواصم الأوروبية في التوصل إلى تفاهم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تدفعه إلى التراجع عن هدفه المعلن بالاستحواذ على الجزيرة القطبية.

وكان جي دي فانس نائب الرئيس الأميركي، وماركو روبيو وزير خارجيته ومستشاره للأمن القومي، بالغي الوضوح، وفق الصحافة الأميركية لجهة عزم ترمب على السيطرة على الجزيرة؛ لسبيين رئيسيين: الأول، منعها من الوقوع تحت سيطرة روسيا والصين بسبب ضعف الدفاعات الدنماركية، والثاني حاجة الولايات المتحدة إليها لأمنها القومي. وتوافق الأطراف الثلاثة على تشكيل «مجموعة عمل» لمواصلة المناقشات.

«الاستيلاء» على غرينلاند

ما حصل لم يُرضِ بتاتاً رئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي وزّعت بياناً مكتوباً، الخميس، كشفت فيه عن «خلاف جوهري» مع واشنطن، باعتبار أن «الطموح الأميركي بالاستيلاء على غرينلاند ما زال قائماً بلا تغيير». وأضافت في بيانها ما حرفيته: «هذه بالطبع مسألة خطرة، ونحن نواصل جهودنا للحؤول دون أن يصبح هذا السيناريو واقعاً».

من جهته، جدّد رئيس وزراء غرينلاند ينس فريدريك نيلسن، في منشور على «فيسبوك»، الخميس، تأكيده أن الجزيرة «لا تريد أن تُحكم أو تُمتلك من قبل الولايات المتحدة، وأنها ستبقى جزءاً من الدنمارك ومن الحلف الأطلسي».

وقال: «الآن ليس وقت النقاشات الداخلية. الآن هو وقت الوحدة والهدوء وتحمّل المسؤولية. أتابع الوضع عن كثب، وأنا إلى جانبكم من أجل رعاية غرينلاند». وبذلك، قطع نيلسن الطريق على محاولات اللعب الأميركية على حبل الخلافات الكامنة بين كوبنهاغن ونوك، مُفضّلاً إبراز جبهة موحدة في مواجهة الأطماع الأميركية.

ليس سراً أن المسؤولة الدنماركية تسعى منذ شهور لتعبئة شركاء بلادها في الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي للوقوف إلى جانبها، ومحاولة ثني ترمب عن خططه. لكن التصريحات المتواترة للرئيس الأميركي، وما شدد عليه فانس وروبيو، أغلقت نوافذ الحوار وتخطت كافة الحجج الأوروبية - الأطلسية التي كانت كلها تسعى لإقناع ساكن البيت الأبيض بانتفاء الحاجة للسيطرة التامة على الجزيرة.

والحُجّة الأولى تأكيد انتفاء التهديد الروسي - الصيني المباشر، بالنظر أن أنشطة موسكو وبكين البحرية لم تتزايد في الأشهر الأخيرة، ولا شيء يشي برغبتهما بوضع اليد عليها. والحُجّة الثانية أن لواشنطن أمرين أساسيين؛ الأول، وجود قاعدة عسكرية - فضائية قريبة من العاصمة نوك. والثاني، تمكن الولايات المتحدة من تعزيز حضورها العسكري في غرينلاند استناداً إلى اتفاقية ما زالت صالحة أبرمت بينها وبين كوبنهاغن في عام 1954، أي في أثناء الحرب الباردة.

كذلك يصر الأوروبيون - الأطلسيون على جاهزيتهم لمساعدة الدنمارك عسكرياً؛ إنْ لحماية غرينلاند أو لضمان أمن القطب الشمالي.

لم يكن لهذه الحجج التي فصّلها وزير خارجية الدنمارك لارس لوك راسموسن في اجتماع البيت الأبيض أي أثر على المقاربة الأميركية، إلى درجة أنه أعلن، في المؤتمر الصحافي الذي عقد مباشرة عقب الاجتماع في مقر سفارة بلاده في واشنطن، أنه «لم يتمكن من تغيير الموقف الأميركي. ومن الواضح أن الرئيس ترمب لديه رغبة في غزو غرينلاند. وقد أوضحنا بشكل جيد جداً، أن هذا ليس في مصلحة المملكة».

كذلك، وصف الوزير الدنماركي الخلاف مع واشنطن بأنه «جوهري»، وأن «لا مبرر» لاستيلاء أميركا على الجزيرة التي تتمتع بحكم ذاتي في إطار السيادة الدنماركية. أما بالنسبة للخطط الروسية - الصينية، فقد سارعت موسكو إلى اعتبار أن حديث حلف شمال الأطلسي عن كون موسكو وبكين تُعدّان لتهديد غرينلاند بأنه «أسطورة» الهدف منها «إثارة الهيستيريا». وحذّرت روسيا من مخاطر تصعيد المواجهة في المنطقة. ولا توجد حالياً سوى أدلة محدودة على إبحار أعداد كبيرة من السفن الصينية والروسية قرب سواحل غرينلاند.

حضور رمزي

إزاء ما سبق، وبسبب عبثية المساعي «العقلانية» لدفع واشنطن لتغيير مقاربتها، فقد كان على كوبنهاغن والعواصم الأوروبية أن تفتش عن بديل. ولكن المشكلة تكمن في أن الأوروبيين حريصون على التحرك بحذر في هذه المرحلة الخطرة وتجنب إغاظة ترمب لحاجتهم الماسة إليه في حرب أوكرانيا والتطورات في إيران.

من هنا، سعوا للتحرك بعيداً عن الاستفزازات العبثية. وشددت رئيسة الحكومة الدنماركية على «وجود توافق في إطار حلف شمال الأطلسي على أن تعزيز الوجود في الدائرة القطبية الشمالية هو أمر أساسي بالنسبة إلى الأمن الأوروبي والأميركي الشمالي».

ماكرون يخاطب جنوداً فرنسيين لدى زيارته قاعدة عسكرية جوية في «إيستر» قرب مارسيليا يوم 15 يناير (رويترز)

وقرنت ميته فريدريكسن القول بالفعل عن طريق تعزيز حضور بلادها العسكري بحرياً وبرياً وزيادة الإنفاق الدفاعي. وفي الوقت نفسه، لم يتردّد الأوروبيون في مدّ يد العون إليها، والاستجابة لطلبها، والقيام من جانبهم وبناء على طلبها بإرسال مجموعات عسكرية «رمزية وقليلة العدد في مرحلة أولى» من أجل إبراز التضامن مع الدنمارك والتهيئة لمناورات عسكرية واسعة لاحقاً.

وحتى اليوم، قامت السويد وألمانيا والنرويج وفرنسا وهولندا بإرسال وحدات رمزية وصلت إلى العاصمة نوك، فيما وُصف بأنه «مهمة استطلاع» تحضيرية للمشاركة في مناورات «الصمود في القطب الشمالي». وجاءت مشاركة ألمانيا، وإن كانت رمزية، بالغة الأهمية بالنظر للعلاقات الخاصة التي تربطها بالولايات المتحدة التي ما زالت لديها قوات ترابط على أراضيها منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، كما أنها تنشر في إحدى قواعدها صواريخ مزودة برؤوس نووية.

فائدة الانتشار العسكري

ليس سراً أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يريد أن يتزعم الفريق الداعي لقيام «الاستقلالية الأوروبية الاستراتيجية»، وأنه كان الأشدّ تنديداً بالمطامع الأميركية. وفي الخطاب الذي ألقاه، بعد ظهر الخميس، أمام القادة العسكريين في قاعدة «إيستر» الجوية القريبة من مدينة مرسيليا جنوب البلاد، أكّد ماكرون أن طليعة القوة الفرنسية المكونة من 15 رجلاً سوف تعزز بإرسال «وسائل جوية وبحرية وبرية في الأيام المقبلة، إلا أنه امتنع عن تقديم تفاصيل عن ذلك.

وفسّر مشاركة بلاده في هذه القوة بأنه «يتعين على فرنسا أن تكون إلى جانب دولة ذات سيادة من أجل مساعدتها على حماية أراضيها». وأضاف ماكرون أن على فرنسا والأوروبيين أن «يواصلوا الوجود في أي مكان تتعرض مصالحهم فيه للتهديد، من دون تصعيد، ومن دون أي مساومة».

هل سيكون للانتشار العسكري المتواضع تأثير على المقاربة الأميركية؟ من الواضح أن الأوروبيين لا يريدون أبداً مواجهة الأميركيين عسكرياً، فالأمر محسوم سلفاً.

وقال مصدر عسكري في باريس إن الغرض إحراج الجانب الأميركي للتبعات السياسية المترتبة على عملية مواجهة عسكرية بين دول تنتمي كلها للحلف الأطلسي، ولما لذلك من نتائج كارثية على صورة الحلف وعلى الولايات المتحدة بشكل رئيسي. ومن جانب آخر، فإن تعزيز الوجود الأوروبي - الأطلسي يراد أن ينظر له على أنه «استجابة» لما يطلبه ترمب من حماية غرينلاند، وهي الحماية التي يطالب بها الأخير.


مقالات ذات صلة

مسؤول: ترمب يدرس سحب بعض القوات الأميركية من أوروبا

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب والأمين العام لـ«الناتو» مارك روته على هامش منتدى «دافوس» في 21 يناير 2026 (أ.ف.ب)

مسؤول: ترمب يدرس سحب بعض القوات الأميركية من أوروبا

قال مسؤول كبير في البيت الأبيض لـ«رويترز» اليوم ​الخميس إن الرئيس دونالد ترمب، مستاء من تقاعس الحلفاء في حلف شمال الأطلسي عن المساعدة في تأمين مضيق

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

قالت متحدثة باسم حلف شمال الأطلسي (ناتو) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوقع من حلفائه في الناتو التزامات «ملموسة» للمساهمة في تأمين مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مستقبلاً الأمين العام لـ«الناتو» مارك روته في وزارة الخارجية بواشنطن الأربعاء (رويترز)

أوكرانيا تبقى رهينة مزاج ترمب تجاه «الأطلسي»

خرج ترمب من الاجتماع مع الأمين العام لـ«الناتو» من غير إعلان خطوة دراماتيكية ضد الحلف لكنه كرر اتهامه له بأنه «لم يكن هناك عندما احتجناه»

إيلي يوسف (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز) p-circle 02:53

تقرير: ترمب يدرس معاقبة دول بـ«الناتو» لعدم دعمها حرب إيران

ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال»، نقلاً عن مسؤولين في الإدارة الأميركية، أن ترمب يدرس خطة لمعاقبة بعض أعضاء حلف الناتو الذين لم يقدموا الدعم الكافي خلال حرب إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع الصحافيين في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن، 6 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

ترمب: هناك من سرّب معلومات عن الطيار المفقود لإيران... سنصل إليه

قال ​الرئيس الأميركي ترمب، ‌إنه ‌سيطالب ​الصحافي ‌الذي ⁠كان ​أول من ⁠سرب خبر عملية إنقاذ أحد ⁠الطيارين الأميركيين ​في ‌إيران ‌بالكشف عن مصدره، وهدده بالسجن.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

أستراليا تدعو إلى بقاء مضيق هرمز مفتوحاً للجميع

رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيز (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيز (أ.ف.ب)
TT

أستراليا تدعو إلى بقاء مضيق هرمز مفتوحاً للجميع

رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيز (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيز (أ.ف.ب)

دعا رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيز إلى إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً، وقال إن الولايات المتحدة لم تطلب مساعدة أستراليا لفرض حصار عليه.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد صرح بأن البحرية الأمريكية ستبدأ سريعاً حصاراً للسفن الداخلة إلى مضيق هرمز أو المغادرة منه، بعد أن انتهت محادثات وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران في باكستان دون التوصل إلى اتفاق.

وقال ألبانيز لتلفزيون «ناين نيتورك» اليوم الاثنين: «لم نتلق أي طلبات، وقد أصدروا هذا الإعلان خلال الليل وفعلوا ذلك بطريقة أحادية الجانب. ولم يطلب منا المشاركة».

وأضاف ألبانيز: «ما نريد رؤيته هو استمرار المفاوضات واستئنافها. نريد أن نرى نهاية لهذا الصراع .ونريد أن نرى مضيق هرمز مفتوحا للجميع. ونريد أن نرى حرية الملاحة كما يقتضي القانون الدولي أيضاً».


رئيس الوزراء المجري أوربان يقر بهزيمة «مؤلمة» في الانتخابات

رئيس الوزراء المجري المنتهية ولايته فيكتور أوربان خلال كلمته إلى أنصاره عقب اعترافه بالهزيمة في الانتخابات التشريعية (أ.ب)
رئيس الوزراء المجري المنتهية ولايته فيكتور أوربان خلال كلمته إلى أنصاره عقب اعترافه بالهزيمة في الانتخابات التشريعية (أ.ب)
TT

رئيس الوزراء المجري أوربان يقر بهزيمة «مؤلمة» في الانتخابات

رئيس الوزراء المجري المنتهية ولايته فيكتور أوربان خلال كلمته إلى أنصاره عقب اعترافه بالهزيمة في الانتخابات التشريعية (أ.ب)
رئيس الوزراء المجري المنتهية ولايته فيكتور أوربان خلال كلمته إلى أنصاره عقب اعترافه بالهزيمة في الانتخابات التشريعية (أ.ب)

أقر رئيس الوزراء المجري المنتهية ولايته فيكتور أوربان بالهزيمة في الانتخابات التشريعية التي جرت الأحد، وذلك خلال خطاب مقتضب ألقاه في مقر حملته الانتخابية.

وقال الزعيم القومي إن «نتائج الانتخابات، وإن لم تكن نهائية بعد، واضحة بالنسبة لنا، هي مؤلمة لكنها لا لبس فيها. لم تُمنح لنا المسؤولية أو الفرصة للحكم»، مضيفا أنه «هنأ الحزب الفائز».

وكان الناخبون المجريون توجهوا بكثافةٍ إلى صناديق الاقتراع، الأحد، للإدلاء بأصواتهم في انتخابات تشريعية قد تضع حداً لحكم رئيس الوزراء فيكتور أوربان الذي يتولى السلطة منذ 16 عاماً، في استحقاق تستحوذ نتائجه على متابعة مكثفة من المجتمع الدولي، خصوصاً من الولايات المتحدة وروسيا والبلدان الأوروبية.

وأشار محللون إلى أن نسبة المشاركة مرتفعة، خصوصاً في المدن متوسطة الحجم، وبين الناخبين الشباب، الأكثر ميلاً لدعم مرشح المعارضة بيتر ماغيار. وتحدث هؤلاء المحللون قبل الانتخابات عن نسبة مشاركة قياسية قد تصل إلى 75 في المائة.

وحظي أوربان قبل الانتخابات بدعم قوي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وتمثّلَ هذا الدعم بزيارة لنائبه جاي دي فانس إلى بودابست، الأسبوع الحالي، امتدح خلالها مزايا فيكتور أوربان وانتقد تدخُّل «بيروقراطيي بروكسل»، حيث مقر الاتحاد الأوروبي. أما ترمب نفسه، فاتخذ الجمعة مواقف عدة داعمة لأوربان، إذ تعهد بتسخير «كامل القوة الاقتصادية» الأميركية لمساعدة المجر إذا دعم الناخبون حليفه الذي يراه مجسداً لمعركة مكافحة الهجرة والدفاع عن «الحضارة الغربية».


انتخابات تشريعية حاسمة لحكم أوربان في المجر

رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان لدى الإدلاء بصوته في بودابست الأحد (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان لدى الإدلاء بصوته في بودابست الأحد (أ.ف.ب)
TT

انتخابات تشريعية حاسمة لحكم أوربان في المجر

رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان لدى الإدلاء بصوته في بودابست الأحد (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان لدى الإدلاء بصوته في بودابست الأحد (أ.ف.ب)

توجّه الناخبون المجريون بكثافةٍ إلى صناديق الاقتراع، الأحد، للإدلاء بأصواتهم في انتخابات تشريعية قد تضع حداً لحكم رئيس الوزراء فيكتور أوربان الذي يتولى السلطة منذ 16 عاماً، في استحقاق تستحوذ نتائجه على متابعة مكثفة من المجتمع الدولي، خصوصاً من الولايات المتحدة وروسيا والبلدان الأوروبية.

ويختار 7.5 ملايين ناخب داخل المجر، إضافة إلى أكثر من 500 ألف مسجّلين في الخارج، بين خمسة أحزاب، وفقاً لنظام انتخابي أكثري مختلط يصبّ بدرجة كبيرة في مصلحة حزب «فيديش» الحاكم.

وبلغت نسبة المشاركة في الانتخابات مستوى قياسياً ظهر الأحد، إذ وصلت إلى 54.14 في المائة بين فتح مكاتب الاقتراع عند السادسة صباحاً (04.00 ت غ) والأولى من بعد الظهر بالتوقيت المحلي (11.00 ت غ)، في مقابل 40.1 في المائة عام 2022، وفقاً لمكتب الانتخابات الوطني.

وأشار محللون إلى أن نسبة المشاركة مرتفعة، خصوصاً في المدن متوسطة الحجم، وبين الناخبين الشباب، الأكثر ميلاً لدعم مرشح المعارضة بيتر ماغيار. وتحدث هؤلاء المحللون قبل الانتخابات عن نسبة مشاركة قياسية قد تصل إلى 75 في المائة.

بيتر ماغيار صاحب التوجهات الأوروبية المحافظة لدى الإدلاء بصوته في بودابست الأحد (إ.ب.أ)

وتوقعت استطلاعات رأي أجرتها مؤسسات مستقلة فوزاً كاسحاً لحزب «تيسا» بقيادة بيتر ماغيار ذي التوجهات الأوروبية والمحافظة الذي تمكّن خلال عامين من بناء حركة معارضة قادرة على منافسة أوربان، علماً بأن شعبية رئيس الوزراء ذي التوجهات القومية تراجعت بفعل تباطؤ النمو الاقتصادي في المجر.

وبعد الإدلاء بصوته في بودابست، دعا ماغيار، المجريين، إلى الاستنفار من أجل هذه «الانتخابات الحاسمة»، وقال: «نحن نختار بين الشرق والغرب، بين الدعاية والنقاش العام الصادق، بين الفساد وحياة عامة نزيهة، بين استمرار التدهور والانهيار الكامل للخدمات العامة أو إعادة الأموال الأوروبية وإنعاش الاقتصاد المجري».

رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان وزوجته أنيكو ليفاي لدى الإدلاء بصوته في بودابست الأحد (أ.ف.ب)

في المقابل، توقعت مؤسسات استطلاعات مقرّبة من السلطة فوز تحالف «فيديش» وحزب «الشعب الديمقراطي المسيحي» (كي دي إن بي) الذي يقوده أوربان الساعي إلى ولاية خامسة على التوالي.

وجدّد أوربان بعد إدلائه بصوته تحذيره من «أزمة كبرى» تنتظر أوروبا، وقال: «لحسن الحظ، لدينا الكثير من الأصدقاء في العالم، من أميركا إلى الصين، مروراً بروسيا والعالم التركي»، مضيفاً أنه لن يسمح للاتحاد الأوروبي بأن «يحرم» المجر من «مستقبلها وسيادتها».

رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان (يسار) ونائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتبادلان التحية في نهاية تجمع انتخابي في بودابست يوم 7 أبريل 2026 (رويترز)

وحظي أوربان قبل الانتخابات بدعم قوي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وتمثّلَ هذا الدعم بزيارة لنائبه جاي دي فانس إلى بودابست، الأسبوع الحالي، امتدح خلالها مزايا فيكتور أوربان وانتقد تدخُّل «بيروقراطيي بروكسل»، حيث مقر الاتحاد الأوروبي. أما ترمب نفسه، فاتخذ الجمعة مواقف عدة داعمة لأوربان، إذ تعهد بتسخير «كامل القوة الاقتصادية» الأميركية لمساعدة المجر إذا دعم الناخبون حليفه الذي يراه مجسداً لمعركة مكافحة الهجرة والدفاع عن «الحضارة الغربية».

«حملة سلبية»

بات رئيس الوزراء المجري الذي جعل من بلده، البالغ عدد سكانه 9.5 ملايين نسمة، نموذجاً لـ«الديمقراطية غير الليبرالية» مثالاً تحتذي به عدد من الحركات اليمينية المتطرفة في مختلف أنحاء العالم. ويعد أوربان مقرّباً أيضاً من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وواظب على انتقاد العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على روسيا منذ غزوها أوكرانيا عام 2022.

ومع أن بروكسل تجنّبت التعبير علناً عن موقفها من الانتخابات المجرية، أكّد دبلوماسي أوروبي أن «معظم الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ستكون مسرورة بالتخلص من أوربان»، مشيراً إلى أن «الصبر بلغ حدّه الأقصى».

واتخذ أوربان (62 عاماً) مراراً مواقف مخالفة لتوجهات الدول الأعضاء الـ26 الأخرى، فيما جمّدت بروكسل التي تتهمه بتقويض دولة القانون مبالغ مخصصة لتمويل المجر تبلغ مليارات اليورو. وأكد أوربان خلال حملته عزمه مواصلة استهداف ما وصفه بـ«منظمات المجتمع المدني الوهمية، والصحافيين المأجورين، والقضاة والسياسيين».

ورأت أندريا شابو من «مركز العلوم الاجتماعية» في «جامعة ELTE» أن فوز أوربان «سيعني بوضوح (...) انزلاقاً نحو نظام استبدادي».

كذلك سعى أوربان إلى إعطاء انطباع بأنه سدّ منيع في وجه أوكرانيا، متهماً إياها بالسعي إلى جرّ المجريين إلى الحرب. لكنّ المحللين رأوا أن هذه الحجة لم تقنع مواطنيه في ظل الركود الاقتصادي في المجر واستشراء الفساد فيها بشكل فاضح.

وقالت أندريا شابو إن «فيديش» قرر «خوض حملة سلبية تماماً»، إذ لم تتضمن «طرحاً واحداً يمكن القول إنه قد يسهم فعلاً في توحيد الأمة، بل على العكس، لم يتحدث (الحزب) إلا عن الحرب».

أما بيتر ماغيار، البالغ 45 عاماً الذي زار مختلف المناطق المجرية منذ منتصف فبراير (شباط)، فقد تعهّد بتحسين الخدمات العامة، لا سيما في قطاعي الصحة والتعليم.

بيتر ماغيار ممثلاً عن حزب «تيسا» أثناء تصويته في بودابست الأحد (إ.ب.أ)

وخلال لقاء انتخابي، الخميس، دعا ماغيار الذي كان منتمياً سابقاً إلى «فيديش» إلى «إعطاء فرصة للتغيير»، مطلقاً سلسلة وعود، أبرزها مكافحة الفساد، وإعادة إحياء المؤسسات الديمقراطية، وجعل المجر عضواً أميناً في الاتحاد الأوروبي الذي تنتمي إليه منذ عام 2004.

اتهامات بالتدخل

وقال دانيال باشتور (60 عاماً) خلال لقاء انتخابي آخر أُقيمَ الجمعة: «من المهم أن تبدأ فعلاً حقبة جديدة، وأن تولد مجر جديدة قابلة للعيش». لكنّ لسائق سيارة الأجرة الخمسيني أتيلا شوكه رأياً مناقضاً، إذ اعتبر خلال تجمع انتخابي لأوربان الخميس أن «فوز (تيسا) سيكون أمراً فظيعاً بالنسبة للمجر».

وتتخوف المعارضة المجرية من أن يرفض أوربان الاعتراف بنتائج الانتخابات، فيما برزت اتهامات بتدخل روسي وبلجوء «فيديش» إلى شراء الأصوات على نطاق واسع. وردّ أوربان باتهام حزب «تيسا» بأنه «يتآمر مع أجهزة استخبارات أجنبية» للتلاعب بالنتائج.