السودان يستعيد 570 قطعة أثرية سُرقت من المتحف القومي

جهاز المخابرات أحبط مخططات تهريبها إلى الخارج في عملية وصفها بـ«المعقدة»

قطع أثرية يعود تاريخها إلى آلاف السنين سرقت من داخل المتحف القومي السوداني (الشرق الأوسط)
قطع أثرية يعود تاريخها إلى آلاف السنين سرقت من داخل المتحف القومي السوداني (الشرق الأوسط)
TT

السودان يستعيد 570 قطعة أثرية سُرقت من المتحف القومي

قطع أثرية يعود تاريخها إلى آلاف السنين سرقت من داخل المتحف القومي السوداني (الشرق الأوسط)
قطع أثرية يعود تاريخها إلى آلاف السنين سرقت من داخل المتحف القومي السوداني (الشرق الأوسط)

أعلنت السلطات السودانية، الثلاثاء، استرداد 570 قطعة أثرية تعود إلى حقب تاريخية مختلفة، كانت في طريقها إلى خارج البلاد، وتمثل نحو 29 في المائة من جملة الآثار التي كانت معروضة في متحف السودان القومي، وسط العاصمة الخرطوم.

وقال نائب مدير جهاز المخابرات العامة، عباس محمد، في مؤتمر صحافي عقد بمدينة بورتسودان، إن الجهاز نفّذ عملية أمنية معقدة، نجح من خلالها في إحباط مخطط كبير لتهريب آثار سودانية مملوكة لهيئة المتاحف إلى خارج البلاد، مضيفاً: «تم استعادة عدد كبير من القطع الأثرية».

وتعرّض المتحف القومي لعمليات نهب واسعة خلال الحرب التي شهدتها الخرطوم منذ أبريل (نيسان) 2023، عقب سيطرة «قوات الدعم السريع» على العاصمة السودانية، في وقت رصدت فيه تقارير إعلامية بيع بعض الآثار السودانية عبر مواقع الإنترنت.

مشهد للدمار الذي لحق محتويات متحف السودان القومي نتيجة النهب والسرقات (الهيئة الوطنية السودانية للآثار)

وأشار محمد إلى أن سرقة الآثار السودانية ومحاولة تهريبها إلى الخارج تُعدّ جريمة خطيرة، ارتكبتها «قوات الدعم السريع» ضمن سلسلة من الانتهاكات الممنهجة بحقّ الوطن وتراثه. وأوضح أن الأجهزة العدلية السودانية تعمل بتنسيق مشترك مع الشركاء الإقليميين والدوليين من أجل استرداد الآثار التي جرى تهريبها إلى الخارج خلال فترة الحرب.

وبيّن نائب مدير جهاز المخابرات العامة أن العملية التي نُفّذت لاستعادة الآثار لا تقتصر على كونها إجراءً أمنياً فحسب، بل تمثل معركة حقيقية لحماية تاريخ السودان، والتصدي لأي محاولات تستهدف التراث القومي، باعتباره قضية من قضايا الأمن الوطني.

قطع أثرية تم استردادها بواسطة السلطات السودانية عرضت في معرض في بورتسودان الثلاثاء (الشرق الأوسط)

وأكّد أن جهاز المخابرات يواصل متابعة أنشطة الجريمة المنظمة وشبكات تهريب الآثار، مشدداً على قدرته على ملاحقة المتورطين، وكل من تسوّل له نفسه العبث بتاريخ السودان. كما دعا المواطنين إلى تسليم أي قطع أثرية بحوزتهم، مؤكداً أن السلطات القانونية لن تتهاون مع أي نشاط إجرامي يستهدف آثار البلاد.

وفي سياق متصل، نظّمت وزارة الثقافة والإعلام والسياحة، اليوم، احتفالاً بقاعة الربوة بمدينة بورتسودان، بحضور الأمين العام لمجلس السيادة الانتقالي محمد الغزالي، وعدد من المسؤولين، إلى جانب دبلوماسيين وممثلي منظمات دولية، وذلك قبل نحو 10 دقائق من الموعد الرسمي لإعلان الاحتفال. وشمل البرنامج زيارة للمعرض المخصص للآثار المستردة، حيث وثّق الحضور الحدث الذي وصفته السلطات السودانية بالمهم للغاية، مع الإشارة إلى أنه سيتم الإعلان لاحقاً عن استرداد آثار أخرى من العاصمة الخرطوم.

قطع أثرية يعود تاريخها إلى آلاف السنين تم استردادها بواسطة السلطات السودانية (الشرق الأوسط)

ولاحظت «الشرق الأوسط» أن بعض القطع الأثرية المعروضة تعرّضت لكسر جزئي، في حين ظهرت خدوش على قطع أخرى، يُرجَّح أنها لحقت بها أثناء عمليات النهب أو التهريب. وتخلل الاحتفال تقديم فقرات فنية، تغنّى خلالها فنانون بأغانٍ وطنية خالدة تؤكد أن السودان بلد الحضارة والتاريخ العريق.

ويُعدّ متحف السودان القومي أحد أهم المتاحف في أفريقيا، إذ يضم مجموعات أثرية نادرة توثق لتاريخ السودان الممتد لآلاف السنين، بدءاً من عصور ما قبل التاريخ، مروراً بالحضارات النوبية القديمة وممالك كرمة ونبتة ومروي، وصولاً إلى الفترات المسيحية والإسلامية. ويحتوي المتحف على آلاف القطع الأثرية، من تماثيل ونقوش ومومياوات وأدوات فخارية، إضافة إلى معابد نوبية أُعيد تشييدها في حدائقه عقب حملة إنقاذ آثار النوبة في ستينات القرن الماضي.

مدخل متحف السودان القومي وبوابته الرئيسية قبل الحرب (الشرق الأوسط)

ومنذ اندلاع الحرب في السودان، تعرّض المتحف لعمليات اقتحام ونهب واسعة، خصوصاً بعد سيطرة «قوات الدعم السريع» على العاصمة الخرطوم، حيث أفادت تقارير رسمية وإعلامية باختفاء عدد كبير من القطع الأثرية من مخازنه وقاعاته، وظهور بعضها لاحقاً في أسواق غير مشروعة ومنصات بيع عبر الإنترنت، ما أثار مخاوف محلية ودولية بشأن مصير التراث الثقافي السوداني وعمليات تهريبه إلى الخارج.

بدوره، طالب وزير المالية، جبريل إبراهيم، الدول التي وصلت إليها الآثار السودانية بالتعاون مع الحكومة السودانية لاستعادتها، مشدداً على أن الأمانة تقتضي إرجاع تلك الآثار إلى موطنها الأصلي. وأضاف أن جهاز الأمن والمخابرات يقوم بأدوار كبيرة ومهمة في جبهات القتال، ضمن الحرب الدائرة حالياً في البلاد ضد «قوات الدعم السريع».

ساحة المتحف التي كانت متنزهاً ومتنفساً لسكان الخرطوم (الشرق الأوسط)

من جانبه، أوضح وزير الثقافة والإعلام، خالد الإعيسر، أن هذه الآثار جرى ضبطها خلال الفترة الممتدة من سبتمبر (أيلول) 2023 حتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، إلا أن العملية لم يُعلن عنها في حينها. وأشار إلى أن الآثار المستردة تمثل 29 في المائة من مجموع القطع التي كانت معروضة في متحف السودان القومي.

وقال الإعيسر إن «قوات الدعم السريع» كانت تستهدف سرقة وتهريب تاريخ السودان، في محاولة لطمس هويته التاريخية.

من جانبها، قالت رئيسة لجنة استعادة الآثار السودانية، إخلاص عبد اللطيف، إن الآثار التي جرى استعادتها «قيمة وجميلة جداً»، موضحة أنها عادت إلى البلاد عقب عملية سرية ودقيقة نفّذها جهاز المخابرات العامة. وأضافت أنه بعد العثور على القطع الأثرية جرى تخزينها وفق الإجراءات المتبعة، قبل أن يتولى فريق مختص من خبراء الآثار تسجيلها وتوثيقها.

قطعة أثرية قيمة ضمن القطع التي تم استردادها (الشرق الأوسط)

وأفادت عبد اللطيف، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، بأن «قوات الدعم السريع» استهدفت تاريخ السودان وارتكبت انتهاكات واسعة بحق تراثه الثقافي، مشيرة إلى أنه خلال الفترة الماضية جرى استرداد آثار تعود إلى بيت الخليفة في أم درمان، إلى جانب تماثيل وقطع أثرية تخص متحف السودان القومي في الخرطوم.

ويُعد السودان من أغنى دول المنطقة من حيث الثروة الأثرية، إذ يحتضن إرثاً حضارياً متنوعاً يجعل منه أحد أهم مراكز الحضارات القديمة في أفريقيا والعالم. ويضم السودان ما يُقدَّر بنحو 3 آلاف هرم منتشرة في مناطق مختلفة، أبرزها أهرامات البجراوية ومروي ونوري والكرو، وهو عدد يفوق ما هو موجود في كثير من الدول، إلى جانب آلاف المواقع الأثرية الأخرى من معابد ومدن قديمة ومقابر ونقوش صخرية تعود إلى حضارات متعاقبة.

قطعة أثرية قيمة ضمن القطع التي تم استردادها (الشرق الأوسط)

وتشمل هذه الآثار بقايا ممالك كوش وعلوة والمقرة وسوبا، فضلاً عن آثار الفترات المسيحية والإسلامية، ما يجعل التراث السوداني سجلاً تاريخياً متكاملاً لتطور المجتمعات البشرية في وادي النيل. غير أن هذا المخزون الأثري الضخم ظل يعاني من ضعف الحماية والتوثيق، وتفاقمت المخاطر التي تهدده مع اندلاع الحرب، في ظل تنامي أنشطة النهب والاتجار غير المشروع بالآثار. الأمر الذي يضع هذا الإرث الإنساني أمام تحديات غير مسبوقة.


مقالات ذات صلة

الجيش السوداني يصعّد هجماته على «الكرمك» الحدودية مع إثيوبيا

شمال افريقيا دبابات متضررة أمام مبنى بنك السودان المركزي في الخرطوم (رويترز)

الجيش السوداني يصعّد هجماته على «الكرمك» الحدودية مع إثيوبيا

يواصل الجيش السوداني عملياته الهجومية في جبهة القتال بإقليم النيل الأزرق، فيما تحاول قواته التقدم للسيطرة على مدينة الكرمك أهم مدن الإقليم.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا مصر تؤكد ضرورة التوصل إلى هدنة إنسانية عاجلة وفورية في السودان (رويترز)

مصر تدعو إلى هدنة إنسانية عاجلة في السودان

أعادت مصر التأكيد على ضرورة «التوصل إلى هدنة إنسانية عاجلة وفورية في السودان»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا اللوحات المرسومة في المعرض (الشرق الأوسط)

معرض «الصورة تحكي» يحفظ ذاكرة الحرب ويرصد ملامح الحياة في الخرطوم

لم يكن معرض «الصورة تحكي» مجرد فعالية فنية عابرة، بل «رحلة بصرية» تختصر ما مرت به الخرطوم خلال سنوات الحرب، وتروي كيف بدأت الحياة تعود تدريجياً.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا نساء سودانيات في مخيم للنازحين بالقرب من مدينة الأبيض السودانية 29 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

مفوّض أممي: كارثة جديدة لحقوق الإنسان تتكشف في مدينة الأبيض السودانية

قال فولكر تورك، المفوّض الأممي لحقوق الإنسان، الجمعة، إن كارثة أخرى في مجال حقوق الإنسان تتكشف في السودان، هذه المرة في مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
خاص سوق شبه خالية في الخرطوم (الشرق الأوسط)

خاص السودانيون يعانون الفاقة تحت وطأة الحرب

في السودان لم تعد الحرب تُقاس فقط بعدد الضحايا أو حجم الدمار بل بما تركته من أثر عميق على موائد الأسر وسبل عيشها

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)

السيسي يعزز مكانة العاصمة المصرية الجديدة بافتتاح «الأوكتاغون»

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يعزز مكانة العاصمة المصرية الجديدة بافتتاح «الأوكتاغون»

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة المصرية)

في تعزيز لمكانة العاصمة الجديدة، افتتح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، مساء السبت، مقر «القيادة الاستراتيجية للدولة»، الذي يحاكي، بحسب بيانات رسمية، أحدث مراكز السيطرة عالمياً.

وقال السيسي عقب التوقيع على وثيقة الافتتاح: «باسم شعب مصر العظيم، أعلن افتتاح مقر (القيادة الاستراتيجية) بالعاصمة الجديدة، لتكون صرحاً لشعب مصر العظيم، وتمثل دور مصر دولة سلام واستقرار». وتابع: «دولة قادرة على التصدي للتحديات وتحقيق التطلعات بوحدة شعبها الأبيّ وقواته المسلحة الباسلة، وبما يضمن تكامل التخطيط والتنسيق لجميع جهات القوات المسلحة، وتعزيز القدرات القتالية والاستعداد الدائم لمواجهة التحديات بفعالية وكفاءة باستخدام أحدث نظم التكنولوجيا المتطورة... وعلى النحو الذي يحقق الأهداف الاستراتيجية للدولة، ويسهم في تأمين مقدراتها».

ووفق بيان لـ«مجلس الوزراء»، السبت، فإن انتقال مؤسسات الدولة السيادية إلى العاصمة الجديدة «يمثل خطوة محورية في مسار بناء الجمهورية الجديدة».

وأوضح البيان أن «مشروع العاصمة الجديدة لا يقتصر على إنشاء مدينة حديثة، بل يستهدف إعادة تنظيم مؤسسات الدولة داخل بيئة عمرانية متطورة تعتمد على أحدث البنى التحتية والتكنولوجيا، بما يعزز كفاءة الأداء الحكومي، ويرفع مستوى التنسيق بين مختلف أجهزة الدولة، ويوفر مساحات للتوسع المستقبلي بعيداً عن التكدس الذي عانت منه القاهرة لعقود».

وأكد «مجلس الوزراء» أن «افتتاح مقر (القيادة الاستراتيجية) للقوات المسلحة (الأوكتاغون) يمثل تجسيداً عملياً لعملية الانتقال إلى العاصمة الجديدة»، موضحاً أن المقر «يضم أحدث أنظمة القيادة والسيطرة والاتصالات، ويعزز سرعة اتخاذ القرار، ويرفع كفاءة التنسيق بين مختلف أفرع القوات المسلحة، ويزيد من جاهزية الدولة للتعامل مع التحديات الإقليمية والدولية».

وأضاف أن «المقر يمثل إضافة استراتيجية للبنية التحتية للدولة في إطار تحديث شامل لمنظومة القوات المسلحة، بما يواكب التطورات العسكرية والتكنولوجية الحديثة».

افتتاح مقر «القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية» تجسيد عملي لعملية الانتقال إلى العاصمة الجديدة (هيئة الاستعلامات المصرية)

وعدّ «مجلس الوزراء» افتتاح مقر «القيادة الاستراتيجية» للدولة المصرية «خطوة تعكس تكاملاً استراتيجياً داخل العاصمة الجديدة، لتصبح مركزاً متكاملاً لإدارة شؤون الدولة ومؤسساتها السيادية، بما يعزز استمرارية العمل المؤسسي ويرفع كفاءته، ويجعل العاصمة الجديدة منصة حديثة لإدارة الدولة بمفهومها الشامل، بما يتوافق مع متطلبات الحاضر والمستقبل».

ومقر «القيادة الاستراتيجية للدولة» يواكب أحدث النظم الدفاعية والتكنولوجية في العالم. وتم إنشاؤه ضمن خطة مصر لإنشاء عاصمة جديدة تضم كل المؤسسات الرسمية والسيادية.

وانطلق مشروع العاصمة الجديدة في مارس (آذار) 2015 بهدف تخفيف الضغط على القاهرة، على مساحة بلغت نحو 700 كيلومتر مربع؛ أي نحو 170 ألف فدان، ويتم تنفيذه على 3 مراحل؛ المرحلة الأولى منه على مساحة تقدر بنحو 168 كيلومتراً مربعاً (40 ألف فدان)، ما يعادل نصف مساحة القاهرة تقريباً، التي تبلغ نحو 90 ألف فدان. وعام 2024 بدأ انتقال الوزارات إلى الحي الحكومي تدريجياً، ثم تمّ نقل البرلمان.

مقر «القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية» بالعاصمة الجديدة (هيئة الاستعلامات المصرية)

وقال عضو مجلس الشيوخ المصري السابق، الخبير الاستراتيجي الدكتور عبد المنعم سعيد، إن افتتاح مقر «القيادة الاستراتيجية» للدولة المصرية «يعد تأكيداً لمكانة العاصمة إلى جانب أحداث أخرى». وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن العاصمة الجديدة شهدت خلال الفترة الأخيرة أحداثاً عدة، من بينها استضافة الجماهير لمتابعة مباريات المنتخب بكأس العالم، إلى جانب مؤتمرات وفعاليات عدة جميعها تجسد مكانتها كعاصمة جديدة للبلاد.

وقال إن «مقر (القيادة الاستراتيجية للدولة) يعد بمنزلة إضافة مؤسسة مهيبة، ويعزز مكانة العاصمة كمدينة وامتداد للقاهرة»، متوقعاً أنه «بحلول 2030 سيقطن العاصمة نحو مليون نسمة، لا سيما مع إنشاء عدة تجمعات سكنية، وعمل وسائل انتقالات للعاصمة».

ووفق «مجلس الوزراء»، فإن «إنشاء عواصم جديدة لا يهدف فقط إلى نقل مقار الحكم، بل يمتد ليشمل معالجة مشكلات الازدحام، وتحقيق التنمية المتوازنة، وتعزيز الأمن، وتجسيد رؤى سياسية واقتصادية جديدة».

وأشار «المجلس» إلى أن «مشروع العاصمة جاء استجابة للتحديات المتزايدة في القاهرة، وعلى رأسها الازدحام والتلوث والضغط السكاني، مع السعي إلى نقل جزء كبير من الوظائف الحكومية إلى مدينة جديدة مخططة بعناية».


مصر تؤكد أهمية حشد الدعم الدولي للسلطة الفلسطينية خلال مؤتمر «المانحين»

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
TT

مصر تؤكد أهمية حشد الدعم الدولي للسلطة الفلسطينية خلال مؤتمر «المانحين»

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)

بحثت القاهرة ورام الله، السبت، التحضيرات الجارية بشأن حشد الدعم الدولي للسلطة الفلسطينية خلال عقد مؤتمر «المانحين الدوليِّين» الأسبوع المقبل.

تلك المشاورات التي تزامنت مع محادثات مصرية - أوروبية تهدف إلى «خلق دعم دولي يساند السلطة الفلسطينية ليس فقط على مستوى التمويل، ولكن في ترسيخ وجود فلسطين دولةً مستقلةً مستقبليةً، رغم التصعيد الإسرائيلي المستمر»، بحسب عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير محمد حجازي في حديث لـ«الشرق الأوسط».

وأفادت وزارة الخارجية المصرية، السبت، بأنَّه جرى اتصال هاتفي بين وزير الخارجية بدر عبد العاطي، ورئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى، وتبادل الجانبان الرؤى بشأن تطورات الأوضاع في قطاع غزة. كما تناول الاتصال التحضيرات الجارية لمؤتمر الدول المانحة المقرَّر عقده في بروكسل خلال يوليو (تموز) الحالي.

وأكد عبد العاطي «دعم مصر الكامل للحكومة الفلسطينية، وأهمية حشد الدعم المالي الدولي للسلطة الوطنية الفلسطينية بما يُمكِّنها من الوفاء بمسؤولياتها، وتقديم الخدمات الأساسية للشعب الفلسطيني ويسهم في تعزيز صموده، ودعم الاستقرار في الأراضي الفلسطينية».

ويرى حجازي أن «التحضيرات لاجتماع بروكسل الخاص بحشد الدعم الدولي للسلطة الفلسطينية تأتي في لحظة مفصلية من تطورات الشرق الأوسط، حيث تتداخل مسارات وقف إطلاق النار في غزة، والجهود الأميركية لإطلاق ترتيبات أمنية وإقليمية جديدة، والمساعي العربية لإعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية بوصفها المدخل الحقيقي لاستقرار المنطقة».

ويؤكد أن اختزال مؤتمر المانحين في كونه مناسبةً لتوفير مساعدات مالية للسلطة الفلسطينية يفقده كثيراً من دلالاته الاستراتيجية، لافتاً إلى أنَّ أهمية مؤتمر بروكسل تتجاوز حدود التمويل، ليصبح المؤتمر رسالةً سياسيةً واضحةً بأنَّ المجتمع الدولي ما زال يرى في السلطة الفلسطينية المؤسسة الشرعية القادرة على إدارة الأراضي الفلسطينية، بخلاف رسالة موازية إلى إسرائيل، بأن إضعاف السلطة الفلسطينية لم يعد خياراً مقبولاً.

وقبل نحو أسبوع، تحدَّث المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي في القدس، شادي عثمان، لإذاعة «صوت فلسطين» عن بدء التحضيرات لعقد مؤتمر المانحين الدوليِّين في 12 يوليو الحالي؛ بهدف حشد الدعم لحلّ الدولتين، والمساندةِ الماليّةِ للسلطة الوطنية.

وجاءت تلك التصريحات غداة زيارة أجرتها المفوضة الأوروبية لشؤون المتوسط، دوبرافكا سويتشا، إلى مدينة رام الله، وذلك في إطار جولة إقليمية لبحث الشراكة الأوروبية - الفلسطينية، والأوضاع الراهنة في قطاع غزة والضفة الغربية.

فتاة تستريح على حبل يثبت خيمة في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين بمنطقة نهر البارد بخان يونس (أ.ف.ب)

وشدَّد رئيس الوزراء الفلسطيني وقتها لسويتشا على أنَّ «الحصار المالي والاقتصادي، يُشكِّل تهديداً خطيراً لقدرة المؤسسات الفلسطينية على الاستمرار، حيث تواصل إسرائيل حجز عائدات الضرائب الفلسطينية بصورة غير قانونية، لتصل قيمتها إلى نحو 6 مليارات دولار، إضافة إلى تجميد نحو 5 مليارات دولار أخرى من أموال البنوك الفلسطينية يرفض البنك المركزي الإسرائيلي استلامها، ما يكلِّف الاقتصاد الفلسطيني خسارةً تصل إلى 11 مليار دولار سنوياً».

وكانت القضية الفلسطينية حاضرةً على مائدة مشاورات سياسية بين وزير الخارجية المصري والمفوضة الأوروبية للمتوسط، دوبرافكا سويتشا، وفق بيان لـ«الخارجية المصرية»، السبت.

وأكد عبد العاطي «أهمية إعادة تركيز الجهود الدولية على القضية الفلسطينية، بما يهيئ الظروف لاستكمال التنفيذ الكامل لاستحقاقات المرحلة الأولى من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للسلام - التي بدأت في أكتوبر (تشرين الأول) 2023 - والانتقال إلى المرحلة الثانية».

في حين يرى حجازي أنَّ التَّحرُّكات المصرية والأوروبية تؤكد أنَّ دعم السلطة الفلسطينية أصبح جزءاً من معادلة إعادة بناء الإقليم، وليس مجرد استجابة لأزمة مالية، باعتبار أنه لا يمكن الحديث عن شرق أوسط أكثر استقراراً بينما تنهار المؤسسات الفلسطينية، ولا يمكن بناء تحالفات اقتصادية وأمنية طويلة الأجل بينما يظل قطاع غزة مُدمَّراً.

ويبرز الدور المصري بوصفه الأكثر اتساقاً مع متطلبات المرحلة، فمنذ اندلاع الحرب، رفضت القاهرة الفصل بين المسار الإنساني والمسار السياسي. وأكدت أنَّ وقف إطلاق النار يجب أن يقترن بخطة لإعادة الإعمار، وتمكين السلطة الفلسطينية، والحفاظ على وحدة الضفة الغربية وقطاع غزة، ورفض التهجير، وإطلاق عملية سياسية جادة تنتهي بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، واليوم تتحرَّك مصر في الاتجاه ذاته، من خلال دعم مؤتمر بروكسل بوصفه خطوةً تأسيسيةً، تمهِّد لمؤتمر دولي أكبر لإعادة إعمار غزة فور تثبيت وقف إطلاق النار. وفق حجازي.

وشدَّد عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية» على أنَّ التحدي الحقيقي لا يكمن في جمع مليارات الدولارات، وإنما في بناء إرادة دولية تحوِّل هذه الموارد إلى فرصة تاريخية لإعادة إطلاق المشروع الوطني الفلسطيني، وإحياء حل الدولتين، وإعادة دمج القضية الفلسطينية في صلب ترتيبات الأمن الإقليمي الجديدة.

وأوضح أنَّ المؤتمر المقبل إما أن يكون بداية انتقال من «إدارة الصراع» إلى «بناء السلام»، ومن «الإغاثة المؤقتة» إلى «التنمية المستدامة»، ومن ردود الفعل إلى رؤية استراتيجية متكاملة، وإما أن يظلَّ مجرد محطة مالية عابرة في مسلسل الأزمات المتكررة.


ليبيا: المبادرة الأميركية تصطدم برفض قوى عسكرية في مصراتة

وقفة لعدد من أعضاء المجلس العسكري لمصراتة في غرب ليبيا الجمعة (لقطة من تسجيل مصور)
وقفة لعدد من أعضاء المجلس العسكري لمصراتة في غرب ليبيا الجمعة (لقطة من تسجيل مصور)
TT

ليبيا: المبادرة الأميركية تصطدم برفض قوى عسكرية في مصراتة

وقفة لعدد من أعضاء المجلس العسكري لمصراتة في غرب ليبيا الجمعة (لقطة من تسجيل مصور)
وقفة لعدد من أعضاء المجلس العسكري لمصراتة في غرب ليبيا الجمعة (لقطة من تسجيل مصور)

اصطدمت المساعي الأميركية الرامية إلى تحريك الجمود السياسي في ليبيا برفض علني من قوى عسكرية نافذة في مدينة مصراتة، في اعتراض عسكري منظم على المبادرة التي يقودها مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، والهادفة إلى إعادة ترتيب السلطة التنفيذية وتوحيد المؤسسات المنقسمة.

ويحمل موقف مصراتة ثقلاً خاصاً، بالنظر إلى كونها أحد أبرز مراكز النفوذ العسكري والسياسي في غرب ليبيا، فضلاً عن أنها مسقط رأس رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، وتمثل منذ عام 2011 أحد أهم موازين القوى في المشهد الليبي، مستندة إلى تشكيلات مسلحة مؤثرة، وسيطرتها على مرافق اقتصادية واستراتيجية، بينها الميناء والمنطقة الحرة والمطار.

مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية مسعد بولس (أ.ف.ب)

وأعلن المجلس العسكري في مصراتة رفضه القاطع للمبادرة الأميركية وللأسماء المتداولة في إطارها، كما رفض زيارة مرتقبة لبولس إلى المدينة، مؤكداً أنه «لن يرضى إلا بمحاسبة من ارتكبوا جرائم بحق الشعب الليبي»، في إشارة فيما يبدو إلى الحرب التي شنها الجيش الوطني، بقيادة المشير خليفة حفتر، على طرابلس (2019-2020).

ويأتي هذا الموقف في وقت تثير فيه المبادرة الأميركية جدلاً واسعاً بين الأوساط السياسية الليبية؛ إذ تستهدف، وفق ما يُتداول في البلاد، تشكيل سلطة تنفيذية موحدة، وإنهاء الانقسام المؤسسي. وتشير التسريبات إلى مقترح يقضي بتولي صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي خلفاً لمحمد المنفي، مقابل استمرار الدبيبة على رأس حكومة موحدة، وهو ما أثار اعتراضات من أطراف ترى أن أي تسوية ينبغي أن تقود مباشرة إلى انتخابات عامة.

ورأى الناشط السياسي، سليمان البيوضي، أن التحركات السياسية والعسكرية في مصراتة تشهد تصاعداً متسارعاً، معتبراً أن رئيس الحكومة «لم يعد يملك الحلفاء القادرين على الدفاع عن أي صفقة سياسية داخل المدينة»، وأن القوى الفاعلة في غرب البلاد تعيد رسم تحالفاتها من خلال لقاءات ومصالحات غير معلنة.

وأضاف البيوضي أن فرص تطبيق مبادرة بولس تبدو محدودة في ظل موازين القوى الحالية، محذراً من أن أي زيارة إلى مصراتة من دون تفاهمات مسبقة قد تفضي إلى توترات يصعب احتواء تداعياتها، وفق منشور عبر حسابه بموقع «فيسبوك».

الدبيبة مع رئيس الوزراء القطري في الدوحة (حكومة الوحدة)

وفي خضم هذه التفاعلات، لم يصدر أي تعليق من الدبيبة أو حكومته بشأن الجدل الدائر، في حين واصل الدبيبة تحركاته الخارجية بإجراء زيارة إلى قطر، لتكون ثاني محطة خليجية له بعد زيارته الأخيرة إلى الإمارات، في إطار مساعٍ لتعزيز علاقات حكومته مع دول الخليج، واستقطاب مزيد من الاستثمارات.

وقال الدبيبة إنه بحث، السبت، في الدوحة مع رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، سبل تعزيز العلاقات الثنائية، وتوسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري، وتشجيع الاستثمارات القطرية في ليبيا، إلى جانب مناقشة آليات تطوير الشراكة بين البلدين في عدد من القطاعات ذات الأولوية، مبرزاً أن المحادثات تناولت أيضاً تطورات الأوضاع السياسية والأمنية في ليبيا، والجهود المبذولة لدعم المسار السياسي، فضلاً عن التعاون في قطاع النقل الجوي، بالتزامن مع اقتراب افتتاح مطار طرابلس الدولي.

ونقلت وكالة الأنباء القطرية عن رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري تجديد موقف الدوحة الثابت الداعم لوحدة ليبيا وسيادتها، وتحقيق تطلعات شعبها نحو الاستقرار والتنمية، مؤكداً دعم بلاده الكامل للمسار السياسي الليبي، وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وكل الحلول السلمية التي تصون سيادة ليبيا وتحافظ على وحدتها.

وفي موازاة السجال السياسي، برزت مؤشرات على استمرار مساعي توحيد المؤسسة العسكرية؛ إذ أكد رئيس أركان القوات التابعة للقيادة العامة في شرق ليبيا، الفريق خالد حفتر، أهمية مواصلة العمل على توحيد المؤسسة العسكرية، ورفع مستوى التأهيل والتدريب لمنتسبيها، إلى جانب تسوية الأوضاع المالية للعسكريين النظاميين في المنطقة الغربية، وضمان استفادتهم من منظومة التأمين الصحي.

رئيسا أركان شرق وغرب ليبيا مع قائد «أفريكوم» الجمعة (الجيش الوطني)

وجاءت تصريحات حفتر خلال لقائه قائد القيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، داغفين أندرسون، على هامش مؤتمر رؤساء الأركان الأفارقة في العاصمة الأنغولية لواندا، الجمعة، بحضور رئيس أركان المنطقة الغربية، صلاح النمروش، حيث أشاد بالدور الأميركي في دعم جهود مكافحة الإرهاب، والدفع نحو توحيد المؤسسة العسكرية الليبية.

وفي مؤشر على استمرار التنسيق العسكري بين الشرق والغرب رغم الخلافات السياسية، أفادت وسائل إعلام محلية بأن رئيسَي أركان القوات في المنطقتين الشرقية والغربية يعتزمان عقد اجتماع في مدينة سرت الأسبوع المقبل، لبحث الخطوات التنفيذية الخاصة بتوحيد المؤسسة العسكرية، وتشكيل غرفة أمنية وعسكرية مشتركة، في وقت تبدو فيه المبادرة الأميركية أمام اختبار صعب مع اتساع دائرة التحفظات داخل أحد أبرز معاقل النفوذ العسكري في غرب البلاد.

وتعيش البلاد في ظل انقسام حكومي وعسكري بين حكومتين؛ إحداهما «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة الدبيبة، وأخرى مكلفة من البرلمان وتسيطر على شرق وأجزاء واسعة من جنوب البلاد برئاسة أسامة حماد، وهي مدعومة من «الجيش الوطني».