لين رامزي وجنيفر لورنس: الأمومة تحت الضغط

دراما نفسية عن العزلة الداخلية وتآكل الطموح وانهيار التوازن بعد الإنجاب

العزلة لا تأتي من المكان وإنما من انقطاع التواصل (فيسبوك)
العزلة لا تأتي من المكان وإنما من انقطاع التواصل (فيسبوك)
TT

لين رامزي وجنيفر لورنس: الأمومة تحت الضغط

العزلة لا تأتي من المكان وإنما من انقطاع التواصل (فيسبوك)
العزلة لا تأتي من المكان وإنما من انقطاع التواصل (فيسبوك)

فيلم «Die My Love» للمخرجة الاسكوتلندية لين رامزي من بين أكثر الأعمال التي اقتربت من تجربة ما بعد الولادة من دون تلطيفها أو تحويلها إلى «درس». الفيلم، المقتبس من رواية الأرجنتينية أريانا هارفيتش (2012)، يُتابع «غريس» (جنيفر لورنس)، كاتبة وأمّاً شابة تنتقل إلى ريف مونتانا، لتدخل في دوامة اضطراب نفسي حادّ بعد الولادة يضغط على علاقتها بزوجها «جاكسون» (روبرت باتينسون) وعلى قدرتها على الإمساك بخيط الواقع.

أداءٌ يرفض التجميل ويواجه الشاشة بحدّته (فيسبوك)

منذ اللقطات الأولى، يرفض الفيلم الصورة النمطية للأمومة على أنها «اكتمال» تلقائي أو انتقال سلس إلى دور جديد. رامزي تضع الأمومة في قلب السؤال بعد إخراجها من موقع الإجابة. «غريس» ليست أمّاً سيئة، ولا تُقدَّم أيضاً على أنها أمّ مثالية تُكافَأ على صبرها. هي إنسانة تنكمش حياتها فجأة داخل مساحة ضيّقة يُمثّلها البيت والطفل والروتين وتكرار الزمن. وسط هذا الضيق، تتشكَّل الطبقة الأولى التي يبني عليها الفيلم اختلال المنطق. فالأمومة لا تأتي دائماً مع «فيض معنى»، وقد تأتي أحياناً مع فقدان تدريجي لمعنى الذات.

في هذا المناخ يتقدَّم موضوع فقدان الطموح بطريقة غير مباشرة. «غريس» كاتبة، لكنّ الكتابة لا تظهر على أنها منجز أو خلاص. هي هوية سابقة تتآكل تحت ضغط اليومي، فيتسرَّب الطموح عبر الانقطاع والتشتُّت والعجز عن البدء، ثم الشعور بالذنب لأنّ العجز نفسه يُقرأ اجتماعياً على أنه ضعف أو تدلُّل. لا يرفع الفيلم شعاراً حول «تحطيم أحلام النساء»، لكنه يجعل المُشاهد يرى كيف يمكن للأحلام أن تُطمَر تحت مسؤوليات تبدو عادية في ظاهرها.

رغبةٌ لا تجد اسمها فتتحوّل إلى غضب (فيسبوك)

أما العزلة الداخلية، فهي الثيمة الأكثر ثباتاً. ريف مونتانا سياق يُضاعف الإحساس بالانفصال. الاتّساع لا يمنح حرّية بقدر ما يُعرّي الفراغ. كلّ شيء بعيد. الناس والمدينة والإيقاع السابق للحياة. وحين يتقلَّص التواصل داخل البيت، تتحوَّل العزلة إلى شيء جسدي يُلمَح في طريقة الحركة داخل الغرف، وفي نظرات لا تجد مَن تستقر عنده، وصمت أطول من أن يُحتمل.

رامزي تدفع الفيلم نحو خبرة أقرب إلى تيار الوعي. فالصورة مضطربة والإيقاع يتقدَّم ثم ينسحب، والمَشاهد تخرج من داخل الرأس وليس من ترتيب الأحداث. هذا الاختيار يضع المُشاهد داخل حالة «غريس» ويمنحه إحساساً بـ«الفوضى» أو «الهذيان» أسلوبياً.

في قلب هذه المعالجة يقف أداء جنيفر لورنس. إنه مادة الفيلم ووزنه. لورنس تُقدّم شخصية لا تحاول كسب التعاطف عبر أدوات مألوفة. أداؤها حادّ وجسدي ومفتوح على انفعالات غير «مُهذَّبة». تتحرّك «غريس» كأنها مُحاصَرة داخل جلدها، فتتصاعد الرغبة ثم تنقلب إلى غضب، ويطلّ الحنان سريعاً ثم يختنق، وتظهر الضحكة في غير مكانها، ويأتي الانهيار كأنه نتيجة طبيعية لزمن طويل من التماسك القسري. لذا يمكن ربط قوة الفيلم مباشرة بهذه «الخشونة» التي تمنح لورنس أحد أكثر أدوارها اندفاعاً ووضوحاً.

جسدٌ يحمل أمومةً أثقل من الاحتمال (فيسبوك)

في المقابل، يلعب روبرت باتينسون دور الزوج الذي يبدو شريكاً مُحرَجاً أكثر من كونه خصماً. شخصية «جاكسون» نموذج لعجز شائع. هو ليس صورة كاريكاتورية للرجل غير المتعاطف. يريد أن يُساعد ولا يملك أدوات الفهم أو اللغة المناسبة. يتعامل مع الانهيار كما لو أنه أزمة عابرة يمكن تدبيرها بالهدوء والعمل وتغيير المزاج. هذا الفارق في «لغة الألم» يُحوّل العلاقة إلى صراع يومي، في وسطه تقف «غريس» التي لا تطلب سوى الاعتراف بما تعيشه، بينما يواجه «جاكسون» شيئاً يُخيفه لأنه لا يمكن ضبطه.

يتناول الفيلم الاكتئاب أو الذهان على أنه تجربة تحفر في الهوية. الأمومة ليست جائزة أو عقوبة. هي تحوُّل يفضح استحالة التوازن. وفقدان الطموح أثر جانبي لعالم يضغط على المرأة كي تُنجب وتُحسن الأداء في الوقت نفسه. والعزلة حالة نفسية تتفاقم حتى داخل أقرب العلاقات.

بيت واسع يتحوّل إلى مساحة ضيّقة على الذات (فيسبوك)

بهذه العناصر، ينجح فيلم لين رامزي في الابتعاد عن الكتابة المُستهلكة حول «معاناة الأم الجديدة»، لأنه لا يختصرها في مَشاهد دموع أو في لحظة شفاء نهائية، فيصبح «Die My Love» فيلماً عن الأمومة كما هي في مناطقها المسكوت عنها. أمومة مُعقّدة ومتناقضة وقادرة على كسر صورة المرأة عن نفسها قبل أن تكسر صورتها أمام الآخرين.


مقالات ذات صلة

جورج ومنير وأمير... ثلاثيّة صنعت الدهشة في فيلم «يونان»

خاص الفنان اللبناني جورج خبّاز بشخصية «منير» في فيلم «يونان» (صور خباز)

جورج ومنير وأمير... ثلاثيّة صنعت الدهشة في فيلم «يونان»

في حوار خاص مع «الشرق الأوسط»، يتحدّث الفنان اللبناني جورج خبّاز عن تجربته الاستثنائية في فيلم «يونان» ونقاط التلاقي بينه وبين البطل «منير».

كريستين حبيب (بيروت)
سينما محمد حمَّاد لـ«الشرق الأوسط»: في «خروج آمن» أطرح قضايا وأسئلة لا أجوبة عليها

محمد حمَّاد لـ«الشرق الأوسط»: في «خروج آمن» أطرح قضايا وأسئلة لا أجوبة عليها

بعد 10 سنوات على تحقيقه فيلمه الأول «أخضر يابس»، يعود المخرج محمد حمَّاد ومنتجته خلود سعد للعمل معاً في فيلم آخر بعنوان «خروج آمن»، عُرض في «مهرجان برلين».

محمد رُضا (لندن)
سينما شاشة الناقد: ثلاث قراءات نقدية لأفلام حديثة

شاشة الناقد: ثلاث قراءات نقدية لأفلام حديثة

مرت 30 سنة على قيام المخرج الراحل (والجيد في تحقيق هذا النوع) وِس كراڤن بابتداع هذه السلسلة، و4 سنوات على آخر حلقة منها في عام 2022 أخرجها مات بتينللي

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

هيروتا يوسوكي: «مدينة المداخن» يرفض الاستسلام لـ«الزمن المتجمد»

قال المخرج الياباني هيروتا يوسوكي إن الفكرة الأساسية لفيلم الرسوم المتحركة «مدينة المداخن... الزمن المتجمّد» لم تنطلق من الرغبة في تقديم مغامرة جديدة.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق حرص صناع الفيلم على حضور العرض العالمي الأول في برلين (إدارة المهرجان)

ريما داس: اخترت سرد «ليس بطلاً» من منظور الأطفال

يقدم الفيلم الهندي «ليس بطلاً» للمخرجة ريما داس عملاً إنسانياً هادئاً يتأمل التحولات الصغيرة التي تصنع فارقاً عميقاً في حياة الأطفال والكبار على حد سواء.

أحمد عدلي (برلين)

اللبنانيون يلجأون إلى الذكاء الاصطناعي لمعرفة نهايات المسلسلات الرمضانية

من مسلسل «مولانا»
من مسلسل «مولانا»
TT

اللبنانيون يلجأون إلى الذكاء الاصطناعي لمعرفة نهايات المسلسلات الرمضانية

من مسلسل «مولانا»
من مسلسل «مولانا»

كان لافتاً ظهور إحدى الناشطات على تطبيق «تيك توك» في أول أيام الشهر الفضيل، تسأل الذكاء الاصطناعي أن يكشف عن اسم ابنة جود (ماغي بو غصن) في مسلسل «بالحرام». سؤال شغل متابعي العمل بعدما أدركوا أن ابنتها التي تعتقد بأنها ميتة، لا تزال على قيد الحياة. فجاءها الجواب بالصوت: «إنها راما». يومها لم تكن هذه الشخصية قد برزت في المسلسل بعد. تساءلت الفتاة أمام متابعيها: «من هي راما؟ سننتظر ونعرف». وبعد عدة حلقات، أطلّت بالفعل شخصية راما التي تؤديها الممثلة الشابة تالين أبو رجيلي.

ويوماً بعد يوم، بات طرح الأسئلة على «تشات جي بي تي» ظاهرة رائجة بين متابعي الأعمال الرمضانية. وشهدت الظاهرة ارتفاعاً ملحوظاً، بعدما راح المشاهدون ينشرون المعلومات التي استقصوها من الذكاء الاصطناعي لكشف أسرار الثلث الأخير من هذه المسلسلات.

مسلسل «بالحرام»

وانهمرت التوقعات من قبل المتابعين لينشروها يومياً عبر «تيك توك» و«إكس»، وغيرهما من التطبيقات الإلكترونية.

وارتبطت التوقعات بأعمال تعرض عبر الشاشات المحلية، فنال مسلسل «بالحرام» القسم الأكبر، ولوحظ أن مسلسلي «مولانا» و«بخمس أرواح» حظيا بتوقعات أقل. في المقابل، بقي مسلسل «المحافظة 15» الأكثر حضوراً في إجابات الذكاء الاصطناعي التي بدت أقرب إلى الواقع. وتضمنت أجوبة حول السرّ الكبير الذي تخبّئه منية (كارين رزق الله) عن حبيبها فؤاد (يورغو شلهوب). ويتبين أن والدها هو من يقف وراء عملية خطفه وسجنه في سوريا لمدة 28 عاماً.

وتوقع الذكاء الاصطناعي أن تكون نهاية «مولانا» مفتوحة. ورأى من ناحية ثانية، أن نهاية «بخمس أرواح» تحمل مفاجأة مهمة مرتبطة بشخصيتي سماهر وشمس.

يتوقع الذكاء الاصطناعي نهاية مفتوحة لمسلسل «مولانا«

آمال خوري، التي تسكن منطقة الحازمية، باتت اتصالاتها يومية مع «تشات جي بي تي». تقول لـ«الشرق الأوسط»: «في خضم الحرب التي نعيشها في لبنان وعالمنا العربي، تأتي مسلسلات رمضان لتشغلنا إلى حدّ ما؛ فهي الباب الوحيد المتاح لنا لننسى، ولو للحظات، ما يدور حولنا. ومع تقدّم حلقات الأعمال الرمضانية وتطور أحداثها ارتفعت وتيرة الإثارة والتشويق فيها، لذلك قررت أن ألجأ إلى الذكاء الاصطناعي كي أستبق تطورات الحلقات الباقية. بعض الأجوبة فاجأتني، وبعضها الآخر جاء باهتاً يشبه الأفكار التي تراودنا».

وتؤكد آمال أن الذكاء الاصطناعي توقّع بالنسبة لمسلسل «بالحرام» موت سارة (إلسا زغيب)، لتنكشف معها كل الأسرار. كما أشار إلى أن شخصية صباح (تقلا شمعون) في العمل عينه، ستشكّل المفاجأة الكبرى في مسلسل «بالحرام»؛ فهي حسب توقعات «تشات جي بي تي» تمتلك سراً مهماً عن جود (ماغي بو غصن) من شأنه أن يقلب أحداث العمل رأساً على عقب.

مسلسل «المحافظة 15» نهاية متوقعة من قبل اللبنانيين

ومع تقدّم عرض حلقات المسلسلات الرمضانية وتجاوزها النصف الأول من الموسم، ازدادت التوقعات بين متابعيها، لتتحول قصصها إلى مادة ترفيهية يتداولها الجيران في جلساتهم الصباحية، أو بعد مواعيد الإفطار.

أما منى كامل، وهي في العقد السادس من عمرها، فتعيش قلقاً كبيراً بفعل الحرب الإيرانية - الأميركية وانعكاساتها المحتملة على لبنان. وتقول: «لا أجد السكينة والهدوء إلا وأنا أشاهد مسلسلات رمضان. أنسى معها همومي ولو لساعات قليلة، وهو ما جعلني في لياليّ الطويلة أخوض محادثات مع الذكاء الاصطناعي، واخترت موضوع المسلسلات الرمضانية ليكون شغلي الشاغل. فأنا شخصياً لا أحب الحروب ولا متابعة أخبارها على شاشات التلفزة». وتتابع لـ«الشرق الأوسط»: «هكذا أدمنت التواصل معه بعد عرض كل حلقة جديدة من 3 مسلسلات أتابعها: (بالحرام) و(المحافظة 15) و(مولانا)».

في مسلسل «بخمس أرواح» التوقعات ترتبط بشخصيتي شمس وسماهر

لجوء الجمهور إلى الذكاء الاصطناعي في متابعة الدراما الرمضانية، يعكس تحوّلاً في طريقة التفاعل مع الأعمال التلفزيونية؛ فالمشاهد لم يعد يكتفي بانتظار الحلقة التالية، بل يسعى لاستباقها وتحليلها ومناقشة احتمالاتها عبر أدوات رقمية حديثة. ومع اتساع حضور تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الحياة اليومية، يبدو أن هذه الظاهرة مرشحة للتنامي أكثر في المواسم الدرامية المقبلة.

وبين فضول معرفة النهاية، ومتعة انتظار المفاجآت التي يخبئها كتّاب الدراما، يبقى المشاهد اللبناني ممسكاً بخيط التشويق حتى الحلقة الأخيرة. وقد تصيب توقعات الذكاء الاصطناعي أو تخطئ، لكن المؤكد أن الحديث عنها بات جزءاً من طقوس متابعة المسلسلات، تماماً كما هي الحال مع جلسات السهر بعد الإفطار وتبادل الآراء حول مصائر أبطالها.


جورج ومنير وأمير... ثلاثيّة صنعت الدهشة في فيلم «يونان»

الفنان اللبناني جورج خبّاز بشخصية «منير» في فيلم «يونان» (صور خباز)
الفنان اللبناني جورج خبّاز بشخصية «منير» في فيلم «يونان» (صور خباز)
TT

جورج ومنير وأمير... ثلاثيّة صنعت الدهشة في فيلم «يونان»

الفنان اللبناني جورج خبّاز بشخصية «منير» في فيلم «يونان» (صور خباز)
الفنان اللبناني جورج خبّاز بشخصية «منير» في فيلم «يونان» (صور خباز)

التقى جورج خبّاز بنَفسه مراراً، وفي كل مرةٍ كان اللقاء مختلفاً عن الذي سبقَه. ارتقى الإنسان والفنان كلما التحمَت الأنا بالأنا. مع كل شخصيةٍ تقمّصها، وكلِ جائزةٍ تسلمَّها، وكل شمعةٍ أطفأها، وكل شعرةٍ بيضاء استقبلها، أدركَ أنّ طريق الروح لا يمكن أن يتّجه إلّا صعوداً.

ليست صدفةً أنّ ذاك الطريق جمعَه بـ«منير نورالدين». «كان منير يَغلي في داخلي حتى قبل أن يعرض عليّ أمير فيلم (يونان)»، يخبر الفنان اللبناني «الشرق الأوسط». وكأنّ طاقةَ جورج هي التي اجتذبت منير والفيلم إليه. «كنتُ في اللاوعي حاضراً لتلك الشخصية»، يتابع الممثل والكاتب والمخرج.

دار فيلم «يونان» للكاتب والمُخرج السوري أمير فخر الدين، دورةً كاملة حول الكوكب. من قلبِ برلين إلى سواحل هونغ كونغ، مروراً بمهرجان البحر الأحمر، وليس انتهاءً بصالات السينما اللبنانية التي شغّلت شاشاتها لابنِها المحبوب جورج خبّاز.

ثلاثة عقودٍ من العمل المتواصل أَلِفتْهُ خلالها الخشبة متأرجحاً بين ضحكةٍ ودمعة. أما الشاشة، الكبيرة منها والصغيرة، فاتّسعت لشخصياته الطالعة من الواقع، ولتلك التي نذرت نفسها لإسعاد الناس. لكنّ لمنير وقعاً آخر. كما لو أنّ الشخصية فُصّلت على قياس روح جورج خبّاز.

«في (يونان) حصل نوعٌ من التجلّي. ففي منير كثيرٌ منّي وفيّ كثيرٌ منه»، يبوح الممثل. مَن يراقب جورج خبّاز ويُصغي إليه بتمعّن، يُدرك أنه والقلق الوجوديّ يكادان لا يفترقان. خلف البسمة والبريق والعفويّة، أسئلة مُضنية تشغل الفكر والروح. «نلتقي منير وأنا في غربتنا الإنسانية الداخلية عن الذات والمحيط، وفي تساؤلاتنا المتعلقة بالأمّ والوطن والقِيَم»، يشرح خبّاز.

الكاتب والمخرج أمير فخر الدين متوسطاً الممثلَين جورج خباز ونضال الأشقر في مهرجان برلين 2025 (إنستغرام)

بلغ منير أقصى اليأس والمرارة والتيه الإنساني. حتى أنفاسُه جافته لفَرطِ ما اختنق من العيش. شخصيةٌ ثقيلة ومُثقلة تحزم حقيبةً ومسدّساً، وتغادر مدينة هامبورغ الرمادية إلى جزيرة ألمانية نائية حُبلى بعاصفة. يضرب منير مع الانتحار موعداً لأنّ كل ما سوى ذلك ما عاد يعنيه. مغتربٌ عن وطنه وغريبٌ عن ذاته، يخطّط للنهاية ولا يجرؤ على أن يخطو صوبها.

«نلتقي منير وأنا على أمور كثيرة، لكني على عكسه لا أذهب إلى أقصى السوداوية. ثمة نافذة صغيرة في داخلي أطلُّ من خلالها على الحياة بإيمانٍ وفرح»، يوضح خبّاز.

فاجأ جورج خبّاز جمهوره بانغماسِه في هذه الشخصية الداكنة. لم يفاجئهم أداؤه فهُم يعرفون قدراتِه، لكن «نوع الفيلم هو الذي فاجأهم، حيث لا الصورة ولا الحبكة ولا الأحداث تقليدية. هذا فيلمٌ يتّكل على إحساس المُشاهد وصَبرِه».

ملصق فيلم «يونان» للمخرج والكاتب السوري أمير فخر الدين (إنستغرام)

لا يخفي خبّاز إعجابه الكبير بفِكرِ أمير فخر الدين، وبقلمِه وعدستِه. هو الذي يصف فيلم «يونان» بأنه إحدى أهم الرحلات السينمائية والمغامرات الروحية التي خاضها، يرى في أمير فخر الدين «روحاً عتيقة old soul» رغم سنواته الـ35.

«يوم اتصل بي مطلع 2022 عارضاً عليّ الدور، لم نكن على معرفة سابقة. كان قد شاهدَني في فيلم (أصحاب ولا أعزّ) على (نتفليكس). قال إنه رأى منير في عينيّ»، يسترجع خبّاز انطلاقة «يونان». كانت تلك فرصة ليستكشف أعمال فخر الدين السابقة، على رأسها فيلمه الطويل الأول «الغريب». «ذُهلتُ بلُغَته السينمائية، وعندما قرأت سكريبت (يونان) تضاعفَ الذهول».

بكلّ ما يحمل من أثقالٍ إنسانيّة ووجوديّة، يبقى فيلم «يونان» قصيدةً مصوّرة. مهما طالت، فإنّ مَشاهد الطبيعة مساحةٌ للغوص في النفْس. لا يبتر فخر الدين الصورة، يترك هواء بحر الشمال يعبث بالعشب الأخضر قدر ما يشاء، ثم يدعُ المَدَّ يبتلعُ اليابسة لتغسلَ العاصفةُ الموتَ المتكدّس في صَدر منير.

يكتنز الفيلم بالمشاهد التي تُفرد مساحة للطبيعة والأرض (صور خبّاز)

حالما قرأ نص الفيلم، أدركَ خبّاز أنّ ثمة شاعراً يسكن فخر الدين. «لم أركّز في منير بقَدر ما ركّزت في أمير»، يقول. فالأوّل منبثقٌ عن الثاني وكان على الممثل أن يفهمَ الأصل. وقد انعكست رحلة الاستكشاف تلك تناغماً بين الممثل والمخرج صبّ في مصلحة الفيلم.

منذ عرضه العالمي الأول في مهرجان برلين السينمائي مطلع 2025، و«يونان» يحصد الترشيحات والجوائز. على متن تلك الرحلة، أيقنَ جورج خبّاز أنّ المحتوى الكَونيّ الذي يقدّمه الفنان، والذي يلامس الروح البشريّة أينما حلّت، هو أهمّ من الألقاب والعناوين المضخّمة بعبارة «العالميّة».

هذا البُعد الكَونيّ لم يتحقّق بفَضل مجموعة الممثلين العالميين، ولا اللغة الألمانية التي تعلّمها جورج خبّاز خصيصاً من أجل الدور، بل بفَضل قصة منير والتي يتماهى معها أي شخصٍ اختبر الغربة عن محيطه، وعن البشر وعن ذاته. تتحقّق الكَونيّةُ كذلك بصورة الأرض العارية، البليدة، التي تراقب أبناءها يفنون وهي راسخة وتتجدّد بعد كل عاصفة.

في مشهد القتال، وهو الأصعب وفق جورج خبّاز، التحمَ منير بتلك الأرض. قطفَ بعضاً من أسرارها. وكأنّ الجزيرة النائية التي قاومت الغرَق علّمته أن يتمسّك بخشبة الخلاص بدل الاستسلام للموج العاتي. بصقَ الحوت «يونان»، قائلاً له: «اذهب يا منير، خَيالُك خلّصَكَ».

للمتلقّي حريةُ الحُكم على قصة منير، أكان تعاطفاً أو استغراباً أو تماهياً. أما مَن ما زالوا يؤمنون بأنّ حبل الإنقاذ قد يمتدّ على هيئة يدٍ بشريّة، فلا بدّ أن يتأثّروا بشخصية «فاليسكا» (الممثلة الألمانية هانا شيغولا). صاحبة الفندق، حيث قرر منير إنهاء حياته، التي منعت عنه الغرق، بأسلوبها البارد والمحايد.

عن تلك الشخصية يقول خبّاز إنها جسّدت الأصالة والصدق في التعاطي مع النزيل اليائس. «إنسانية فاليسكا طبيعية وغير مدّعية». ويضيف: «الجميل في (يونان) أنه لا يتلاعب بعواطف المُشاهد ولا يُرغمه على الانجراف إلى أي مكان أو موقف؛ بل إن الجمهور يختار الذهاب حيثما يشاء من البداية حتى النهاية المفتوحة».

خبّاز والممثلة الألمانية هانا شيغولا شريكة القصة والبطولة (صور خباز)

أما الآن وقد مضى كلٌّ من منير وجورج وأمير في طريقه، بقيَ خيطٌ خفيّ يجمع بين هؤلاء الثلاثة. هو الخيطُ ذاتُه الذي سحبَه بعضهم باتّجاه بعض، ليصنعوا فيلماً «يُشاهَد بالروح».


«الخلود المسروق»... وثائقي يرصد كيفية نهب آثار مصر

بعض الآثار المصرية تم استردادها وفق اتفاقات دولية (وزارة السياحة والآثار)
بعض الآثار المصرية تم استردادها وفق اتفاقات دولية (وزارة السياحة والآثار)
TT

«الخلود المسروق»... وثائقي يرصد كيفية نهب آثار مصر

بعض الآثار المصرية تم استردادها وفق اتفاقات دولية (وزارة السياحة والآثار)
بعض الآثار المصرية تم استردادها وفق اتفاقات دولية (وزارة السياحة والآثار)

تحت عنوان «الخلود المسروق» جاء الفيلم الوثائقي المصري الذي شارك فيه عدد من خبراء الآثار والمسؤولين السابقين، ليرصد تاريخ تهريب الآثار المصرية، والقوانين التي نظَّمت هذه التجارة في السابق، حتى صدور قانون حماية الآثار 117 لسنة 1983.

الفيلم الذي أصدرته مؤسسة «الدستور»، ويتناول قصة نهب الآثار المصرية، أعدَّته هايدي حمدي، وشارك فيه خبراء ومتخصصون بشهادات متعددة أشارت إلى العدد الكبير من القطع الأثرية التي خرجت من مصر عبر العصور، ربما منذ عصر الرومان، والاتفاقات والقوانين التي كانت تنظِّم عملية تقاسم الآثار بين الحكومة المصرية والبعثات الاستكشافية.

وشارك في الفيلم الدكتور محمد عبد المقصود الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار، والدكتور عبد الرحيم ريحان عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، والدكتور أحمد مصطفى عثمان مدير إدارة الآثار المستردة سابقاً، والخبير الآثاري أحمد عامر مفتش آثار في المجلس الأعلى للآثار.

ويؤكد مشاركون في الفيلم، ومن بينهم أحمد عامر، أن عدد القطع الأثرية التي خرجت من مصر يصل إلى مليون قطعة أثرية، خصوصاً أن هذه المسألة كانت مقننة، وكان مَن يشتري قطعةً أثريةً يذهب للمتحف المصري ويحصل على صك ملكية للقطعة ويسافر بها للخارج، وفق القانون الذي صدر في عهد الملك فاروق عام 1951. ومن أشهر القطع الأثرية التي أشار لها الفيلم والموجودة في المتاحف الخارجية، تمثال رأس نفرتيتي الموجود في ألمانيا، وحجر رشيد الموجود في المتحف البريطاني، ولوحة زودياك معبد دندرة الموجودة في متحف اللوفر بباريس.

ويلفت المشاركون في الفيلم إلى التاريخ الطويل الذي تعرَّضت فيه الآثار المصرية للسرقة والنهب والتهريب، بطرق قانونية وأخرى غير قانونية مع التركيز على الحقب الاستعمارية، خصوصاً الحملة الفرنسية التي أخرجت كثيراً من القطع الأثرية من مصر، سواء إلى باريس أو إلى لندن بعد هزيمة الفرنسيين أمام البريطانيين في الإسكندرية في بدايات القرن الـ19.

رأس نفرتيتي من الآثار المصرية في الخارج (أ.ف.ب)

وخلال عام 2007 تمَّ تشكيل «اللجنة القومية لاسترداد القطع الأثرية»، وأعلن مسؤولون مصريون استرداد نحو 30 ألف قطعة أثرية من الخارج منذ عام 2014 وحتى العام الماضي، ومن بين القطع التي تم استردادها في أغسطس (آب) عام 2025 عدد 13 قطعة أثرية كانت قد وصلت من المملكة المتحدة وألمانيا، بالتنسيق مع وزارة الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج.

من جانبه، لفت خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، وأحد المشاركين في الفيلم، إلى أسباب نهب الآثار المصرية عبر العصور، ومنها غياب الوعي بأهمية ما تحمله مصر من تاريخ وحضارة يتمثلان في الآثار المصرية بكل حقبها، وهوس الغرب بالآثار المصرية.

وأوضح ريحان أن المسؤولين عن حماية الآثار المصرية كانوا من الأجانب، خصوصاً الفرنسيين، فقد ظلت مصلحة الآثار لنحو 100 عام تقريباً تحت رئاسة علماء فرنسيين، وأصبحت مصلحة الآثار هيئةً حكوميةً مصريةً خالصةً في عام 1956، بعد جلاء قوات الاحتلال البريطاني نهائياً.

حجر رشيد في المتحف البريطاني (حملة الدفاع عن الحضارة المصرية)

واقترح الخبير الآثاري بعض الحلول لوقف عمليات التهريب والعمل على إعادة الآثار المصرية التي تزيِّن متاحف وميادين أوروبا وأميركا، وهي تعديل بعض نصوص المواد التي تقف عقبةً أمام إعادة آثارنا من الخارج في قانون حماية الآثار رقم 117 لسنة 1983 مثل المادة 8 ونصها «تعتبر جميع الآثار من الأموال العامة - عدا الأملاك الخاصة والأوقاف - حتى لو وُجدت خارج مصر وكان خروجها بطرق غير مشروعة»، والتي يجب تعديلها من خلال استبدال عبارة «وكان خروجها بطرق غير مشروعة » لتحل محلها «بصرف النظر عن طريقة خروجها» وبهذا تكون كل الآثار المصرية خارج مصر من الأموال العامة المصرية، وينطبق عليها ما ينطبق على الآثار المصرية.

وكانت أكثر من حملة أطلقها آثاريون من قبل لاسترداد الآثار المصرية المهربة، خصوصاً رأس نفرتيتي وحجر رشيد ولوحة زودياك، في حين تؤكد وزارة السياحة والآثار، في أكثر من بيان، على متابعة كثير من المزادات وقاعات العرض وتتبع القطع الأثرية في الخارج والعمل على استعادتها بالطرق القانونية والدبلوماسية.

ومن القطع المستردة في الفترة الأخيرة رأس تمثال حجري من عصر تحتمس الثالث قبل 3500 سنة، وكان قد خرج من البلاد بطريقة غير شرعية، واستردته مصر من هولندا، بعد رصده في أحد المعارض للفنون الجميلة، كما استردت مصر 20 قطعة أثرية من أستراليا خلال الفترة الماضية.