ماذا تنتظر تركيا من عملية الجيش السوري ضد «قسد» في حلب؟

بين تأكيد استعدادها للدعم ومخاوفها من الأثر السلبي على السلام الداخلي

دخان كثيف يتصاعد من مناطق الاشتباكات بين القوات السورية و«قسد» في حلب (أ.ف.ب)
دخان كثيف يتصاعد من مناطق الاشتباكات بين القوات السورية و«قسد» في حلب (أ.ف.ب)
TT

ماذا تنتظر تركيا من عملية الجيش السوري ضد «قسد» في حلب؟

دخان كثيف يتصاعد من مناطق الاشتباكات بين القوات السورية و«قسد» في حلب (أ.ف.ب)
دخان كثيف يتصاعد من مناطق الاشتباكات بين القوات السورية و«قسد» في حلب (أ.ف.ب)

أكّدت تركيا عدم تدخلها المباشر في عملية الجيش السوري ضد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) في حلب، واستعدادها لتقديم أي دعم إذا طلبت دمشق ذلك، لكنها كشفت في الوقت ذاته عن توقعات وأهداف تنتظرها من هذه العملية.

وقال وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، إن بلاده لن تقبل قطعاً بقيام «دولة موازية» في حلب، وأكد أنه يتعين على «قسد» اتخاذ خطوات بشأن 3 قضايا تتعلق بالمحافظة الواقعة في شمال سوريا، لخّصها في «الانسحاب من حيي الشيخ مقصود والأشرفية، وتطهيرهما من الأسلحة الثقيلة، وتهيئة بيئة تمكّن الحكومة السورية من أداء واجباتها ومسؤولياتها في جميع أنحاء المدينة، بما يضمن عودة الحياة إلى طبيعتها».

بين إسرائيل و«قسد»

وشدد فيدان، الذي تحدث الخميس عن التطورات في حلب خلال مؤتمر صحافي مع نظيره العماني بدر بن حمد البوسعيدي، على ضرورة ترك إدارة حلب بأكملها، بما في ذلك الأمن، للحكومة السورية، وأن تدرك «قسد» أن مفهوم وجود إدارتين متوازيتين في مدينة واحدة «أمر غير مقبول»، موضحاً أن «هذا يصب في مصلحة إخواننا الأكراد، والإيزيديين، وجميع إخواننا في حلب».

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (الخارجية التركية)

وفي حين أشاد فيدان بمحادثات الاتفاق الأمني، التي عقدت في باريس، بين دمشق وتل أبيب برعاية واشنطن، وأكد دعم تركيا لها، متمنياً أن تُعزز وحدة سوريا وسيادتها واستقرارها، لفت إلى أن التنسيق بين إسرائيل و«قسد» يتعارض مع هذا الهدف، وأن السبب الرئيسي للتوتر بين «قسد» ودمشق هو سياسات تل أبيب القائمة على عقلية «فرّق تسد» التي لن تخدم أحداً بالمنطقة، كما قال.

وأجرى الرئيس السوري أحمد الشرع، مساء الخميس، اتصالاً هاتفياً مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، جرى خلاله استعراض آخر المستجدات في سوريا، والجهود المبذولة لترسيخ الاستقرار في المنطقة، وفق ما أعلنت الرئاسة السورية.

وشدد الشرع على «الثوابت الوطنية السورية، وفي مقدّمتها بسط سيادة الدولة على كامل أراضيها»، مشيراً إلى أن الأولوية الراهنة تتركز على حماية المدنيين، وتأمين محيط مدينة حلب، وإنهاء المظاهر المسلحة غير القانونية التي تُعرقل مسار إعادة الإعمار.

وأكد إردوغان دعم تركيا للجهود المبذولة لتعزيز الأمن والاستقرار، مع أهمية التنسيق المشترك لمواجهة التحديات والتهديدات المشتركة.

وقال نائب رئيس حزب «العدالة والتنمية الحاكم»، المتحدث باسم الحزب، عمر تشيليك، معلقاً على التطورات في حلب عبر حسابه في «إكس»، إن الوقت قد حان لاتخاذ الخطوات «الصحيحة» في سوريا، مضيفاً أن «مصير ومستقبل جميع إخواننا وأخواتنا في سوريا، من الأكراد والعرب والتركمان، واحد لا يتجزأ».

وأضاف تشيليك أن «السلام الداخلي ووحدة أراضي سوريا هما أمران بالغا الأهمية لتركيا، ومفتاح استراتيجي للسلام الإقليمي، وأن وجود جيشين أو جماعات مسلحة غير حكومية في سوريا لا يخدم إلا مصالح قوى خارجية خبيثة».

وقالت مصادر أمنية تركية، الجمعة، إن المخابرات التركية تُجري محادثات مستمرة مع الحكومة السورية والولايات المتحدة لإنهاء التوتر في حلب بالوسائل السلمية، كما «يجري إيصال الرسائل اللازمة إلى (قسد) عبر القنوات المناسبة».

موقف أميركي

بدوره، قال السفير الأميركي لدى تركيا، المبعوث الخاص إلى سوريا، توم برّاك، إن الولايات المتحدة تُرحب بالهدنة المؤقتة التي جرى التوصل إليها، ليل الخميس/الجمعة، في حيّي الأشرفية والشيخ مقصود بحلب، وتُعرب عن امتنانها العميق لجميع الأطراف (الحكومة السورية، و«قسد»، والسلطات المحلية، وقادة المجتمع) على ضبط النفس وحسن النية اللذين أتاحا هذه الهدنة الحيوية.

وأضاف برّاك، عبر حسابه في «إكس»: «نعمل جاهدين على تمديد هذه الهدنة وروح التفاهم لما بعد الموعد النهائي المُحدد في التاسعة من صباح الجمعة».

وفي تغريدة سابقة، كتبها ليل الخميس/الجمعة، قال برّاك إن الولايات المتحدة تتابع التطورات في الحيين بـ«قلق بالغ»، داعياً جميع الأطراف إلى ضبط النفس لأقصى حد، وإعطاء الأولوية القصوى لحماية أرواح المدنيين وممتلكاتهم.

ولفت إلى أنه على مدى الأشهر الـ13 الماضية، اتخذت سوريا خطوات تاريخية نحو الاستقرار والمصالحة الوطنية وإعادة الإعمار بعد عقود من الصراع المدمر، وأن المحادثات التاريخية التي جرت هذا الأسبوع مع الممثلين الإسرائيليين (محادثات باريس) تُشكّل خطوة حاسمة نحو سلام إقليمي أوسع، وتؤكد التزام سوريا الراسخ بكسر حلقة العنف والمعاناة والقمع التي ابتليت بها البلاد لأكثر من نصف قرن.

وأضاف برّاك: «في الأسبوع الماضي فقط، كنا على وشك إبرام اتفاقية تنفيذ الاندماج بين (قسد) والحكومة السورية، والمعروفة باتفاقية (10 مارس) 2025، التي من شأنها أن تُعزز بشكل كبير التنسيق الأمني ​​والحكم المشترك والوحدة الوطنية... هذا الهدف قابل للتحقيق».

وتابع: «في هذه المرحلة الحرجة، يجب على المنطقة أن تتحد ضد القوى الخارجية الهدّامة ووكلائها الذين يسعون لتقويض التقدم الملحوظ الذي تحقق في العام الماضي، وتدمير الإرث الدائم لمبادرات السلام التي أطلقها الرئيس الأميركي (دونالد ترمب) في الشرق الأوسط... هدفهم زعزعة الاستقرار من جديد، أما هدفنا فهو سلام دائم قائم على الاحترام المتبادل والازدهار المشترك، إن الفصل الجديد في سوريا هو فصل التعاون لا الصراع. وسنحقق ذلك معاً».

مخاوف تركية وقلق كردي

ولا تخفي تركيا قلقها من التأثير السلبي المحتمل للتطورات في حلب على «عملية السلام» الداخلي فيها التي تسميها الحكومة «عملية تركيا خالية من الإرهاب»، التي تتضمن حل حزب «العمال الكردستاني» وإلقاء اسلحته.

وقال وزير الخارجية، هاكان فيدان، إن «هناك مناخاً في تركيا، ورسائل ترد من الجزيرة (جزيرة إيمرالي حيث يقع سجن زعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان)، هناك رسائل مباشرة موجهة إليهم (قسد)، وتعليمات تُعطى، وهناك أيضاً عقلية مقاومة لهذا».

زعيم المعارضة التركية أوزغور أوزيل (حزب «الشعب الجمهوري» - «إكس»)

ورأى زعيم المعارضة التركية رئيس حزب «الشعب الجمهوري»، أوزغور أوزيل، أن على تركيا أن تأخذ زمام المبادرة في القضية السورية، وأن تدعم التفاوض والدبلوماسية وحل المشكلة سلمياً دون صراع أو إراقة دماء.

وقال أوزيل، في مقابلة تلفزيونية ليل الخميس/الجمعة، إن «السلام في سوريا ضروري للجميع، وضروري بشكل خاص لتركيا».

آلاف الأكراد خرجوا في مظاهرة احتجاجية في ديار بكر جنوب شرقي تركيا للمطالبة بوقف العملية العسكرية في حلب (أ.ف.ب)

وأثارت التطورات في حلب القلق لدى أكراد تركيا الذين خرجوا بالآلاف في عدد من المدن التركية، في مقدمها ديار بكر، كبرى مدن جنوب شرقي تركيا ذات الغالبية الكردية، وإسطنبول وغيرها، للمطالبة بوقف العملية التي ينفذها الجيش السوري ضد «قسد» في حلب.

وألقت قوات الأمن التركية القبض على 30 من المحتجين في إسطنبول، وقامت بتفريق المظاهرات بالقوة.

نواب حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» المؤيد للأكراد أثناء وقفة احتجاجية أمام البرلمان التركي (حساب الحزب في «إكس»)

واحتجت الكتلة البرلمانية لحزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، المؤيد للأكراد، أمام البرلمان التركي. وندد النواب باستهداف الأكراد في حلب بوصفه «جريمة ضد الإنسانية»، مطالبين بإنهاء عملية الجيش السوري.

وقال نائب رئيس الكتلة البرلمانية للحزب، سزائي تملي: «إذا التزمتم الصمت حيال هذه القضية، فستستمر المجازر، لا أحد يُشكك في وحدة الأراضي السورية، و(قسد) تدافع فقط عن الحق في الحياة، لكننا نسمع هنا تصريحات من وزراء تُقوّض السلم الاجتماعي، يجب على السياسيين تحمل المسؤولية... لا تصمتوا عن هذه الجريمة ضد الإنسانية».


مقالات ذات صلة

بدء محاكمة وسيم الأسد بتهم «جرائم حرب»

المشرق العربي وسيم الأسد

بدء محاكمة وسيم الأسد بتهم «جرائم حرب»

انطلقت في «محكمة الجنايات الرابعة» بدمشق، الأربعاء، أولى جلسات محاكمة المتهم وسيم الأسد ‏المتورط في جرائم عدة بحق الشعب السوري خلال عهد النظام البائد...

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي شهادة أمام الهيئة القضائية في الجلسة الرابعة لمحاكمة عاطف نجيب الثلاثاء (وزارة العدل السورية)

عاطف نجيب ينكر مجدداً الاتهامات بعد مواجهة مع ضحاياه

عقدت محكمة الجنايات الرابعة المتخصصة بقضايا العدالة الانتقالية بدمشق، الجلسة الرابعة من محاكمة عاطف نجيب، رئيس فرع الأمن السياسي في محافظة درعا.

سعاد جروس (دمشق)
العالم العربي وزيرا الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسوري أسعد الشيباني اجتمعا في الأردن مساء الاثنين (الخارجية المصرية)

لقاءات مصرية - سورية متتالية تدفع مسار التقارب

شهدت الفترة الأخيرة لقاءات مصرية - سورية متتالية، يراها مراقبون «دفعة لمسار التقارب» بين البلدين، خصوصاً بعد حل أزمة البعثة الدبلوماسية السورية في القاهرة.

هشام المياني (القاهرة)
المشرق العربي العميد السابق في الحرس الجمهوري

سوريا: توقيف 3 مسؤولين سابقين بينهم عميد في الحرس الجمهوري

ألقت وحدات وزارة الداخلية في حلب القبض على العميد السابق بالحرس الجمهوري خلال عهد نظام الأسد، المدعو يوسف حبيب، لتورطه بانتهاكات وجرائم جسيمة بحق المدنيين.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي احتجاجات النازحين في مدينة السويداء والمطالبة بالعودة إلى قراهم

«فك ارتباط» و«تنصل» غير معلن لفصائل «الحرس الوطني» في السويداء

تحدثت مصادر في مدينة السويداء عن وجود عمليات «فك ارتباط» غير معلنة من فصائل منضوية تحت مظلة ما يُعرف بـ«الحرس الوطني» بسبب «تدهور الأوضاع العامة وفساد الإدارة».

موفق محمد (دمشق)

محادثة هاتفية بين عراقجي ومسؤول في «حماس» بشأن مفاوضات طهران وواشنطن

عراقجي يُطلع السفراء ورؤساء البعثات الدبلوماسية الأجنبية في طهران على الخطوط العريضة لمذكرة التفاهم مع واشنطن («الخارجية» الإيرانية)
عراقجي يُطلع السفراء ورؤساء البعثات الدبلوماسية الأجنبية في طهران على الخطوط العريضة لمذكرة التفاهم مع واشنطن («الخارجية» الإيرانية)
TT

محادثة هاتفية بين عراقجي ومسؤول في «حماس» بشأن مفاوضات طهران وواشنطن

عراقجي يُطلع السفراء ورؤساء البعثات الدبلوماسية الأجنبية في طهران على الخطوط العريضة لمذكرة التفاهم مع واشنطن («الخارجية» الإيرانية)
عراقجي يُطلع السفراء ورؤساء البعثات الدبلوماسية الأجنبية في طهران على الخطوط العريضة لمذكرة التفاهم مع واشنطن («الخارجية» الإيرانية)

أجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي محادثة هاتفية مع مسؤول رفيع في حركة «حماس» حول المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، وفق ما أفاد التلفزيون الإيراني الرسمي، الأربعاء، في خِضم الجهود الدبلوماسية الرامية إلى إيجاد تسوية نهائية للحرب في الشرق الأوسط.

وأشار التلفزيون الإيراني إلى أن عراقجي ناقش أيضاً «آخِر التطورات» في المنطقة و«فلسطين» مع عضو المكتب السياسي للحركة باسم نعيم.

يأتي هذا الاتصال بعد توقيع إيران والولايات المتحدة مذكرة تفاهم، الأسبوع الماضي، لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ولا يذكر نص المذكرة غزة صراحة، لكنه ينص على «الوقف الفوري والدائم للعمليات العسكرية على كل الجبهات، بما فيها لبنان».

وجعلت إيران من القضية الفلسطينية ركيزة أساسية في سياستها الخارجية منذ الثورة عام 1979.

وأفادت تقارير التلفزيون الإيراني بأن عراقجي «أكد خلال اتصاله دعم الجمهورية الإسلامية الثابت للفلسطينيين وقضيتهم العادلة، حتى تحقيق حقوقهم الوطنية المشروعة بالكامل».

رافق وزير الخارجية الإيراني الرئيس مسعود بيزشكيان، الثلاثاء، خلال زيارة إلى باكستان المجاورة، التي تتوسط في المحادثات بين طهران وواشنطن.


غروسي: تفتيش المنشآت الإيرانية «سيحدث لا محالة»

مدير عام ​الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي (د.ب.أ)
مدير عام ​الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي (د.ب.أ)
TT

غروسي: تفتيش المنشآت الإيرانية «سيحدث لا محالة»

مدير عام ​الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي (د.ب.أ)
مدير عام ​الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي (د.ب.أ)

قال رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، الأربعاء، إن مفتشي الوكالة سيزورون المواقع النووية الإيرانية في إطار الاتفاق المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران، في أقوى إشارة تصدر حتى الآن من الوكالة الأممية إلى أن عمليات التفتيش ستستأنف رغم الجدل القائم بين واشنطن وطهران بشأن نطاقها وتوقيتها.

وتُعد الوكالة الدولية للطاقة الذرية الجهة الرئيسية المكلفة التحقق من وضع البرنامج النووي الإيراني ومخزون اليورانيوم المخصب، وهو ما يجعل موقفها محورياً في تنفيذ التفاهم الذي توصلت إليه الولايات المتحدة وإيران الأسبوع الماضي لإنهاء الحرب وفتح مسار تفاوضي يمتد 60 يوماً.

وقال غروسي خلال مؤتمر صحافي عقده في محطة فوكوشيما داييتشي للطاقة النووية في اليابان إن هناك «مذكرة تفاهم وقعها رئيسا البلدين»، مشيراً إلى أن الاتفاق «ينص صراحة على أن الأنشطة النووية المتعلقة بالمواد والمنشآت النووية ستخضع لإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالكامل».

وأضاف: «من الواضح أننا سنحتاج إلى إجراء عمليات تفتيش. وسواء حدث ذلك بعد غد أو خلال أسبوع أو بعد عشرة أيام، فهذا أمر مهم لكنه ليس جوهرياً. ما أستطيع قوله هو أن ذلك سيحدث».

ووصف غروسي التناقض القائم حالياً بين المواقف الأميركية والإيرانية بشأن عمليات التفتيش بأنه «حرب كلمات»، في إشارة إلى التصريحات المتضاربة التي صدرت الثلاثاء من الجانبين حول ما إذا كانت المواقع النووية الإيرانية ستفتح أبوابها أمام مفتشي الوكالة.

وجاء توصيف غروسي بعد يوم من تباين واضح بين واشنطن وطهران؛ إذ قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن إيران وافقت على عمليات تفتيش «على أعلى مستوى» ولفترة طويلة، بينما قالت الخارجية الإيرانية إن أي تفتيش جديد للمنشآت النووية المتضررة غير مطروح حالياً.

ونقلت وكالة «رويترز»، عن غروسي قوله إن الوكالة ستجري عمليات تفتيش في إيران «بالفعل»، موضحاً أن المناقشات الجارية مع طهران تتركز حالياً على الجوانب التنفيذية للعملية.

وأضاف: «سنعمل قريباً جداً على تحديد الآليات والتفاصيل العملية، بما في ذلك المواعيد والإجراءات والأماكن».

وكانت الولايات المتحدة وإيران قد وقعتا الأسبوع الماضي مذكرة تفاهم من 14 بنداً تضمنت مبادئ عامة لإنهاء الحرب، ومهدت الطريق أمام مفاوضات تمتد 60 يوماً للتوصل إلى تفاهمات أكثر تفصيلاً بشأن القضايا الخلافية، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني وآليات الرقابة الدولية والعقوبات.

وقالت طهران إن المحادثات الفنية التي أعقبت لقاء بورغنستوك انتهت إلى تشكيل أربع مجموعات عمل لتنفيذ تفاهم إسلام آباد، تشمل رفع العقوبات، والملف النووي، وإعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية، والرقابة على التنفيذ، على أن تعمل تحت إشراف اللجنة العليا للمفاوضات.

وتكتسب تصريحات غروسي أهمية خاصة لأن الوكالة الدولية للطاقة الذرية لم تتمكن منذ الحرب الـ12 يوماً بين إيران وإسرائيل في يونيو (حزيران) 2025 من الوصول إلى مواقع التخصيب الرئيسية التي يُعتقد أن إيران تحتفظ فيها بمخزون من اليورانيوم عالي التخصيب.

ومنذ تلك الحرب، سمحت طهران لمفتشي الوكالة بزيارة عدد من المنشآت النووية الأخرى، بينها محطة بوشهر للطاقة النووية، لكنها منعتهم من دخول مواقع التخصيب التي تعتبر الأكثر حساسية في البرنامج النووي.

صورة من القمر الاصطناعي تُظهر حفراً في منشأة «نطنز» لتخصيب اليورانيوم عقب غارات جوية أميركية في يونيو الماضي (رويترز)

وتقول الوكالة إن عدم الوصول إلى تلك المواقع يحول دون التحقق من وضع مخزون اليورانيوم الإيراني أو فحص سلاسل أجهزة الطرد المركزي المستخدمة في عمليات التخصيب.

وتشير تقديرات الوكالة وخبراء منع الانتشار النووي إلى أن إيران تمتلك كمية من اليورانيوم المخصب بدرجات مرتفعة قد تكون كافية نظرياً لإنتاج ما يصل إلى عشرة أسلحة نووية إذا قررت المضي في برنامج عسكري، رغم تأكيد طهران المستمر أن برنامجها النووي مخصص للأغراض السلمية فقط.

كما أن إيران تبقى الدولة الوحيدة غير المالكة لسلاح نووي التي تقوم بتخصيب اليورانيوم حتى مستوى 60 في المائة، وهي نسبة تقل عن مستوى الاستخدام العسكري لكنها تتجاوز بكثير احتياجات البرامج النووية المدنية التقليدية.

وتنص إحدى الركائز الأساسية للاتفاق المؤقت بين واشنطن وطهران على خفض مستوى تخصيب مخزون اليورانيوم الإيراني من المستويات المرتفعة الحالية، وهو ما يجعل عودة المفتشين الدوليين شرطاً عملياً للتحقق من تنفيذ هذا الالتزام.

ورد كاظم غريب آبادي، نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون الدولية والقانونية، على تصريحات غروسي قائلاً إنه لا توجد أي خطة حالياً للسماح بالوصول إلى المنشآت التي تعرضت للهجوم أو إلى المواد النووية.

وقال غريب آبادي الذي يقود فريق الخبراء الإيرانيين في المفاوضات الجارية مع الولايات المتحدة إن محادثات سويسرا لم تشهد أي اجتماع مع غروسي، «رغم طلبه»، مضيفاً أن مسائل الوصول إلى المنشآت المتضررة والمواد النووية لن تُبحث إلا في إطار الاتفاق النهائي، وبعد تنفيذ الطرف المقابل خطوات عملية لإنهاء جميع العقوبات.

وأضاف أن طهران لن تقبل ما وصفه بسياسة «افعلها ثم اجعلها أمراً واقعاً» عبر الضجيج الإعلامي.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، الثلاثاء، إن مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية ليسوا مدعوين حالياً لتفتيش المواقع النووية التي تعرضت للقصف الأميركي والإسرائيلي، نافياً وجود خطط في الوقت الراهن للسماح بمثل هذه الزيارات.

وقد رد ترمب على الموقف الإيراني قائلاً إن طهران «مخطئة» في حديثها عن عدم وجود خطط للسماح لمفتشي الوكالة بتفتيش المواقع النووية المتضررة، مضيفاً أن مفتشي الوكالة سيكونون «على الأرض» في إيران «في الوقت المناسب».

وكان بقائي يرد بذلك على تصريحات أدلى بها نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، الذي قال إن إيران وافقت خلال محادثات سويسرا على السماح بعودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

ويأتي هذا الجدل في وقت بدأت فيه الأطراف تنفيذ أولى بنود الاتفاق المؤقت الذي يقضي بخفض مستوى تخصيب اليورانيوم الإيراني مقابل إعفاءات مرتبطة بالعقوبات على صادرات النفط الإيرانية، مع منح الجانبين مهلة شهرين للتفاوض على اتفاق أشمل.

غير أن الهدنة التي أتاحتها مذكرة التفاهم تعرضت بالفعل لاختبارات مبكرة، مع استمرار التوترات المرتبطة بمضيق هرمز وتجدد أعمال العنف في لبنان بين إسرائيل و«حزب الله»، وإن لم تتطور حتى الآن إلى مواجهة واسعة.

وتزامنت تصريحات غروسي مع جولة إقليمية لوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في الخليج العربي. وبدأ روبيو جولته بزيارة أبوظبي حيث عقد اجتماعاً مغلقاً وغداء عمل مع رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، قبل أن يتوجه إلى الكويت ثم البحرين لإجراء مباحثات مع قادة البلدين حول تنفيذ التفاهم الأميركي - الإيراني وتداعياته الإقليمية.


التفتيش النووي يختبر «تفاهمات سويسرا»

رئيس الوزراء الباكستاني لدى استقباله الرئيس الإيراني في قاعدة نور خان الجوية بروالبندي قرب إسلام آباد أمس (رويترز)
رئيس الوزراء الباكستاني لدى استقباله الرئيس الإيراني في قاعدة نور خان الجوية بروالبندي قرب إسلام آباد أمس (رويترز)
TT

التفتيش النووي يختبر «تفاهمات سويسرا»

رئيس الوزراء الباكستاني لدى استقباله الرئيس الإيراني في قاعدة نور خان الجوية بروالبندي قرب إسلام آباد أمس (رويترز)
رئيس الوزراء الباكستاني لدى استقباله الرئيس الإيراني في قاعدة نور خان الجوية بروالبندي قرب إسلام آباد أمس (رويترز)

واجهت التفاهمات التي توصّل إليها الجانبان الأميركي والإيراني عشية مفاوضات سويسرا أول اختبار جديّ مع بروز خلاف حول التفتيش النووي؛ إذ تقول واشنطن إن طهران وافقت على عودة مفتشي الوكالة الدولية، بينما تؤكد إيران أن تفتيش المنشآت المتضررة غير مطروح حالياً.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن إيران وافقت «بشكل كامل وتام» على عمليات تفتيش «على أعلى مستوى» ولفترة طويلة، وعَدَّ أن ذلك سيضمن «الصدق النووي». وحذَّر من أنه لن تكون هناك مفاوضات إضافية إذا لم توافق طهران. وتابع أن المفتشين سيكونون «على الأرض في الوقت المناسب»، وأن إيران «مخطئة» بشأن عمليات الوكالة.

وتنفي طهران أن تكون التفاهمات قد تطرقت للملف النووي؛ إذ قال المتحدث باسم «الخارجية» الإيرانية إسماعيل بقائي إن طهران لم تعقد اجتماعاً مع رافائيل غروسي، ولا تخطط للسماح بتفتيش المنشآت المتضررة.

وتزامن هذا الخلاف مع اتفاق عُماني إيراني على بحث إدارة مضيق هرمز والخدمات والتكاليف المرتبطة به، في حين قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في أبوظبي إن القانون الدولي يمنع فرض رسوم على الممرات المائية العالمية.

وتوجّه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى إسلام آباد، في زيارةٍ تستهدف متابعة تنفيذ «تفاهم إسلام آباد». ورفض رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف «معايير مزدوجة» بشأن صواريخ إيران الباليستية، مشدداً على عدم طرح الملف في المفاوضات.