كيف يمكن لترمب امتلاك غرينلاند في 4 خطوات «سهلة»؟

ترمب وجزيرة غرينلاند (ناسا)
ترمب وجزيرة غرينلاند (ناسا)
TT

كيف يمكن لترمب امتلاك غرينلاند في 4 خطوات «سهلة»؟

ترمب وجزيرة غرينلاند (ناسا)
ترمب وجزيرة غرينلاند (ناسا)

أعرب الرئيس الأميركي دونالد ترمب في الكثير من المرات عن رغبته في امتلاك جزيرة غرينلاند التي تتبع الدنمارك بالفعل، ومعظم سكانها لا يريدون أن يصبحوا جزءاً من الولايات المتحدة.

وقالت صحيفة «بوليتيكو» إن شن هجوم مفاجئ على عاصمة غرينلاند، نوك، والسيطرة عليها على غرار ما حدث في فنزويلا يبدو أمراً خيالياً- حتى لو كان الهجوم العسكري على كاراكاس قد أحدث صدمة لجميع الأطراف بشأن ما تستطيع الولايات المتحدة فعله - إلا أن هناك مساراً محدداً ويبدو أن ترمب قد قطع شوطاً لا بأس به في هذا المسار.

وأضافت أن ما يثير قلق الأوروبيين، أن هذه الاستراتيجية تشبه إلى حد كبير خطة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين التوسعية.

وتحدثت «بوليتيكو» مع تسعة مسؤولين في الاتحاد الأوروبي، ومطلعين على شؤون حلف «ناتو»، وخبراء دفاع ودبلوماسيين لتوقع كيف يمكن أن تتم عملية سيطرة الولايات المتحدة على هذه الجزيرة القطبية الغنية بالمعادن وذات الأهمية الاستراتيجية.

الرئيس دونالد ترمب (إلى اليسار) ورئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن قبل جلسة عامة لقمة رؤساء دول وحكومات حلف شمال الأطلسي (ناتو) في لاهاي 25 يونيو 2025. وحذرت رئيسة الوزراء الدنماركية من أن أي هجوم أميركي على أحد حلفاء «ناتو» سيكون نهاية «كل شيء» وذلك بعد أن كرر الرئيس الأميركي رغبته في ضم غرينلاند. (أ.ف.ب)

وقال سياسي دنماركي طلب عدم الكشف عن هويته للتحدث بحرية: «قد يكون الأمر مجرد خمس مروحيات... لن يحتاج إلى الكثير من القوات لن يكون هناك شيء يمكن لسكان غرينلاند فعله».

الخطوة 1: حملة تأثير لتعزيز حركة استقلال غرينلاند

فور توليه منصبه تقريباً، بدأت إدارة ترمب بالحديث عن استقلال غرينلاند، وهي منطقة شبه مستقلة تابعة لمملكة الدنمارك.

ويمكن لغرينلاند المستقلة أن توقع اتفاقيات مع الولايات المتحدة، بينما في ظل الوضع الراهن، تحتاج إلى موافقة كوبنهاغن.

وللحصول على الاستقلال، سيحتاج سكان غرينلاند إلى التصويت في استفتاء، ثم التفاوض على اتفاقية يجب أن توافق عليها كل من نوك وكوبنهاغن.

وفي استطلاع رأي أجري عام 2025، قال 56 في المائة من سكان غرينلاند إنهم سيصوتون لصالح الاستقلال، بينما قال 28 في المائة إنهم سيصوتون ضده.

ونفذ أميركيون لهم صلات بترمب عمليات تأثير سرية في غرينلاند، وفقاً لتقارير وسائل الإعلام الدنماركية، حيث حذرت الاستخبارات الدنماركية من أن المنطقة «هدف لحملات تأثير من أنواع مختلفة».

وأشار فيليكس كارتي، خبير السياسة الرقمية الذي قدم المشورة لمؤسسات وحكومات الاتحاد الأوروبي، إلى تكتيكات موسكو للتأثير على النتائج السياسية في دول مثل مولدوفا ورومانيا وأوكرانيا.

وقال: «تخلط روسيا بين التكتيكات المتصلة بالإنترنت وأرض الواقع، تتعاون هذه الجهات مع أطراف متوافقة معها، مثل الأحزاب المتطرفة أو الجهات الموالية لروسيا، وقد ورد أنها تدفع أموالاً لأشخاص لحضور مظاهرات مناهضة للاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة وفي الوقت نفسه، تبني هذه الجهات شبكات واسعة من الحسابات المزيفة ووسائل الإعلام الوهمية لتضخيم هذه الأنشطة عبر الإنترنت ودعم مرشحين أو مواقف محددة. وغالباً ما لا يكون الهدف إقناع الناخبين بأن الخيار الموالي لروسيا هو الأفضل، بل جعل هذا الخيار يبدو أكبر وأكثر تأثيراً وشعبية مما هو عليه في الواقع؛ ما يخلق شعوراً بالحتمية».

وفيما يتعلق بغرينلاند، يبدو أن الولايات المتحدة تستخدم بعض هذه الأساليب على الأقل، وقال ستيفن ميلر، نائب كبيرة موظفي البيت الأبيض، لشبكة «سي إن إن»، يوم الاثنين، بأنه «لن يقاتل أحد الولايات المتحدة عسكرياً بشأن مستقبل غرينلاند».

وفي الشهر الماضي، دشن ترمب منصب المبعوث الخاص إلى غرينلاند وعيَّن حاكم لويزيانا جيف لاندري في هذا المنصب، وأعلن أن هدفه هو «جعل غرينلاند جزءاً من الولايات المتحدة».

في غضون ذلك، قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، خلال زيارة إلى الإقليم إن «شعب غرينلاند سيتمتع بحق تقرير المصير». وأضاف: «نأمل أن يختاروا الشراكة مع الولايات المتحدة؛ لأننا الدولة الوحيدة على وجه الأرض التي ستحترم سيادتهم وأمنهم».

عَلم غرينلاند (إ.ب.أ)

الخطوة الثانية: تقديم صفقة مغرية لغرينلاند

بافتراض أن جهودها لتسريع استفتاء استقلال غرينلاند ستؤتي ثمارها، وأن سكان الإقليم سيصوتون للانفصال عن الدنمارك، فإن الخطوة التالية ستكون وضعها تحت النفوذ الأميركي.

وإحدى الطرق الواضحة هي ضم غرينلاند إلى الولايات المتحدة بوصفها ولاية أخرى - وهي فكرة تداولها المقربون من ترمب مراراً وتكراراً.

واضطرت رئيسة وزراء الدنمارك مته فريدريكسن يوم الاثنين إلى القول إن «الولايات المتحدة ليس لها الحق في ضم» غرينلاند بعد أن نشرت كاتي ميلر - زوجة ستيفن ميلر - على وسائل التواصل الاجتماعي خريطة للإقليم مغطاة بالعَلم الأميركي وكلمة «قريباً».

ويبدو أن مبادلة الدنمارك بالولايات المتحدة مباشرةً أمرٌ غير مقبول إلى حد كبير لمعظم السكان.

وقد أظهر استطلاع الرأي المذكور أعلاه أن 85 في المائة من سكان غرينلاند يعارضون انضمام الإقليم إلى الولايات المتحدة، وحتى أعضاء حركة الاستقلال المؤيدون لترمب ليسوا متحمسين لهذه الفكرة.

لكن هناك خيارات أخرى.

تداولت تقارير أن إدارة ترمب ترغب في أن توقع غرينلاند اتفاقية ارتباط حر، على غرار الاتفاقيات التي أبرمتها الولايات المتحدة مع ميكرونيزيا وجزر مارشال وبالاو.

وبموجب هذه الاتفاقيات، تُقدم الولايات المتحدة خدمات أساسية وحماية وتجارة حرة مقابل السماح لقواتها العسكرية بالعمل دون قيود على أراضي تلك الدول، وقد عادت هذه الفكرة إلى الواجهة هذا الأسبوع.

وقال كونو فينكر، عضو برلماني من المعارضة في غرينلاند ومؤيد للاستقلال وحضر حفل تنصيب ترمب والتقى النائب الجمهوري آندي أوغلز العام الماضي، إنه يحاول «أن يشرح للأميركيين أننا لا نريد أن نكون مثل بورتوريكو، أو أي إقليم آخر تابع للولايات المتحدة. لكن اتفاقية الارتباط الحر، أو الاتفاقيات الثنائية، أو حتى الفرص والوسائل الأخرى التي ربما لا أستطيع تخيلها - فليطرحوها على الطاولة، وسيقرر سكان غرينلاند في استفتاء شعبي».

وأضاف أنه مقارنةً باتفاق نوك مع كوبنهاغن، فإن الأمور «لا يمكن إلا أن تتحسن» وفي إشارة إلى ادعاء ترمب بأن الولايات المتحدة «في حاجة» إلى غرينلاند، أضاف فينكر: «لم تقل الدنمارك قط إنها (في حاجة) إلى غرينلاند. لقد قالت الدنمارك إن غرينلاند عبء مالي، وإنها ستتخلى عنا إذا استقللنا. لذا؛ أعتقد أن هذا تصريح إيجابي للغاية لم نسمعه من الدنمارك من قبل».

لكن توماس كروسبي، الأستاذ المساعد في العمليات العسكرية في الكلية الملكية الدنماركية للدفاع، التي توفر التدريب والتعليم للقوات المسلحة الدنماركية، حذَّر من أنه من غير المرجح أن تتفوق غرينلاند على ترمب في أي مفاوضات.

وقال: «إن هوية ترمب الأساسية كمفاوض هي أنه شخص يفرض إرادته على من يتفاوض معهم، وشخص لديه سجل حافل بخيانة الأشخاص الذين تفاوض معهم، وعدم الوفاء بالتزاماته، سواء في الحياة الخاصة أو العامة، واستغلال من حوله... لا أرى أي فوائد لشعب غرينلاند سوى دفعة مؤقتة للغاية لتقديرهم لذاتهم».

وأضاف: «سيكون من الجنون الموافقة على أي شيء على أمل التوصل إلى اتفاق. أعني، إذا تنازلت عن أرضك على أمل الحصول على اتفاق لاحقاً، فسيكون ذلك تصرفاً غير حكيم على الإطلاق».

الخطوة 3: كسب تأييد أوروبا

ستعارض أوروبا، وخاصة حلفاء الدنمارك في الاتحاد الأوروبي، أي محاولة لفصل غرينلاند عن كوبنهاغن. لكن الإدارة الأميركية لديها ورقة رابحة في هذا الصدد: أوكرانيا.

ومع تسارع وتيرة مفاوضات السلام، قالت كييف إن أي اتفاق مع بوتين يجب أن يكون مدعوماً بضمانات أمنية أميركية جادة وطويلة الأجل.

ولقد تملص الأميركيون من التزاماتهم في هذا الصدد، وعلى أي حال، فإن كييف متشككة بشأن الضمانات الأمنية؛ نظراً لأن الضمانات التي تلقتها من كل من روسيا والغرب في الماضي لم تُسفر عن أي شيء.

وأحد السيناريوهات المحتملة التي طرحها دبلوماسي في الاتحاد الأوروبي هو صفقة تبادلية للأمن مقابل الأمن، تحصل بموجبها أوروبا على ضمانات أكثر صرامة من إدارة ترمب لأوكرانيا مقابل دور موسع للولايات المتحدة في غرينلاند.

وبينما يبدو هذا الأمر صعباً، فإنه قد يكون أسهل من البديل، وهو إغضاب ترمب، الذي قد ينتقم بفرض عقوبات، أو الانسحاب من مفاوضات السلام، أو بدعم بوتين في المفاوضات مع أوكرانيا.

القوات الدنماركية تتدرب على البحث عن التهديدات المحتملة خلال مناورة عسكرية مع دول أوروبية عدة في كانغيرلوسواك غرينلاند 17 سبتمبر 2025 (رويترز)

الخطوة الرابعة: الغزو العسكري

لكن ماذا لو رفضت غرينلاند - أو الدنمارك، التي تحتاج نوك إلى موافقتها للانفصال - عرض ترمب؟، يمكن تحقيق سيطرة عسكرية أميركية دون صعوبة كبيرة.

قال كروسبي إن مستشاري ترمب من المرجح أن يقدموا له خيارات مختلفة و«أكثرها إثارة للقلق هي استراتيجية الأمر الواقع، التي نراها كثيراً ونتحدث عنها كثيراً في الأوساط العسكرية، والتي تتمثل ببساطة في الاستيلاء على الأرض بالطريقة نفسها التي حاول بها بوتين الاستيلاء على أوكرانيا، لتقديم مطالبات إقليمية».

وأضاف: «يمكنه ببساطة نشر قوات في البلاد والقول إنها أميركية الآن... الجيش الأميركي قادر على إنزال أي عدد من القوات في غرينلاند، سواء عن طريق الجو أو البحر، ثم الادعاء بأنها أراضٍ أميركية».

وفقاً لين مورتنسغارد، الباحثة في المعهد الدنماركي للدراسات الدولية والخبيرة في الأمن في غرينلاند، فإن واشنطن لديها أيضاً نحو 500 ضابط عسكري، بمن فيهم متعاقدون محليون، على الأرض في قاعدة بيتو فيك الفضائية الشمالية، وأقل من 10 موظفين في القنصلية في نوك وإلى جانب نحو 100 جندي من الحرس الوطني من نيويورك يتم نشرهم عادةً موسمياً في صيف القطب الشمالي لدعم البعثات البحثية وفي المقابل، تفتقر غرينلاند إلى الدفاعات.

وقالت مورتنسغارد إن السكان لا يملكون جيشاً إقليمياً، بينما تضم ​​القيادة القطبية الشمالية المشتركة الدنماركية في العاصمة أصولاً عسكرية قليلة وقديمة، تقتصر إلى حد كبير على أربع سفن تفتيش وبحرية، ودورية زلاجات كلاب، وطائرات هليكوبتر عدة، وطائرة دورية بحرية واحدة.

ونتيجة لذلك؛ إذا حشد ترمب الوجود الأميركي على الأرض - أو أرسل قوات خاصة - فبإمكان الولايات المتحدة السيطرة على نوك «في نصف ساعة أو أقل».

وقالت الدنماركية ستين بوس، عضوة البرلمان الأوروبي: «ترمب يقول شيئاً ثم يفعله. لو كنتَ أحد سكان غرينلاند البالغ عددهم 60 ألف نسمة، لشعرتَ بقلق بالغ».

وأكد رومان شوفارت، مدير معهد القطب الشمالي، وهو مركز أبحاث أمني مقره واشنطن، أن أي توغل لن يكون له «أي أساس قانوني» بموجب القانون الأميركي والدولي. كما أن أي احتلال يتجاوز 60 يوماً سيتطلب موافقة من الكونغرس الأميركي.

وذكر بن هودجز، القائد السابق للقوات الأميركية في أوروبا، أن «فقدان الثقة من قِبل الحلفاء الرئيسيين قد يؤدي إلى انخفاض في استعدادهم لتبادل المعلومات الاستخباراتية مع الولايات المتحدة أو تقليص إمكانية الوصول إلى القواعد العسكرية في جميع أنحاء أوروبا وكلا الأمرين سيُلحق ضرراً بالغاً بأمن أميركا».

وقال إد أرنولد، الباحث البارز في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، إن حلف «ناتو» سيصبح عاجزاً عن الرد؛ نظراً لأن أي عمل عسكري يتطلب موافقة بالإجماع، والولايات المتحدة هي العضو الرئيسي في الحلف، لكن الحلفاء الأوروبيين يمكنهم نشر قوات في غرينلاند عبر تكتلات أخرى مثل قوة التدخل السريع المشتركة بين المملكة المتحدة والدول الاسكندنافية أو إطار التعاون الدفاعي لدول الشمال الخمس.

لكن في الوقت الحالي، لا يزال حلفاء «ناتو» يتعاملون بهدوء مع احتمال وقوع هجوم.

وقال دبلوماسي رفيع المستوى في الحلف: «ما زلنا بعيدين عن هذا السيناريو، وقد تكون هناك مفاوضات صعبة، لكنني لا أعتقد أننا قريبون من أي عملية سيطرة».


مقالات ذات صلة

نتنياهو يلتقي ترمب في واشنطن الأربعاء للتباحث في ملف المفاوضات مع إيران

شؤون إقليمية لقاء سابق بين ترمب ونتنياهو في واشنطن (رويترز) p-circle

نتنياهو يلتقي ترمب في واشنطن الأربعاء للتباحث في ملف المفاوضات مع إيران

قال مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، السبت، إن من المتوقع أن يلتقي نتنياهو الرئيس الأميركي ترمب، الأربعاء، في واشنطن؛ حيث سيبحثان ملف المفاوضات مع إيران.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
أوروبا جانب من عملية تبادل الأسرى في موقع غير معلن بأوكرانيا الخميس (إ.ب.أ) p-circle

زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا

زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا وتبادل قصف البنى التحتية ومرافق الطاقة

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية طائرة عسكرية أميركية على سطح حامل الطائرات من فئة «نيميتز» في بحر العرب (أ.ف.ب)

واشنطن وطهران تحملان التفاؤل والتشاؤم إلى جولة تفاوض ثانية

شدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن إيران «لن تمتلك سلاحاً نووياً»، محذراً من أن عدم التوصل إلى اتفاق سيقود إلى «عواقب وخيمة للغاية».

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
تحليل إخباري صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)

تحليل إخباري صفر تخصيب... «جرعة سُم» قد تقتل مفاوضات مسقط

رغم وصف الرئيس الأميركي دونالد ترمب المحادثات مع الإيرانيين في مسقط بأنها «جيدة جداً»، فإن القراءة الأكثر شيوعاً في واشنطن تميل إلى التشاؤم أكثر.

إيلي يوسف (واشنطن)

«خطوة غير مألوفة»... ترمب يستعين بعسكريين في الجهود الدبلوماسية بشأن إيران وأوكرانيا

الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ‌ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ‌ترمب (أ.ف.ب)
TT

«خطوة غير مألوفة»... ترمب يستعين بعسكريين في الجهود الدبلوماسية بشأن إيران وأوكرانيا

الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ‌ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ‌ترمب (أ.ف.ب)

استعان الرئيس الأميركي دونالد ترمب بقادة عسكريين في جهود دبلوماسية رفيعة المستوى، حيث أوفد القائد الأعلى للقوات الأميركية في الشرق الأوسط إلى المحادثات بشأن البرنامج النووي الإيراني، وجعل وزير الجيش مفاوضاً رئيسياً لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية.

وعدت شبكة «إيه بي سي نيوز» الأميركية قرار ترمب بمشاركة العسكريين في الجهود الدبلوماسية «خطوة غير مألوفة»، وقالت إن الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأميركية، انضم لأول مرة إلى المحادثات الأميركية الإيرانية غير المباشرة، يوم الجمعة، في سلطنة عُمان، وظهر بزيّه العسكري الرسمي في إشارة إلى تعزيز الولايات المتحدة لقدراتها العسكرية في المنطقة.

قائد «سنتكوم» الأميرال براد كوبر خلال زيارة إلى إسرائيل بدعوة من رئيس الأركان إيال زامير لتعزيز التنسيق العسكري والشراكة الدفاعية بين الجانبين الأحد (الجيش الإسرائيلي - إكس)

وبينما استأنف وزير الجيش دان دريسكول دوره في المحادثات الروسية الأوكرانية، هذا الأسبوع، عمل على استمرار الحوار مع المسؤولين الأوكرانيين خلال فترات الراحة بين الجلسات.

وقالت إن تولي المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وصهر ترمب، جاريد كوشنر، زمام المفاوضات الشائكة، واختيار إشراك قادة عسكريين - سواء لخبرتهم أو علاقاتهم أو للإشارة إلى خيارات أكثر صرامة - يعكس كيف قلبت الإدارة الجمهورية السياسة الخارجية والدبلوماسية الأميركية التقليدية رأساً على عقب.

وقالت إليسا إيورز، التي شغلت مناصب في الأمن القومي في إدارتي جورج دبليو بوش وأوباما، إن وضع قادة عسكريين في الخدمة الفعلية، مثل كوبر، في مناصب دبلوماسية يُظهر كيف قللت إدارة ترمب من شأن الدبلوماسيين المهرة وأدوات الدبلوماسية لصالح الاعتماد المفرط على الجيش في محاولة حل تحديات السياسة الخارجية.

وأضافت إيورز، الباحثة في شؤون الشرق الأوسط في مركز الأمن الأميركي الجديد: «غالباً ما يتطلب الأمر وقتاً وجهداً واستثماراً هائلين للوصول إلى مرحلة يمكن فيها القول إن الدبلوماسية قد نجحت».

وفي المقابل، أشارإليوت كوهين، الذي شغل منصب مستشار وزارة الخارجية في إدارة جورج دبليو بوش، إلى مشاركة جنرالات أميركيين في محادثات الحد من التسلح مع الاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة.

وقال كوهين إن خطوة ترمب بإرسال دريسكول، القائد المدني الأعلى للجيش، كانت غير معتادة، لكنه أضاف: «الرؤساء يفعلون هذا النوع من الأمور».

وأوضح كوهين: «هناك تقليد عريق للرؤساء الأميركيين في استخدام شخصيات غير تقليدية كمبعوثين إذا كانوا يثقون بهم، ويعتقدون أنهم قادرون على إيصال الرسالة».

وهدفت المحادثات في سلطنة عُمان إلى تهدئة التوترات المتصاعدة بين إيران والولايات المتحدة، والتي تُبقي المنطقة على حافة الهاوية.

ووصف ترمب المحادثات بأنها «جيدة للغاية»، وأنه من المقرر عقد المزيد منها مطلع الأسبوع المقبل. لكنه حذر من أنه إذا لم تتوصل إيران إلى اتفاق بشأن برنامجها النووي، «فستكون العواقب وخيمة للغاية».

وقد هدد ترمب مراراً باستخدام القوة لإجبار إيران على التوصل إلى اتفاق، وأرسل حاملة الطائرات أبراهام لينكولن وسفناً حربية أخرى إلى المنطقة خلال حملة طهران الدموية لقمع الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد.

وقال مايكل أوهانلون، محلل الشؤون الدفاعية والسياسة الخارجية في معهد بروكينغز، إن حضور كوبر يهدف إلى «إظهار العزم والترهيب»، وكتب أوهانلون في رسالة بريد إلكتروني: «إن إشراك قائد القيادة المركزية الأميركية أمر غير معتاد، ويبدو أنه يهدف إلى توجيه رسالة أكثر من تعزيز قوة فريق التفاوض في المحادثات نفسها».

وأضاف أوهانلون: «لكن العلاقات متوترة وسيئة للغاية لدرجة أنني أشك في أن ذلك سيحدث فرقاً كبيراً، ما لم يجرِ الإيرانيون مراجعة جذرية لبرنامجهم النووي».

وقال مايكل سينغ، الذي شغل منصب مدير أول لشؤون الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض في عهد إدارة جورج دبليو بوش، إنه يرى أن حضور كوبر مرتبط أكثر بخبرته.

وأوضح سينغ أن ويتكوف وكوشنر ليسا خبيرين في الشأن الإيراني، بل هما شخصيتان عامتان تشاركان في محادثات دبلوماسية حول العالم، بينما يمتلك كوبر معرفة بالمنطقة وإمكانية الوصول إلى خبراء عسكريين قادرين على تقييم أي تنازلات مقترحة لبرنامج إيران النووي.

وتحدث كوبر بإسهاب عن القدرات النووية والعسكرية الإيرانية خلال جلسة استماع ترشيحه في يونيو (حزيران)، بعد وقت قصير من شن الولايات المتحدة ضربات على مواقع نووية رئيسية إيرانية.

وقال سينغ، المدير الإداري لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى: «هذه قضايا فنية للغاية نتعامل معها. إنها ليست قضايا يمكن التعامل معها بشكل غريزي. سيتمكن الأدميرال كوبر من الوصول إلى هذه الخبرة بطريقة قد لا يمتلكها ويتكوف وكوشنر أو قد لا يختاران الوصول إليها».

و قال كوهين: «يجلب كوبر المعرفة والتهديد الضمني باستخدام القوة، وهو جزء من المفاوضات».

وفي نوفمبر(تشرين الثاني)، تم اختيار دريسكول فجأة للمفاوضات في محاولة لإنهاء الحرب الروسية المستمرة منذ ما يقرب من 4 سنوات في أوكرانيا، وكانت المحادثات آنذاك قد تعثرت، واستغل دريسكول رحلةً إلى أوكرانيا للقاء الرئيس فولوديمير زيلينسكي ومسؤولين حكوميين وعسكريين رفيعي المستوى ومنذ ذلك الحين، شارك دريسكول في عدة جولات تفاوضية أخرى، بما في ذلك جولة أبوظبي هذا الأسبوع.

وقال مصدر مُطّلع على المفاوضات إن دور دريسكول تمحور حول التنسيق بين الأوكرانيين ومسؤولي إدارة ترمب، مثل ويتكوف وكوشنر.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (يسار) يصافح وزير الجيش الأميركي دان دريسكول (أ.ف.ب)

وأوضح المصدر أن العلاقة مع الأوكرانيين كانت ثمرة قدرة دريسكول على استمرار الحوار بين جولات التفاوض، فضلاً عن خبرته العسكرية كقائد وضابط سابق في الجيش.

وخدم دريسكول كضابط مدرعات لأكثر من 3 سنوات، وحصل على رتبة ملازم أول. خدم في العراق من أكتوبر (تشرين الأول) 2009 إلى يوليو (تموز) 2010.

في أبوظبي، انضم إليه الجنرال الأميركي أليكسوس غرينكويتش، قائد القوات الأميركية وقوات حلف شمال الأطلسي في أوروبا، والذي أسهم في التفاوض على إعادة إطلاق حوار عسكري رفيع المستوى بين الولايات المتحدة وروسيا لأول مرة منذ 4 سنوات وجاء في بيان عسكري أميركي أن هذا الحوار «سيوفر اتصالاً عسكرياً مستمراً بين الطرفين في إطار مساعيهما لتحقيق سلام دائم».


لماذا تبدو عتبة النووي العالمي أخطر مما كانت عليه؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي دميتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي دميتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

لماذا تبدو عتبة النووي العالمي أخطر مما كانت عليه؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي دميتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي دميتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

لم يكن حديث الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن إعادة النظر في «التزامات» أميركا النووية مجرَّد سجال داخلي حول تكلفة الردع أو «لياقة» التعهدات. الجديد هذه المرة أن مسؤولين أميركيين انتقلوا من لغة التحذير إلى لغة الإجراء: اتهامٌ مباشر للصين بإجراء تفجير نووي سري عام 2020، وتأكيدٌ على أن واشنطن تستعد لاستئناف أنشطة/ اختبارات نووية «أسوة بالآخرين»، في لحظة يتفكك فيها آخر قيدٍ تعاقدي كبير على أكبر ترسانتين نوويتين في العالم، بعد انتهاء «نيو ستارت» في 5 فبراير (شباط) 2026.

هذه التطورات لا تعني تلقائياً أن العالم يتجه غداً إلى سلسلة تفجيرات نووية فوق الأرض على غرار الخمسينيات. ولكنها تعني، وبشكل ملموس، أن «القواعد غير المكتوبة» التي خفَّضت أخطار سوء التقدير خلال نصف قرن تتآكل بسرعة، وأن فكرة «العودة إلى التجربة» تُستخدم الآن كأداة ضغط تفاوضي وكإشارة ردعية في آن واحد. وهو خليط شديد الحساسية في بيئة استراتيجية مزدحمة بالشكوك والحروب بالوكالة، وتنافس القوى الكبرى.

اتهامات واشنطن

في مؤتمر نزع السلاح بجنيف، قال توماس دي نانو، إن الحكومة الأميركية «تدرك» أن الصين نفَّذت «اختباراً نووياً تفجيرياً» بعائدٍ مُنتِج في 22 يونيو (حزيران) 2020. واتهم بكين أيضاً بالتحضير لاختبارات بعوائد «في حدود مئات الأطنان»، وبالتلاعب ببيئة الرصد الزلزالي لإخفاء آثارها، مبرراً ذلك بالحاجة إلى «خطوات موازية» مع روسيا والصين، مع تآكل وقف التجارب غير الرسمي.

في المقابل، ردَّت منظمة معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية، بأن منظومة الرصد الدولية التابعة لها لم تسجل حدثاً يطابق خصائص تفجير نووي في التاريخ الذي حددته واشنطن، وأن التحليلات اللاحقة لم تغيِّر تلك الخلاصة.

من مناورات صينية قرب تايوان في 25 ديسمبر 2025 (رويترز)

حسب محللين، هذا التباين مهم؛ لأنه يكشف جوهر المعضلة: حتى لو وُجد نشاط منخفض العائد أو «مناطق رمادية» تقنية، فقد لا يكون قابلاً للحسم علناً بالأدلة المتاحة للجمهور، ما يفتح الباب أمام توظيف الاتهامات في السياسة والردع، ويقلص مساحة الثقة الضرورية لأي ضبط تسلح. ويؤكد هؤلاء على أن الخطاب الدائر يخلط أحياناً بين ثلاثة مستويات:

التفجير النووي الكامل: يولِّد تفاعلاً متسلسلاً ذاتي الاستدامة، وعائداً تفجيرياً واضحاً. هذا هو جوهر ما تحظره معاهدة الحظر الشامل للتجارب إذا دخلت حيز النفاذ، وهو أيضاً ما تحاول الأعراف الدولية منعه منذ التسعينيات.

أرشيفية لصاروخ باليستي عابر للقارات روسي من طراز «توبول إم» يعبر الساحة الحمراء خلال عرض عسكري في موسكو (أ.ف.ب)

اختبارات منخفضة العائد/ شديدة الانخفاض: وقد تكون أصعب كشفاً، ويمكن -حسب خبراء- التحايل على رصدها عبر ظروف جيولوجية، أو غرف معدنية، أو تقنيات «فك الارتباط» التي تخفف الإشارة الزلزالية. هذا ما يجعل الاتهام الأميركي للصين شديد الحساسية، حتى لو لم تُعلن واشنطن أدلة تفصيلية.

شي في الذكرى الثمانين لانتصار الصين (روسترز)

اختبارات «دون حرجة»: تُجرى دون الوصول إلى تفاعل متسلسل ذاتي الاستدامة، وتعدُّها بعض الدول ضمن «المنطقة الرمادية»؛ لأنها لا تنتج عائداً تفجيرياً نووياً قابلاً للرصد بالمعايير نفسها. هنا تكمن مساحة التلاعب السياسي؛ حيث يمكن لحكومة ما أن تقول إنها «عادت للاختبار» بينما تقصد توسيع نشاطات دون حرجة، ويمكن لخصومها أن يقرأوا ذلك ككسرٍ للمحظور وتوطئة لتفجيرات حقيقية.

لذلك، عندما يقول مسؤولون إن واشنطن «ستبدأ أنشطة الاختبارات النووية»، يبقى السؤال العملي: هل نتحدث عن تفجيرات نووية فعلية لأول مرة منذ 1992؟ أم عن توسيع أنشطة تحت العتبة؟ الغموض قد يكون مقصوداً؛ لأنه يمنح الردع مرونة، ولكنه يرفع أيضاً أخطار سوء الفهم.

شي وبوتين في الذكرى الثمانين لانتصار الصين على اليابان (إ.ب.أ)

فراغ ما بعد «نيو ستارت»

انقضاء «نيو ستارت» يعني فقدان سقفٍ مُتحقق على الرؤوس الحربية الاستراتيجية المنشورة، وفقدان ما تبقى من قابلية التنبؤ المتبادل بين واشنطن وموسكو. والأهم: أنه يخلق «فراغاً تعاقدياً» تتسابق داخله ثلاث قوى (الولايات المتحدة، وروسيا، والصين) على تحديث الترسانات وقدرات الإيصال والأنظمة الجديدة التي لم تُصمم لها معاهدات العقدين الماضيين.

في هذا السياق، يدفع فريق إدارة ترمب نحو «اتفاق أوسع» يشمل الصين، بينما ترفض بكين الانضمام، بحجة أن ترسانتها أصغر بكثير من ترسانتَي واشنطن وموسكو، رغم نموها السريع.

الأرقام تُظهر لماذا يعتقد كل طرف أنه محق: تقديرات معهد استوكهولم الدولي لبحوث السلام تشير إلى أن الولايات المتحدة وروسيا تمتلكان معاً نحو 90 في المائة من الرؤوس النووية العالمية، بينما تملك الصين ما لا يقل عن 600 رأس، وتُعد الأسرع نمواً.

أرشيفية من القوات الجوية الأميركية لصاروخ «مينيوتمان 3» الباليستي العابر للقارات خلال إطلاقه من قاعدة «فاندنبرغ» في كاليفورنيا (أ.ف.ب)

التداعيات على «التوازن» والسلام العالمي

عودة الحديث عن التجارب النووية لم تعد مسألة تقنية، بقدر ما هي رسالة سياسية بأن قيود الضبط تتآكل، وأن القوى الكبرى تريد مساحة أوسع لتحسين التصاميم، ورفع موثوقية الترسانات، وربما تطوير أنظمة جديدة. في هذا المناخ يصبح الردع أقرب إلى التخمين؛ لأن الغموض حول قدرات الخصم يزداد، فتغدو التجارب أو التلويح بها عامل تصعيد. ومع انحسار قنوات التحقق والمعايير المشتركة ترتفع أخطار سوء التقدير، وسوء تفسير المناورات والحوادث، وهو ما حذَّر منه أنطونيو غوتيريش، أمين عام الأمم المتحدة، مع اقتراب انقضاء «نيو ستارت». كما يضغط ذلك على نظام عدم الانتشار عبر إضعاف «المحرّم» الأخلاقي للاختبار، ويهز ثقة الحلفاء في الردع الموسّع، ما قد يطلق سباق ضمانات وتسليح متعدد المحاور.

الزعيم الكوري الشمالي يشرف على تجارب صاروخية (إ.ب.أ)

المدافعون عن نهج إدارة ترمب يجادلون بأن إدخال الصين في أي إطار جديد ضرورة واقعية، وأن الحديث عن التجارب والقدرات يهدف إلى منع «التحايل السري» وإجبار الخصوم على طاولة تفاوض أكثر شمولاً.

في المقابل، ينتقد آخرون فكرة ترك اتفاق قائم وقابل للتحقق مقابل هدف تفاوضي قد يكون بعيد المنال، ويحذرون من أن الاتهامات غير المدعومة علناً؛ خصوصاً مع نفي منظومة الرصد الدولية، قد تتحول إلى ذريعة لسباق غير مضبوط.


لماذا يصرّ ترمب على إعادة تسمية المعالم؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
TT

لماذا يصرّ ترمب على إعادة تسمية المعالم؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

في آخر جهود الرئيس الأميركي دونالد ترمب لوضع اسمه على بعض المعالم التاريخية، نقلت وسائل إعلام أن ترمب أبلغ زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ، السيناتور الديمقراطي تشاك شومر، الشهر الماضي أنه مستعد أخيراً لرفع التجميد عن تمويل فيدرالي ضخم لمشروع نفق القطارات «غايت واي» تحت نهر هدسون، لكن بشرطٍ غير مألوف: أن تُسمّى محطة بنسلفانيا في المدينة ومطار واشنطن دالاس الدولي باسمه.

رُفض الطلب سريعاً، لكن في الأسابيع التي تلت ذلك، استمر ترمب في حجز أكثر من 16 مليار دولار، وتحوّل الملف إلى نزاع قضائي بين ولايتي نيويورك ونيوجيرسي والإدارة الأميركية. وحذرت اللجنة المسؤولة عن النفق من أنها ستضطر قريباً لوقف العمل في المشروع وتسريح نحو ألف عامل إذا لم تُفرج إدارة ترمب عن التمويل اللازم.

يعود تاريخ بناء النفق إلى ما قبل عودة ترمب إلى منصبه، حيث تلتزم الحكومة الفيدرالية بتغطية جزء كبير من التمويل اللازم لإكماله. لكن ترمب تحرك لوقف المشروع أواخر العام الماضي، وهو قرار جادل مسؤولون ديمقراطيون في نيوجيرسي ونيويورك بأنه كان بدوافع سياسية.

الرئيس دونالد ترمب محاطاً بعدد من المشرعين في البيت الأبيض بواشنطن (أ.ف.ب)

لعب السيناتور شومر منذ ذلك الحين دوراً مركزياً في محاولة التفاوض لفك تجميد الأموال. ومع ذلك، وعلى الرغم من تلك الأولوية، لا يوجد الكثير مما يمكن للديمقراطي فعله بمفرده لوضع اسم ترمب على المحطة أو المطار.

وبينما قدم بعض المشرعين المحافظين بالفعل تشريعاً لإعادة تسمية مطار دالاس ليصبح «مطار دونالد جي ترمب الدولي»، فإن المقترح لم يلقَ زخماً كبيراً حتى الآن؛ حيث لم يتقدم التشريع في الكونغرس الذي يسيطر عليه الجمهوريون، وبالتالي لا يزال من غير المرجح تمريره.

ترمب وسياسة «الاسم»

قصة «المحطة والمطار» لا تبدو حادثة يتيمة، بل حلقة ضمن نمط أوسع منذ عودته إلى البيت الأبيض: دفعٌ منهجي لإلصاق اسمه بمؤسسات عامة وبرامج وسياسات، كأن العلامة التجارية امتدادٌ للدولة. فخلال الأشهر الماضية ظهر اسمه على مبادرات حكومية تحمل ختماً تسويقياً واضحاً مثل «ترمب آر إكس»، وهو الموقع الذي تقول الإدارة إنه يسهّل الوصول إلى أسعار أقل للأدوية، وعلى برنامج إقامة/هجرة استثماري تحت مسمى «ترمب غولد كارد»، وبارجة جديدة من «طراز ترمب» تهدف إلى ترسيخ حقبة سياسته الخارجية القائمة على «السلام من خلال القوة» لسنوات قادمة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً خلال إطلاق موقع طبي يحمل اسمه (إ.ب.أ)

وفي الأشهر الأخيرة، وضع ترمب عينيه على أهداف أكبر، متجهاً إلى «جوائز» رمزية: إضافة اسمه إلى المعهد الأميركي للسلام عبر إعادة تسميته رسمياً بقرار/إعلان من الإدارة، في خطوة أثارت جدلاً حول الصلاحيات والمعنى السياسي للتسمية. كما اندلع جدل مشابه بعد إضافة اسمه إلى مركز كينيدي الشهير في واشنطن، وسط اعتراضات ديمقراطية وتساؤلات قانونية حول حاجة أي تغيير رسمي لتشريع من الكونغرس.

لماذا يصرّ على تغيير الأسماء؟

تقليدياً، تُسمّى المطارات والجسور والمراكز الرئاسية بأسماء رؤساء بعد مغادرتهم المنصب، وبعد توافقٍ تشريعي أو مجتمعي. الجديد هنا ليس حبّ الخلود، بل محاولة «تعجيل» الخلود وهو في السلطة، وبأسلوبٍ تبادلي: اسمٌ مقابل قرار أو مال. محاولة ربط اسم الرئيس بتمويل مشروع عام تبدو، في نظر خصومه، إعادة تعريف لفكرة الخدمة العامة بوصفها رافعةً لشخصنة الدولة.

وحين يطلب من خصومه أو حتى من حلفائه مجاراة مطلب غير مألوف، فهو يدفعهم إلى أحد خيارين: إما الرضوخ (فيبدو أنه قادر على «إخضاع النظام»)، وإما الرفض (فتتحول المعركة إلى عرضٍ سياسي يقدمه لجمهوره: «هم يعرقلون، وأنا أبني»). في ملف النفق، يتحول الخلاف على التسمية إلى بندٍ إضافي يشرعن إبقاء الضغط على حكومات الولايات والديمقراطيين في نيويورك ونيوجيرسي.

زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس النواب الأميركي حكيم جيفريز يتحدث خلال مؤتمر صحافي في مبنى الكابيتول الأميركي (أ.ف.ب)

التسمية قضية سريعة الاشتعال، تجرّ الإعلام والمعارضة إلى سجال رمزي (هل يحق؟ هل هو لائق؟)، بينما تبقى الأسئلة الأثقل: التمويل، الأولويات، أثر التجميد على الوظائف... أقل حضوراً في المشهد اليومي. ومع ذلك، هذه الاستراتيجية تحمل مخاطرة: عندما يصبح «الاسم» شرطاً لإطلاق «البنى التحتية»، يسهل على الخصوم تأطير القصة كابتزازٍ سياسي.

أنصاره يرون فيها تحدياً «للنخب»

«سياسة الاسم» ليست تفصيلاً شكلياً. إنها اختبارٌ لطبيعة السلطة: هل تُستخدم أدوات الدولة لبناء ذاكرة وطنية مشتركة، أم لبناء لوحة اسمٍ واحدة تُعلّق فوق الجميع؟

ما يريد إثباته، وفق هذا النمط، هو أن الدولة يمكن أن تُدار بمنطق العلامة التجارية: إنجازاتٌ تُعنون باسمه كي تُقرأ تاريخياً بوصفها «عصر ترمب»، لا مجرد سياسات جمهورية. وما قد «يخفيه» هي هشاشة الإنجاز حين يفتقر للتوافق، الاسم يصبح بديلاً رمزياً عن إجماعٍ مؤسسي، أو غطاءً لمعركة نفوذ مع الكونغرس والولايات والمحاكم.

هذه المعارك قد تعمل على مستوى القاعدة كوقود تعبوي، أنصاره يرون فيها تحدياً «للنخب» واستعادة للهيبة. وعلى مستوى المستقلين والمعتدلين، قد تبدو كفائض نرجسية أو تسييس للخدمات العامة، خصوصاً عندما تُربط التسمية بأموال وبنى تحتية.

الرئيس دونالد ترمب يرقص خلال مناسبة في أيوا (إ.ب.أ)

أما الحزب الجمهوري، فيقف بين إغراء مسايرة زعيمه، وتكلفة الظهور كمن يضع الاسم فوق الوظيفة العامة؛ لذا لا غرابة أن مشاريع مثل إعادة تسمية مطار العاصمة واشنطن، طُرحت تشريعياً لدى بعض الجمهوريين لكنها لا تبدو سالكة بسهولة.

Your Premium trial has ended