«Exit to Exist» في بيروت: تجهيز فنّي أربك المألوف وحرَّض على التفكير

إبراهيم سماحة استخدم الدعابة لتفكيك العلاقة بالنفس والأشياء

في هذا المعرض أدَّت اللافتات دور التشويش بدل الإرشاد (الشرق الأوسط)
في هذا المعرض أدَّت اللافتات دور التشويش بدل الإرشاد (الشرق الأوسط)
TT

«Exit to Exist» في بيروت: تجهيز فنّي أربك المألوف وحرَّض على التفكير

في هذا المعرض أدَّت اللافتات دور التشويش بدل الإرشاد (الشرق الأوسط)
في هذا المعرض أدَّت اللافتات دور التشويش بدل الإرشاد (الشرق الأوسط)

على درج مار نقولا في منطقة الجمّيزة البيروتية، بدا معرض الفنان اللبناني إبراهيم سماحة، «Exit to Exist»، تجربة تتقصَّد الإرباك وتُراهن على كسر الألفة بين الإنسان وما يحيط به. لم تُعرَض الأعمال في صالة مُغلقة ولم تُسلَّط عليها إضاءة بعناية متحفيّة تقليدية. فقد زرعها في فضاء مفتوح بين حركة المارة وصخب المدينة وتعبها اليومي. كأنّ المعرض أصرَّ على أن يكون جزءاً من المشهد.

الوجود نفسه مسار غير مستقرّ مليء بالمخارج المؤقّتة (الشرق الأوسط)

انطلق سماحة من لافتات الخروج وصناديق القمامة والعبارات الجاهزة وأدوات الاستعمال اليومي، وهي مفردات نعرفها جميعاً. لكنه لم يعرضها كما هي. أعاد صياغتها لغوياً وبصرياً، وبدَّل وجهتها لتتحوّل من إشارات وظيفية إلى جُمل وجودية ساخرة ومُربكة. عبارة مثل «Exit to Exist» تجعل الزائر يُفكّر في مدى احتمال أن يخرج الإنسان كي يوجد، أم أنّ وجوده في ذاته هو حالة الخروج الدائم؟

في أعماله النصّية، يتلاعب سماحة باللغات وبالمرجعيات الفلسفية، من «Je pense donc j’essuie» التي تُفرغ مقولة ديكارت من صرامتها العقلانية، إلى عبارات تبدو للوهلة الأولى خفيفة أو طريفة، لكنها تحمل في طيّاتها نقداً لاذعاً لعلاقة الإنسان بذاته والمجتمع وآليات التفكير المُعلَّبة. السخرية ليست للضحك فقط. إنها أداة تفكيك تُزيح الغطاء عما نحاول تجاهله.

لاختيار درج مار نقولا دلالة خاصة في سياق هذه التجربة. فالمكان بما يحمله من تاريخ وحياة يومية وحركة صعود ونزول، يتحوَّل إلى جزء من العمل نفسه. المرور والتوقُّف والتحديق السريع أو القراءة المتأنّية، كلّها أفعال تدخل ضمن التجربة الفنّية. ومع ذلك، لم يُجبر المعرض زائره على طَقْس محدّد، وفضَّل تَرْكه حراً أمام الاصطدام بالأعمال أو تجاهلها، تماماً كما نفعل مع الأسئلة الكبرى في يومياتنا.

«Je pense donc j’essuie»... عبارة تُفرغ اليقين من صلابته (الشرق الأوسط)

يؤمن إبراهيم سماحة بأنّ الفكرة لا تحتاج دائماً إلى تعقيد بصري أو مادة «نبيلة» كي تكون فنّاً. ما يهمّه هو زاوية النظر وتغيير السياق الذي تُرى فيه الأشياء، كما يقول لـ«الشرق الأوسط». الدعابة بالنسبة إليه مدخل فعّال للتواصل مع الجمهور. فهي تُخفّف ثقل الفكرة من دون أن تُفرغها من معناها. لم يُرد تلقين المتلقّي ولم يكترث للتفسير الثابت. أراد فَتْح المجال أمام إسقاطاته الشخصية، وأمام ما يحمله كلّ فرد من أسئلة ومخاوف وأفكار غير مُعلَنة.

ولا يتعامل إبراهيم سماحة مع الأشياء اليومية على أنها مُهمَلة أو بلا قيمة. يرى فيها عناصر حيّة فقدت قدرتها على إثارة الانتباه بسبب الألفة المُفرَطة. لذا، ما سعى إليه هو تغيير زاوية النظر لنقل هذه الأشياء من وظيفتها المباشرة إلى سياق آخر يُتيح للمتلقّي أن يراها بعين مختلفة ويتفاعل معها خارج الاستخدام المُعتاد. في هذا التحويل، جعل الدعابة وسيلة فعّالة لفتح الذهن وتوسيع مساحة التلقّي وإقامة علاقة أقلّ توتّراً وأكثر عفوية بين العمل والجمهور.

ورغم ما قد يُقرأ في أعماله من مساحات عبثية أو تهكّمية، لا يرى سماحة نفسه معنياً بالانخراط في فلسفة العبث. بالنسبة إليه، الفكرة قادرة على الوصول بطرق متعدّدة، فيقرأ المتلقّي العمل من خلال تجاربه الخاصة وإسقاطاته الداخلية، وقد يرى فيه ما لم يقصده الفنان أساساً. هذا التعدُّد في التأويل لا يزعجه، إذ يلمح فيه جزءاً من حيوية العمل الفنّي وقدرته على الاستمرار.

من هنا، يرفض سماحة فكرة الفنّ المشروط بردّة الفعل أو بتصفيق المُتلقّين. برأيه، الخوف من الجمهور يُقيّد التعبير ويُحوّل الفنان إلى أسير توقّعات خارجية. ما يهمّه هو أن تُقال الفكرة كما هي، من دون رقابة ذاتية أو اجتماعية، لأنّ هذا الانسياب وحده يتيح للعمل أن يصل بوضوح، فيفتح باباً للتفكير بدل أن يُغلقه بإجابات مُتداوَلة.

كم من آرائنا نرميها يومياً من دون أن نفكّر بمصدرها (الشرق الأوسط)

ورغم ما تحمله الأعمال من جرأة لغوية وبصرية، يُكرّر سماحة أنه ليس معنياً بإحداث صدمة مباشرة أو باستفزاز مجاني. لا يوظّف الجرأة في الإخراج الصاخب، بقدر ما يراها في عرض ما نفكّر فيه عادة ولا نجرؤ على إعلانه، أو ما نخجل من الاعتراف به. تحويل هذه الأفكار إلى أعمال معروضة في فضاء عام هو موقف بذاته يضع الفنّ في مواجهة المجتمع، قبل خدمته أو حصره في موقع التزيين.

«Exit to Exist» معرض راكم الأسئلة وتركها مُعلّقة بين الزائر والمكان والعبارة. وبينما المرء مُطالَب بتفسير سريع وموقف حاسم، اختار إبراهيم سماحة أن يراهن على الغموض المُنتِج وعلى المساحة الرمادية التي تسمح للفنّ بأن يكون أداة تفكير.

عُلِّقت الأعمال على حركة العابرين وأسئلتهم غير المُعلنة (الشرق الأوسط)

هكذا، بدا المعرض تجربة ذهنية لم تقلَّ حضوراً عن بُعدها البصري. تجربة دعت إلى التوقُّف أمام تفاصيل نمرّ بها يومياً من دون الالتفات إليها، وإلى التفكير في معنى الوجود داخل هذا الصخب المتواصل. على درج مار نقولا، لم يطلب «Exit to Exist» من زائره أن يفهم. أراده أن يُعيد النظر في الطريق التي يسلكها وفي المَخارج التي يظنّها بديهية.


مقالات ذات صلة

دمشق تشع ثقافياً بمعرضها الدولي للكتاب

يوميات الشرق 
الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)

دمشق تشع ثقافياً بمعرضها الدولي للكتاب

افتتح الرئيس السوري أحمد الشرع، الخميس، «معرض دمشق الدولي للكتاب 2026»، في قصر المؤتمرات بالعاصمة، واستقبل وزيرَ الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان

«الشرق الأوسط» (دمشق)
يوميات الشرق يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)

«القوى الدافعة»... جوزيف أفرام يقرأ صراع الداخل بلغة الحبر الصيني والـ«جيسو»

يعتمد جوزيف أفرام في أعماله على الحبر الصيني مع تقنية الـ«جيسو» لبناء طبقات متراكمة تمنح اللوحة عمقاً وملمساً وتُظهر الفكرة تدريجياً للمشاهد.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق معرض الكاريكاتير جذب ركاب مترو القاهرة (الجمعية المصرية للكاريكاتير)

مترو القاهرة يتحول إلى معرض فني... الكاريكاتير يقترب من الجمهور

الكاريكاتير قادر بلغة بسيطة وساخرة وذكية على التواصل مع كل فئات المجتمع والتعبير عن أحداث كبرى بروح إنسانية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق الرئيس السوري استقبل وزير الثقافة السعودي والوفد المرافق له بقصر المؤتمرات في دمشق الخميس (واس)

السعودية وسوريا تؤكدان عمق علاقاتهما الثقافية

التقى الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي، نظيره السوري محمد ياسين صالح، خلال زيارته الرسمية إلى دمشق لحضور معرضها الدولي للكتاب 2026.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
يوميات الشرق البناء البصري هو نتيجة زمن طويل من الاشتغال (لوحات محمود أمهز)

«خارج الزمن» لمحمود أمهز: استمرارية اللغة التشكيلية عبر العقود

يتحرَّر اللون في هذه الأعمال من وظيفته التقليدية المُرتبطة بالتعبير المباشر أو بإحداث تأثير بصري فوري...

فاطمة عبد الله (بيروت)

«موسم الرياض» يتصدر العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)
يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)
TT

«موسم الرياض» يتصدر العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)
يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)

كشف المستشار تركي آل الشيخ رئيس «الهيئة العامة للترفيه» السعودية عن إنجاز جديد حققه «موسم الرياض»، بعد تصدّره قائمة العلامات التجارية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وحصوله على المركز الأول ضمن جوائز Loeries العالمية المتخصصة في الإبداع الإعلاني، فيما تصدّر الشريك الإبداعي للموسم BigTime Creative Shop قائمة الوكالات الإبداعية في المنطقة.

وجاء ذلك في منشور للمستشار تركي آل الشيخ عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس» قال فيه: «(موسم الرياض) يتصدر العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ويحصد المركز الأول ضمن جوائز LOERIES، فيما يتصدر شريكه الإبداعي BigTime Creative Shop قائمة الوكالات الإبداعية في المنطقة. إنجاز يعكس قوة الإبداع السعودي، ويؤكد حضوره المؤثر عالمياً».

تصدر «موسم الرياض» العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (هيئة الترفيه)

ويُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة، ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً، من خلال محتوى متنوع وتجارب عالمية المستوى، وشراكات إبداعية وتسويقية أسهمت في بناء علامة تجارية سعودية ذات حضور دولي، وقدرة تنافسية عالية في كبرى المحافل العالمية.

من جانبها، رسّخت BigTime Creative Shop مكانتها كإحدى أبرز الوكالات الإبداعية في المنطقة، من خلال تطوير وتنفيذ حملات نوعية لموسم الرياض، جمعت بين الطابع الإبداعي والتأثير الواسع، وأسهمت في إيصال رسالة الموسم إلى جمهور عالمي بلغات وأساليب معاصرة.

وتُعد جوائز Loeries من أعرق وأهم الجوائز المتخصصة في مجالات الإعلان، والاتصال التسويقي، والإبداع المؤسسي في أفريقيا والشرق الأوسط، حيث تأسست عام 1978، وتُمنح وفق معايير دقيقة تعتمد على جودة الفكرة، والابتكار، والتنفيذ، والأثر الإبداعي. ويُنظر إلى الفوز بها بوصفه اعترافاً دولياً رفيع المستوى بالتميّز والريادة في الصناعات الإبداعية.


كيف تؤثر نصائح «تيك توك» على الخيارات الغذائية للمستخدمين؟

شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
TT

كيف تؤثر نصائح «تيك توك» على الخيارات الغذائية للمستخدمين؟

شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)

أصبح الشباب مؤخراً يستقون نصائحهم الغذائية من وسائل التواصل الاجتماعي. فقد أظهر استطلاع نُشر حديثاً أن مستخدمي تطبيق «تيك توك» يختارون ما يأكلونه وأين يأكلونه بناء على الوجبات والوصفات التي يعرضها التطبيق على المستخدمين أثناء تصفحهم لمحتوى المنصة، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

ويقول الباحث أرتور سترتسيليكي، من جامعة كاتوفيتشي للاقتصاد في بولندا: «يمكن للاتجاهات الغذائية المعروضة في فيديوهات (تيك توك) أن تحدد ما سيأكله الشباب، والمطاعم التي يرتادونها، وكيف يقيمون الوصفات المعروضة».

وكان سترتسيليكي ضمن فريق أجرى استطلاعاً لمستخدمي «تيك توك» في العام الماضي، وخلص إلى أن التطبيق «أداة فعالة في تشكيل تفضيلات المستهلكين الغذائية وسلوكياتهم».

ويؤكد سترتسيليكي أنه «في الوقت الحاضر، يميل الشباب إلى جعل معظم عاداتهم الغذائية متوافقة مع المحتوى الذي قد يشاهدونه على وسائل التواصل الاجتماعي».

وأشارت دراسة نُشرت في المجلة الدولية لدراسات المستهلك، إلى أن «الآليات الخوارزمية» لمنصة «تيك توك» تعد عاملاً رئيسياً في تحديد ما يراه المستخدمون، والذي غالباً ما يقدمه المؤثرون الذين يتقاضون أجراً مقابل الترويج للعلامات التجارية والأماكن.

ووفقاً لبرونو لوريو، مؤلف كتاب «تاريخ علم التغذية - من أبقراط إلى مؤشر التغذية» المنتظر صدوره قريباً، فإن النصائح الغذائية المُعاصرة تعاني من «جو من القلق» وتتأثر بـ«انتشار قادة الرأي».

وكان لوريو يتحدث إلى المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، ناشر الكتاب، حيث أشار إلى أن مجموعة من «الخبراء، وأشباه الأطباء، ومنظمات المستهلكين، والمؤثرين» يقدمون نصائح حول الطعام والنظام الغذائي على وسائل التواصل الاجتماعي.

كما كشفت دراسة أن «تيك توك» هي أكثر منصات التواصل الاجتماعي استهلاكاً لوقت المستخدمين، حيث يقضي المستخدمون عليها ما معدله 97 دقيقة يومياً، وفقا لمنصة «بلايرزتايم» للتوعية بمخاطر القمار، بينما تأتي «يوتيوب» في المرتبة الثانية بـ85 دقيقة يومياً.


عادتان «مزعجتان» تدلان في الواقع على الذكاء

بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
TT

عادتان «مزعجتان» تدلان في الواقع على الذكاء

بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)

كثيراً ما نعدّ عادات مثل شرود الذهن أو لحظات «الذهول التلقائي» عيوباً. ويرى معظم الناس أنها علامات على ضعف التركيز، أو قلة الانضباط، أو حتى تراجع القدرات الإدراكية، لكن ما نغفل عنه غالباً هو أن تصوراتنا تتأثر بثقافة الإنتاج المتواصل والمكافآت المادية التي تحيط بنا.

ومن هذا المنظور، تبدو هذه العادات الذهنية وكأنها عوامل تشتيت تحتاج إلى تصحيح، بدلاً من كونها عمليات إدراكية تحتاج فقط إلى فهم، وفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بالصحة النفسية والعقلية.

وتُشير الأبحاث النفسية إلى أنه في ظل الظروف المناسبة قد تعكس هذه السلوكيات التي تبدو غير مُنتجة، مرونة معرفية وقدرة على حل المشكلات بطرق إبداعية ومهارة دماغية في التكيف مع أنماط التفكير المختلفة.

بعبارة أخرى، بدلاً من كونها خللاً ذهنياً، قد تكون هذه السلوكيات علامات على الذكاء وعلى عقل نشط يقوم بمهام أساسية مهمة. وفيما يلي سلوكان شائعان يتجاهلهما الكثيرون أو يحاولون كبتهما، رغم أنهما قد يكونان مفيدين، وكيفية التعامل معهما بفهم أعمق للفروق النفسية الدقيقة.

عادة شرود الذهن

لطالما عُدّ شرود الذهن، أو انصراف الانتباه عن المهمة الحالية نحو أفكار ذاتية، علامة واضحة على قلة التركيز، إلا أن الدراسات الحديثة تُظهر أنه قد يُسهم أيضاً في تعزيز التفكير الإبداعي والمرونة المعرفية.

فعلى سبيل المثال، وجدت دراسة، أُجريت عام 2025 وشملت أكثر من 1300 بالغ، أن شرود الذهن المتعمد (أي سماح الشخص لنفسه عمداً بالتفكير في أحلام اليقظة) يُنبئ بأداء إبداعي أعلى. وأشارت بيانات التصوير العصبي إلى أن هذا التأثير مدعوم بزيادة الترابط بين شبكات الدماغ واسعة النطاق المسؤولة عن التحكم التنفيذي وشبكة الوضع الافتراضي، وهي نظام مرتبط بالتفكير الذاتي والخيال.

كما يُظهر الأشخاص الذين لديهم ميل أكبر لشرود الذهن التلقائي أداءً أفضل في نماذج تبديل المهام، مما يعني قدرتهم على تغيير أنماط تفكيرهم بسرعة أكبر، وهو دليل واضح على مرونة التفكير. أيضاً يرتبط الأشخاص الذين لديهم ميل أكبر لشرود الذهن بقدرة أكبر على التفكير التلقائي.

مع ذلك، من المهم ملاحظة أن شرود الذهن ليس حلاً سحرياً، ولن تظهر فوائده إلا عند موازنته مع التحكم في الانتباه. وإذا وجدت ذهنك شارداً في كثير من الأحيان، وكنت تتمتع أيضاً بتركيز جيد ووعي ذاتي، فقد تكون بذلك تستخدم نمطاً ذهنياً يدعم الإبداع والتفكير المرن وحل المشكلات.

عادة التحدث مع النفس

قد يبدو التحدث مع النفس، سواءً كان صامتاً أو بصوت خافت، غريباً من وجهة نظر الآخرين. مع ذلك تشير الأبحاث النفسية الحديثة إلى أن الحديث الداخلي مع الذات يُمكن استخدامه لدعم التنظيم الذاتي والتخطيط والتفكير التأملي (أي التفكير في أفكارك).

ووفقاً لدراسة أُجريت عام 2023 على طلاب جامعيين، توجد علاقة وثيقة بين استخدام الحديث الداخلي ومقاييس التنظيم الذاتي ووضوح مفهوم الذات. بعبارة أخرى، يُظهر الأفراد الذين يتحدثون مع أنفسهم أكثر من غيرهم وضوحاً أكبر في هويتهم الذاتية، فضلاً عن تنظيم ذاتي أفضل.

وهذا لا يعني بالضرورة أن الحديث مع النفس يدل على ذكاء أعلى، بل يُشير إلى أن الحديث الداخلي قد يعمل بوصفه دعامة معرفية، أو وسيلة لتنظيم الأفكار المعقدة، وتسلسل الأفعال، ومتابعة الأهداف.

هذا يعني أنه من خلال التعبير عن الأفكار داخلياً أو بصوتٍ خافت، قد يجد الدماغ سهولةً أكبر في تقليل التشويش الذهني، ونتيجةً لذلك قد يُرتب أيضاً المشكلات بكفاءة وفاعلية أكبر.

مع ذلك، وكما هو الحال مع شرود الذهن، فإن الحديث مع الذات لا يُفيد إلا باعتدال، فالحديث المفرط أو السلبي مع الذات، خصوصاً في صورة اجترار الأفكار أو النقد الذاتي القاسي، يُمكن أن يُضعف التركيز والصحة النفسية. أما عند استخدامه بشكل بنّاء فإن هذا الحوار الداخلي نفسه يُمكن أن يُحوّل الأفكار غير المكتملة إلى خطط قابلة للتنفيذ.