«الغريب» لفرنسوا أوزون... اختبار سينمائي لفلسفة العبث

الفيلم يقتبس رواية ألبير كامو ويُواجه بالصورة صمت العالم

فيلم يضع الإنسان أمام صمت العالم من دون موسيقى تعزية (الشرق الأوسط)
فيلم يضع الإنسان أمام صمت العالم من دون موسيقى تعزية (الشرق الأوسط)
TT

«الغريب» لفرنسوا أوزون... اختبار سينمائي لفلسفة العبث

فيلم يضع الإنسان أمام صمت العالم من دون موسيقى تعزية (الشرق الأوسط)
فيلم يضع الإنسان أمام صمت العالم من دون موسيقى تعزية (الشرق الأوسط)

يُقدّم فيلم «الغريب» للمخرج الفرنسي فرنسوا أوزون قراءة سينمائية متأنّية لرواية ألبير كامو الشهيرة، من دون أن يُحوّلها إلى إعادة تمثيل حرفية للنصّ الأدبي. ينطلق الفيلم، الذي يُعرض في بعض الصالات اللبنانية، من الرواية بوصفها مادّة أولى، لكنه يضع الصورة في الواجهة ويجعل من السينما وسيلة لطرح أسئلة الوجود والعدالة والمعنى في عالم يعجز عن تقديم إجابات شافية.

تدور الحكاية عن «مورسو» (بنجامين فوازان)، الرجل الذي يعيش على هامش الإيقاع الاجتماعي السائد... لا يُظهر مشاعره بالطريقة المُتوقّعة، ولا يُجيد التعبير عنها بلغة مقبولة اجتماعياً. في جنازة والدته، لا يبكي. بعد أيام، يعود إلى حياته اليومية من دون مظاهر حداد واضحة. هذه التفاصيل، التي تبدو عابرة في ظاهرها، تتحوّل تدريجاً عناصر إدانة، لكشفها عن اتّساع المسافة بين الفرد والمجتمع.

موت الأم يُقاس بثقل المشاعر قبل فيضها (الشرق الأوسط)

يعتمد أوزون الأبيضَ والأسودَ خياراً بصرياً أساسياً، في خطوة تُبعد الفيلم عن الإغراءات الجمالية وتضع التركيز على البنية السردية والأداء. الصورة المُجرَّدة تُسهم في تكثيف الإحساس بالبرودة والعزلة، وتُبرز وجوه الشخصيات كأنها مُحاصَرة داخل فضاء اجتماعي ضيّق. الكاميرا لا تلاحق الانفعالات ولا تُقرّب المسافات؛ لتترك الشخصية الرئيسية في مواجهة العالم من دون وساطة.

في منتصف الفيلم، يصل السرد إلى مشهد الشاطئ، وهو المشهد المفصلي الذي تنقلب عنده الحكاية. الجريمة التي يرتكبها «مورسو» تخرج من تقديمها ضمن إطار درامي تقليدي. لا صراع واضحاً، ولا دافع نفسياً مُعلَناً. ما يظهر على الشاشة هو تراكم حسّي تُجسّده حرارة الشمس وتعب الجسد وضغط الضوء. والفعل الإجرامي يأتي فجأة من دون تمهيد عاطفي، كأنه نتيجة خلل مؤقّت في العلاقة بين الإنسان ومحيطه.

هذا المشهد هو المدخل الأساسي لفهم فلسفة العبث عند كامو كما يعكسها الفيلم. فالعبث ليس الفوضى أو اللامعقول؛ إنه إشارة إلى التناقض بين توق الإنسان إلى المعنى وصمت العالم أمام هذا التوق. جريمة «مورسو» تكتسب معناها من غياب التفسير قبل انتفاء الدافع. فالعالم لا يشرح نفسه، والحدث يقع من دون أن يُقدّم مبرّرات أخلاقية.

الشمس في «الغريب» ضغطٌ بصريّ يُربك الجسد والعقل (الشرق الأوسط)

مع انتقال السرد إلى قاعة المحكمة، تتغيَّر طبيعة الصراع. المحاكمة تنشغل بشخصية «مورسو» وسلوكه العام بدل أن تتركّز على الفعل وحده... طريقة حزنه، علاقته بأمّه، ردود الفعل منه بعد الجنازة، تتحوّل إلى أسئلة مركزية. العدالة، كما يصوّرها الفيلم، لا تكتفي بمحاكمة الجريمة، فتسعى إلى محاكمة أسلوب الحياة.

هنا تتقاطع السينما مع فلسفة كامو بشكل مباشر... «مورسو» لا يُدان لأنه قاتل؛ يُدان لأنه لم يلتزم المعايير العاطفية والاجتماعية المُتوقّعة. في هذا السياق، يحتاج المجتمع إلى سردية أخلاقية متماسكة تُبرّر أحكامه. وحين يرفض الفرد المشاركة في إنتاج هذه السردية، يتحوّل إلى عنصر مُزعج يجب إقصاؤه.

أداء بنجامين فوازان شخصية «مورسو» يختزل اللااكتراث البارد... لا انفعالات زائدة ولا محاولات لاستدرار التعاطف. هذا الخيار يتماشى مع رؤية الفيلم التي ترفض تحويل الشخصية بطلاً أو ضحية. «مورسو» يمثّل إنساناً يواجه العالم كما هو، من دون أن يُضفي عليه معاني إضافية، ومن دون أن يبحث عن تبرير لسلوكه.

في خلفية هذا كلّه، تبرز فلسفة العبث بوصفها موقفاً وجودياً لا يدعو إلى العدمية. كامو لا ينفي قيمة الحياة؛ هو يرفض الأوهام التي تُفرَض عليها. الاعتراف بعبث العالم يعني العيش بوعي وحدود واضحة. يُساء فهمه بتفسيره دعوةً للاستسلام. «مورسو» في لحظاته الأخيرة لا يصل إلى خلاص ولا يكتشف حقيقة كبرى. ما يبلغه هو قبول هادئ بفكرة الموت بصفتها جزءاً من نظام كوني لا يَعِد بالعدل ولا بالمعنى.

وجهٌ محايد في عالم يُطالب بالمشاعر دليلَ إدانة (الشرق الأوسط)

ينجح فرنسوا أوزون في تقديم فيلم يحافظ على جوهر رواية «الغريب» ويُعيد طرح أسئلتها بلغة سينمائية معاصرة. عمله يضع المُشاهد أمام تجربة توقظ أسئلة مُلحَّة عن العدالة والاختلاف والحاجة الإنسانية الدائمة إلى المعنى. لا يسعى إلى تفسير كامو ولا إلى تحديثه قسراً، وفي ذلك، يظلّ وفياً لفكرة أساسية، هي أنّ أخطر ما في العبث محاولة إنكاره وليس الاعتراف به.


مقالات ذات صلة

«مغسلة»... فيلم جنوب أفريقي يستعيد معاناة «الفصل العنصري»

يوميات الشرق استعادت المخرجة جزءاً مما حدث مع عائلتها (الشركة المنتجة)

«مغسلة»... فيلم جنوب أفريقي يستعيد معاناة «الفصل العنصري»

تعود المخرجة الجنوب أفريقية، زامو مخوانازي، بفيلمها الروائي الطويل الأول «مغسلة» إلى زمن مضطرب عاشته بلادها في الخمسينات والستينات من القرن العشرين.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق نال الفيلم إشادات نقدية عديدة (الشركة المنتجة)

أوبيمار ريوس غوميز: «شاعر» أرهقني نفسياً وجسدياً ببساطته الخادعة

قال الممثل الكولومبي أوبيمار ريوس غوميز، إن مشاركته في فيلم «شاعر» كانت من أكثر التجارب التي غيّرت نظرته إلى التمثيل والحياة في آن واحد.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق المنتج محمد عبد الوهاب والمخرج داود عبد السيد في كواليس الفيلم الوثائقي (خاص لـ«الشرق الأوسط»)

«البحث عن داود عبد السيد»... يرصد رحلة «فيلسوف السينما المصرية»

أعلنت قناة «الجزيرة الوثائقية» عن عرض فيلم «البحث عن داود عبد السيد»، الذي يرصد رحلة المخرج المصري والملقب بـ«فيلسوف السينما المصرية».

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق المدير الفني للمهرجان نيكلاس إنغستروم (الشرق الأوسط)

نيكلاس إنغستروم: نحافظ على استقلال «كوبنهاغن للأفلام الوثائقية»

قال المدير الفني لمهرجان «كوبنهاغن للأفلام الوثائقية»، نيكلاس إنغستروم، إن اختيار الأفلام في المهرجان لا يعتمد على الجودة الفنية فقط، بل على معايير عدة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق «مجهولة» لهيفاء المنصور (المنصور استبليشمنت)

المرأة ومشكلاتها المتعددة على الشاشة العربية

أصابت الممثلة هند صبري بيت القصيد عندما صرّحت مؤخراً بأن السينما العربية تخشى تقديم شخصيات نسائية في البطولة. في الواقع تدور معظم الأفلام المُنتجة حول موضوعات…

محمد رُضا‬ (بالم سبرينغز (كاليفورنيا))

رحلة توثيقية في «ذاكرة الرياض» تستعيد تحولاتها الحضارية عبر نصف قرن

تحولات عمرانية جذرية نقلتها من مدينة تقليدية محدودة النطاق إلى عاصمة حديثة ذات ثقل سياسي واقتصادي وعمراني (واس)
تحولات عمرانية جذرية نقلتها من مدينة تقليدية محدودة النطاق إلى عاصمة حديثة ذات ثقل سياسي واقتصادي وعمراني (واس)
TT

رحلة توثيقية في «ذاكرة الرياض» تستعيد تحولاتها الحضارية عبر نصف قرن

تحولات عمرانية جذرية نقلتها من مدينة تقليدية محدودة النطاق إلى عاصمة حديثة ذات ثقل سياسي واقتصادي وعمراني (واس)
تحولات عمرانية جذرية نقلتها من مدينة تقليدية محدودة النطاق إلى عاصمة حديثة ذات ثقل سياسي واقتصادي وعمراني (واس)

وثَّق مشروع سعودي رحلة التحولات الحضارية والعمرانية التي شهدتها مدينة الرياض خلال الفترة الممتدة بين 1950 و2000م، وتتبع تاريخها الفريد في بناء هوية حضرية مميزة تعكس روح المكان وتطوره.

وأبرز مشروع «ذاكرة الرياض» الذي أنجزته أمانة منطقة الرياض، لتوثيق وحفظ الذاكرة الحضرية للعاصمة السعودية، الدور المؤثر والتنموي لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، إبّان فترة إمارته لمنطقة الرياض، وما أحدثه من نقلة نوعية في تخطيط المدينة وتنظيمها وتطوير معالمها العمرانية ذات القيمة التاريخية والمعمارية والاجتماعية.

ومن خلال منهجية علمية دقيقة تجمع بين المسح الميداني، والدراسات التاريخية والاجتماعية، والتحليل المعماري، نفَّذ المشروع حصراً ميدانياً شمل 112 حياً سكنياً و1155 موقعاً، ضمّت أكثر من 1000 مبنى متنوع بين مبانٍ حكومية وخدمية وسكنية، ومبانٍ ذات أهمية اجتماعية وتاريخية، منها 100مبنى مصنّف ضمن مباني ذاكرة الرياض، و55 مبنى ذا أهمية تاريخية واجتماعية، و70 مبنى مهجوراً، و35 مبنى أُزيل لاحقاً، و70 تصميماً لمبانٍ لم تُنفذ.

انتقال العمران من النمط الطيني التقليدي إلى المباني الخرسانية تزامن مع اختيار الرياض عاصمةً إداريةً للمملكة (واس)

أهم تحولات عمارة الرياض خلال نصف قرن

قال الدكتور نائف الغامدي، مدير مشروع ذاكرة الرياض، إن العاصمة السعودية، شهدت بين عامي 1950 و2000م تحولات عمرانية جذرية نقلتها من مدينة تقليدية محدودة النطاق إلى عاصمة حديثة ذات ثقل سياسي واقتصادي وعمراني.

ويضيف: «في الخمسينات الميلادية، بدأت ملامح التحول الأولى مع اعتماد مواد البناء الحديثة ومنها الخرسانة المسلحة، وانتقال العمران من النمط الطيني التقليدي إلى المباني الخرسانية، وذلك تزامناً مع اختيار الرياض عاصمةً إداريةً للمملكة، وانتقال الوزارات والمؤسسات الحكومية إليها، مما أسهم في توسّع المدينة خارج أسوارها التاريخية، بالتالي عقد الخمسينات الميلادية هو البداية الحقيقية لتحديث الدولة».

ويشير الغامدي إلى أن الرياض وخلال الستينات الميلادية، شهدت تطوراً ملحوظاً في التخطيط العمراني، حيث ظهرت الأحياء السكنية المخططة مثل حي الملز، وتوسعت شبكة الطرق، وازدادت المباني الحكومية والمدارس، مع تحسن مستوى الخدمات والبنية التحتية، وقد اتسمت هذه المرحلة بالاتزان في النمو، مع تركيز على الجودة وتلبية الاحتياجات الأساسية للسكان.

منهجية علمية للمشروع جمعت بين المسح الميداني والدراسات التاريخية والاجتماعية والتحليل المعماري (واس)

أما السبعينات الميلادية، فقد شكّلت نقطة تحول كبرى بفعل الطفرة النفطية. وأردف الغامدي: «تسارع التوسع العمراني أفقياً ورأسياً خلال السبعينات الميلادية، وظهرت مشاريع ضخمة للبنية التحتية، والطرق الدائرية، والمرافق العامة، إضافةً إلى مجمعات سكنية متكاملة، كما بدأت الدولة في استقطاب الخبرات العالمية، مما انعكس على تنوع الطرز المعمارية وتحديث أساليب البناء».

وفي الثمانينات الميلادية، تبلور وعي عمراني يسعى إلى التوفيق بين الحداثة والهوية المحلية، فظهرت مشاريع رمزية مميزة مثل حي السفارات ومنطقة قصر الحكم، التي أعادت قراءة التراث النجدي بأسلوب معاصر، وترافق ذلك مع اهتمام أكبر بالفراغات العامة، والمشاة، والبعد البيئي.

ويضيف الغامدي أن حقبة التسعينات الميلادية، تميزت بمرحلة النضج العمراني، حيث اتجهت الرياض نحو العمارة الرأسية وبرزت الأبراج الحديثة، إلى جانب مشاريع كبرى في مجالات الصحة، والثقافة، والرياضة.

ومع نهاية القرن، بدأت الرياض بالاتجاه الرأسي بشكل واضح، وأصبحت كذلك مدينة متعددة المراكز، تعكس مزيجاً من الحداثة والتاريخ، وتمتلك هوية عمرانية واضحة بوصفها عاصمة إقليمية حديثة.

فريق المشروع اشتمل على 45 شخصاً من المتخصصين في الجامعات السعودية (واس)

كواليس إنجاز ذاكرة الرياض

يكشف الدكتور نائف الغامدي مدير مشروع ذاكرة الرياض، عن أن المشروع بدأ بفكرة من أمانة منطقة الرياض بداية عام 2022، وتبلورت هذه المبادرة حتى أصبحت مشروعاً وطنياً كبيراً، بادرت الأمانة بطرحه وترسيته على معهد الملك عبد الله للبحوث والدراسات الاستشارية بجامعة الملك سعود.

وفي سبتمبر (أيلول) 2022، بدأ العمل على تكوين فريق المشروع الذي اشتمل على 45 شخصاً من المتخصصين في الجامعات السعودية، ضمت مؤرخين ومتخصصين في العمارة والتراث، وممارسين معماريين، ومختصين بنظام المعلومات الجغرافية، وباحثين ميدانيين، ومصممي غرافيك، وفريقاً للدعم.

ويقول الغامدي إن المشروع أُنجز عبر 3 مراحل: الأولى كانت مرحلة حصر المباني، ثم مرحلة الدراسات التحليلية، وأخيراً مرحلة التوثيق، ويضيف: «المشروع إجمالاً لم يكن سهلاً على الإطلاق، بل كان يمر بصعوبات وتحديات كثيرة، ويعد هذا المشروع ثروة معرفية مفتوحة نشكر أمانة منطقة الرياض على إتاحته للجميع دون أي استثناء، حيث تمت إتاحة جميع البيانات والمعلومات والرسومات ومواقعها الجغرافية للمباني المحصورة على الموقع الإلكتروني للمشروع، بالإضافة إلى الأفلام الوثائقية الخمسة، وكذلك الكتب الخاصة بمشروع ذاكرة الرياض».


مكعبات تُفكّر وتُصدر أصواتاً... «ليغو» تدخل عصر الذكاء الاصطناعي

«ليغو» تغيّر قواعد اللعب (أ.ف.ب)
«ليغو» تغيّر قواعد اللعب (أ.ف.ب)
TT

مكعبات تُفكّر وتُصدر أصواتاً... «ليغو» تدخل عصر الذكاء الاصطناعي

«ليغو» تغيّر قواعد اللعب (أ.ف.ب)
«ليغو» تغيّر قواعد اللعب (أ.ف.ب)

أماطت شركة «ليغو» النقاب عن «مكعبات ذكية»، وهي نسخ مطوَّرة تكنولوجياً من مكعبات البناء الصغيرة، تقول الشركة إنها ستُضفي الحياة على مجموعات اللعب من خلال الصوت والضوء والتفاعل مع الحركة.

ومع ذلك، فقد أثارت المجموعة الجديدة من المنتجات ردود فعل متباينة من قِبل خبراء اللعب؛ إذ يرى بعضهم أنها تُهدّد بتقويض ما يُميّز لعبة «ليغو» للأطفال في عالم يزداد رقمنةً.

وجاء الإعلان عن نظام «اللعب الذكي» من شركة الألعاب الدنماركية في إطار فعاليات «معرض الإلكترونيات الاستهلاكية لعام 2026» في لاس فيغاس بالولايات المتحدة. ويُضيف النظام مكوّنات إلكترونية جديدة إلى مكعبات البلاستيك الكلاسيكية.

وأكدت «ليغو» أنّ منتجاتها الجديدة المزوَّدة بالتكنولوجيا، التي ستُطلق في مارس (آذار) المقبل مع مجموعة جديدة من لعبة «حرب النجوم»، تُعدّ «أعلى ابتكاراتها ثورية» منذ نحو 50 عاماً.

وعلى الجانب الآخر، عبّر المدير التنفيذي لمجموعة «فيربلاي» المعنية برفاهية الأطفال، جوش غولين، عن مخاوفه بأنّ المكعبات الذكية قد «تُقوّض ما كان رائعاً في (ليغو)»، أي تعزيز قدرات الخيال لدى الأطفال خلال اللعب.

وأضاف أنّ اللعبة ليست بحاجة إلى ميزات إضافية لتوليد الأصوات أو المؤثرات الأخرى.

وقال لـ«بي بي سي»: «كما يعلم أي شخص شاهد طفلاً يلعب بمكعبات (ليغو) القديمة، فإنّ إبداعات الأطفال في (ليغو) تتحرك وتصدر أصواتاً بفضل قوة خيالهم».

وأبدى أستاذ شؤون الأطفال والتكنولوجيا في جامعة إدنبرة، آندرو مانشيز، اتفاقه مع غولين في أن جمال «ليغو» يكمن في «حرية الإبداع، وإعادة الإبداع، وتكييف المكعبات البسيطة في قصص لا حصر لها تغذيها مخيلة الأطفال»؛ وإنما رحَّب، في الوقت عينه، بجهود «ليغو» لتعزيز اللعب المادي والرقمي بأدوات تتفاعل مع طريقة تعامل الأطفال مع منتجاتها الذكية.

رهان تكنولوجي كبير يضع ألعاب الطفولة في مواجهة أسئلة معاصرة (أ.ب)

من ناحيتها، أوضحت رئيسة قسم المنتجات والتسويق في الشركة، جوليا غولدين، أنّ «ليغو» تنظر إلى التكنولوجيا الرقمية بوصفها فرصة «لتوسيع نطاق اللعب المادي والبناء المادي».

وقالت: «لا ننظر إلى العالم الرقمي بوصفه مصدر تهديد»، مضيفةً أن مجموعتها الذكية تدمج التفاعل بـ«سلاسة» مع منتجاتها المادية.

ما مكعبات «ليغو» الذكية؟

شرحت «ليغو» أنّ مكعباتها الذكية تستشعر الحركة والموقع والمسافة؛ ممّا يسمح للنماذج بالاستجابة بطرق متنوّعة خلال اللعب.

ويحتوي المكعبُ نفسه، الذي يبلغ قياسه 2×4 سنتيمترات، مستشعرات، وأضواء، ومُركّباً صوتياً صغيراً، ومقياس تسارع، وشريحة سيليكون مصمَّمة خصيصاً تمكّنه من اكتشاف الحركة والتفاعل معها... إنما يستدعي التصميم استخدام هذا النظام مع مجسّمات «ليغو» الذكية وبلاطات العلامات الذكية، وهما منتجان إضافيان يُشكّلان نظام اللعب الذكي من «ليغو».

وبالمثل، عُدِّلت هذه المكوّنات من مكوّنات «ليغو» الحالية، وتحتوي مُعرّفات رقمية تُصدر أصواتاً أو تُطلق ردود فعل مختلفة عند اكتشافها وتفاعلها معاً.

ابتكار حديث يقابَل بترحيب حذر وأسئلة تربوية مفتوحة (أ.ب)

وعلى سبيل المثال، عند تجربة «هيئة الإذاعة البريطانية» هذا النظام في «معرض الإلكترونيات الاستهلاكية»، تعرّفت «كعكة عيد ميلاد» من «ليغو» على انطفاء «شموعها»، فأصدرت صوت هتاف وأغنية «عيد ميلاد سعيد».

وفي الوقت نفسه، أصدرت طائرة هليكوبتر من «ليغو» أصوات أزيز عند تحريكها أو تدويرها، وأضاءت وحدة «الطوب الذكي» الخاصة بها باللون الأحمر عند تحطّمها.

وفي هذا السياق، شرح رئيس «مختبر اللعب الإبداعي» في «ليغو»، توم دونالدسون، أنّ هذه التقنية مُصمَّمة للاستجابة لتصرّفات الأطفال وتكميل طريقة لعبهم الطبيعية.

وأضاف أنّ ردود فعل وحدة «الطوب الذكي» على التفاعلات «ستُلهم المستخدم وتُفاجئه؛ مما يُشجعه على مواصلة اللعب». وقال: «نحن نبني منصة نأمل أن تستمر سنوات طويلة».

وصرّح البروفسور مانشيز بأنّ انخفاض تكلفة وحجم المكوّنات «مكَّن مزيداً من مُصنّعي الألعاب من دمج التكنولوجيا الرقمية بسلاسة في مجموعة متنوعة من الألعاب». لكنه استطرد بأنه «رغم الابتكار المثير، فإنه لا تزال هناك مخاوف بشأن أمن الألعاب الذكية الجديدة والخصوصية على الأطفال، لا سيما تلك التي تدمج تقنيات الذكاء الاصطناعي».

وقال: «يكمن الحل في أن نستمر جميعاً في التفكير طويلاً بتصميم هذه الألعاب، ونولي اهتماماً كبيراً لكيفية تأثيرها على حياة الأطفال اليومية».

يُذكر أنّ هذه ليست أول مرة تخوض فيها شركة «ليغو» غمار التجارب الرقمية أو تسعى إلى استقطاب جمهور متنامٍ من مستخدمي الإنترنت، فمنذ عام 2017، أطلقت الشركة تطبيقات وتجارب الواقع المُعزّز التي تتيح للمستخدمين التفاعل مع نماذج مولَّدة كومبيوترياً تُضاف إلى محيطهم.

ومن خلال التعاون مع ناشري ألعاب الفيديو، مثل «نينتندو» و«إيبك غيمز»، مطوّرة لعبة «فورتنايت»، سعت الشركة كذلك إلى استقطاب محبّي الألعاب الرائجة أو الإصدارات الجديدة، وأطلقت مجسّم «سوبر ماريو» المصغّر عام 2020 بشاشة عرض صغيرة. وقال الرئيس التنفيذي لشركة «ليغو»، نيلز بي. كريستيانسن، في التقرير السنوي للشركة لعام 2024، إنها زادت من إنفاقها على التكنولوجيا الرقمية؛ لأنها «مجال استراتيجي» للشركة.


«Exit to Exist» في بيروت: تجهيز فنّي أربك المألوف وحرَّض على التفكير

في هذا المعرض أدَّت اللافتات دور التشويش بدل الإرشاد (الشرق الأوسط)
في هذا المعرض أدَّت اللافتات دور التشويش بدل الإرشاد (الشرق الأوسط)
TT

«Exit to Exist» في بيروت: تجهيز فنّي أربك المألوف وحرَّض على التفكير

في هذا المعرض أدَّت اللافتات دور التشويش بدل الإرشاد (الشرق الأوسط)
في هذا المعرض أدَّت اللافتات دور التشويش بدل الإرشاد (الشرق الأوسط)

على درج مار نقولا في منطقة الجمّيزة البيروتية، بدا معرض الفنان اللبناني إبراهيم سماحة، «Exit to Exist»، تجربة تتقصَّد الإرباك وتُراهن على كسر الألفة بين الإنسان وما يحيط به. لم تُعرَض الأعمال في صالة مُغلقة ولم تُسلَّط عليها إضاءة بعناية متحفيّة تقليدية. فقد زرعها في فضاء مفتوح بين حركة المارة وصخب المدينة وتعبها اليومي. كأنّ المعرض أصرَّ على أن يكون جزءاً من المشهد.

الوجود نفسه مسار غير مستقرّ مليء بالمخارج المؤقّتة (الشرق الأوسط)

انطلق سماحة من لافتات الخروج وصناديق القمامة والعبارات الجاهزة وأدوات الاستعمال اليومي، وهي مفردات نعرفها جميعاً. لكنه لم يعرضها كما هي. أعاد صياغتها لغوياً وبصرياً، وبدَّل وجهتها لتتحوّل من إشارات وظيفية إلى جُمل وجودية ساخرة ومُربكة. عبارة مثل «Exit to Exist» تجعل الزائر يُفكّر في مدى احتمال أن يخرج الإنسان كي يوجد، أم أنّ وجوده في ذاته هو حالة الخروج الدائم؟

في أعماله النصّية، يتلاعب سماحة باللغات وبالمرجعيات الفلسفية، من «Je pense donc j’essuie» التي تُفرغ مقولة ديكارت من صرامتها العقلانية، إلى عبارات تبدو للوهلة الأولى خفيفة أو طريفة، لكنها تحمل في طيّاتها نقداً لاذعاً لعلاقة الإنسان بذاته والمجتمع وآليات التفكير المُعلَّبة. السخرية ليست للضحك فقط. إنها أداة تفكيك تُزيح الغطاء عما نحاول تجاهله.

لاختيار درج مار نقولا دلالة خاصة في سياق هذه التجربة. فالمكان بما يحمله من تاريخ وحياة يومية وحركة صعود ونزول، يتحوَّل إلى جزء من العمل نفسه. المرور والتوقُّف والتحديق السريع أو القراءة المتأنّية، كلّها أفعال تدخل ضمن التجربة الفنّية. ومع ذلك، لم يُجبر المعرض زائره على طَقْس محدّد، وفضَّل تَرْكه حراً أمام الاصطدام بالأعمال أو تجاهلها، تماماً كما نفعل مع الأسئلة الكبرى في يومياتنا.

«Je pense donc j’essuie»... عبارة تُفرغ اليقين من صلابته (الشرق الأوسط)

يؤمن إبراهيم سماحة بأنّ الفكرة لا تحتاج دائماً إلى تعقيد بصري أو مادة «نبيلة» كي تكون فنّاً. ما يهمّه هو زاوية النظر وتغيير السياق الذي تُرى فيه الأشياء، كما يقول لـ«الشرق الأوسط». الدعابة بالنسبة إليه مدخل فعّال للتواصل مع الجمهور. فهي تُخفّف ثقل الفكرة من دون أن تُفرغها من معناها. لم يُرد تلقين المتلقّي ولم يكترث للتفسير الثابت. أراد فَتْح المجال أمام إسقاطاته الشخصية، وأمام ما يحمله كلّ فرد من أسئلة ومخاوف وأفكار غير مُعلَنة.

ولا يتعامل إبراهيم سماحة مع الأشياء اليومية على أنها مُهمَلة أو بلا قيمة. يرى فيها عناصر حيّة فقدت قدرتها على إثارة الانتباه بسبب الألفة المُفرَطة. لذا، ما سعى إليه هو تغيير زاوية النظر لنقل هذه الأشياء من وظيفتها المباشرة إلى سياق آخر يُتيح للمتلقّي أن يراها بعين مختلفة ويتفاعل معها خارج الاستخدام المُعتاد. في هذا التحويل، جعل الدعابة وسيلة فعّالة لفتح الذهن وتوسيع مساحة التلقّي وإقامة علاقة أقلّ توتّراً وأكثر عفوية بين العمل والجمهور.

ورغم ما قد يُقرأ في أعماله من مساحات عبثية أو تهكّمية، لا يرى سماحة نفسه معنياً بالانخراط في فلسفة العبث. بالنسبة إليه، الفكرة قادرة على الوصول بطرق متعدّدة، فيقرأ المتلقّي العمل من خلال تجاربه الخاصة وإسقاطاته الداخلية، وقد يرى فيه ما لم يقصده الفنان أساساً. هذا التعدُّد في التأويل لا يزعجه، إذ يلمح فيه جزءاً من حيوية العمل الفنّي وقدرته على الاستمرار.

من هنا، يرفض سماحة فكرة الفنّ المشروط بردّة الفعل أو بتصفيق المُتلقّين. برأيه، الخوف من الجمهور يُقيّد التعبير ويُحوّل الفنان إلى أسير توقّعات خارجية. ما يهمّه هو أن تُقال الفكرة كما هي، من دون رقابة ذاتية أو اجتماعية، لأنّ هذا الانسياب وحده يتيح للعمل أن يصل بوضوح، فيفتح باباً للتفكير بدل أن يُغلقه بإجابات مُتداوَلة.

كم من آرائنا نرميها يومياً من دون أن نفكّر بمصدرها (الشرق الأوسط)

ورغم ما تحمله الأعمال من جرأة لغوية وبصرية، يُكرّر سماحة أنه ليس معنياً بإحداث صدمة مباشرة أو باستفزاز مجاني. لا يوظّف الجرأة في الإخراج الصاخب، بقدر ما يراها في عرض ما نفكّر فيه عادة ولا نجرؤ على إعلانه، أو ما نخجل من الاعتراف به. تحويل هذه الأفكار إلى أعمال معروضة في فضاء عام هو موقف بذاته يضع الفنّ في مواجهة المجتمع، قبل خدمته أو حصره في موقع التزيين.

«Exit to Exist» معرض راكم الأسئلة وتركها مُعلّقة بين الزائر والمكان والعبارة. وبينما المرء مُطالَب بتفسير سريع وموقف حاسم، اختار إبراهيم سماحة أن يراهن على الغموض المُنتِج وعلى المساحة الرمادية التي تسمح للفنّ بأن يكون أداة تفكير.

عُلِّقت الأعمال على حركة العابرين وأسئلتهم غير المُعلنة (الشرق الأوسط)

هكذا، بدا المعرض تجربة ذهنية لم تقلَّ حضوراً عن بُعدها البصري. تجربة دعت إلى التوقُّف أمام تفاصيل نمرّ بها يومياً من دون الالتفات إليها، وإلى التفكير في معنى الوجود داخل هذا الصخب المتواصل. على درج مار نقولا، لم يطلب «Exit to Exist» من زائره أن يفهم. أراده أن يُعيد النظر في الطريق التي يسلكها وفي المَخارج التي يظنّها بديهية.