ماريا الدويهي... سعيدة بتسلُّق «القرنة البيضا» مع يحيى جابر

الممثلة اللبنانية تخوض تجربةً مسرحيّة انتظرَتْها 20 عاماً

الممثلة ماريا الدويهي والكاتب والمخرج المسرحي يحيى جابر (صور الدويهي)
الممثلة ماريا الدويهي والكاتب والمخرج المسرحي يحيى جابر (صور الدويهي)
TT

ماريا الدويهي... سعيدة بتسلُّق «القرنة البيضا» مع يحيى جابر

الممثلة ماريا الدويهي والكاتب والمخرج المسرحي يحيى جابر (صور الدويهي)
الممثلة ماريا الدويهي والكاتب والمخرج المسرحي يحيى جابر (صور الدويهي)

الصعود إلى خشبة يحيى جابر ليس كما النزول عنها، فما بين أسفل المسرح وأعلاه رحلةٌ طويلة من التشريح النفسي، والإنساني، والفني يخضع لها الممثل على يد كاتبٍ ومُخرجٍ مسرحيّ يعتمد «مقاربةً فرويديَّة» في التعامل مع ممثّليه ونصوصه وجمهوره.

12 شهراً أمضتها ماريا الدويهي وهي تعيد اكتشاف ذاتها كممثلة وكإنسانة تحت إشراف جابر، هو الذي يُنظَر إليه منذ سنوات على أنه القلب النابض للنهضة المسرحية في بيروت. سنةٌ انقضت وهما يستعدَّان لتقديم مسرحية «القرنة البيضا»، وها قد حان موعد اللقاء مع الجمهور.

عشيَّة العرض الأول، تتحدّث ماريا الدويهي لـ«الشرق الأوسط». هي الآتية من خبرة أكاديمية طويلة حصلت بموجبها على الدكتوراه في المسرح ودرّست جيلاً من الطلّاب في معهد الفنون في «الجامعة اللبنانية»، تقول إن العمل مع جابر كان بمثابة «دخولٍ جديد إلى الجامعة». وهي التي تأخَّرت سنواتٍ في خوض التمثيل على الخشبة وأمام الكاميرا، تُدرك أن تعاونها معه قرَّبها أكثر من «القمة التي طمحت إليها وثابرت من أجلها على مدى 20 عاماً».

مسرحية «القرنة البيضا» ليحيى جابر مونودراما من بطولة ماريا الدويهي (صور الدويهي)

للمفارقة فإنَّ عنوان المسرحية يتلاقى وتطلُّعاتِ ماريا الدويهي، فـ«القرنة البيضا» تعبيرٌ مقتبس من القرنة السوداء، وهي أعلى قمَّة في لبنان، تطلّ على مدنِ الشمال اللبناني وقُراه.

قبل سنتَين، وقفت ماريا الدويهي على الخشبة ضمن مسرحيةٍ كتبتها وحملت عنوان «آخر بروفا». كما لو أنَّ قلبها وقلمَها أنبآها بأنَّ ذاك سيكون التمرين الأخير قبل اللقاء مع يحيى جابر. في «القرنة البيضا»، تكرّر تجربة «المونودراما» فتَشغل المسرح وحيدةً لأكثر من 100 دقيقة. لكن هذه المرة، تختلف المقاييس كلها؛ هي مجموعة نساء في امرأةٍ واحدة. هي أصواتٌ صارخة وخافتة، وحكاياتٌ مُبكية ومضحكة لفَرط السواد، وهي انكساراتٌ تَناقلتها أجيالٌ من النساء.

ليست ماريا الدويهي غريبةً عن الشمال اللبناني. هي ابنةُ زغرتا ومَصيَفِها إهدن. هي ابنةُ أمّها، وجدّتها، وعمّتها، وجاراتها، وكلِ امرأةٍ شماليةٍ عرفتها فانسكبت فيها حكايتُها من دون أن تدرك. كان على يحيى جابر أن يحفر عميقاً في تلك الذاكرة، حتى يُخرجَ «طريزا»، و«يوسفيّة»، و«روزانا»، و«كاميليا»، و«فايزة» و«لبيبة»، وغيرهنّ ممّن يسكنَّ المسرحية. شخصياتٌ طالعة من بنات أفكاره، أما حكاياتهنّ فطالعةٌ من الواقع.

استغرق التحضير للمسرحية عاماً من البحث والكتابة والإعداد (صور الدويهي)

يهجس جابر بالبيئات اللبنانية المتنوّعة. عندما يعدّ مسرحية، ينقّب في المجتمعات كما يفعل عالِم أنثروبولوجيا وتاريخ. خلال العقد الأخير، ندهته بيروت مع الممثل زياد عيتاني في «بيروت الطريق الجديدة»، وبعلبك مع عباس جعفر في «هيكالو»، والجنوب مع أنجو ريحان في «مجدّرة حمرا» و«شو منلبس»، والضاحية الجنوبية لبيروت مع حسين قاووق في «شو ها»، وبيئة جبل لبنان المسيحية مع ناتالي نعّوم في «من كفرشيما للمدفون». أما اليوم فتتّجه الرحلة شمالاً وتحديداً إلى قضاء زغرتا في حقبة الخمسينيات من القرن الماضي.

وكما يهجس بالثقافات والعادات المحلّيّة للمجتمعات اللبنانية، فإنّ جابر مسكونٌ كذلك بقضايا المرأة. وكأنّه يريد تحويل مسرحه إلى ساحةٍ شاسعة تركض فيها حرّةً، تنفض عليها مآسيها، وتفضح من خلالها كل من طعنها، واستصغرها، وصيّرَها ضحية.

في «القرنة البيضا»، وأكثر من أي وقت، تهتزّ الخشبة على وقع حكايات نساءٍ سحقتهنّ الموروثات الذكوريّة القاتلة. توظّف ماريا الدويهي كل خلّيةٍ في جسدها، وكل نفسٍ من أنفاسها لسَرد القصص. تتنقّل بين الشخصيات بطواعيةٍ ملفتة. لا تخلع رداء الحزن الأسود لكنها تبدّل جِلدَها بلمح البصر، فتطير من أقصى التراجيديا إلى أقصى الكوميديا. يكفي أن تغيّر منديلاً أو قبّعة لتقنعك بأنّ «فايزة» صارت «لبيبة»، أو بأنّ «يوسفية» تحوّلت إلى «كاميليا». يزهد يحيى جابر بالديكورات والإكسسوارات، على قاعدة أنّ فرويد اكتفى بكنَبة ليُخرج من البشَر أعمق الندوب والتعقيدات النفسية.

ماريا الدويهي هي ابنة البيئة التي تتحدث عنها المسرحية (صور الدويهي)

تضع الممثلة التي نشأت بين زغرتا وإهدن لهجتها الشمالية في خدمة المسرحية؛ بها تبثّ الروح في الشخصيات. «هي ليست قصتي، لكنها قصة أجيال من النساء الشماليات اللواتي كنّ يستأهلن السعادة والنجاح»، تقول. وقد أدركت ماريا الدويهي من خلال المسرحية، وهذا ما سيدركه الجمهور كذلك، أن انسحاق المرأة ما كان سببُه الذكورية الطافحة، والحروب، والأخذ بالثأر فحسب، بل «لأن المرأة كانت عدوَّة المرأة الأخرى وعدوَّة نفسها أيضاً».

أبعد من اللهجة تذهب ماريا الدويهي في تلوين «القرنة البيضا». كقَوسِ قزحٍ يربط صوتها بداية المسرحية بنهايتها. من الحِداء إلى الدلعونا مروراً بالابتهالات وليس انتهاءً بالطرب العربي وكلاسيكيات الغرب، تغنّي بصوتٍ جميل وأداءٍ مرهف. وإذا كان محتوى مسرحية جابر سيشكّل مفاجأة للجمهور، فإنّ المفاجأة الكبرى سوف تتجسّد في بطلة العمل.

ماريا الدويهي بإطلالتها التلفزيونية الأخيرة في مسلسل «مش مهم الاسم» (صور الدويهي)

لم تكن مسيرة ماريا الدويهي التمثيلية اعتيادية. عشقت الفن طفلةً لكنها خجلت من أن تُفرج عن مواهبها. في حياةٍ موازية، كادت أن تتحوَّل إلى امرأةٍ شبيهة بشخصيات «القرنة البيضا»، غير أنّ الزواج والإنجاب وتربية الأولاد لم يكونوا نهاية الطريق. هي التي تخصصت في المسرح ونالت الدكتوراه فيه، توقفت عن التمثيل 20 عاماً. «في 2018 كانت العودة من خلال مشاركاتٍ صغيرة ومجانية في مشروعات تخرّج للطلّاب بدايةً»، تخبر الفنانة. «لم أعترض ولم أخجل. تعمَّدت أن أصعد السلّم ببطء، ويبدو أن الزرعَ أتى بثماره بما أنني لفتتُ نظرَ يحيى جابر».

قبل فترة وجيزة تعرّف عليها الجمهور العربي في مسلسل «مش مهم الاسم» بشخصية «مي». وبما أنّ الوقت لا يأتي متأخراً، فإنّ ماريا الدويهي تريد التفرّغ لمتابعة الرحلة بين الخشبة والشاشة.

* تٌعرَض «القرنة البيضا» في مسرح «المونو» في بيروت في 6، 8، 11، 14، 16، 27 يناير (كانون الثاني) الحالي.


مقالات ذات صلة

مصر: «القومي للمسرح» لتجاوز «أزمة التكريمات» بالتركيز على جودة العروض

يوميات الشرق الدورة الـ19 تشهد تنوعاً كبيراً في العروض (إدارة المهرجان)

مصر: «القومي للمسرح» لتجاوز «أزمة التكريمات» بالتركيز على جودة العروض

يسعى مسؤولو «المهرجان القومي للمسرح المصري»، في دورته الـ19، التي ستُقام في الفترة من 25 يوليو (تموز) الحالي، وحتى 11 أغسطس «آب» المقبل.

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق أفنان الخضر حصلت على جائزة أفضل ممثلة (الشرق الأوسط)

الفنانة السعودية أفنان الخضر «أفضل ممثلة» في «القاهرة للمونودراما»

حازت الفنانة السعودية أفنان الخضر جائزة «أفضل ممثلة» بمهرجان «أيام القاهرة الدولي للمونودراما» عن مسرحية «مزاد عاطفي» للمخرج تركي باعيسى.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق هشام ماجد وهنادي مهنا في لقطة من العرض (الشركة المنتجة)

هشام ماجد يخوض أولى بطولاته المسرحية بـ«خيال مريض»

يمتدّ العرض الكوميدي أكثر من 3 ساعات، ويتضمَّن جزءاً تفاعلياً يجمع بطل العمل بالجمهور.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق العرض المسرحي السعودي «مزاد عاطفي» (الشرق الأوسط)

«مزاد عاطفي»... مسرحية سعودية ترصد أزمة امرأة تواجه الغدر والخذلان

يلامس العرض المسرحي السعودي «مزاد عاطفي» أوجاع امرأة تعرضت للغدر والخذلان في حياتها مما ترك ندوباً وجراحاً تفضفض بها أمام الجمهور وتجعله شاهداً.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق تقدم «قطر الندى» في عرض واحد على مسرح المدينة (رائدة طه)

رائدة طه تستعيد الذاكرة الفلسطينية في «قطر الندى» من بيروت

قد يمتلك الغرب إمكانات وصناعات تتفوق على ما لدينا، لكنه لا يملك قصصنا ولا التجارب التي مررنا بها

فيفيان حداد (بيروت)