الاقتصاد السعودي مرشح للنمو بزخم غير نفطي يعزز خطوات التنويع في 2026

«الرياض» تتطلع لتحقيق الاستدامة ورفع المرونة أمام التقلبات العالمية

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)
TT

الاقتصاد السعودي مرشح للنمو بزخم غير نفطي يعزز خطوات التنويع في 2026

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)

يدخل الاقتصاد السعودي عام 2026 على وقع تحوّلٍ متسارع تقوده مستهدفات «رؤية 2030»، في وقتٍ يتباطأ فيه نمو الاقتصاد العالمي إلى نحو 3.1 في المائة مع تراجع التضخم العالمي إلى قرابة 3.7 في المائة، وفق تقديرات صندوق النقد الدولي.

وبينما تزداد حالة عدم اليقين عالمياً بفعل التوترات الجيوسياسية والسياسات الحمائية، تراهن السعودية على قوة الطلب المحلي، واتساع قاعدة الأنشطة غير النفطية لتأمين نمو أكثر استدامة، ورفع مرونة الاقتصاد أمام تقلبات أسواق النفط.

وتشير تقديرات وزارة المالية إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في 2026 بنسبة 4.6 في المائة، مدفوعاً بالأنشطة غير النفطية بوصفها «المحرك الرئيسي للنمو».

ويستند هذا الزخم إلى توسُّع قطاعات واعدة، من السياحة والترفيه، إلى الصناعة والنقل والخدمات اللوجيستية، بما عزَّز مساهمتها في الناتج، بعد أن سجَّلت الأنشطة غير النفطية في 2024 مستوى تاريخياً عند 2.6 تريليون ريال (693 مليار دولار) بنمو 6 في المائة.

نمو متواصل

وفي موازاة النمو، تبرز ملامح تحول هيكلي عبر مسارَين، يتمحور الأول في تسارع التحول الرقمي، إذ ارتفعت حصة المدفوعات الإلكترونية إلى 79 في المائة من عمليات دفع الأفراد في 2024، وصعدت مبيعات التجارة الإلكترونية 64.3 في المائة حتى نهاية أغسطس (آب) 2025، مع نمو مبيعات نقاط البيع 6.1 في المائة.

في الوقت الذي يتمثل فيه المسار الثاني في تعاظم دور القطاع الخاص والاستثمار، مع تسجيل مؤشر مديري المشتريات 60.2 نقطة في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، بما يعكس تحسناً في الطلب والإنتاج والتوظيف.

وعلى صعيد الاستقرار الاقتصادي، يتوقع «بيان الميزانية العامة للدولة للعام المالي» تضخماً عند 2 في المائة في 2026، بالتوازي مع سياسات مالية «مرنة ومتوازنة» تركز على رفع كفاءة الإنفاق، وتحسين جودة الخدمات الأساسية، والاستمرار في تنفيذ المشروعات الكبرى ذات الأولوية.

وفي هذا الإطار، بلغ صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر 46.5 مليار ريال (12.4 مليار دولار) في النصف الأول من 2025 بنمو 29.2 في المائة، بما يعكس استمرار جاذبية بيئة الأعمال، وارتفاع الثقة في آفاق الاقتصاد.

تتنامى حركة المواني في السعودية مع زيادة الإنتاج بالبلاد (واس)

تنامي الأنشطة الواعدة

وخلال 2025 واصل الاقتصاد السعودي مسار نمو متوافقاً مع «الرؤية»، مستنداً إلى توسع القطاع غير النفطي، وتنامي مساهمة الأنشطة الواعدة، ما عزَّز تنويع القاعدة الاقتصادية ورفع مرونتها.

وجاءت مؤشرات 2025 امتداداً لنتائج 2024 التي حقَّقت فيها الأنشطة غير النفطية نمواً قوياً وبلغت 2.6 تريليون ريال (693.3 مليار دولار) لتغدو المحرك الرئيسي للناتج.

ومنذ بداية 2025 وحتى الرُّبع الثالث، سجَّل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نمواً 4.1 في المائة مقارنة بالفترة المماثلة، مدفوعاً بنمو الأنشطة غير النفطية 4.7 في المائة. وعلى مستوى الأداء الفصلي، نمت الأنشطة غير النفطية 4.9 في المائة في الرُّبع الأول و4.6 في المائة في الرُّبع الثاني، وانعكس ذلك على قطاعات عدة؛ إذ سجَّلت تجارة الجملة والتجزئة والمطاعم والفنادق نمواً 6.6 في المائة، وسجَّلت خدمات المال والتأمين وخدمات الأعمال 5 في المائة، وسجَّل قطاع التشييد والبناء 3.8 في المائة، بينما أظهرت التقديرات السريعة للرُّبع الثالث نمواً 4.5 في المائة على أساس سنوي.

وفي المقابل، سجَّلت الأنشطة النفطية نمواً 3.9 في المائة خلال الفترة نفسها، مدفوعةً بتطورات سوق النفط المرتبطة بخطة تدريجية لإنهاء التخفيض الطوعي الإضافي البالغ 2.2 مليون برميل يومياً بدءاً من أبريل (نيسان) وحتى نهاية سبتمبر (أيلول) 2025. كما حقَّقت الأنشطة الحكومية نمواً 1.9 في المائة، بدعم تسريع تنفيذ المشروعات والبرامج ذات الأثر الاقتصادي المستدام.

وعلى جانب الطلب، شهد النصف الأول من 2025 نمواً في الاستهلاك النهائي الخاص الحقيقي 3.5 في المائة، بالتزامن مع توسع برامج التوطين وتحسن سوق العمل، ما عزَّز القوة الشرائية ورفع الطلب المحلي.

وفي الاستثمار، نما إجمالي تكوين رأس المال الثابت الحقيقي للقطاع غير الحكومي 4.6 في المائة خلال النصف الأول من 2025، مدفوعاً بارتفاع تكوين رأس المال الثابت في القطاع غير النفطي 5.2 في المائة.

تحسن سوق العمل

وتَزَامَنَ ذلك مع تحسُّن مؤشرات سوق العمل؛ إذ تراجعت البطالة الإجمالية إلى 3.2 في المائة في الرُّبع الثاني 2025 مقابل 3.3 في المائة في الرُّبع الثاني 2024، وانخفضت بطالة السعوديين إلى 6.8 في المائة مقابل 7.1 في المائة، وبلغت مشاركة المرأة السعودية 34.5 في المائة.

كما ارتفع عدد العاملين السعوديين في القطاع الخاص بنحو 144.1 ألف على أساس سنوي ليصل الإجمالي إلى نحو 2.5 مليون موظف.

الأنشطة غير النفطية مرشحة للزيادة خلال عام 2026 (واس)

تنامي السياحة

وسجَّل القطاع السياحي دوراً محورياً في دعم النمو. ووفق «باروميتر السياحة العالمية» الصادر عن منظمة الأمم المتحدة للسياحة، حقَّقت السعودية المرتبة الأولى عالمياً في نمو إيرادات السياحة الدولية خلال الرُّبع الأول 2025 مقارنة بالرُّبع الأول 2019، وثالثة عالمياً في نمو أعداد السياح الدوليين، مع زيادة 102 في المائة في أعداد السياح الدوليين مقارنة بالرُّبع ذاته في عام 2019، ما يدعم مستهدف استقبال 150 مليون سائح سنوياً بحلول 2030.

التضخم... والتجارة الدولية

أما التضخم، فسجَّل متوسطه منذ بداية 2025 وحتى أكتوبر نحو 2 في المائة، مع توقعات أولية لمتوسط 2025 عند قرابة 2.3 في المائة. وعلى صعيد التجارة الدولية، حقَّقت المملكة فائضاً في الميزان التجاري للسلع بنحو 162 مليار ريال (43.2 مليار دولار) منذ بداية 2025 وحتى الرُّبع الثالث، مدعوماً بنمو الصادرات السلعية غير البترولية 17.7 في المائة، بينما ارتفعت الواردات 10.4 في المائة، مع كون غالبية الواردات وسيطة ورأسمالية تشكل 68.9 في المائة من الإجمالي. وسجَّل بند السفر فائضاً قدره 32.2 مليار ريال (8.6 مليار دولار) في النصف الأول 2025.

القطاع المصرفي والأسواق المالية

وعزَّز القطاع المصرفي دوره في تمويل التحول؛ إذ تجاوزت موجودات البنوك 4.9 تريليون ريال (1.31 تريليون دولار) بنهاية سبتمبر 2025 بنمو 13 في المائة، وتخطَّى الائتمان المصرفي 3.2 تريليون ريال (853.3 مليار دولار) بنمو 14 في المائة. وارتفع الائتمان الممنوح للشركات 19 في المائة إلى 1.8 تريليون ريال (480 مليار دولار)، مع تراجع القروض المتعثرة إلى دون 1.2 في المائة وتجاوز كفاية رأس المال 19.6 في المائة.

وفي سوق الأسهم، أغلق مؤشر «تاسي» سبتمبر 2025 عند 11503 نقاط، وشهدت السوق إدراج 14 شركة حتى نهاية الأشهر الـ9 الأولى، مع ارتفاع وزن المستثمرين المؤسساتيين إلى 50.1 في المائة من القيمة المتداولة، وصعود قيمة ملكية المستثمر الأجنبي بأكثر من 29.5 مليار ريال (7.9 مليار دولار) لتصل ملكيته إلى 12.2 في المائة من الأسهم الحرة مقابل 10.9 في المائة.

المالية العامة... إنفاق موجه

وعلى مستوى المالية العامة، تشير التقديرات الأولية إلى عجز في ميزانية 2025 بنحو 245 مليار ريال (65.3 مليار دولار)، ما يعادل 5.3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، ضمن سياسة مالية تتسم بالمرونة وتستهدف دعم التحول وتنويع الاقتصاد.

وقدرت الإيرادات بنحو 1091 مليار ريال (290.9 مليار دولار) والنفقات بنحو 1336 مليار ريال (356.3 مليار دولار)، مع توجيه الإنفاق للاستراتيجيات الوطنية والمشروعات الكبرى وتحسين الخدمات والبنية التحتية.

كما بلغ رصيد الدين العام حتى الرُّبع الثالث من 2025 نحو 1467 مليار ريال (391.2 مليار دولار)، مع توقعات بنحو 1457 مليار ريال (388.5 مليار دولار) بنهاية العام، مقابل 1216 مليار ريال (324.3 مليار دولار) في 2024، مع الحفاظ على الاحتياطات الحكومية لدى البنك المركزي عند مستويات تقارب 390 مليار ريال (104 مليارات دولار).

تنوع الاقتصاد

وسيعمل الاقتصاد السعودي في 2026 عبر مزيج نمو أكثر تنوعاً تقوده الأنشطة غير النفطية والطلب المحلي والاستثمار، في وقتٍ تدعم فيه الإصلاحات والتحول الرقمي وتطور القطاع المالي قدرة المملكة على ترسيخ نمو أكثر استدامة، وتسريع تحقيق مستهدفات «رؤية السعودية 2030» على المدى المتوسط.


مقالات ذات صلة

السعودية تمضي بتعزيز الاستقرار والتنمية في المنطقة

تحليل إخباري السعودية تواصل مبادراتها لتعزيز الأمن والسلام في المنطقة... ويبدو العلم السعودي في أحد المواقع بمدينة جازان (واس)

السعودية تمضي بتعزيز الاستقرار والتنمية في المنطقة

تكثف السعودية عن مبادراتها الإقليمية الرامية إلى تعزيز الأمن والاستقرار، انطلاقاً من رؤية تربط بين خفض المخاطر الجيوسياسية وتهيئة البيئة اللازمة للنمو والتنمية.

فتح الرحمن يوسف (الرياض)
الخليج تداعيات السفينة الجانحة انتقلت نحو مرحلة جديدة مع وصول نفط متسرب إلى البر الرئيسي للسلطنة (العُمانية)

جهود عمانية للحد من آثار التلوث الزيتي في «رأس مدركة»

كثفت اللجنة الوطنية لإدارة الحالات الطارئة في عُمان جهودها في الحد من آثار التلوث الزيتي في منطقة «رأس مدركة» عبر أعمال الاستجابة والتنظيف والرصد والمتابعة.

«الشرق الأوسط» (مسقط)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان والدكتور بدر عبد العاطي وهاكان فيدان خلال اللقاء الأخوي في مدينة العلمين (متحدث الخارجية المصرية)

لقاء سعودي - مصري - تركي يناقش تطورات المنطقة

بحث الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، مع نظيريه المصري الدكتور بدر عبد العاطي، والتركي هاكان فيدان، المستجدات والتطورات الراهنة في المنطقة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الخليج سفينة قرب مضيق هرمز (رويترز)

تنديد عربي واسع باستهداف ناقلتين إماراتيتين في «هرمز»

أدانت دول خليجية وعربية ومنظمات دولية، الجمعة، بأشد العبارات الاعتداءات الإيرانية الغاشمة والمتكررة التي استهدفت ناقلتين تابعتين لشركة «أدنوك» التابعة للإمارات.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (واس)

محمد بن سلمان وكوبر يبحثان جهود خفض التصعيد بالمنطقة

ناقش ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مع قائد القيادة المركزية الأميركية الأدميرال براد كوبر التطورات الإقليمية والجهود المبذولة لخفض التصعيد في المنطقة.

«الشرق الأوسط» (جدة)

كوريا الجنوبية تقيل كبير المفاوضين التجاريين وسط تصاعد التوترات مع أميركا

شاحنات متوقفة بمحطة الحاويات الداخلية في أويوانغ بكوريا الجنوبية (رويترز)
شاحنات متوقفة بمحطة الحاويات الداخلية في أويوانغ بكوريا الجنوبية (رويترز)
TT

كوريا الجنوبية تقيل كبير المفاوضين التجاريين وسط تصاعد التوترات مع أميركا

شاحنات متوقفة بمحطة الحاويات الداخلية في أويوانغ بكوريا الجنوبية (رويترز)
شاحنات متوقفة بمحطة الحاويات الداخلية في أويوانغ بكوريا الجنوبية (رويترز)

أقالت الحكومة الكورية الجنوبية، السبت، كبير مفاوضيها التجاريين، وذلك في وقت تشهد فيه العلاقات التجارية بين سيول وواشنطن تزايداً في حدة التوتر، على خلفية ملفات عالقة وضغوط أميركية متزايدة بشأن الرسوم الجمركية.

وأفاد مسؤول في وزارة التجارة والصناعة والطاقة، يوم الجمعة، بأن يو هان - كو تلقى إخطاراً بإقالته من وزارة إدارة الموارد البشرية، دون الكشف عن أي تفاصيل إضافية حول أسباب القرار.

وأكد مسؤول حكومي، في تصريح لـ«وكالة يونهاب الكورية الجنوبية للأنباء»، أن إقالة يو «ليست لها أي صلة بمفاوضات الرسوم الجمركية الجارية بين سيول وواشنطن».

غير أن أنباء تداولتها وسائل الإعلام ربطت الإقالة بسلوك شخصي غير لائق، وهو ما نفاه يو، في بيان له، واصفاً تلك المزاعم بأنها «لا أساس لها من الصحة»، ومشيراً إلى إمكانية اتخاذ إجراءات قانونية ضد ما وصفها بـ«التقارير المضللة».

تأتي هذه الإقالة في توقيت بالغ الحساسية؛ إذ تواجه سيول ضغوطاً أميركية متصاعدة للإسراع في تنفيذ التزاماتها الاستثمارية، بموجب اتفاقية الرسوم الجمركية الثنائية، إلى جانب نزاع قائم حول الغرامات المفروضة على شركة «كوبانغ» العملاقة للتجارة الإلكترونية المدرجة في بورصة نيويورك، بسبب اختراق بيانات شخصية.


السعودية تمضي بتعزيز الاستقرار والتنمية في المنطقة

السعودية تواصل مبادراتها لتعزيز الأمن والسلام في المنطقة... ويبدو العلم السعودي في أحد المواقع بمدينة جازان (واس)
السعودية تواصل مبادراتها لتعزيز الأمن والسلام في المنطقة... ويبدو العلم السعودي في أحد المواقع بمدينة جازان (واس)
TT

السعودية تمضي بتعزيز الاستقرار والتنمية في المنطقة

السعودية تواصل مبادراتها لتعزيز الأمن والسلام في المنطقة... ويبدو العلم السعودي في أحد المواقع بمدينة جازان (واس)
السعودية تواصل مبادراتها لتعزيز الأمن والسلام في المنطقة... ويبدو العلم السعودي في أحد المواقع بمدينة جازان (واس)

في وقت تزداد فيه حالة عدم اليقين التي تحيط بالاقتصاد العالمي، على وقع تداعيات الحرب الأميركية-الإيرانية والتوترات المرتبطة بمضيق هرمز، والمخاطر التي تواجه الملاحة في عدد من الممرات البحرية الحيوية، تكثّف السعودية مبادراتها الإقليمية الرامية إلى تعزيز الأمن والاستقرار، انطلاقاً من رؤية تربط بين خفض المخاطر الجيوسياسية وتهيئة البيئة اللازمة للنمو والتنمية وجذب الاستثمارات.

ويبرز في هذا السياق «اتفاق مكة» بين السعودية وتركيا وباكستان، بوصفه إحدى المبادرات التي يعوّل عليها مختصون في تعزيز الاستقرار الإقليمي، ورفع مستوى الثقة بالبيئة الاقتصادية والاستثمارية، في منطقة تحتل موقعاً محورياً في أسواق الطاقة والتجارة العالمية وسلاسل الإمداد.

ويرى مختصون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن التحركات السعودية لا تنفصل عن استراتيجية أوسع تستهدف بناء بيئة إقليمية أكثر استقراراً وقدرة على مواجهة الصدمات، مؤكدين أن تعزيز الأمن ينعكس بصورة مباشرة على استدامة إمدادات الطاقة وسلامة طرق الملاحة وحركة التجارة والاستثمار، ويمهد في الوقت نفسه لتوسيع نطاق التكامل الاقتصادي والمشروعات المشتركة بين دول المنطقة.

كما أشاروا إلى أن أهمية المبادرات السعودية تتجاوز الأبعاد الأمنية المباشرة إلى دعم مسار التنمية، من خلال خفض مستويات المخاطر، وتعزيز اليقين لدى المستثمرين، وتهيئة المجال أمام شراكات جديدة في قطاعات الطاقة والصناعة والتقنية والتعدين والخدمات اللوجستية والصناعات الدفاعية.

استقرار إمدادات الطاقة والملاحة

وقال عضو مجلس الشورى، فضل بن سعد البوعينين، لـ«الشرق الأوسط»، إن المبادرات التي تتبناها السعودية، وفي مقدمتها «اتفاق مكة للدفاع المشترك» بين السعودية وباكستان وتركيا، يمكن أن تنعكس آثارها على الاقتصاد العالمي والأمن الغذائي والتجارة الدولية، بالنظر إلى الثقل الاقتصادي والاستراتيجي للمنطقة.

وأضاف أن المنطقة تصدّر ما يقارب خُمس احتياجات العالم من النفط، إلى جانب الغاز والمغذيات الزراعية، ما يجعل استقرارها وأمنها عاملَين أساسيين في ضمان استمرارية إمدادات الطاقة وسلامة خطوط الملاحة البحرية.

وأوضح البوعينين أن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان يولي التنمية الاقتصادية أهمية كبيرة بوصفها قاعدة لازدهار الشعوب والدول، مع التركيز على تدفق الاستثمارات بوصفه أحد محركات التنمية، بالتوازي مع تعزيز قدرات المملكة في قطاع الطاقة والمحافظة على مكانتها المؤثرة في منظومة الإمدادات العالمية.

ويرى أن المساعي السعودية تستهدف تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة بما ينعكس إيجاباً على اقتصاد المملكة واقتصادات دولها، مشيراً إلى أن التنمية تحتاج إلى قاعدة مستقرة يمكن البناء عليها، وأن الاتفاق الدفاعي يُسهم في تعزيز الردع وخفض المخاطر التي يمكن أن تؤثر في النشاط الاقتصادي.

ولفت إلى أن المستثمرين يضعون استقرار البيئة الاستثمارية ضمن أولوياتهم عند اتخاذ القرارات، وبالتالي فإن تعزيز الأمن الإقليمي ووضوح الرؤية الاقتصادية يمثّلان عاملين داعمين لجاذبية السوق السعودية، في ظل ما توفره من فرص استثمارية متنوعة.

وحسب البوعينين، فإن «اتفاق مكة» يبعث برسائل طمأنة إلى المستثمرين المحليين والأجانب، كما يعزز الثقة باستدامة إمدادات الطاقة وحماية المنشآت الحيوية، وهو ما يمكن أن ينعكس على وتيرة المشروعات وتدفقات الاستثمار والتبادل التجاري.

وأكد أن السعودية تراهن على «رؤية 2030» وبرامجها التنموية التي تتطلّب استثمارات كبيرة، ما يجعل رفع مستوى اليقين الاقتصادي وخفض الضبابية الجيوسياسية عنصراً مهماً لدعم تدفقات رؤوس الأموال وتنفيذ المشروعات.

وأضاف أن تعزيز منظومة الأمن الإقليمي من شأنه تشجيع المستثمرين على اقتناص الفرص والمشاركة في المشروعات التنموية، مع امتداد الآثار الإيجابية إلى اقتصادات المنطقة عموماً، وليس الاقتصاد السعودي فحسب.

وأشار البوعينين إلى أن توقيع الاتفاق بعد سنوات من المباحثات يعكس عمق العلاقات بين السعودية وتركيا وباكستان، ويفتح المجال أمام مرحلة أوسع من التعاون، بما يدعم جهود إرساء الأمن والاستقرار والازدهار.

ويرى أن التحركات التي يقودها ولي العهد السعودي أسهمت في تعزيز دور الدبلوماسية والحوار السياسي في التعامل مع أزمات المنطقة، إلى جانب توحيد الجهود في مواجهة التحديات، بما يدعم الأمن والاستقرار ويوفر أرضية أكثر صلابة للبرامج الاقتصادية والتنموية.

تكامل اقتصادي يتشكل

من جهته، قال رجل الأعمال السعودي عبد الله بن زيد المليحي، الرئيس التنفيذي لشركة «التميز» السعودية القابضة للتقنية، إن السعودية تواصل العمل على تعزيز الثقة بالاقتصادَيْن المحلي والإقليمي، مشيراً إلى أن «اتفاق مكة» يأتي ضمن المبادرات التي يمكن أن تعزّز مكانة المملكة إقليمياً ودولياً، وتفتح المجال أمام مرحلة جديدة من التعاون والتكامل الاقتصادي.

وأوضح المليحي لـ«الشرق الأوسط» أن الخطوات السعودية لتعزيز الأمن والاستقرار تنعكس على البيئة الاقتصادية والاستثمارية، لافتاً إلى أن التقارب السعودي-التركي-الباكستاني يوفّر أرضية لتطوير العمل المشترك سياسياً واقتصادياً ودفاعياً وبشرياً.

وأضاف أن المملكة رسخت دورها بوصفها قوة سياسية واقتصادية مؤثرة، من خلال بناء شراكات استراتيجية تستهدف تحقيق المصالح المشتركة ودعم أمن المنطقة واستقرارها.

ويرى المليحي أن استراتيجية السعودية القائمة على تعزيز الاستقرار وبناء شراكات طويلة الأجل تساعد في توفير بيئة أكثر جاذبية للاستثمارات، وتفتح فرصاً أمام القطاع الخاص في الصناعة والتقنية والطاقة والتعدين والخدمات اللوجستية والصناعات الدفاعية والتجارة.

وأشار إلى أن السعودية تمتلك اقتصاداً كبيراً وموقعاً جغرافياً استراتيجياً وبرامج تحول طموحة ضمن «رؤية 2030».

وقال إن التقارب السياسي والأمني يمكن أن يتطور إلى شراكات اقتصادية أوسع يستفيد منها المستثمرون ورجال الأعمال، ولا سيما عبر المشروعات المشتركة ونقل المعرفة والتقنية وتوطين الصناعات وزيادة حجم التبادل التجاري.

وأكد المليحي أن الاقتصاد والتنمية والمواطن هم المستفيدون بصورة مباشرة من استقرار المنطقة، مشيراً إلى أن قوة المملكة السياسية وشراكاتها المتوازنة تمنح القطاع الخاص مزيداً من الثقة، وتعزز قدرتها على استقطاب رؤوس الأموال والتقنيات والشراكات الدولية.

وخلص إلى أن السعودية تتحرك وفق رؤية تجمع بين حماية مصالحها وتعزيز أمنها وبناء اقتصاد المستقبل، معتبراً أن «اتفاق مكة» يعزّز موقع المملكة في صياغة معادلات الأمن والتنمية والتعاون الإقليمي.

الطريق إلى التنمية المستدامة

بدوره، قال رئيس مركز الشروق للدراسات الاقتصادية في جازان، الدكتور عبد الرحمن باعشن، لـ«الشرق الأوسط»، إن السعودية تعزّز موثوقيتها الدولية من خلال تبني مبادرات تستهدف خفض المخاطر ودعم الاستقرار، ومن بينها «اتفاق مكة للدفاع المشترك»، الذي يرى أنه يمكن أن يُسهم في رفع مستوى اليقين الاقتصادي في المنطقة، بعد التداعيات التي خلفتها الحرب الأميركية-الإيرانية والتوترات في مضيق هرمز.

وأضاف باعشن أن النهج السعودي القائم على الجمع بين التحرك السياسي والأمني والاقتصادي يدعم حالة التوازن الإقليمي، ويعزّز الثقة بالاقتصاد السعودي وبيئة الأعمال في المنطقة، وهو ما يمكن أن ينعكس على مستويات التجارة والاستثمار والشراكات الدولية، خصوصاً مع الدور المحوري للمملكة في أسواق الطاقة العالمية.

وتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة نشاطاً أكبر في الحركة التجارية والاستثمارية، ولا سيما في الصناعات التقنية المرتبطة بالدفاع، بالتوازي مع توسع الشراكات الاستراتيجية مع الدول التي تمتلك خبرات وقدرات متقدمة في هذه المجالات.

ويرى باعشن أن الاتفاق يمكن أن يوفّر مظلة داعمة لإطلاق مشروعات ومبادرات اقتصادية نوعية بين السعودية وتركيا وباكستان، وأن يمتد أثرها إلى شركائها الدوليين، بما يضع أسساً أوسع للتكامل الاقتصادي والتنمية المستدامة بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد.

وأشار إلى أن تطوير الشراكات في مجالات الصناعة والتقنية والطاقة وسلاسل الإمداد والبنية التحتية والنقل يمكن أن يحول التقارب الاستراتيجي بين الدول الثلاث إلى فرص اقتصادية ملموسة، ويزيد قدرة المنطقة على مواجهة الاضطرابات الخارجية.

وأكد أن جوهر المبادرات السعودية يتمثل في الربط بين الأمن والتنمية؛ إذ إن خفض التوترات وتعزيز استقرار المنطقة لا يقتصر أثرهما على الجانب السياسي، وإنما يمتد إلى حماية حركة التجارة وإمدادات الطاقة، وتحسين بيئة الاستثمار، وتوفير قاعدة أكثر استدامة للنمو الاقتصادي الإقليمي.


العراق: خطط جديدة لمد أنابيب النفط والتصدير

عامل في حقل «مجنون» النفطي بالقرب من البصرة في العراق (رويترز)
عامل في حقل «مجنون» النفطي بالقرب من البصرة في العراق (رويترز)
TT

العراق: خطط جديدة لمد أنابيب النفط والتصدير

عامل في حقل «مجنون» النفطي بالقرب من البصرة في العراق (رويترز)
عامل في حقل «مجنون» النفطي بالقرب من البصرة في العراق (رويترز)

أكد وزير النفط، باسم محمد خضير، السبت، أن الوزارة لديها خطط جديدة على مستوى مد الأنابيب والتصدير وتطوير الأسطول النفطي.

وقال وزير النفط في مؤتمر صحافي، وفقاً لـ«وكالة الأنباء العراقية»، إن «هدف الوزارة هو تطوير قطاع التصفية (المصافي) وتصدير المنتجات»، مشيراً إلى أنه «سيتم إغلاق ملف حرق الغاز نهاية 2029».

وأكمل: «لدينا خطط عديدة على مستوى مد الأنابيب والتصدير وتطوير الأسطول النفطي... سيكون هناك افتتاح لعدة مشروعات خلال الأيام المقبلة، وبدعم حكومي».

وأوضح أن «الاستثمار في العراق من قِبَل الشركات الأجنبية سيوفر عائدات مالية كبيرة ويقلل البطالة».