ليبيا لاستئناف «الحوار المهيكل» وسط آمال بحلحلة خلافات الأفرقاء

في ظل تلويح أممي بـ«خيارات بديلة»

من الجلسة الافتتاحية للحوار المهيكل بطرابلس في ديسمبر الماضي (البعثة الأممية)
من الجلسة الافتتاحية للحوار المهيكل بطرابلس في ديسمبر الماضي (البعثة الأممية)
TT

ليبيا لاستئناف «الحوار المهيكل» وسط آمال بحلحلة خلافات الأفرقاء

من الجلسة الافتتاحية للحوار المهيكل بطرابلس في ديسمبر الماضي (البعثة الأممية)
من الجلسة الافتتاحية للحوار المهيكل بطرابلس في ديسمبر الماضي (البعثة الأممية)

تترقب الأوساط السياسية في ليبيا استئناف جلسات «الحوار المهيكل» برعاية الأمم المتحدة، في ظل جمود سياسي متصاعد، ناجم عن إخفاق مجلسَي «النواب» و«الأعلى للدولة» في تنفيذ استحقاقات «خريطة الطريق»، التي أقرتها المبعوثة الأممية، هانا تيتيه. ويأتي هذا المسار في وقت تلوّح فيه البعثة الأممية بـ«خيارات بديلة»، قد تعيد رسم المشهد السياسي، وسط آمال معلّقة بإمكانية إحداث اختراق يفضي إلى حلحلة الأزمة المزمنة، في بلد بات رهينة انقسام سياسي مستمر منذ سنوات.

إحاطة مبعوثة الأمم المتحدة هانا تيتيه أمام مجلس الأمن الشهر الماضي (البعثة الأممية)

وحسب مصادر مشاركة في «الحوار المهيكل»، تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، من المرجّح أن تنعقد الجلسات الجديدة خلال الأسبوع الثاني من الشهر الحالي، غير أن مراقبين يلحظون أن «مؤشرات الجمود لا تزال هي الغالبة، لا سيما في ملف القوانين الانتخابية»، الذي يُعد أحد أبرز الالتزامات المطلوبة من مجلسَي «النواب» و«الأعلى للدولة» ضمن «خريطة الطريق» الأممية.

وكما جرت العادة في مسارات الحوار السابقة في المشهد الليبي، لم تترافق الأيام التي أعقبت انعقاد جلسات الحوار يومي 14 و15 ديسمبر (كانون الأول) الماضيين مع أي انفراجة ملموسة على المسار السياسي، في ظل استمرار الخلافات بين المؤسسات التشريعية، حسب متابعين. وقد تجلّى ذلك في تصعيد متجدد بين مجلسَي «النواب» و«الأعلى للدولة» بشأن استحقاق آخر ضمن «خريطة الطريق» الأممية، على خلفية إقرار البرلمان استكمال مجلس إدارة المفوضية العليا للانتخابات، وهي خطوة رفضها مجلس الدولة، واعتبرها «خللاً إجرائياً وقانونياً» و«إجراءً أحادياً»، بالتوازي مع فتح مسار جديد للخلافات بشأن المحكمة العليا في طرابلس.

وتزامنت هذه التطورات مع تراجع البرلمان عن طرح فكرة تشكيل حكومة جديدة، مستعيضاً عنها بمقترح تشكيل لجنة مشتركة من أطراف الانقسام للإشراف على العملية الانتخابية، مقابل أنباء عن قرب إجراء تعديل وزاري لحكومة عبد الحميد الدبيبة في غرب البلاد، ما يعكس استمرار تضارب المسارات السياسية.

نائبة المبعوثة الأممية ستيفاني خوري في لقاء مع وزير الدولة للاتصال الليبي وليد اللافي بطرابلس (البعثة الأممية)

هذا التعثر دفع المبعوثة الأممية إلى إعادة التلويح بما سبق أن أعلنته في إحاطتها أمام مجلس الأمن في 19 من ديسمبر الماضي، بإمكانية اقتراح «آلية بديلة» في حال فشل المجلسين في التوصل إلى اتفاق بشأن استحقاقات خريطة الطريق السياسية. وقد فتح هذا التلويح الأممي مجدداً باب التكهنات بين سياسيين ومحللين ليبيين بشأن طبيعة هذه البدائل، سواء عبر إنشاء مجلس تأسيسي جديد، بديلاً عن المجلسين والحكومتين القائمتين، أو توسيع عضوية الحوار الوطني ليأخذ طابع هيئة تأسيسية تقود مرحلة انتقالية جديدة بالبلاد.

ومع بدء العد التنازلي لاستئناف «الحوار المهيكل»، تبدي بعض الأطراف آمالاً بإمكانية تحقيق انفراجة سياسية في بلد يعاني انقساماً سياسياً وعسكرياً حاداً، تتقاسم فيه السلطة حكومتان: إحداهما في غرب البلاد برئاسة الدبيبة، وأخرى مدعومة من البرلمان برئاسة أسامة حماد في شرق البلاد، وأجزاء واسعة من الجنوب.

في هذا السياق، تقلل عضوة اللجنة الاستشارية المكلفة من الأمم المتحدة، جازية شعيتير، من احتمال لجوء البعثة إلى بدائل جذرية، قائلة لـ«الشرق الأوسط» إن «الجمود بدأ عملياً ينكسر»، مبرزة أن «مجلس النواب تراجع عن خيار تشكيل حكومة جديدة، واتجه إلى اقتراح لجنة مشتركة لإدارة الانتخابات».

وأضافت جازية شعيتير أن «موافقة البرلمان على إعادة تشكيل مجلس المفوضية واستكمال شواغره، بغض النظر عن رفض مجلس الدولة، تُعد خطوة عملية مهمة على طريق الانتخابات الرئاسية والتشريعية، ومن المرجح أن تحظى بقبول أممي».

غير أن هذا التقدير لا يحظى بإجماع، إذ يعتقد رئيس «حزب التجديد»، سليمان البيوضي، أن تصاعد الاحتقان الشعبي في طرابلس، وفقدان الثقة بحكومة «الوحدة»، يجعلان الاتفاق على حكومة موحدة جديدة أمراً لا مفر منه، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «البعثة الأممية مطالبة بدعم هذا المسار». واعتبر أن «الانتخابات تمثل المخرج العملي للأزمة»، لكنه شدد على أن إنجازها «يتطلب سلطة تنفيذية مؤقتة ومحايدة تشرف عليها، على غرار حكومة عبد الرحيم الكيب، التي أشرفت على انتخابات المؤتمر الوطني العام عام 2012».

في السياق ذاته، يبدي حزب «التجمع الوطني» دعمه لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة، وفق ترتيبات توافقية تضمن النزاهة، عادّاً في بيان، أن استثمار الدعم الدولي يمثل فرصة لإنهاء الانقسام، واستعادة الشرعية، وبناء دولة مدنية مستقرة بإرادة شعبية. فيما ينتقد آخرون مسار الأمم المتحدة والحوار المهيكل، إذ عبّر رئيس الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور، مراجع نوح، عن تشاؤمه من هذا المسار، منتقداً تجاهل البعثة الأممية مطلبه عقد لقاء مشترك بين أعضاء الهيئة وأعضاء الحوار، ومؤكداً أنه لم يتلقَّ أي رد منذ منتصف ديسمبر الماضي.

رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح في جلسة المجلس ببنغازي الأسبوع الماضي (إعلام المجلس)

وحسب رؤية نوح، التي أوضحها لـ«الشرق الأوسط»، فإن البعثة «تواصل الترويج لمسارات موازية غير متوافق عليها تُهدر الوقت وتربك المشهد»، متجاهلة «مشروع دستور منجز عن هيئة منتخبة في صيف عام 2017»، بما يسهم، حسب تعبيره، في «إطالة المرحلة الانتقالية وتعميق الانقسام»، ورأى أن «الحوارات غير المحددة زمنياً وغير الملزمة لا تمثل حلاً حقيقياً، بل نوعاً من المماطلة السياسية»، مشدداً على أن «الشرعية لا تُمنح دولياً، بل تُستمد من صندوق الاستفتاء».

وكانت البعثة الأممية قد أعلنت إطلاق «الحوار المهيكل» في 23 أغسطس (آب) الماضي ضمن «خريطة الطريق»، قبل أن يبدأ عملياً في منتصف الشهر الماضي، بمشاركة 124 شخصية من أطياف سياسية وأكاديمية مختلفة، للعمل لمدة تتراوح بين أربعة وستة أشهر على أربعة مسارات رئيسية، تشمل الحوكمة، والأمن، والاقتصاد، والمصالحة الوطنية، تمهيداً لإجراء الانتخابات.


مقالات ذات صلة

ليبيون ينتقدون «الصمت الرسمي» حيال استمرار انقطاع الكهرباء

شمال افريقيا من أعمال إصلاح شبكة الكهرباء في شرق ليبيا (حكومة الاستقرار)

ليبيون ينتقدون «الصمت الرسمي» حيال استمرار انقطاع الكهرباء

تتصاعد حالة الغضب في ليبيا مع تجدد الانقطاع الواسع للتيار الكهربائي للمرة الثالثة خلال أسبوع.

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا لقطة جماعية للمشاركين فيما يعرف بـ«ملتقى الحوار السياسي» في جنيف الجمعة (حساب آمر قوة الإسناد في عملية بركان الغضب ناصر عمار)

تواتر الإعلان عن «حكومات افتراضية» يُربك المشهد السياسي الليبي

لم يعد السباق السياسي في ليبيا مقتصراً على آليات تشكيل حكومة جديدة في بلد يعيش انقساماً حكومياً، بل وأيضاً على إعلانها بشكل أحادي، حسب خبراء.

علاء حموده (القاهرة )
شمال افريقيا قوات تابعة للجيش الوطني خلال اعتقال مهربين في الجنوب الليبي (الشرق الأوسط)

ليبيا وتشاد تكثفان تأمين الحدود وملاحقة «متمردي فزان»

كثفت قوة عسكرية مشتركة بين «الجيش الوطني» الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر والجيش التشادي، السبت، عملياتها لتأمين الحدود الجنوبية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا أحد أفراد الشرطة القضائية في مدينة سبها خلال تنفيذ حكم الجلد بحق المرأة المدانة (من مقطع فيديو)

على من يُطبّق القانون في ليبيا؟

أثارت واقعة جلد ليبية في وضح النهار ووسط المارة بمدينة سبها (جنوب البلاد) استياء أطياف مجتمعية عديدة، متسائلين عن مدى تطبيق القانون على الأقوياء وحملة السلاح.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا «النهر الصناعي» أكد تضرر بعض الآبار بانقطاع الكهرباء (منظومة «النهر الصناعي»)

«الأعلى للدولة» يتهم «الوحدة» الليبية بالإخفاق في حل أزمة الكهرباء

أعرب المجلس الأعلى للدولة في ليبيا عن «بالغ القلق والأسف» إزاء استمرار أزمة انقطاع التيار الكهربائي وتفاقم طرح الأحمال في مختلف أنحاء البلاد، مطالباً بالتحقيق.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)