«صوت الموسيقى» في «متروبوليس»: قراءة جديدة لفيلم يتجاوز نوستالجيا الغناء

إعادة المُشاهدة تُظهر طبقات فكرية يتقاطع فيها الاكتشاف والذاكرة

الموسيقى تفتح شقّاً في نظام صارم (الشرق الأوسط)
الموسيقى تفتح شقّاً في نظام صارم (الشرق الأوسط)
TT

«صوت الموسيقى» في «متروبوليس»: قراءة جديدة لفيلم يتجاوز نوستالجيا الغناء

الموسيقى تفتح شقّاً في نظام صارم (الشرق الأوسط)
الموسيقى تفتح شقّاً في نظام صارم (الشرق الأوسط)

يبدو فيلم «صوت الموسيقى» (The Sound of Music) عملاً غنائياً عائلياً ينتمي إلى زمن السينما الكلاسيكية الوديعة، لكن إعادة مشاهدته اليوم تكشف عن أنه أحد الأفلام القليلة التي استطاعت أن تُخفي داخل بساطتها الظاهرية قراءة دقيقة لمسائل السلطة والطاعة والاختيار الأخلاقي، من دون أن تتحوّل إلى بيان سياسي مباشر.

العمل الذي أخرجه روبرت وايز عام 1965 لا يبني قوته على الحبكة بقدر ما يبنيها على تحوّلات داخلية بطيئة، وعلى إعادة تعريف العلاقة بين النظام والإنسان. فالموسيقى، التي تبدو في الواجهة مساحة فرح وبهجة، تتحوّل تدريجياً من عنصر تسلية إلى أداة تفكيك تُستَخدم لخلخلة البُنى الصلبة التي تحكم الشخصيات، سواء داخل البيت أو خارجه. الغناء يُعيد طرح ثقل الواقع من زاوية أخرى.

يُقدّم «صوت الموسيقى» قراءة لسلطة تُمارَس باسم الانضباط وتتجسَّد على هيئة آلية حماية من الفوضى والفقدان. غير أنّ الفيلم يُظهر بهدوء محسوب كيف يمكن لهذا الانضباط أن يتحوّل إلى قناع يُخفي الخوف من المواجهة، ويُقصي العاطفة، ويُفرغ العلاقات من بُعدها الإنساني. السلطة، في هذا السياق، تُمارَس بالروتين، وبالقواعد، وبإلغاء الصوت الفردي تحت ذريعة الاستقرار.

الأغنيات التي بدت بريئة تُسمع اليوم بوعي مختلف (الشرق الأوسط)

الموسيقى لغة بديلة تُعيد تعريف هذا الانضباط. حين يغنّي الأطفال، يستعيدون علاقتهم بأنفسهم وبالعالم من حولهم. وحين يُستعاد الغناء داخل البيت، يُعاد توزيع الأدوار داخل البنية العائلية ليؤكّد الفيلم أنّ النظام الذي لا يتّسع للفرح محكوم بالتحوّل إلى قمع، حتى لو بدأ بحُسن نيّة.

هذه الثنائية بين الانضباط والموسيقى لا تبقى محصورة في الفضاء العائلي، فتمتدّ إلى السياق السياسي الذي يحيط بالشخصيات. صعود النازية في الخلفية اختبار أخلاقي يتقاطع مع ما جرى داخل البيت. يربط الفيلم بين التربية المنزلية والطاعة السياسية من دون أن يُعلن ذلك صراحة. فالشخص الذي تعلّم أن يقول «نعم» بلا نقاش داخل الجدران الأربعة، سيُطلَب منه لاحقاً أن يقولها في الفضاء العام. يُظهر «صوت الموسيقى»، عبر مسار شخصياته، أنّ التمرّد الحقيقي هو الذي يبدأ بإعادة النظر في معنى الطاعة نفسها.

الطاعة تختبر نفسها أمام الاختيار (الشرق الأوسط)

ينجح روبرت وايز في موازنة هذا الثقل الفكري من دون التضحية بجاذبية العمل. اختياره للفضاءات المفتوحة، والطبيعة التي تتّسع كلّما ضاق العالم الداخلي للشخصيات، جمالي ودلالي. فيُرافق الانغلاق لحظات القمع والامتثال، وتتمدَّد الجبال والحقول والسماء في الكادر كلّما خفَّ ضغط النظام والخوف.

أداء جولي أندروز محوري في المعادلة. حضورها يقوم على مزيج من الثقة والوعي، من دون فرض نموذج بديل بالقوة. يكفيها أن تقترح إمكانية أخرى للعيش. في المقابل، يمنح كريستوفر بلامر الشخصية المقابلة عمقاً إنسانياً يُجنّبها التحوّل إلى رمز جاهز للسلطة. التحوّل الذي يمرّ به لا يحدث دفعة واحدة. إنه نتيجة تراكم إدراك بطيء بأنّ النظام حين يُستخدم للهروب من الألم قد يتحوّل إلى مصدر ألم جديد. أما الأطفال، فهم قوة درامية حقيقية، يحافظ أداؤهم على توازن نادر بين العفوية والانضباط، ويُسهم في ترسيخ صدقية العالم الذي يبنيه الفيلم.

فيلم عن النظام حين يضيق وعن الإنسان الباحث عن مساحة في هذا الضيق (الشرق الأوسط)

قد يُنتقد «صوت الموسيقى» اليوم بسبب نبرته المتفائلة، أو ميله إلى تسوية بعض التناقضات لمصلحة نهاية أكثر إشراقاً. وإنما هذه الملاحظة لا تُقلّل قيمته ولا تُخرجه من سياقه القائم على الإيمان بإمكانية القرار الأخلاقي، حتى في لحظات الضغط الجماعي وفي مجتمعات تُطالَب بالطاعة باسم الاستقرار.

وبعرضه على شاشة سينما «متروبوليس»، بدا الفيلم جزءاً من دور أوسع تؤدّيه هذه الصالة في المشهد الثقافي البيروتي. فقد جمعت، على مدى أمسيتَيْن وفي صالتَيها، أجيالاً مختلفة في التجربة السينمائية نفسها. حضور أطفال في الصالة كان دلالة على معنى العرض ذاته. فالفيلم الذي وُلد قبل عقود عاد ليُشاهَد بعيون جديدة، تُقبِل عليه بوصفه اكتشافاً أولياً قبل أن يتحوّل إلى «ذاكرة». هنا تتجلّى وظيفة «متروبوليس» بعدم الاكتفاء بحفظ التراث السينمائي. إنها تُعيد إدخاله في دورة الحياة، حيث يصبح الفيلم مناسبة مشتركة، لا حكراً على جمهور النوستالجيا.

حين يُسمح للصوت أن يعلو... يتغيّر كلّ شيء بهدوء (الشرق الأوسط)

وفي الوقت نفسه، حرّك العرض ذكريات أجيال تربَّت على أغنيات الفيلم وحفظتها قبل أن تفهم سياقها. نوستالجيا تقوم على المزاج الذي تُخلّفه الموسيقى، بفرحها الهادئ ونبرتها التي تُخفّف وزن العالم من دون إنكاره. الأغنيات، التي رافقت طفولات كثيرة، عادت وقد اكتسبت طبقات جديدة من المعنى. وبين ضحكة طفل يسمعها للمرة الأولى، وذاكرة بالغ يستعيدها بعد سنوات، تشكّل في الصالة إحساس نادر بالاستمرارية، وبجمال إعادة مُشاهدة ما نعرفه بوعي مختلف.


مقالات ذات صلة

«مغسلة»... فيلم جنوب أفريقي يستعيد معاناة «الفصل العنصري»

يوميات الشرق استعادت المخرجة جزءاً مما حدث مع عائلتها (الشركة المنتجة)

«مغسلة»... فيلم جنوب أفريقي يستعيد معاناة «الفصل العنصري»

تعود المخرجة الجنوب أفريقية، زامو مخوانازي، بفيلمها الروائي الطويل الأول «مغسلة» إلى زمن مضطرب عاشته بلادها في الخمسينات والستينات من القرن العشرين.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق نال الفيلم إشادات نقدية عديدة (الشركة المنتجة)

أوبيمار ريوس غوميز: «شاعر» أرهقني نفسياً وجسدياً ببساطته الخادعة

قال الممثل الكولومبي أوبيمار ريوس غوميز، إن مشاركته في فيلم «شاعر» كانت من أكثر التجارب التي غيّرت نظرته إلى التمثيل والحياة في آن واحد.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق فيلم يضع الإنسان أمام صمت العالم من دون موسيقى تعزية (الشرق الأوسط)

«الغريب» لفرنسوا أوزون... اختبار سينمائي لفلسفة العبث

«مورسو» يمثّل إنساناً يواجه العالم كما هو، من دون أن يُضفي عليه معاني إضافية...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق المنتج محمد عبد الوهاب والمخرج داود عبد السيد في كواليس الفيلم الوثائقي (خاص لـ«الشرق الأوسط»)

«البحث عن داود عبد السيد»... يرصد رحلة «فيلسوف السينما المصرية»

أعلنت قناة «الجزيرة الوثائقية» عن عرض فيلم «البحث عن داود عبد السيد»، الذي يرصد رحلة المخرج المصري والملقب بـ«فيلسوف السينما المصرية».

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق المدير الفني للمهرجان نيكلاس إنغستروم (الشرق الأوسط)

نيكلاس إنغستروم: نحافظ على استقلال «كوبنهاغن للأفلام الوثائقية»

قال المدير الفني لمهرجان «كوبنهاغن للأفلام الوثائقية»، نيكلاس إنغستروم، إن اختيار الأفلام في المهرجان لا يعتمد على الجودة الفنية فقط، بل على معايير عدة.

أحمد عدلي (القاهرة)

هل تمنع الملاحقات الأمنية مخالفات مؤدي «المهرجانات» في مصر؟

وزارة الداخلية المصرية (صفحتها على «فيسبوك»)
وزارة الداخلية المصرية (صفحتها على «فيسبوك»)
TT

هل تمنع الملاحقات الأمنية مخالفات مؤدي «المهرجانات» في مصر؟

وزارة الداخلية المصرية (صفحتها على «فيسبوك»)
وزارة الداخلية المصرية (صفحتها على «فيسبوك»)

بعد أيام قليلة من واقعة زفاف أحد «البلوغرز»، وما تلاها من أخبار عن وقائع العنف التي وقعت بالحفل ما استدعى القبض على 12 شخصاً، جاء خبر القبض على أحد مؤدي المهرجانات في مصر بتهمة التحريض على العنف ليلقي الضوء على التجاوزات التي يرتكبها هذا اللون من الأداء الغنائي الشعبي، مع تساؤلات حول إمكانية منع هذه التجاوزات بالملاحقات الأمنية.

وألقت الأجهزة الأمنية في الجيزة القبض على مؤدي مهرجانات لاتهامه بالتحريض على ارتكاب الجرائم والعنف والبلطجة من خلال كلمات بعض أغانيه، من بينها «أنا مش ديلر يا حكومة»، وفق ما نشرته وسائل إعلام محلية.

جاء ذلك بناء على بلاغات قدمها محامون طالبوا فيها باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة تجاه مؤدي المهرجانات الذين اعتبروه يقدم أغاني تتضمن تحريضات على ارتكاب الجرائم.

وكانت نقابة الموسيقيين المصريين حذرت مؤدي المهرجانات من استخدام عبارات أو ألفاظ تضر بالقيم الاجتماعية أو تحرض على العنف أو تتجاوز القوانين، وقامت في وقت سابق بإيقاف أكثر من المغنين في مهرجانات ورفض إعطائهم تصريحاً بالغناء، وطالبتهم بتوفيق أوضاعهم والالتزام بقيم المجتمع.

ويرى الناقد الفني المصري، أحمد السماحي، أن «الملاحقات الأمنية يمكن أن تحد من تجاوزات هؤلاء لكنها لن تمنعهم»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هؤلاء المؤدين موجودون في الوسط الغنائي، ولا نقف ضدهم في المطلق فهو لون غنائي له جمهوره ومحبوه، لكننا نرفض تماماً تجاوزاتهم فيما يمس الأخلاق أو الدين». وشدد على أن هذا اللون الغنائي لا يمكن منعه ولا أحد يوافق على ذلك لكن المطلوب تنظيمه وتهذيبه.

نقابة المهن الموسيقية سبق أن أوقفت مؤديي مهرجانات (فيسبوك)

في حين تؤكد المتخصصة في علم الاجتماع، الدكتورة هدى زكريا، أن «هناك خطوات تشريعية تم اتخاذها حالياً من باب الردع الاجتماعي والأخلاقي، وهو أمر معروف في كل دول العالم. الانضباط الأخلاقي والقانوني يجب صياغته في صورة تشريعات محددة لوقف هذه التجاوزات».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «مطربي المهرجانات و(البلوغرز) وكل من يستخدم وسائل التواصل الاجتماعي حديثاً في الدعاية لنفسه أو لتحقيق مكاسب للأسف لا توجد رقابة كافية عليهم، في حين يمتد تأثيرهم لشرائح اجتماعية ليست قليلة، ومن ثم يجب أن يأخذوا عقاباً رادعاً حتى لا يتم الترويج للانحطاط الأخلاقي».

من المهم تطبيق القوانين الرادعة أخلاقياً على كل ما يمس المجال العام، وفق عالمة الاجتماع، وهو ما سيجعل المجتمع ينضبط. متابعة أن «الانضباط واحترام الدولة والوطن والأسرة وكل القيم الاجتماعية يتطلبان عملاً تقوم به مؤسسات الدولة المختلفة الدينية والتعليمية والإعلامية وحتى مؤسسة الأسرة، ولكن في البداية لا بد من مواجهة هذه الظواهر السلبية بحدة وحزم بغية ترسيخ قيمة الانضباط المجتمعي».

تجدر الإشارة إلى أن نقابة المهن الموسيقية أجبرت مؤدي مهرجانات على تغيير كلمات بعض الأغاني، وهو ما حدث في أغنية «بنت الجيران»، حيث أكد مؤدياها على أنهما غيّرا الجملة التي تعرضت لانتقادات شديدة وهي «وأشرب خمور وحشيش».

ويرى السماحي أن «الدولة كما قضت على الكثير من أنواع المخدرات يجب أن تتدخل لمنع الغناء الفاحش لبعض مؤدي المهرجانات فهم يبثون سموماً في آذان أبناء أجيال جديدة ليس لديهم وعي أو ثقافة ويعتمدون على وسائل التواصل الاجتماعي».

ولا يعتبر الناقد الموسيقى المصري، محمود فوزي السيد، ما يحدث ملاحقات أمنية بل هو تصحيح للمسار، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «ننادي منذ سنوات بتقنين هذا اللون الموسيقي، فالمهرجانات شكل موسيقي له تقنياته ومطربوه وجمهوره، لكن طوال الوقت كانت الكلمات محل جدل وتحتاج إلى تقنين».

وأشار إلى أن «الشخص الذي تم القبض عليه كان دائماً يتحدث في أغنياته عن جرائم القتل والسرقة والبلطجة، وقد تم التحقيق معه في نقابة الموسيقيين قبل 6 شهور، وسُحب ترخيصه، فيبدو أن هناك بلاغات كثيرة ضده. وأتمنى على نقابة المهن الموسيقية تفعيل شعبة مؤدي المهرجانات ومراقبة من يتبعون الشعبة ووقف من لا ينتمون إليها، وبالتالي خضوع كلمات أغاني المنتمين للشعبة للرقابة، وفي رأيي هذا هو السبيل للقضاء على ظاهرة الكلمات التي تحض على العنف والبلطجة في الأغاني».


الخط العربي في سياقات فنية جديدة من خلال أعمال مشاركين في «إقامة دار القلم»

المقيمون أمام بوابة مدرسة الفلاح بجدة التاريخية (خاص)
المقيمون أمام بوابة مدرسة الفلاح بجدة التاريخية (خاص)
TT

الخط العربي في سياقات فنية جديدة من خلال أعمال مشاركين في «إقامة دار القلم»

المقيمون أمام بوابة مدرسة الفلاح بجدة التاريخية (خاص)
المقيمون أمام بوابة مدرسة الفلاح بجدة التاريخية (خاص)

يقام في مدرسة الفلاح بجدة التاريخية، في الفترة من 8 إلى 12 يناير (كانون الثاني) 2026، معرض مفتوح لأعمال المقيمين المشاركين في النسخة الثانية من «إقامة دار القلم»، والتي تهدف لدعم الإبداع، وتمكين الفنانين، وإحياء الخط العربي بوصفه رمزاً ثقافياً وحضارياً متجدّداً.

ومن خلال «الاستوديو المفتوح»، يمكن للزوار الاطلاع على نتاج أعمال المُقيمين، والتعرّف على تجاربهم الفنية عن قرب، واستكشاف رؤى معاصرة تُبرز حضور الخط العربي وتحوّلاته في المشهد الفني المحلي والعالمي، إذ خضعت هذه الأعمال للتقييم والمتابعة ضِمن مسار فني من القيّم الفني عبد الرحمن الشاهد، ومساعد القيّم الفني ليال القين.

من أعمال المقيمين في «دار القلم» (خاص)

وتتمحور مشروعات المُقيمين حول موضوعات مختلفة؛ فمِن استلهام العمارة المحلّية للمنطقة الغربية وكسوة الكعبة، إلى استكشاف العلاقة بين الحرف والنور، وإعادة قراءة غرائب المرويات وحكايات التراث المحلّي، والتجريب في الخطوط الطباعية الرقمية، وصولاً إلى مقارباتٍ مفاهيمية تُعيد تقديم الخط العربي ضمن سياقاتٍ بصرية جديدة. وتتنوّع الخامات المستخدمة في مشروعاتهم بين الأقمشة والطبقات النسيجية، والورق اليدوي، والأسطح الشفافة، والطباعة اليدوية، إلى جانب الوسائط الرقمية والتقنيات الحديثة، في تجارب تعكس اتّساع آفاق الخط العربي وقدرته على التفاعل مع الفنون المعاصرة.

إقامة «دار القلم» تهدف لإحياء الخط العربي بوصفه رمزاً ثقافياً وحضارياً متجدّداً (خاص)

وكان مركز الأمير محمد بن سلمان العالمي للخط العربي (دار القلم) قد أعلن أبرز مشروعات المُقيمين المشاركين في النسخة الثانية من «إقامة دار القلم» بجدة التاريخية، وهم: أم كلثوم العلوي، وبدور اليافعي، وبشرى الكبسي، ورفيق الله خان، وزينب السبّاع، وسمية السيّد، وليلى الكاف، ومصطفى العرب، وهند جعفر، ويمنى البهات، والتي تأتي ضمن برنامجٍ إبداعي يمتد لثمانية أسابيع في هذه النسخة من الإقامة الفنية التي أطلقتها المبادرة خلال شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

المقيمون أمام بوابة مدرسة الفلاح بجدة التاريخية (خاص)

وجمعت الإقامةُ عشرةَ فنانين وفنانات من المملكة ودول أخرى، بتخصّصاتٍ متنوّعة شملت الخط العربي الفنون النسيجية، والفنون البصرية، والفن المفاهيمي، والتصميم الطباعي، والعمارة، والتجريب المعاصر، وتضمّنت ورشَ عملٍ تطبيقيةً مكثّفة، وجلسات تقييمٍ فني، وحوارات، وجولاتٍ ميدانية، ولقاءاتٍ مع خبراء، في بيئةٍ فنية محفّزة تُسهم في تطوير التجارب الفردية والجماعية وتعزيز التبادل المعرفي بين المشاركين، وتدعم مساراتهم الإبداعية، وعمل خلالها المشاركون على تطوير مشروعات فنية تستلهم الحرف العربي بوصفه عنصراً بصرياً وثقافياً حيّاً، وقادراً على التحوّل والتجدّد بخاماتٍ وأساليب متعددة.


لعنة آل كيندي... مأساة تتكرّر عبر الأجيال

اسم لامع في التاريخ الأميركي تحيط به خسارات لا تنتهي (أ.ف.ب)
اسم لامع في التاريخ الأميركي تحيط به خسارات لا تنتهي (أ.ف.ب)
TT

لعنة آل كيندي... مأساة تتكرّر عبر الأجيال

اسم لامع في التاريخ الأميركي تحيط به خسارات لا تنتهي (أ.ف.ب)
اسم لامع في التاريخ الأميركي تحيط به خسارات لا تنتهي (أ.ف.ب)

في سنّ الـ35، اختطف الموت قبل أيام تاتيانا شلوسبيرغ، حفيدة الرئيس الأميركي الأسبق جون كيندي. وكانت الشابة المتوفاة تعمل صحافية مختصة بقضايا البيئة. ورغم أنّ الأميركيين شعب يؤمن بالعلم، فإنّ هناك مَن بات يتحدّث عن «لعنة»، مثل «لعنة الفراعنة»، تطارد العائلة الشهيرة والثرية التي قضى عدد من رجالها ونسائها في حوادث متفرّقة.

وتاتيانا، التي تركت وراءها طفلين، من الجيل الثالث لعائلة كيندي. والدتها هي كارولين، السفيرة الأميركية السابقة لدى الأمم المتحدة، ووالدها هو المصمّم إدوين شلوسبيرغ. درست في جامعة «ييل»، كما نالت شهادة من «أكسفورد»، واتّجهت إلى العمل الصحافي لحساب عدد من وسائل الإعلام، بينها «نيويورك تايمز». ورغم انخراط أفراد الأسرة في السياسة، فإنها حرصت على الابتعاد عن تلك الدائرة المحاطة بالمخاطر والتهديدات. وعام 2019 أصدرت كتاباً عن تأثير العادات اليومية للمواطنين على نظافة البيئة.

اقترنت تاتيانا بالطبيب جورج مورغان، وولدت طفلاً وطفلة. والعام الماضي، بعد ولادة طفلتها مباشرة، شخَّص الأطباء لديها نوعاً نادراً من سرطان الدم. وفي 22 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، في الذكرى السنوية لاغتيال جدّها الرئيس، نشرت الحفيدة نصاً مؤثراً في «نيويورك تايمز» كشفت فيه عن مرضها وحزنها لأنها ستفارق طفليها، كما عبَّرت عن امتعاضها من المعلومات الصحية المُضلّلة، وذكرت بعض المواقف التي يمكن للقادة أن يتّخذوها، وبينهم أفراد من عائلتها، لتحسين حياة المرضى.

وجوه مجتمعة تحت الضوء فيما المصائر كانت تُكتب في مكان آخر (أ.ب)

ما زال اسم كيندي يثير الاهتمام رغم مرور الزمن، وهو اهتمام مشوب بالحزن... فما إن يتوارى عن المشهد العام حتى يعود إلى الظهور مجدداً انطلاقاً من صفحات الحوادث. آخر تلك الحوادث، غرق مايف كيندي ماكين وطفلها، بعد جنوح قاربهما على ساحل بحيرة قرب واشنطن. وجاء في التحقيقات أنّ الغريقة، البالغة 40 عاماً، كانت تلعب الكرة مع ابنها على ساحل البحيرة قبل أن يستقلا قارباً لانتشال الكرة التي تدحرجت إلى الماء. وكان أن جرف التيار الزورق بسبب الرياح.

مايف هي ابنة كاثلين كيندي تاوسند، الابنة البكر لوزير العدل الأسبق روبرت كيندي، الذي اغتيل في لوس أنجليس عام 1968، بعد 5 سنوات من اغتيال شقيقه الرئيس في دالاس. وكانت وفاتها حلقة في سلسلة النكبات التي ضربت العائلة ذات النفوذ المالي والسياسي الكبير.

بدأت مصائب آل كيندي عام 1941، حين أُصيبت روزماري كيندي، شقيقة جون، بخلل نفسي. ونشر بعض المصادر شائعات عن معاناتها أمراضاً عقلية مثل الكآبة والفصام. وأخضع جوزيف باتريك كيندي الأب ابنته لجراحة سرّية دقيقة في المخ بسبب نوبات الغضب الحادّة والعنيفة التي كانت تصيبها، لكنّ العملية تسبَّبت في إضعاف قدراتها العقلية بشكل أكبر. ولازمت روزماري المستشفى حتى وفاتها عام 2005.

في صيف 1944، خلال الحرب العالمية الثانية، توفي النجل الآخر جوزيف باتريك كيندي بعد انفجار طائرته شرق سوفولك في إنجلترا. وفي ربيع 1948 توفيت نسيبة العائلة المركيزة كاثلين كافنديش في حادثة سقوط طائرة في فرنسا.

وتمضي السنوات لنصل إلى جاكلين بوفيه، أشهر نساء العائلة، المعروفة بـ«جاكي»، زوجة الرئيس الـ35 للولايات المتحدة. فقد وضعت في صيف 1956 طفلة ميتة، وُورِيَت الثرى بمقبرة «آرلنغتون» بعدما كان أبواها قد اختارا لها اسم أرابيلا. وتكرَّرت المأساة عام 1963 حين توفي الطفل باتريك كيندي بعد يومين من ولادته. وفي العام نفسه، اغتيل والده في حادث شهير وهو جالس في سيارة مكشوفة مع السيدة الأولى في شوارع دالاس، في زيارة دخلت صورها التاريخ. وأُطلقت النار على القاتل قبل محاكمته، ولا يزال الغموض يلفّ القضية حتى اليوم.

كان السيناتور روبرت كيندي مرشَّحاً لتولي المنصب الأعلى، لكنه اغتيل عام 1968 على يد الفلسطيني المسيحي سرحان بشارة سرحان، الذي لا يزال يقبع في السجن قرب سان دييغو رغم انتهاء مدّة محكوميته. كما انحرفت سيارة الشقيق الثالث تيد كيندي وسقطت من فوق جسر في جزيرة تشاباكويدك. ونجا تيد من الموت، لكن الحادث تسبَّب في فضيحة للعائلة؛ لأنّ التي قضت فيه كانت عشيقته ماري جو كوبكني، التي كانت معه في السيارة. وقال تيد كيندي في مقابلة تلفزيونية بعد الحادث إنه بات يتساءل عن حقيقة وجود «لعنة» تطارد أفراد العائلة.

كل ذلك، والأسوأ لم يكن قد وقع بعد؛ ففي صيف 1973 أُصيبت بام كيلي في حادثة سيارة كان يقودها جوزيف باتريك الابن. وفي خريف العام نفسه بُترت قدم تيد كيندي الابن بسبب إصابته بسرطان العظام. وبعد مدّة وجيزة ارتكب مايكل سكلاكل، ابن شقيق إيثيل كيندي أرملة روبرت، جريمة قتل جارته مارثا موكسلي، وصدر بحقه حكم بالسجن المؤبَّد. وعام 1984 قضى ديفيد أنطوني كيندي بجرعة زائدة من المخدرات، وعُثر على جثته في غرفة بفندق «بالم بيتش» بولاية فلوريدا.

وعام 1991 وُجّهت تهمة الاعتداء على سيدة إلى ويليام كيندي سميث بأحد ممتلكات العائلة في «بالم بيتش»، وجذبت القضية اهتمام وسائل الإعلام، قبل أن يُبرّأ لاحقاً. وفي أواخر 1997 توفي مايكل لي كيندي بحادث تزلج على الجليد في «آسبن» بولاية كولورادو.

كلّ رحيل جديد يعيد فتح سجلّ قديم من الحزن (د.ب.أ)

أما الأسوأ، فقد وقع في صيف 1999 عندما توفي جون كيندي الابن، نجل جاكي والرئيس الأسبق، بعد تعطُّل طائرته من نوع «بايبر ساراتوغا» وسقوطها في المحيط الأطلسي، وقضت معه زوجته وشقيقتها. ولم تنقطع المآسي، ففي أواخر صيف 2011 توفيت كارا كيندي ألين خلال ممارسة الرياضة في نادٍ رياضي إثر نوبة قلبية، وكانت قد تعافت من سرطان الرئة بعد إزالة إحدى رئتيها. وفي ربيع 2012 انتحرت ماري ريتشارد كيندي بمنزلها في بيدفورد بولاية نيويورك.

كانت عائلة كيندي أشبه بقبيلة ثرية كثيرة الأفراد. وكانت الجدّة الكبرى روز كيندي تودع مبلغ مليون دولار باسم كلّ طفل يولد للعائلة، في زمن كان فيه المليون يساوي ثروة طائلة. وحتى جاكي، أرملة الرئيس، التي اقترنت لاحقاً بالثري اليوناني أوناسيس، لم تنجُ من المرض الخبيث، ولم يبقَ من أسرتها الصغيرة سوى ابنتها كارولين التي أصبحت سفيرة للولايات المتحدة. وعند وفاتها، وقف الرئيس بيل كلينتون يؤبّنها قائلاً: «لقد وهبها الله هبات كبيرة، لكنه فرض عليها أيضاً كثيراً من المعاناة».