«صوت الموسيقى» في «متروبوليس»: قراءة جديدة لفيلم يتجاوز نوستالجيا الغناء

إعادة المُشاهدة تُظهر طبقات فكرية يتقاطع فيها الاكتشاف والذاكرة

الموسيقى تفتح شقّاً في نظام صارم (الشرق الأوسط)
الموسيقى تفتح شقّاً في نظام صارم (الشرق الأوسط)
TT

«صوت الموسيقى» في «متروبوليس»: قراءة جديدة لفيلم يتجاوز نوستالجيا الغناء

الموسيقى تفتح شقّاً في نظام صارم (الشرق الأوسط)
الموسيقى تفتح شقّاً في نظام صارم (الشرق الأوسط)

يبدو فيلم «صوت الموسيقى» (The Sound of Music) عملاً غنائياً عائلياً ينتمي إلى زمن السينما الكلاسيكية الوديعة، لكن إعادة مشاهدته اليوم تكشف عن أنه أحد الأفلام القليلة التي استطاعت أن تُخفي داخل بساطتها الظاهرية قراءة دقيقة لمسائل السلطة والطاعة والاختيار الأخلاقي، من دون أن تتحوّل إلى بيان سياسي مباشر.

العمل الذي أخرجه روبرت وايز عام 1965 لا يبني قوته على الحبكة بقدر ما يبنيها على تحوّلات داخلية بطيئة، وعلى إعادة تعريف العلاقة بين النظام والإنسان. فالموسيقى، التي تبدو في الواجهة مساحة فرح وبهجة، تتحوّل تدريجياً من عنصر تسلية إلى أداة تفكيك تُستَخدم لخلخلة البُنى الصلبة التي تحكم الشخصيات، سواء داخل البيت أو خارجه. الغناء يُعيد طرح ثقل الواقع من زاوية أخرى.

يُقدّم «صوت الموسيقى» قراءة لسلطة تُمارَس باسم الانضباط وتتجسَّد على هيئة آلية حماية من الفوضى والفقدان. غير أنّ الفيلم يُظهر بهدوء محسوب كيف يمكن لهذا الانضباط أن يتحوّل إلى قناع يُخفي الخوف من المواجهة، ويُقصي العاطفة، ويُفرغ العلاقات من بُعدها الإنساني. السلطة، في هذا السياق، تُمارَس بالروتين، وبالقواعد، وبإلغاء الصوت الفردي تحت ذريعة الاستقرار.

الأغنيات التي بدت بريئة تُسمع اليوم بوعي مختلف (الشرق الأوسط)

الموسيقى لغة بديلة تُعيد تعريف هذا الانضباط. حين يغنّي الأطفال، يستعيدون علاقتهم بأنفسهم وبالعالم من حولهم. وحين يُستعاد الغناء داخل البيت، يُعاد توزيع الأدوار داخل البنية العائلية ليؤكّد الفيلم أنّ النظام الذي لا يتّسع للفرح محكوم بالتحوّل إلى قمع، حتى لو بدأ بحُسن نيّة.

هذه الثنائية بين الانضباط والموسيقى لا تبقى محصورة في الفضاء العائلي، فتمتدّ إلى السياق السياسي الذي يحيط بالشخصيات. صعود النازية في الخلفية اختبار أخلاقي يتقاطع مع ما جرى داخل البيت. يربط الفيلم بين التربية المنزلية والطاعة السياسية من دون أن يُعلن ذلك صراحة. فالشخص الذي تعلّم أن يقول «نعم» بلا نقاش داخل الجدران الأربعة، سيُطلَب منه لاحقاً أن يقولها في الفضاء العام. يُظهر «صوت الموسيقى»، عبر مسار شخصياته، أنّ التمرّد الحقيقي هو الذي يبدأ بإعادة النظر في معنى الطاعة نفسها.

الطاعة تختبر نفسها أمام الاختيار (الشرق الأوسط)

ينجح روبرت وايز في موازنة هذا الثقل الفكري من دون التضحية بجاذبية العمل. اختياره للفضاءات المفتوحة، والطبيعة التي تتّسع كلّما ضاق العالم الداخلي للشخصيات، جمالي ودلالي. فيُرافق الانغلاق لحظات القمع والامتثال، وتتمدَّد الجبال والحقول والسماء في الكادر كلّما خفَّ ضغط النظام والخوف.

أداء جولي أندروز محوري في المعادلة. حضورها يقوم على مزيج من الثقة والوعي، من دون فرض نموذج بديل بالقوة. يكفيها أن تقترح إمكانية أخرى للعيش. في المقابل، يمنح كريستوفر بلامر الشخصية المقابلة عمقاً إنسانياً يُجنّبها التحوّل إلى رمز جاهز للسلطة. التحوّل الذي يمرّ به لا يحدث دفعة واحدة. إنه نتيجة تراكم إدراك بطيء بأنّ النظام حين يُستخدم للهروب من الألم قد يتحوّل إلى مصدر ألم جديد. أما الأطفال، فهم قوة درامية حقيقية، يحافظ أداؤهم على توازن نادر بين العفوية والانضباط، ويُسهم في ترسيخ صدقية العالم الذي يبنيه الفيلم.

فيلم عن النظام حين يضيق وعن الإنسان الباحث عن مساحة في هذا الضيق (الشرق الأوسط)

قد يُنتقد «صوت الموسيقى» اليوم بسبب نبرته المتفائلة، أو ميله إلى تسوية بعض التناقضات لمصلحة نهاية أكثر إشراقاً. وإنما هذه الملاحظة لا تُقلّل قيمته ولا تُخرجه من سياقه القائم على الإيمان بإمكانية القرار الأخلاقي، حتى في لحظات الضغط الجماعي وفي مجتمعات تُطالَب بالطاعة باسم الاستقرار.

وبعرضه على شاشة سينما «متروبوليس»، بدا الفيلم جزءاً من دور أوسع تؤدّيه هذه الصالة في المشهد الثقافي البيروتي. فقد جمعت، على مدى أمسيتَيْن وفي صالتَيها، أجيالاً مختلفة في التجربة السينمائية نفسها. حضور أطفال في الصالة كان دلالة على معنى العرض ذاته. فالفيلم الذي وُلد قبل عقود عاد ليُشاهَد بعيون جديدة، تُقبِل عليه بوصفه اكتشافاً أولياً قبل أن يتحوّل إلى «ذاكرة». هنا تتجلّى وظيفة «متروبوليس» بعدم الاكتفاء بحفظ التراث السينمائي. إنها تُعيد إدخاله في دورة الحياة، حيث يصبح الفيلم مناسبة مشتركة، لا حكراً على جمهور النوستالجيا.

حين يُسمح للصوت أن يعلو... يتغيّر كلّ شيء بهدوء (الشرق الأوسط)

وفي الوقت نفسه، حرّك العرض ذكريات أجيال تربَّت على أغنيات الفيلم وحفظتها قبل أن تفهم سياقها. نوستالجيا تقوم على المزاج الذي تُخلّفه الموسيقى، بفرحها الهادئ ونبرتها التي تُخفّف وزن العالم من دون إنكاره. الأغنيات، التي رافقت طفولات كثيرة، عادت وقد اكتسبت طبقات جديدة من المعنى. وبين ضحكة طفل يسمعها للمرة الأولى، وذاكرة بالغ يستعيدها بعد سنوات، تشكّل في الصالة إحساس نادر بالاستمرارية، وبجمال إعادة مُشاهدة ما نعرفه بوعي مختلف.


مقالات ذات صلة

المخرج المصري محمد حماد: «خروج آمن» يتحدى الفوارق الطبقية

يوميات الشرق فيلم «خروج آمن» يشارك بالدورة 76 بمهرجان برلين (الشرق الأوسط)

المخرج المصري محمد حماد: «خروج آمن» يتحدى الفوارق الطبقية

بعد مرور 10 سنوات على إنتاج أول أفلامه «أخضر يابس» يعود المخرج المصري محمد حماد بفيلمه الطويل الثاني «خروج آمن» الذي يشارك به في الدورة الـ76 لمهرجان برلين.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان روتردام (إدارة المهرجان)

الفيلم اللبناني «مرمر مكاني»... 5 بورتريهات تحكي سيرة بيروت

يقدم الفيلم اللبناني «مرمر مكاني» بوصفه تجربة سينمائية جماعية ترصد الواقع اللبناني الراهن من زاوية إنسانية حميمة، عبر مجموعة أفلام قصيرة تتقاطع في الهمّ والروح.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق المخرج بول توماس أندرسن (وورنر برذرز)

«معركة بعد أُخرى»… فيلم أندرسن يواصل حصد الجوائز

الفيلم يستحق فنياً ما حصده من إقبال وثناء وإلا لما تجاوز كونه فيلم «أكشن» تقليدياً

محمد رُضا (بالم سبرينغز (كاليفورنيا) )
يوميات الشرق انتقلت من مهنة الصحافة إلى عالم السينما (جناي بولس)

جناي بولس تتألق في «صندانس» بفيلمها الوثائقي «عصافير الحرب»

الصحافة الأكثر تأثيراً لا تنبع من الحياد البارد، بل من الانخراط والتعاطف والصدق.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق قناع «بافتا» بعد إعلان الترشيحات في لندن عام 2011 (أ.ب)

ترشيحات «بافتا» و«سيزار» 2026... أبرز الأفلام والنجوم المتنافسين

هذا العام تتقاطع ترشيحات جوائز «بافتا» البريطانية مع «الأوسكار» في أبرز الفئات، في حين تبرز الجوائز الفرنسية «سيزار» السينما المحلية، والوثائقية بمنافسة مستقلة.

محمد رُضا (بالم بسبرينغز (كاليفورنيا))

المنتدى السعودي للإعلام يكاشف واقع القطاع في المنطقة العربية وتطلعاته للتأثير

سلّط دبلوماسيون وخبراء في الصناعة الإعلامية الضوء على معالم «القوة الناعمة» (واس)
سلّط دبلوماسيون وخبراء في الصناعة الإعلامية الضوء على معالم «القوة الناعمة» (واس)
TT

المنتدى السعودي للإعلام يكاشف واقع القطاع في المنطقة العربية وتطلعاته للتأثير

سلّط دبلوماسيون وخبراء في الصناعة الإعلامية الضوء على معالم «القوة الناعمة» (واس)
سلّط دبلوماسيون وخبراء في الصناعة الإعلامية الضوء على معالم «القوة الناعمة» (واس)

ألقى دبلوماسيون وخبراء في الصناعة الإعلامية الضوء على معالم «القوة الناعمة» وكيفية استثمارها في بناء سمعة الدول وتشكيل وعي الشعوب تجاه القضايا الدولية المعاصرة، وقدموا في جلسات متعددة، خلال ثاني أيام المنتدى السعودي للإعلام، مكاشفة صريحة عن واقع قطاع الإعلام في المنطقة العربية، ومتطلبات نهوضه للوفاء باستحقاقات المرحلة وبلوغ تأثيره الآفاق الدولية.

وناقشت جلسات وورشات اليوم الثاني من المنتدى السعودي للإعلام الذي عُقد في الرياض تحت شعار «الإعلام في عالم يتشكل»، محاور عدة تنوعت بين دور صحافة المواطن في صناعة مشهد الأخبار، وتحديات مواكبة البنية التحتية الرقمية لتحولات صناعة المحتوى، وآليات صناعة القصص الصحافية النوعية في ظل زخم التقنيات الإعلامية واتجاهات المحتوى المتعددة.

ثاني أيام المنتدى السعودي للإعلام في مكاشفة صريحة عن واقع قطاع الإعلام بالمنطقة العربية (واس)

مواجهة الأخبار المزيفة والتضليل

ناقشت جلسة «دبلوماسية التأثير... الإعلام وتشكيل الصورة» دور الإعلام في صناعة الصورة الذهنية وتعزيز القوة الناعمة للدول، بمشاركة عدد من السفراء المعتمَدين لدى السعودية. وقال ضياء الدين بامخرمة، سفير جمهورية جيبوتي وعميد السلك الدبلوماسي لدى السعودية، إن الدبلوماسية شهدت تطوراً كبيراً انتقلت معه من إطارها التقليدي إلى الدبلوماسية العامة، مؤكداً أن «القوة الناعمة» باتت أداة رئيسة للدول للتعريف بنفسها وخدمة مصالحها السياسية والاقتصادية.

وأوضح بامخرمة أن السعودية تقدم نموذجاً بارزاً في دبلوماسية التأثير عبر تنظيم المنتديات الدولية، والاستثمار في الثقافة والرياضة، ولا سيما كرة القدم، التي أسهمت في إيصال الحضور السعودي إلى مختلف أنحاء العالم. وأكد بامخرمة أن نجاح «دبلوماسية التأثير» يعتمد بشكل جوهري على فهم عقلية المتلقي وثقافته؛ لضمان إيصال السردية بالشكل الصحيح وتحقيق الأثر المطلوب، مشدداً على أن نجاح الخطاب الإعلامي والدبلوماسي مرهون بالسردية الواضحة والصادقة، وأنها هي وحدها القادرة على خلق تأثير واقعي وبناء ثقة متينة بين المرسل والمتلقي، مما يجعل خطاب السياسي مفهوماً ومقبولاً.

وأضاف بامخرمة: «في ظل تقارب العالم وتحوله إلى قرية صغيرة، تسقط السرديات الكاذبة والمزيفة سريعاً، ولا يمكن لها الصمود أمام تدفق المعلومات والحقائق»، وعَدَّ أن الإعلام الرقمي، اليوم، جعل كشف الزيف أسرع، وأن السردية الصادقة وحدها هي القادرة على التأثير وبناء علاقة مستدامة مع الرأي العام.

جلسات متعددة خلال ثاني أيام المنتدى السعودي للإعلام (واس)

من جانبه، أكَّد خافيير كارباجوسا سانشيز، سفير مملكة إسبانيا لدى السعودية، أن العلاقة بين الإعلام والدبلوماسية علاقة تاريخية، وأصبحت أكثر تعقيداً وتأثيراً في عصر الاتصالات الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي، مبيناً أن الإعلام لم يكن يوماً مجرد ناقل، بل فاعل ومؤثر، مشيراً إلى أن العمل السياسي لا يمكن فصله عن إدارة الحضور الإعلامي.

بدوره، أكَّد الدكتور سهيل إعجاز خان، سفير جمهورية الهند لدى السعودية، أن بناء الصورة الذهنية وصناعة الانطباع يمثلان جوهر الدبلوماسية العامة والثقافية، موضحاً أن إيصال الرسالة الصحيحة إلى الجمهور المناسب هو مفتاح التأثير، وأن الفن والمطبخ الوطني يعدان من الأدوات الفعالة للقوة الناعمة.

وقال سفير جمهورية الهند لدى السعودية إن الدبلوماسية الثقافية تعتمد على تفعيل أدوات القوة الناعمة مثل الفنون والموسيقى والمطبخ لتعزيز التواصل الإنساني المباشر وبناء الجسور بين الشعوب، مؤكداً أن الجالية الهندية في المملكة وثقافة السينما والمطبخ تسهم في بناء الصورة الذهنية وتعزيز الشراكات بفاعلية وتأثير قد يفوق أحياناً الجهود الرسمية المباشرة للسفارة. وفي مواجهة الأخبار المزيفة والتضليل في الفضاء الرقمي، قال السفير سهيل إعجاز خان إن الاستجابة تتطلب دبلوماسية تتسم بالسرعة والصدق والمباشرة لتقديم الحقائق قبل انتشار الشائعات.

من جانبه أوضح موغوبو ديفيد موغابي، سفير جمهورية جنوب أفريقيا لدى السعودية، أن الاحترام المتبادل والحوار يشكلان ركيزة أساسية للعمل الدبلوماسي، مشيراً إلى أن التحديين الرئيسين اللذين يواجهان الدبلوماسية، اليوم، يتمثلان في انتشار المعلومات المضللة، وتسارع إيقاع الإعلام الحديث، مقارنة بطبيعة العمل الدبلوماسي القائم على التدرج وبناء العلاقات طويلة الأمد.

اليوم الثاني من المنتدى السعودي للإعلام الذي عُقد بالرياض تحت شعار «الإعلام في عالم يتشكل» (واس)

مكاشفة الإعلام العربي

وفي جلسة حوارية لمكاشفة الإعلام العربي ومتطلبات توسيع تأثيره عالمياً، قال الصحافي السعودي جميل الذيابي إن الإعلام المحلي العربي موجَّه في الأغلب إلى الداخل، وتعمل من وراءه عقلية تخاطب الداخل ولا تفكر كثيراً في النطاق العالمي، مشيراً إلى أن الإعلام في المنطقة العربية يتسم بحالة من الانفعالية، وأن العقلية العربية متفاوتة في النظر إلى المحتوى الإعلامي والتعامل معه.

وحثّ الذيابي إعلام المنطقة العربية على مواكبة المرحلة، وأضاف: «ينبغي على الإعلام المواكبة، بعد تحقيقه، خلال السنوات الأخيرة، تأثيراً لافتاً، حيث بدأت الوكالات الأجنبية تنقل عنه باستمرار، لكن موثوقيته لدى الرأي العام العربي لا تزال محدودة ومتأثرة بنوعية الإعلام بين القادم من الخارج والنابع من داخل الحدود».

المعرض المصاحب للمنتدى بمشاركة عارضين من دول العالم (واس)

من جهته قال الكاتب الصحافي مأمون فندي إن القصة التي تكتب في العالم العربي يُنظر إليها في العالم انطلاقاً من موقعها أو طبيعتها، مشيراً إلى أن العالم يضع معاييره الخاصة بالمصداقية والدقة والمصدرية، ثم يقوم بتطبيقها على ما يصله من العالم العربي.

وتابع أن هناك غياباً للوسيلة التي تحقق وصول المعلومة والخبر الدقيق من المنطقة العربية إلى العالم، مشيراً إلى أن العالم، اليوم، يعيش في زمن الشبكات المعقدة، وأن الوسائل الإعلامية والعربية منها ينبغي أن تتموضع ضمن هذه الشبكات.

وختم فندي: «يستطيع العالم العربي أن تكون لديه قصة صحافية خاصة، تبدأ تياراً من التأثير، وذلك من خلال القصة الخاصة والسبْق الفريد»، مُبدياً أسفه على أن أغلب المؤسسات والهيئات العربية الرسمية تُفضل أن تختار وسيلة أجنبية لتمرير أخبارها والوصول بها إلى العالم.


«القاهرة للكتاب» يحقق رقماً قياسياً باستقبال قرابة 6 ملايين زائر

معرض القاهرة للكتاب حقق رقماً قياسياً لاستقبال الزائرين مقارنة بالسنوات الماضية (وزارة الثقافة)
معرض القاهرة للكتاب حقق رقماً قياسياً لاستقبال الزائرين مقارنة بالسنوات الماضية (وزارة الثقافة)
TT

«القاهرة للكتاب» يحقق رقماً قياسياً باستقبال قرابة 6 ملايين زائر

معرض القاهرة للكتاب حقق رقماً قياسياً لاستقبال الزائرين مقارنة بالسنوات الماضية (وزارة الثقافة)
معرض القاهرة للكتاب حقق رقماً قياسياً لاستقبال الزائرين مقارنة بالسنوات الماضية (وزارة الثقافة)

بمجرد دخول مركز مصر للمعارض والمؤتمرات الدولية بالتجمع الخامس (شرق القاهرة)، يظهر الزخم الكبير لحضور معرض القاهرة الدولي للكتاب الذي انطلق في 21 يناير (كانون الثاني) الماضي، واختتم فعالياته، الثلاثاء، بتوزيع جوائز المعرض على المبدعين والباحثين والنقاد.

وأعلنت وزارة الثقافة المصرية، المنظِّمة للمعرض، تحقيقه رقماً قياسياً في استقبال الزائرين، حيث وصل عددهم، خلال 14 يوماً، إلى ما يقارب 6 ملايين زائر، وبالتحديد 5 ملايين و865 ألف زائر في اليوم قبل الأخير، متجاوزاً الرقم الذي حققه المعرض في العام الماضي وهو نحو 5 ملايين و547 ألف زائر.

وشارك في المعرض أكثر من 1400 ناشر من 83 دولة، وأكثر من 6 آلاف عارض للكتب، وكانت ضيف الشرف دولة رومانيا، وشهد المعرض نحو 400 فعالية ثقافية وفنية متنوعة على مدار أيامه الخمسة عشر.

وكما بدأ معرض الكتاب فعالياته بحفل فني في تقليد جديد، يختتم فعالياته أيضاً بحفل فني يهدف إلى تعزيز البعدين الثقافي والفني للحدث، وفق تصريحات صحافية لوزير الثقافة المصري أحمد فؤاد هنو.

وفي تفسير هذا الرقم القياسي للزائرين أشار الوزير إلى أن «الرهان على وعي المواطنين بأهمية الثقافة والمعرفة كان رهاناً ناجحاً، وهو ما تعكسه معدلات الإقبال غير المسبوقة، ومعدلات المبيعات الكبيرة للإصدارات والعناوين المختلفة»، وفق بيان للوزارة، الثلاثاء، مؤكداً أن «هذا الحضور الكثيف يعكس المكانة الراسخة لمعرض القاهرة الدولي للكتاب في وجدان المصريين والعرب والمقيمين على أرض مصر».

إقبال جماهيري لافت على معرض القاهرة للكتاب (وزارة الثقافة)

تُقام فعاليات المعرض، هذا العام، تحت شعار «من يتوقف عن القراءة ساعة يتأخر قروناً»، وتحلُّ دولة رومانيا ضيف شرف الدورة، واختارت اللجنة المنظِّمة للمعرض شخصية العام أديب نوبل نجيب محفوظ (1911 - 2006) وشخصية معرض كتب الطفل الفنان الراحل محيي الدين اللباد (1940 - 2020). وكانت وزارة الثقافة قد أعلنت تخصيص حقيبة نجيب محفوظ، وتضم 20 كتاباً عن عالم نجيب محفوظ الإبداعي، بسعر رمزي 100 جنيه (الدولار يساوي نحو 47 جنيهاً مصرياً)، فضلاً عن تخصيص خمسين حقيبة متنوعة من الكتب تضم 20 كتاباً بالسعر الرمزي نفسه.

ويمثّل الحضور القياسي لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، هذا العام، والذي اقترب من نحو ستة ملايين زائر، دلالة واضحة على المكانة الراسخة التي يحتلها المعرض في الوعي الثقافي المصري والعربي. ووفق الشاعر أحمد الشهاوي، عضو اللجنة العليا لتنظيم معرض القاهرة الدولي للكتاب، «فهذا الرقم لا يعكس مجرد كثافة عددية، بل يشير إلى تعطّش حقيقي للمعرفة، ورغبة مجتمعية واسعة في التفاعل مع الكتاب بوصفه أداة للوعي وبناء الفكر».

إقبال لافت على الكتب خلال المعرض (وزارة الثقافة)

وأضاف، لـ«الشرق الأوسط»: «يكشف هذا الإقبال عن استمرار دور المعرض كمنصة ثقافية جامعة، لا تقتصر على بيع الكتب، بل تمتد لتشمل الحوار الفكري، والندوات، والأنشطة الفنية، ولقاءات الكتّاب والمفكرين، كما يدل على قدرة المعرض على مواكبة التحولات الاجتماعية والتكنولوجية، من خلال تنويع محتواه واستهداف فئات عمرية مختلفة، خصوصاً الشباب والأطفال، وهو ما يعزز فكرة أن القراءة ما زالت حاضرة، رغم انتشار الوسائط الرقمية».

وأشار إلى أن النجاح التنظيمي للمعرض يعكس ثقة الجمهور في المعرض كمؤسسة ثقافية وطنية، وقدرته على استيعاب هذا العدد الكبير من الزوار، وتقديم تجربة ثقافية منظمة.

وإلى جانب الأنشطة الثقافية والفكرية التي تضمّنها المعرض، شهد أيضاً أكثر من 120 فعالية فنية لفِرق الفنون الشعبية والغناء التراثي والرقص الشعبي من مصر ودول أخرى، كما شهد مخيم الإبداع حفلات للسيرك والأغاني والموسيقى، إلى جانب أنشطة متنوعة للأطفال حظيت بزخم في الحضور.


المخرج المصري محمد حماد: «خروج آمن» يتحدى الفوارق الطبقية

فيلم «خروج آمن» يشارك بالدورة 76 بمهرجان برلين (الشرق الأوسط)
فيلم «خروج آمن» يشارك بالدورة 76 بمهرجان برلين (الشرق الأوسط)
TT

المخرج المصري محمد حماد: «خروج آمن» يتحدى الفوارق الطبقية

فيلم «خروج آمن» يشارك بالدورة 76 بمهرجان برلين (الشرق الأوسط)
فيلم «خروج آمن» يشارك بالدورة 76 بمهرجان برلين (الشرق الأوسط)

بعد مرور 10 سنوات على إنتاج أول أفلامه «أخضر يابس» يعود المخرج المصري محمد حماد، بفيلمه الطويل الثاني «خروج آمن»، الذي يشارك به في الدورة الـ76 لمهرجان برلين السينمائي في الفترة من 12 – 22 فبراير (شباط) الجاري، ويُعرض بقسم «البانوراما» ضمن الاختيارات الرسمية للمهرجان.

وأكد حماد في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن ظروفاً عدة تسببت في تأخر ظهور مشروعه الثاني، لعل أهمها التمويل الذي تسبب في توقف تصوير فيلمه 4 مرات، وقد تصدى لإنتاجه بمشاركة المنتجة خلود سعد، وحاز الفيلم أيضاً على مشاركات إنتاجية من ليبيا وتونس وقطر وألمانيا إلى جانب مصر، مشيراً إلى أنه يصنع أفلامه «هاند ميد»؛ لذا تستغرق وقتاً، معبراً عن حماسه للعرض العالمي الأول بمهرجان برلين.

وتدور أحداث فيلم «خروج آمن» حول حارس أمن شاب يعاني اضطرابات ما بعد الصدمة، عقب مقتل والده على يد أحد التنظيمات الإرهابية، ويكشف الفيلم كيف تتسلل الأحداث الكبرى إلى تفاصيل حياة الإنسان العادي، وما تخلفه من آثار نفسية تتراكم داخله.

الفيلم من تأليف وإخراج محمد حماد وبطولة مروان وليد ونهى فؤاد وحازم عصام، وينحاز الفيلم للبعد الإنساني بوصفه مساحة مشتركة لفهم التجربة، برغم ما تحمله من خوف وانكسار وتناقضات.

وحول ما قاد حماد لفكرة الفيلم، حسبما يقول: «أبحث في فيلمي عن التسامح، لأنني طوال الوقت أشعر بأن اختلافات الناس تؤثر في سلوكهم وطريقة تفاعلهم مع الأمور، بالطبع يختلف كل منا عن الآخر وفقاً لأفكاره وبيئته وثقافته وعوامل أخرى عديدة، لكن حين يصل الأمر إلى صدام ويتحول إلى سلوك يحض على العنف والكراهية لمجرد الاختلاف؛ فهذه هي الأزمة، لذا أتطلع لمظلة إنسانية نتعامل فيها مع مشاعرنا باعتبارنا بشراً، دون أن تشغلنا فوارق طبقية ولا آيديولوجية ولا عقائدية».

المخرج محمد حماد (الشرق الأوسط)

ويلفت حماد إلى أن فيلم «خروج آمن» ينتمي لأفلام «النوع»؛ حيث إنه فيلم إثارة نفسية، كما ينتمي لسينما المؤلف، إلى جانب أنه من أفلام الـ«آرت هاوس».

واختار المخرج لبطولة فيلمه ممثلين شباباً تتراوح أعمارهم بين 22 و23 عاماً، ويكشف أنه قام بتدريبهم على مدى 8 أشهر، وكانوا مستمتعين بالعمل في الفيلم.

وواجه محمد حماد أزمة في تمويل الفيلم برغم النجاح الذي حققه فيلمه الأول «أخضر يابس»، الذي صدر عام 2016 وحاز نحو 35 جائزة دولية، وعُرض في مهرجانات عدة، من بينها «لوكارنو السينمائي» و«المكسيك» وفاز عنه بجائزة أفضل مخرج بمهرجان دبي السينمائي.

ويشير حماد إلى أن فيلم «خروج آمن» استغرق وقتاً أكبر في رحلة تمويله، موضحاً: «اعتمدنا على التمويل الذاتي بمشاركتي والمنتجة خلود سعد، ولم يكن الأمر سهلاً أن أحقق ميزانيته، فنحن أفراد في النهاية، وقد واجهنا صعوبات عديدة، وتوقفنا 4 مرات خلال التصوير، وعانيت من ذلك؛ لأن أي مخرج يهمه أن يصور فيلمه مرة واحدة وليس على فترات».

ورغم ذلك لم يتنازل حماد لأجل ظهور فيلمه، حسبما يقول: «قدمنا الفيلم بأفضل مواصفات ممكنة، ومن يشاهده سيشعر أنه فيلم تم عمله بإتقان، فنحن كوننا منتجين أعطينا كل شيء للفيلم. وانضم لنا شركاء متحمسون في مرحلة ما بعد الإنتاج من ليبيا وتونس وقطر وألمانيا».

وكشف حماد أن التمويل أحد أسباب تأخره 10 سنوات بعد فيلمه الأول، قائلاً: «لأن الأفلام المختلفة عن السائد لا تجد ترحيباً من المنتجين، كما لا يقتنعون بكل الأفكار التي يريدها المخرج».

ويلفت إلى سبب آخر لتأخر مشروعه الثاني: «كما أنني انشغلت في تحضير فيلم استغرق وقتاً طويلاً، لكن الرقابة لم توافق عليه، وفيلم (خروج آمن) استغرق 3 سنوات».

وحول صناديق الدعم من المهرجانات ومساهمتها في الدفع بأفلام، يقول: «هذه الصناديق تساعد المنتج على توفير ميزانية الفيلم، وقد ساهمت في دعم أفلام عديدة، لكن يبقى لكل جهة تمويل متطلبات وتوجهات».

بطل الفيلم حارس أمن يفقد والده في حادث إرهابي (الشرق الأوسط)

ويؤمن محمد حماد بأن كل فيلم يختار جمهوره، مؤكداً أن فيلم «خروج آمن» نوع آخر من الدراما الاجتماعية، ويتطلع لعرضه في القاعات، قائلاً: «لدي فضول لمعرفة رد فعل الجمهور؛ لأن الفيلم بعدما انتهيت منه لم يعد ملكي بل ملك لكل من يشاهده، وأتشوق لعرض يليق بنا في برلين، لأننا لدينا سينما مهمة بها أفكار عديدة و(حواديت لا تنتهي)، ولدينا هوية لا بد أن نفخر بها»، مشيراً إلى أن مهرجان برلين يتمتع بجمهور كبير، ليس فقط من صناع الأفلام، بل من الجمهور العادي المحب للسينما الذي يقبل بشغف على مشاهدة الأفلام.

وفي رأي المخرج المصري هناك فارق كبير بين مفهوم الفيلم التجاري والجماهيري، موضحاً: «الفيلم التجاري يكون للمنتج، لكن الفيلم الجماهيري، سواء شاهده ألف أو مليون مشاهد فسوف يتابعونه ويستمتعون به».

وبرغم أن أفلامه تنتمي للسينما المستقلة فهو يتحفظ على هذا المفهوم، إذ يرى أن هذا المصطلح بات واسعاً فضفاضاً، وأن هناك أفلاماً تصل ميزانيتها لمائة مليون جنيه (الدولار يساوي نحو 47 جنيهاً مصرياً) ويقال عنها مستقلة.