مصر: الذهب يحافظ على مكانته ويعزز أدواره رغم قفزات الأسعار

اتجاهات الاقتناء ما زالت مستمرة بسبب الإرث والتحولات الاقتصادية

ارتفاعات قياسية جديدة سجَّلها المعدن الأصفر في مصر (أرشيفية - رويترز)
ارتفاعات قياسية جديدة سجَّلها المعدن الأصفر في مصر (أرشيفية - رويترز)
TT

مصر: الذهب يحافظ على مكانته ويعزز أدواره رغم قفزات الأسعار

ارتفاعات قياسية جديدة سجَّلها المعدن الأصفر في مصر (أرشيفية - رويترز)
ارتفاعات قياسية جديدة سجَّلها المعدن الأصفر في مصر (أرشيفية - رويترز)

ظل المصري مجدي سيد، وهو موظف في منتصف الأربعينات من عمره، عاماً كاملاً يحاول أن يدخر مبلغاً يُمكّنه من شراء سبيكة ذهبية لا تتجاوز 10 غرامات ليحافظ على ما ادخره، ووجد أن الوقت قبل ساعات من نهاية العام الماضي مناسب لأن يُقدّم السبيكة هدية لزوجته، رغم أنه اعتاد في مثل هذه المناسبات أن يفاجئها بمشغولة ذهبية بغرض الادخار والزينة أيضاً.

ورغم الارتفاعات المستمرة في أسعار الذهب في مصر، يقول مجدي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إنه اتخذ قراره بناءً على نصائح من أقاربه، الذين اتفقوا على أن هذا الحل هو الأسلم للادخار، رغم أنه قد يحتاج إلى المبلغ لدفع مصاريف أبنائه المدرسية في غضون أشهر قليلة، كما أنه أراد أن يُحفز زوجته للاستمرار في اقتصاد مصروفات المنزل.

وصل سعر «سبيكة الذهب» عيار 24 لنحو 71 ألف جنيه (الدولار يساوي 40.5 جنيه في البنوك المصرية) عند نهاية عام 2025.

وتأثرت «سبيكة الذهب» بالارتفاعات المتتالية في أسعار الذهب خلال العام الماضي في مصر بنسبة 60 في المائة خلال عام واحد، في واحدة من أكبر الطفرات السعرية، مدفوعة عالمياً بارتفاع الأونصة لأرقام قياسية، وصلت إلى نحو 70 في المائة، وفقاً «للتقرير السنوي لشعبة الذهب والمعادن الثمينة» في مصر.

الموظف المصري، الذي يقطن بحي عابدين في وسط القاهرة، أكد أن «زملاءه وإخوته يتجهون نحو الذهب للادخار بشكل مستمر رغم ارتفاع أسعاره»، وقال بهذا الخصوص: «بالنسبة لزوجتي، الذهب أداة تأمين فاعلة في مواجهة تقلبات الحياة، وذلك أفضل كثيراً من قضاء إجازة صيفية مثلاً».

وقفز سعر الذهب من 3740 جنيهاً للغرام الواحد عيار 21 ليلامس مستوى 6100 جنيه في 28 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، قبل أن ينخفض قليلاً ليصل إلى 5830 جنيهاً، الجمعة. وقد حقق الذهب خلال العام الماضي أفضل أداء سنوي له منذ عام 1979، كما أنه العام الثالث على التوالي الذي يشهد فيه مكاسب، حيث يمثل هذا الارتفاع تصعيداً لتحول جذري في الأسواق المالية العالمية، وفقاً لأرقام منصة «آي صاغة».

ورغم هذه القفزات، فإن الشاب الثلاثيني محمد عمر، الذي أتم خطبته قبل أسبوع تقريباً من نهاية 2025، قام بشراء شبكته مقدماً خشية مزيد من الارتفاعات في 2026، خصوصاً مع بداية العام، الذي يتزامن مع أعياد الميلاد التي تشهد دائماً إقبالاً كبيراً على الذهب، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «اتفقت مع أهل خطيبتي على شراء 30 غراماً من الذهب عيار 18 لتدبير باقي نفقات الزواج الباهظة».

أحد محالّ الذهب في مصر (الصفحة الرسمية لشعبة الذهب)

ورفضت أسرة عمر وأهل خطيبته التنازل عن شراء «الشبكة» (تعرف في الموروث الشعبي بأنها هدية يقدمها الخاطب لخطيبته للإعلان عن الخطوبة، وهي جزء من تقاليد الزواج، وتعد في العرف الشرعي للمسلمين جزءاً من المهر)، مشيراً إلى أن الاتفاق عليها كان مسبقاً على توزيع أعباء الزفاف بينهما.

وأقدم المصريون على «شراء 50 طناً من الذهب خلال عام 2024»، كما بلغت مشترياتهم في أول 9 شهور من العام الماضي «نحو 32.5 طن»، حسب «مجلس الذهب العالمي». ولا يرتبط الأمر فقط بشراء الأفراد، حيث جذبت صناديق الاستثمار في الذهب، التي انطلقت عام 2023، استثمارات تتراوح بين 4 و5 مليارات جنيه لما يقرب من 250 ألف مستثمر، بعضهم بدأ الاستثمار بمبالغ محدودة، وفقاً «للهيئة العامة للرقابة المالية».

أستاذة الاقتصاد في جامعة عين شمس، يمن الحماقي، قالت إن «الإقبال على الذهب آخذ في الازدياد على مستوى العالم أجمع، لكن الوضع في مصر أكثر خصوصية؛ لأن كثيرين اتجهوا إليه للتحوط من تقلبات سعر الصرف، وانخفاض قيمة العملة المحلية مع اتخاذ قرارات عديدة بتعويم الجنيه خلال السنوات الماضية، وصاحب ذلك موجات تضخمية عنيفة».

وأضافت يمن موضحة: «صار هناك مشهد يتجه فيه كل مواطن لتأمين نفسه، خصوصاً المستثمرين الذين يسعون للحفاظ على قيمة أموالهم، ومن لديهم سيولة إضافية مع ضعف فرص الاستثمار». وأوضحت لـ«الشرق الأوسط» أن وجود «اقتصاد غير رسمي» دفع البعض لتحويل أمواله غير المستغلة في استثمارات الذهب، وهو ما يفسر اللجوء إلى السبائك ذات المصنعية المنخفضة على نحو أكبر، أو الاستثمار في «صناديق الذهب»، ما يجعل التحوط يأتي على رأس أولويات اقتناء الذهب.

ويعد ذلك أحد الأسباب التي دفعت «شعبة الذهب والسبائك الثمينة» في مصر تتحدث في تقريرها الأخير، الأربعاء، للتأكيد على أن «أداء الذهب خلال عام 2025 يعكس تحولاً هيكلياً في سلوك المستثمرين، ويثبت قدرة المعدن الأصفر على الحفاظ على القيمة، وتعظيمها على المدى الطويل».

زيادة أسعار الذهب لم تثن المصريين عن الشراء (الصفحة الرسمية لشعبة الذهب والمجوهرات المصرية)

وعلى المستوى الاجتماعي، ما زال الذهب في مصر يحافظ على إرث اقتنائه بسبب الوجاهة والزينة، ويعد مكوناً رئيسياً في الزواج، وفق أستاذ علم الاجتماع بجامعة بنها، هالة منصور، التي أشارت إلى أنه في خمسينات القرن الماضي «كانت الطبقة المتوسطة والفقيرة تشتري الذهب، بينما كانت الطبقات العليا تتجه نحو الألماس، والهدف هو الزينة والاحتفاظ به، وكذلك فهو رمز مهم للوجاهة، وارتبط بالهدايا و(شبكة الزيجة)».

وأضافت منصور لـ«الشرق الأوسط»: «استمر هذا الوضع عقوداً طويلة، خصوصاً أنه لم تكن هناك ارتفاعات كبيرة في أسعاره حتى عام 2011، وفي ذلك الحين بدأت التحولات الاجتماعية تأخذ نمطاً متسارعاً، بينما شهد الذهب أيضاً قفزات كبيرة عززها انخفاض قيمة الجنيه، وشعور المواطنين بأن مدخراتهم بالعملة المحلية قد تتعرض للتآكل، فأصبح الذهب أداة ادخار واستثمار مهمة».


مقالات ذات صلة

مصر: تغيير حكومي أمام مجلس النواب الثلاثاء

العالم العربي رئيس الوزراء المصري خلال بيان أمام البرلمان المصري في يوليو 2024 (مجلس الوزراء)

مصر: تغيير حكومي أمام مجلس النواب الثلاثاء

تستعد مصر لإجراء تعديل وزاري على حكومة الدكتور مصطفى مدبولي، هذا الأسبوع، بعد سلسلة من التكهنات بالتزامن مع انعقاد مجلس النواب الجديد، وبدء جلساته الشهر الماضي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا بنايات في وسط العاصمة القاهرة (الشرق الأوسط)

«القبول المجتمعي» يعرقل عمليات التبرع بأعضاء المتوفين في مصر

تحدث مسؤول حكومي عن أن «القبول المجتمعي» هو إحدى الإشكاليات الكبرى التي تعرقل التبرع بأعضاء المتوفين.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
العالم العربي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الرئيس السوري أحمد الشرع خلال القمة العربية الطارئة بالعاصمة الإدارية الجديدة في مصر يوم 4 مارس 2025 (أ.ب)

مصر تنفي إصدار ضوابط جديدة لدخول السوريين

نفت مصر اتخاذ أي إجراءات جديدة ضد دخول السوريين للبلاد، بينما أفادت مصادر سورية «الشرق الأوسط»، بوجود حملات تدقيق أمني تستهدف مخالفي شروط الإقامة فقط.

هشام المياني (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال جلسة مباحثات مع الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود في القاهرة (الصفحة الرسمية للرئاسة المصرية)

السيسي: نرفض أي إجراءات تمس وحدة الصومال

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اليوم (الأحد)، موقف بلاده الثابت الداعم لوحدة الصومال وسلامة أراضيه.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
الاقتصاد هواتف محمولة  (رويترز - أرشيفية)

مصر توقع اتفاقاً تاريخياً للترددات مع شركات الاتصالات بقيمة 3.5 مليار دولار

قال مجلس الوزراء المصري، في بيان، السبت، إن القاهرة وقعت صفقة بقيمة 3.5 مليار دولار لتخصيص 410 ميجاهرتز إضافية من الطيف الترددي الجديد لشركات المحمول.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

نجاة امرأتين وفقدان عشرات المهاجرين... مأساة جديدة قبالة سواحل ليبيا

​مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية - أ.ب)
​مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية - أ.ب)
TT

نجاة امرأتين وفقدان عشرات المهاجرين... مأساة جديدة قبالة سواحل ليبيا

​مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية - أ.ب)
​مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية - أ.ب)

استيقظت ليبيا، الاثنين، على مأساة جديدة قبالة سواحلها في البحر المتوسط؛ إذ غرق قارب انطلق من مدينة الزاوية بغرب البلاد وعلى متنه 55 مهاجراً غير نظامي، في حادثة تُضاف إلى سجل طويل من حوادث غرق قوارب تُقل مهاجرين أفارقة طامحين لمستقبل أفضل بالقارة الأوروبية.

ولم ينجُ من الحادث سوى امرأتين نيجيريتين، أمكن إنقاذهما خلال عملية البحث والإنقاذ التي نفذتها السلطات الليبية. وأفادت إحداهما بفقدان زوجها، فيما قالت الأخرى إنها فقدت رضيعَيها، وفق ما ذكرته «المنظمة الدولية للهجرة».

وقال متحدث باسم «منظمة الهجرة» إن الحادث أفضى إلى وفاة أو فقد 53 مهاجراً، بينهم رضيعان، إثر انقلاب قارب مطاطي كان يقل 55 شخصاً قبالة السواحل الليبية. وأشار إلى أن القارب انقلب شمال مدينة زوارة بغرب ليبيا في السادس من الشهر الحالي.

ضبط قوارب مخصصة لتهريب المهاجرين عبر المتوسط لدى عصابات بغرب ليبيا (وزارة الداخلية)

وعبَّرت المنظمة عن «حزنها العميق» لفقدان الأرواح في حادث مميت جديد على طريق وسط البحر المتوسط، مشيرة إلى أن فِرقها قدمت للناجيتين رعاية طبية طارئة فور إنزالهما بالتنسيق مع السلطات المعنية.

وبحسب إفادات الناجيتين للمنظمة الدولية، غادر القارب مدينة الزاوية نحو الساعة الحادية عشرة من مساء الخامس من فبراير (شباط)، وبعد نحو ست ساعات انقلب نتيجة تسرب المياه إليه.

وكان القارب يقل مهاجرين ولاجئين من جنسيات أفريقية مختلفة. ويرفع الحادث عدد المهاجرين الذين أُبلِغ عن وفاتهم أو فقدانهم، في محاولة اجتياز البحر المتوسط إلى أوروبا، إلى ما لا يقل عن 484 شخصاً في عام 2026.

رحلات الموت

ومثل هذه الحوادث متكررة؛ ففي 22 يناير (كانون الثاني) الماضي، أمرت النيابة العامة الليبية بحبس اثنين من تشكيل عصابي، لاتهامهما بتهريب مهاجرين غير نظاميين من شرق ليبيا إلى أوروبا عبر البحر المتوسط، ما تسبب في غرق 59 شخصاً من مصر وبنغلاديش.

وكان الضحايا من بين 79 شخصاً من البلدين انطلق قاربهم من طبرق، بأقصى الشرق الليبي، وأُعلن عن غرق 59 منهم في 30 يوليو (تموز)، فيما تم إنقاذ الباقين.

وعادة ما تنتشل عناصر «الهلال الأحمر» الليبي الجثث التي تقذفها الأمواج إلى الشاطئ.

متطوعو جمعية الهلال الأحمر الليبي ينتشلون جثة قذفتها أمواج المتوسط يناير الماضي (المكتب الإعلامي للجمعية)

وتكثف السلطات المعنية بمكافحة الهجرة غير المشروعة في شرق ليبيا وغربها، من عمليات «الترحيل الطوعي» براً وجواً، وسهّلت إعادة دفعات جديدة من الموقوفين إلى دولهم. كما تعمل السلطات على تعقّبهم، وذلك ضمن خطة تهدف إلى «فرض السيطرة ومنع أي محاولات للتسلل».

وسبق وأعلنت «المنظمة الدولية للهجرة» عن اعتراض وإعادة 568 مهاجراً من البحر إلى ليبيا خلال الفترة من الثاني إلى الثامن من نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، لافتة إلى اعتراض وإعادة 23513 مهاجراً منذ بداية العام الحالي، من بينهم 2037 امرأة و851 طفلاً.

وتلجأ عصابات الهجرة غير المشروعة إلى تهريب المهاجرين في قوارب متهالكة، أو غير معدة للإبحار في عرض البحر المتوسط، ما تسبب في وقوع كوارث عديدة.

وفكّكت النيابة العامة الليبية في سبتمبر (أيلول) الماضي، شبكة كانت تعمل على تصنيع «قوارب الموت» التي تُستخدم في الهجرة غير النظامية إلى أوروبا، وأوقفت 10 أشخاص كانوا يعملون في ورشة بمدينة مصراتة.

وتشير بيانات «المنظمة الدولية للهجرة» إلى أنه خلال شهر يناير فقط، أُبلِغ عن وفاة أو فقدان ما لا يقل عن 375 مهاجراً نتيجة عدة حوادث غرق «غير مرئية» بوسط البحر المتوسط، في ظل ظروف جوية قاسية، مع ترجيح حدوث مئات الوفيات الأخرى التي لم يتم رصدها.

عصابات وشبكات تهريب

تسلّط هذه الحوادث المتكررة الضوء على المخاطر المستمرة والقاتلة، التي يواجهها المهاجرون واللاجئون في أثناء محاولات العبور المحفوفة بالمخاطر.

ووفقاً لمشروع «المهاجرين المفقودين» التابع لـ«المنظمة الدولية للهجرة»، فُقد أكثر من 1300 مهاجر في وسط البحر المتوسط خلال عام 2025.

وتحذّر المنظمة من أن شبكات الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين «تواصل استغلال المهاجرين على طريق وسط البحر المتوسط، محققة أرباحاً من رحلات عبور خطيرة على متن قوارب غير صالحة للإبحار، ومعرّضة الأشخاص لانتهاكات جسيمة ومخاطر متعلقة بالحماية».

وتؤكد المنظمة الحاجة إلى تعزيز التعاون الدولي والاستجابات التي تضع الحماية في صميمها، لمواجهة شبكات التهريب والاتجار بالبشر، إلى جانب إتاحة مسارات آمنة ونظامية للهجرة للحد من المخاطر وإنقاذ الأرواح.

مهاجرون من النيجر خلال ترحيلهم من طرابلس ديسمبر 2025 (الداخلية الليبية)

وتسعى دول عديدة إلى إعادة رعاياها من ليبيا.

وأعلنت وزارة الخارجية المصرية الشهر الماضي، أن جهودها أسفرت عن ترحيل أكثر من 3 آلاف مواطن من ليبيا خلال عام 2025، ممن كانوا متهمين في قضايا الهجرة غير المشروعة، والإفراج عن أكثر من 1200 مواطن من السجون الليبية، إضافة إلى نقل 300 جثمان على نفقة الدولة، إثر غرق مراكب للهجرة قبالة السواحل الليبية.


الأمم المتحدة: كان يمكن تجنب الفظاعات وكارثة الفاشر في السودان

نساء نازحات من الفاشر يقفن وسط طابور لتلقي مساعدات غذائية بمخيم العفّاد الذي أُنشئ حديثاً في الدبّة بولاية شمال السودان (أ.ب)
نساء نازحات من الفاشر يقفن وسط طابور لتلقي مساعدات غذائية بمخيم العفّاد الذي أُنشئ حديثاً في الدبّة بولاية شمال السودان (أ.ب)
TT

الأمم المتحدة: كان يمكن تجنب الفظاعات وكارثة الفاشر في السودان

نساء نازحات من الفاشر يقفن وسط طابور لتلقي مساعدات غذائية بمخيم العفّاد الذي أُنشئ حديثاً في الدبّة بولاية شمال السودان (أ.ب)
نساء نازحات من الفاشر يقفن وسط طابور لتلقي مساعدات غذائية بمخيم العفّاد الذي أُنشئ حديثاً في الدبّة بولاية شمال السودان (أ.ب)

أكد المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، الاثنين، أن الفظائع التي ارتُكبت خلال استيلاء «قوات الدعم السريع» على الفاشر في السودان تُعدّ «كارثة» كان من الممكن تجنبها، معرباً عن مخاوفه من تكرار أحداث مماثلة في كردفان.

وقال فولكر تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف: «كثيراً ما حذر مكتبي من خطر وقوع فظائع جماعية في مدينة الفاشر التي ظلت محاصرة أكثر من عام، وقد وثَّقنا سابقاً أنماطاً من هذه الفظائع في مناسبات كثيرة، بما في ذلك خلال هجوم (قوات الدعم السريع) للاستيلاء على مخيم زمزم... كان التهديد واضحاً، لكن تم تجاهل تحذيراتنا».


بدو السودان محاصرون مع تصاعد انعدام الأمن والانقسام العرقي جراء الحرب

نازحون يصطفون للحصول على مساعدات غذائية في مخيم بشمال كردفان (أرشيفية - أ.ف.ب)
نازحون يصطفون للحصول على مساعدات غذائية في مخيم بشمال كردفان (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

بدو السودان محاصرون مع تصاعد انعدام الأمن والانقسام العرقي جراء الحرب

نازحون يصطفون للحصول على مساعدات غذائية في مخيم بشمال كردفان (أرشيفية - أ.ف.ب)
نازحون يصطفون للحصول على مساعدات غذائية في مخيم بشمال كردفان (أرشيفية - أ.ف.ب)

كان جبارة البشير وعائلته يجوبون صحراء السودان بإبلهم وماشيتهم، ويتنقلون بحرية بين الأسواق ومصادر المياه والمراعي الخضراء.

ولكن منذ اندلاع الحرب في 2023، تقطعت السبل به وبغيره من البدو العرب في الصحراء خارج مدينة الأبيّض وسط السودان، حيث باتوا فريسة لقطاع الطرق والتوتر العرقي.

تسببت الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» شبه العسكرية في نزوح نحو 14 مليون شخص، وأدت إلى اندلاع موجات من إراقة الدماء على أساس عرقي، فضلاً عن انتشار المجاعة والأمراض.

«الدعم السريع» تحاصر الجيش بغرب كردفان في أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)

وقال الباحث المحلي إبراهيم جمعة إن الحرب أدت كذلك إلى اختلال التوازن الدقيق في ملكية الأراضي ومسارات الماشية التي حفظت للبدو سبل عيشهم وعلاقاتهم الأوسع في المنطقة.

والأبيّض هي واحدة من كبرى مدن السودان وعاصمة ولاية شمال كردفان، التي شهدت أعنف المعارك في الحرب خلال الأشهر القليلة الماضية.

وقال من تحدثوا إلى «رويترز» من شمال كردفان إنهم وجدوا أنفسهم محاصرين مع انتشار الكراهية العرقية المرتبطة بالحرب والتي تغذيها إلى حد بعيد شبكات التواصل الاجتماعي.

وقال البشير: «سابقاً لا يوجد شخص يعترض شخصاً أو قافلة قبيلة رحل، ولا هذا من الجهة الفلانية أو الجهة الكذا... القافلة قافلة والسوق تعني سوق... شارع يعني شارع... تتحرك وفق اختيارك... الآن لا يوجد اختيار ولا توجد جهه تتقبلك».

وأضاف: «سابقاً الأسواق كثيرة تستطيع أن تبيع وتشتري... لا يوجد شخص يكره شخصاً ولا شخص يرفض شخصاً... الآن الوضع أصبح كله محاذير».

بالإضافة إلى الحرب المتصاعدة، يواجه البدو الرحل - الذين قال جمعة إن عددهم يصل إلى الملايين في جميع أنحاء السودان - تهديداً من قطاع الطرق الذين يسرقون الماشية.

انتشار المجاعة في شمال دارفور وجنوب كردفان بغرب السودان وجنوبه (أ.ب)

وقال حامد محمد، وهو راعٍ آخر محاصر في ضواحي الأبيض: «في السابق كانت السوق سمحة والوضع ليس كهذا الزمان... الزمن الآن زمن مشاكل... لا نستطيع الذهاب إلى أي مكان وإذا ذهبنا العدو يأخذ البهائم... الآن حدنا الأبيّض هنا فقط».

نشأت «قوات الدعم السريع» من الميليشيات العربية المعروفة باسم الجنجويد، التي تواجه اتهامات بارتكاب إبادة جماعية في دارفور في مطلع العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

واتهمت الولايات المتحدة ومنظمات حقوقية «قوات الدعم السريع» بارتكاب إبادة جماعية ضد السكان غير العرب في ولاية غرب دارفور خلال الصراع الحالي، في امتداد للعنف المستمر منذ فترة طويلة الناجم عن النزاع على الأراضي.

ونفت «قوات الدعم السريع» مسؤوليتها عن عمليات القتل ذات الطابع العرقي، وقالت إن المسؤولين عن الانتهاكات سيحاسبون.

وشكلت تلك القوة طوال الحرب روابط مع قبائل عربية أخرى، وأطلقت في بعض الأحيان يدها لتقوم بعمليات نهب وخطف.

لكن بعض القبائل العربية والكثير من أفرادها لم ينضموا إلى القتال.

ونادى جمعة بضرورة «تصميم برامج اجتماعية تتعلق بنبذ خطاب الكراهية... تتعلق بسيادة حكم القانون... تتعلق بإجراء المصالحات الاجتماعية باعتبار أن الحرب أثرت في أنسجة المجتمعات».