«دعم إسرائيل» يُفجّر صراعاً آيديولوجياً في قاعدة «ماغا»

مؤسسة «هيرتاج» تتصدّع... وبنس يملأ الفراغ

الرئيس الأميركي ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو خلال مؤتمر صحافي عُقد في نادي مارالاغو في بالم بيتش بفلوريدا 29 ديسمبر (رويترز)
الرئيس الأميركي ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو خلال مؤتمر صحافي عُقد في نادي مارالاغو في بالم بيتش بفلوريدا 29 ديسمبر (رويترز)
TT

«دعم إسرائيل» يُفجّر صراعاً آيديولوجياً في قاعدة «ماغا»

الرئيس الأميركي ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو خلال مؤتمر صحافي عُقد في نادي مارالاغو في بالم بيتش بفلوريدا 29 ديسمبر (رويترز)
الرئيس الأميركي ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو خلال مؤتمر صحافي عُقد في نادي مارالاغو في بالم بيتش بفلوريدا 29 ديسمبر (رويترز)

تشهد القاعدة الجمهورية الأميركية واحدة من أكثر لحظات التفكك الآيديولوجي حدّة منذ صعود دونالد ترمب، مع تحوّل إسرائيل من «حليف ثابت» شبه مُجمع عليه داخل اليمين المحافظ إلى نقطة خلاف مركزية داخل حركة «ماغا» (لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى).

هذا الانقسام لا يقتصر على السجالات الإعلامية أو منصات التواصل الاجتماعي، بل بات ينعكس مباشرة على سلوك القيادات، وعلى توازنات مراكز النفوذ داخل الحزب، من نائب الرئيس جي دي فانس، الذي يُحاول السير على حبل مشدود، إلى مؤسسة «هيرتاج» -مركز الأبحاث العريق- التي بدأت تتآكل من الداخل لمصلحة تيار نائب الرئيس السابق مايك بنس.

من الإجماع إلى الخلاف

تقليدياً، شكّل الدعم القوي لإسرائيل ركناً أساسياً في السياسة الخارجية الجمهورية، مدفوعاً بعوامل دينية (ولا سيما بين الأميركيين الإنجيليين)، واستراتيجية، وتحالفات حزبية متجذّرة.

نتنياهو خلال مؤتمر صحافي عُقد في نادي مارالاغو في بالم بيتش بفلوريدا 29 ديسمبر (أ.ف.ب)

غير أن حرب غزة، وتبدّل المزاج العام لدى قطاعات واسعة من الشباب الأميركي، بمن فيهم المحافظون، فجّرا موجة تشكيك غير مسبوقة في هذا الإرث. داخل «ماغا»، لم يعُد النقاش محصوراً في حجم الدعم أو شروطه، بل اتخذ طابعاً قومياً؛ حيث يرفع منتقدو إسرائيل شعار «أميركا أولاً» في مواجهة ما يسمونه «إسرائيل أولاً».

هذا التحول فتح الباب أمام أصوات كانت هامشية قبل سنوات، من بينها شخصيات مثيرة للجدل مثل نِك فوينتِس، الذي يرفع خطاباً عنصرياً ومعادياً للسامية بشكل صريح، وأخرى أكثر تأثيراً جماهيرياً مثل الإعلامي تاكر كارلسون والنائبة مارجوري تايلور غرين، اللذين يدفعان باتجاه إعادة تقييم الدعم الأميركي لتل أبيب من دون تبنّي خطاب فوينتس المتطرف.

جي دي فانس: الحياد الحذر

في قلب هذا الصراع، يقف نائب الرئيس جي دي فانس، البالغ 41 عاماً، في موقع بالغ الحساسية. فانس، الذي يُنظر إليه بوصفه أحد أبرز وجوه «ماغا» القادرين على مخاطبة الجيل الشاب، تجنّب عمداً ذكر إسرائيل في خطابه أمام مؤتمر «نقطة تحول أميركا»، وهي الحركة المحافظة التي كان يقودها شارلي كيرك قبل اغتياله الصيف الماضي، والذي انعقد في مدينة فينيكس بولاية أريزونا، رغم أنها القضية الأكثر اشتعالاً داخل القاعدة. هذا الصمت لم يكن غفلة، بل استراتيجية محسوبة.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في القدس يوم 22 أكتوبر (أ.ب)

حلفاء فانس يؤكدون أنه يحاول التوفيق بين أمرين متناقضين: الحفاظ على إسرائيل حليفاً استراتيجياً، وعدم خسارة شريحة متنامية من الشباب الجمهوريين الذين يتساءلون عن جدوى المساعدات العسكرية الخارجية.

وعبّر فانس أكثر من مرة عن هذا التوازن، مميّزاً بين انتقاد سياسات إسرائيل ومعاداة السامية، ومستضيفاً في الوقت نفسه احتفالاً بعيد «حانوكا» (عيد الأنوار) في منزله، في رسالة طمأنة واضحة لليهود الأميركيين. لكن هذا التموضع الوسطي جعله عرضة لانتقادات من الجانبين. التيار المؤيد لإسرائيل يرى فيه متردداً يرفض إدانة الأصوات المعادية للسامية بوضوح، في حين يتهمه المتشددون وأنصار فوينتس بعدم الذهاب بعيداً في انتقاد إسرائيل. ولخّص أحد المقرّبين منه الوضع بعبارة دقيقة: «إنه يمشي على حبل مشدود... مائة في المائة».

ما يجري ليس مجرد خلاف حول سياسة خارجية، بل صراع أجيال داخل الحركة الترمبية. عبّر كثير من الشباب المحافظين الذين حضروا المؤتمر عن مواقف أكثر تعقيداً: دعم عام لإسرائيل مقرون برفض نفوذ جماعات الضغط أو «الاختبارات العقائدية» داخل الحزب. هؤلاء يرون في فانس سياسياً «يفهم الثقافة الرقمية» ويستوعب حساسيات جيلهم، حتى لو لم يُرضِ كل الأطراف.

في المقابل، يُحذّر مخضرمون في الحزب من أن هذا الغموض لن يصمد طويلاً. آري فلايشر، المتحدث السابق باسم البيت الأبيض، يرى أن سباق 2028 الرئاسي سيُجبر فانس وغيره على اختيار معسكر واضح، قائلاً: «سيُكشف أمره... هذا غير قابل للاستدامة».

«هيرتاج» تتصدّع... وبنس يملأ الفراغ

الانقسام نفسه يضرب المؤسسات الفكرية المحافظة. «مؤسسة هيرتاج»، التي لطالما كانت عقل اليمين السياسي في واشنطن، تشهد نزيفاً غير مسبوق في قياداتها. لم يكن انتقال نحو 15 مسؤولاً بارزاً إلى منظمة «تعزيز الحرية الأميركية» التابعة لنائب الرئيس السابق مايك بنس، مجرد حركة إدارية، بل مؤشر على صراع عميق حول هوية المحافظين.

جي دي فانس يخاطب الصحافيين في كريات غات يوم 21 أكتوبر (رويترز)

بنس، الذي تراجع نفوذه الشعبي منذ قطيعته مع ترمب بعد 2020، يُقدّم نفسه اليوم حارس «المبادئ التقليدية»: دعم أوكرانيا، معارضة الشعبوية الاقتصادية، ورفض أي تساهل مع معاداة السامية. ويتهم «هيرتاج» بالانجراف نحو «شعبوية حكومية كبيرة»، والتساهل مع أصوات متطرفة، خصوصاً بعد دفاع قيادتها عن تاكر كارلسون في سياق قضية فوينتس.

استقالات قادة بارزين من «هيرتاج»، وتوقف متبرعين تقليديين عن تمويلها، يعكسان عمق الأزمة. أحد المغادرين وصف فيديو لقيادة المؤسسة يدافع عن كارلسون بأنه «لحظة فاصلة» دفعت قضاة وأكاديميين إلى قطع علاقتهم بها.

صراع على المبادئ لا الأشخاص

يرى البعض أن هذه الخلافات داخل الحزب «الجمهوري» «تمهيد لانتخابات تمهيدية على المبادئ لا على الأسماء». ومع اقتراب انتخابات 2028 ونهاية ولاية ترمب، يتنافس تياران: «ماغا» الشعبوية بقراءتها الجديدة لـ«أميركا أولاً»، والمحافظون التقليديون الذين يسعون إلى إعادة تثبيت مبادئ تقليدية في السياسة الخارجية والاقتصاد.

بين هذين المعسكرين، يقف جي دي فانس رمزاً للحظة الانتقالية: سياسي شاب يُحاول الجمع بين الواقعية الجيوسياسية ونبض القاعدة الجديدة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه في واشنطن اليوم هو: إلى متى يمكن السير على هذا الحبل المشدود، قبل أن يفرض الانقسام اختياراً حاسماً؟


مقالات ذات صلة

ترمب «قد يفكر» في السيطرة على مركز تصدير النفط في خرج الإيرانية

شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز) p-circle

ترمب «قد يفكر» في السيطرة على مركز تصدير النفط في خرج الإيرانية

أبدى الرئيس الأميركي، الجمعة، ثقته بأن الشعب الإيراني سيتحرك لإسقاط النظام الحالي، لكنه تدارك في مقابلة بثت اليوم أن هذا الأمر قد لا يحصل بشكل فوري.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أميركا اللاتينية السيناتور تيم كاين متحدثاً في واشنطن العاصمة (أ.ب) p-circle

دياز كانيل يؤكد المحادثات مع إدارة ترمب لإنهاء أزمة كوبا

أظهر الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل استعداد بلاده للتوصل إلى صفقة مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب يمكن أن تقود إلى إنهاء الأزمة الرهنة في كوبا.

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ أحد المؤيدين لترمب يحمل لافتة كُتب عليها: «ترحيل المهاجرين غير الشرعيين الآن» خلال تجمع انتخابي العام الماضي (أ.ف.ب) p-circle

لماذا تباطأت حملة الترحيل قبل الانتخابات النصفية الأميركية؟

لماذا تباطأت حملة الترحيل قبل الانتخابات النصفية الأميركية... وحولت ملف الهجرة من ورقة قوة إلى عبء سياسي واقتصادي قبل انتخابات نوفمبر؟

إيلي يوسف (واشنطن)
الولايات المتحدة​ طائرة التزود بالوقود من طراز «كيه سي - 135» (KC-135 ستراتوتانكر) تابعة لسلاح الجو الأميركي تقلع من مطار قاعدة كادينا الجوية غرب أوكيناوا بجنوب اليابان 30 أغسطس 2023 (أ.ب)

الجيش الأميركي يؤكد مقتل 6 جنود في سقوط طائرة فوق العراق

أكد ‌الجيش ‌الأميركي، ​اليوم ‌الجمعة، مقتل ⁠جميع ​أفراد الطاقم ⁠الستة ⁠الذين ‌كانوا ‌على ​متن ‌طائرة ‌عسكرية أميركية ‌سقطت في ⁠غرب ⁠العراق.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة خلال فعالية في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن 12 مارس 2026 (د.ب.أ) p-circle

ترمب: إيران «على وشك الاستسلام»

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب لقادة مجموعة السبع، الأربعاء، إن إيران «على وشك الاستسلام»، ووصف قادتها بأنهم «أوغاد مختلون عقلياً».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

هجمات متفرقة في أميركا تفتح ملف التهديدات الداخلية خلال حرب إيران

قوات إنفاذ القانون الأميركية تستجيب لبلاغ في «معبد إسرائيل» اليهودي في ويست بلومفيلد بولاية ميشيغان يوم 12 مارس (أ.ب)
قوات إنفاذ القانون الأميركية تستجيب لبلاغ في «معبد إسرائيل» اليهودي في ويست بلومفيلد بولاية ميشيغان يوم 12 مارس (أ.ب)
TT

هجمات متفرقة في أميركا تفتح ملف التهديدات الداخلية خلال حرب إيران

قوات إنفاذ القانون الأميركية تستجيب لبلاغ في «معبد إسرائيل» اليهودي في ويست بلومفيلد بولاية ميشيغان يوم 12 مارس (أ.ب)
قوات إنفاذ القانون الأميركية تستجيب لبلاغ في «معبد إسرائيل» اليهودي في ويست بلومفيلد بولاية ميشيغان يوم 12 مارس (أ.ب)

في غضون أيام قليلة، وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام أربع وقائع عنف متقاربة زمنياً ومختلفة في الشكل: عبوات ناسفة بدائية في نيويورك، إطلاق نار جماعي في أوستن، هجوم على كنيس يهودي في ولاية ميشيغان، ثم إطلاق نار داخل جامعة في ولاية فيرجينيا. وبينما لا تملك السلطات حتى الآن ما يثبت وجود خيط عملياتي واحد يربط هذه الملفات جميعاً، فإن تتابعها السريع في ذروة الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، دفع أجهزة الأمن إلى التعامل معها بوصفها جزءاً من مناخ تهديد داخلي شديد الحساسية، تتداخل فيه دوافع الكراهية الدينية، والتطرف الإرهابي، واحتمالات «الإلهام» السياسي أو النفسي من حرب خارجية.

ميشيغان وفيرجينيا

الهجوم في ميشيغان وقع في ويست بلومفيلد، حين اقتحم أيمن محمد غزالي، البالغ 41 عاماً والمولود في لبنان والمتجنس أميركياً، مبنى «تمبل إسرائيل» بسيارته قبل أن يُقتل برصاص عناصر الأمن.

أشخاص يتجمعون بالقرب من «معبد إسرائيل» في ويست بلومفيلد بولاية ميشيغان يوم 12 مارس (أ.ب)

ووفق السلطات، أدى الحادث إلى إصابات ناجمة عن استنشاق الدخان في صفوف رجال أمن وعناصر شرطة، بينما أُجلِي أكثر من 140 طفلاً وموظفاً من الحضانة التابعة للمعبد من دون إصابات مباشرة. مكتب التحقيقات الفيدرالي وصف الواقعة بأنها «عمل عنف موجّه ضد الجالية اليهودية»، فيما قال مسؤولون إن التحقيق لا يزال جارياً لتحديد الدافع النهائي بدقة.

وتكتسب هذه القضية حساسية إضافية لأن مسؤولاً محلياً قال إن غزالي كان يعيش صدمة شخصية بعد مقتل أربعة من أفراد عائلته، بينهم شقيقان وطفلان، في غارة إسرائيلية على لبنان قبل أيام. غير أن هذا العامل، على أهميته، لم يتحوّل بعدُ إلى خلاصة رسمية نهائية عن الدافع، وهو ما يفسر تمسك السلطات بلغة حذرة: المستهدف كان مؤسسة يهودية بوضوح، لكن التوصيف الكامل للباعث الشخصي أو السياسي ما زال قيد التحقيق.

هذا التمييز مهم؛ لأن واشنطن تُحاول تجنّب القفز سريعاً إلى استنتاجات تربط الحادث بحرب إيران.

انتشار أمني في موقع الهجوم على جامعة «أولد دومينيون» في نورفولك يوم 12 مارس (رويترز)

أما في فيرجينيا، فكانت الخلفية الآيديولوجية أوضح. ففي جامعة «أولد دومينيون» في نورفولك، فتح محمد بيلور جالوه النار داخل قاعة دراسية، ما أدى إلى مقتل شخص وإصابة اثنين من أفراد الجيش الأميركي، قبل أن يتمكن طلاب من برنامج تدريب الضباط الاحتياطيين من السيطرة عليه وقتله. وقال مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) إنه يُحقّق في الحادث باعتباره عملاً إرهابياً، فيما أظهرت السجلات القضائية أن جالوه كان قد أقرّ بالذنب عام 2016 في محاولة تقديم دعم مادي لتنظيم «داعش»، وأنه سُجن 11 عاماً قبل الإفراج عنه في ديسمبر (كانون الأول) 2024 تحت إشراف قضائي. كما أظهرت وثائق المحكمة أنه سبق أن عبّر عن رغبته في تنفيذ هجوم على غرار هجوم «فورت هود» عام 2009 في تكساس.

نيويورك وأوستن

الصدمة التي ولّدها هجومَي ميشيغان وفيرجينيا تعود أيضاً إلى أنهما لم يأتيا من فراغ.

قوات من الحرس الوطني في محطّة قطارات بنيويورك يوم 13 مارس (أ.ف.ب)

ففي نيويورك، وجّه الادعاء الفيدرالي اتهامات مرتبطة بالإرهاب إلى رجلين بعد إلقاء عبوات ناسفة بدائية قرب مقر إقامة رئيس بلدية المدينة، زهران ممداني، أثناء احتجاج معادٍ للمسلمين. ووفق وثائق القضية التي أوردتها «رويترز»، قال المتهمان إنهما استلهما تنظيم «داعش»، وإن أحدهما تحدث عن رغبته في تنفيذ هجوم أكبر من تفجير ماراثون بوسطن الذي وقع عام 2013. لكن مفوضة شرطة نيويورك، جيسيكا تيش، شددت في الوقت نفسه على عدم وجود مؤشرات فورية على صلة مباشرة بين الواقعة وحرب إيران.

وفي أوستن بولاية تكساس، قتل مُسلّح شخصين على الأقل وأصاب 14 آخرين خارج حانة قبل أن ترديه الشرطة قتيلاً. وفتح مكتب التحقيقات الفيدرالي والمركز الوطني لمكافحة الإرهاب تحقيقاً في احتمال وجود صلة بالإرهاب أو بالحرب على إيران، خصوصاً بعدما ظهر المنفذ مرتدياً قميصاً يحمل العلم الإيراني. لكن الشرطة و«إف بي آي» قالا بوضوح إن الوقت كان مبكراً للغاية للجزم بالدافع، وإن فرضية الإرهاب ليست سوى واحدة من عدة مسارات يجري فحصها، لا سيما مع وجود مؤشرات أيضاً إلى مشكلات سابقة في الصحة النفسية.

عناصر أمن في محطّة قطارات بنيويورك يوم 13 مارس (أ.ف.ب)

بهذا المعنى، لم تعد ميشيغان وفيرجينيا تُقرآن كحادثتين معزولتين، بل كجزء من سلسلة متقاربة رفعت مستوى القلق الأميركي. بعض هذه الهجمات يحمل عناصر آيديولوجية واضحة، وبعضها الآخر لا يزال غامضاً أو مختلط الدوافع، لكن النتيجة واحدة: أجهزة الأمن باتت تتعامل مع الداخل الأميركي على أنه ساحة معرضة لتهديدات «لامركزية»، ينفذها أفراد متأثرون بخطابات الحرب والانتقام والهوية الدينية، حتى عندما لا تكون هناك بنية تنظيمية تقليدية خلفهم.

تأهب أمني وتحفّظ على التهويل

هذا كله يجري على خلفية تأهب أمني مستمر منذ بدء الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط). فقد نقلت «رويترز» عن تقييم استخباراتي أميركي أن إيران ووكلاءها قد يستهدفون الولايات المتحدة أو مصالحها رداً على التصعيد، مع ترجيح خاص لزيادة الهجمات السيبرانية والعمليات المحدودة أكثر من هجوم واسع النطاق داخل الأراضي الأميركية. كما تحدث مسؤولون عن تشديد الحماية حول المؤسسات اليهودية والإسلامية، في ظل الخشية من هجمات انتقامية أو جرائم كراهية مدفوعة بأجواء الحرب. وفي ميشيغان تحديداً، قال الشريف مايك بوشار إن الأجهزة الأمنية كانت تناقش منذ نحو أسبوعين احتمال وقوع حادث من هذا النوع، وإن تعزيز الحماية حول المواقع اليهودية بات أولوية.

في المقابل، حرص البيت الأبيض على عدم تضخيم التهديد من دون أدلة صلبة؛ إذ قالت المتحدثة كارولاين ليفيت إن تنبيهاً أمنياً سابقاً عن احتمال هجوم إيراني بمسيّرات على كاليفورنيا استند فقط إلى رسالة غير موثقة، مؤكدة أنه لم يكن هناك تهديد موثوق ضد الداخل الأميركي. هذا التوازن بين رفع الجاهزية ورفض التهويل يُلخّص المعضلة الراهنة: واشنطن ترى مناخاً قابلاً للاشتعال، لكنها لا تريد تحويل كل حادث عنف إلى امتداد مباشر لطهران من دون برهان.


لماذا تباطأت حملة الترحيل قبل الانتخابات النصفية الأميركية؟

أحد مؤيدي حقوق المهاجرين يحمل لافتة مكتوباً عليها: «المهاجرون يجعلون أميركا عظيمة» قبل السير وسط المدينة خلال «مسيرة من أجل الكرامة» يوم الأول من مارس 2025 في لوس أنجليس بكاليفورنيا (أ.ف.ب)
أحد مؤيدي حقوق المهاجرين يحمل لافتة مكتوباً عليها: «المهاجرون يجعلون أميركا عظيمة» قبل السير وسط المدينة خلال «مسيرة من أجل الكرامة» يوم الأول من مارس 2025 في لوس أنجليس بكاليفورنيا (أ.ف.ب)
TT

لماذا تباطأت حملة الترحيل قبل الانتخابات النصفية الأميركية؟

أحد مؤيدي حقوق المهاجرين يحمل لافتة مكتوباً عليها: «المهاجرون يجعلون أميركا عظيمة» قبل السير وسط المدينة خلال «مسيرة من أجل الكرامة» يوم الأول من مارس 2025 في لوس أنجليس بكاليفورنيا (أ.ف.ب)
أحد مؤيدي حقوق المهاجرين يحمل لافتة مكتوباً عليها: «المهاجرون يجعلون أميركا عظيمة» قبل السير وسط المدينة خلال «مسيرة من أجل الكرامة» يوم الأول من مارس 2025 في لوس أنجليس بكاليفورنيا (أ.ف.ب)

منذ أسابيع، لم يعد البيت الأبيض يتحدث عن الهجرة بالنبرة نفسها التي طبعت بدايات الولاية الثانية لدونالد ترمب. فبعد موجة من المداهمات الواسعة والاحتجازات الكثيفة، برز تراجع نسبي في أكثر الأساليب تشدداً، تَمثَّل في انخفاض الدعاوى العاجلة التي رفعها محتجزون لدى سلطات الهجرة، وفي انتقال الخطاب الرسمي من الحديث الفضفاض عن «الترحيل الجماعي» إلى التركيز على «المجرمين العنيفين».

قائد فرق دوريات الحدود غريغوري بوفينو (يميناً) وقائد العمليات ماركوس تشارلز خلال مؤتمر صحافي في مينيابوليس (أ.ف.ب)

لكن هذا التحول لا يعني أن الإدارة تخلت عن جوهر سياستها، بقدر ما يعكس إدراكاً متزايداً بأن الاندفاعة الأولى اصطدمت بثلاثة جدران مرة واحدة: القضاء، والاقتصاد، والانتخابات النصفية المقبلة في 3 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. وفي المقابل، أثار هذا التعديل غضب أكثر الحلفاء تشدداً حول ترمب؛ إذ يرون فيه تراجعاً عن الوعد المركزي الذي شكّل أحد أعمدة تعبئة قاعدته.

ضغط المحاكم

المؤشر الأوضح على هذا التراجع هو ما كشفه تحليل لصحيفة «بوليتيكو» عن انخفاض التماسات الدعاوى العاجلة التي يرفعها محتجزو الهجرة للطعن في احتجازهم. فبعدما بلغت هذه الالتماسات ذروتها عند أكثر من 400 دعوى يومياً في 6 فبراير (شباط)، أخذت تتراجع تدريجياً، فهبطت إلى ما دون 300 دعوى يومياً في أواخر الشهر، واقتربت من 200 دعوى يومياً في مطلع مارس (آذار)، بالتوازي مع تخفيف الإدارة بعض أوسع عملياتها، ولا سيما بعد تقليص وجود أجهزة الأمن الفيدرالي، وخصوصاً وحدات «أيس» في ولاية مينيسوتا. هذا التراجع لم يكن سياسياً فقط، بل كان أيضاً استجابةً لتكلفة قانونية وإدارية هائلة: محاكم فيدرالية مثقلة، ودوائر استئناف غارقة في القضايا، ومحامون حكوميون يشكون من أن ملفات الاحتجاز باتت تزاحم ملفات جنائية وتحقيقية أخرى.

عناصر من دوريات الحدود الأميركية يعتقلون شخصاً في مينيابوليس (أ.ف.ب)

وفي هذا المعنى، لم تعد المشكلة في قدرة الإدارة على تنفيذ الاعتقالات، بل في قدرة الدولة نفسها على استيعاب تبعاتها. فالضغوط القضائية ترافقت مع انتقادات متصاعدة لأساليب التنفيذ، ومع مناخ سياسي ازداد توتراً بعد حوادث ميدانية أودت بحياة أميركيين في مينيسوتا، وأثارت ردود فعل واسعة. لذلك بدا أن البيت الأبيض خلص إلى أن الإفراط في الاتساع والسرعة قد يحقق مكاسب دعائية قصيرة الأجل، لكنه يفتح أيضاً جبهة استنزاف مع القضاء والبيروقراطية الفيدرالية، وهي جبهة لا تقل خطورة في عام انتخابي عن جبهة المعارضة السياسية.

الاقتصاد يفرض إيقاعه

غير أن العامل الحاسم ربما كان اقتصادياً أكثر منه قانونياً. فالتشدد في الهجرة يصطدم في الولايات المتحدة بحقيقة بنيوية: قطاعات واسعة ما زالت تعتمد على العمالة المهاجرة، بما فيها العمالة غير النظامية. ووفق وزارة الزراعة الأميركية، فإن 42 في المائة من عمال المحاصيل في 2020-2022 كانوا بلا تصاريح عمل، في حين تُظهر بيانات أحدث أن العمال المولودين خارج الولايات المتحدة يشكلون نحو 26 إلى قرابة 30 في المائة من قوة العمل في البناء، فضلاً عن حضور كثيف في الضيافة والخدمات الموسمية والنقل. وهذا يعني أن أي حملة اقتلاع واسعة وسريعة لا تُقرأ فقط في لغة الأمن والحدود، بل أيضاً في لغة نقص العمال، وتعطل المشاريع، وارتفاع التكلفة على الشركات والمستهلكين.

عملاء فيدراليون يعتقلون شخصاً بأحد شوارع مينيابوليس يوم 24 يناير (أ.ف.ب)

لهذا لم يكن عابراً أن تسمح إدارة ترمب نفسها في يناير (كانون الثاني) بإضافة 65 ألف تأشيرة موسمية من فئة «إتش-2ب»، في خطوة بررتها بالحاجة إلى تخفيف النقص الحاد في العمالة في البناء والضيافة وتنسيق الحدائق وتجهيز المأكولات البحرية.

الرسالة هنا شديدة الوضوح: حتى الإدارة التي هي أكثر تشدداً لا تستطيع المضي بعيداً في تجفيف عرض العمل من دون أن تدفع ثمناً اقتصادياً مباشراً. وتدعم ذلك تقديرات اقتصادية متزايدة؛ إذ تشير تحليلات لمؤسسة «ديلويت» إلى أن ترحيل نحو خمسة ملايين مهاجر غير نظامي بحلول 2028 قد يقتطع نحو نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي، في حين قدّرت مؤسسة «بين وارتون بادجيت» أن سحب تصاريح العمل من مئات الآلاف من العمال ضمن برامج الحماية المؤقتة، قد يحرم الاقتصاد من أكثر من 36 مليار دولار سنوياً، ويعمّق النقص في البناء والتنظيف والضيافة، خصوصاً في ولايات أساسية انتخابياً مثل فلوريدا وتكساس. هنا يصبح «التراجع» أقل شأناً آيديولوجياً وأكثر شبهاً بتعديل اضطراري تفرضه السوق.

حسابات الانتخابات النصفية

العامل الثالث هو السياسة الانتخابية، فملف الهجرة ما زال قادراً على تعبئة قاعدة ترمب، لكن المشكلة أن ما ينشّط القاعدة لا يكفي بالضرورة للفوز في الدوائر المتأرجحة. لذلك أفادت تقارير بأن البيت الأبيض طلب من الجمهوريين تخفيف الحديث عن «الترحيل الجماعي»، والتركيز بدلاً من ذلك على ترحيل أصحاب السوابق العنيفة، في محاولة لصياغة رسالة أكثر قابلية للتسويق لدى الناخبين المستقلين واللاتينيين الذين أبدى بعض الجمهوريين قلقاً من خسارتهم.

احتجاز فنزويلي من قبل عملاء فيدراليين ملثّمين بعد جلسة استماع في محكمة الهجرة بمدينة نيويورك (أ.ف.ب)

هذا التعديل لم يأتِ من فراغ، فقد أظهر استطلاع للإذاعة الوطنية وهيئة البث الحكومية مع مؤسسة «ماريست» في فبراير (شباط) أن 65 في المائة من الأميركيين يعتقدون أن وكالة الهجرة والجمارك ذهبت بعيداً في إنفاذ قوانين الهجرة، وهي نسبة أعلى من المسجلة في يونيو (حزيران) 2025. في حين أظهر استطلاع «واشنطن بوست - إيه بي سي - إبسوس» أن غالبية الأميركيين تعارض حملة الترحيل الواسعة، وتتحفظ على الأساليب العدوانية في المداهمات. لكن هذا ما يفسر أيضاً غضب الحلفاء المتشددين الذين أسسوا ما يسمى «ائتلاف الترحيل الجماعي» للضغط على ترمب كي لا يحصر الترحيل في «الأسوأ من الأسوأ». هؤلاء يراهنون على أن التراجع في الخطاب والتنفيذ قد يُحبط قاعدة الرئيس بدل أن يوسّعها، ويستشهدون باستطلاعات داخل البيئة الجمهورية، وحتى نسبة كبيرة من الناخبين اللاتينيين الذين صوتوا لترمب، تُظهر تأييداً مرتفعاً لترحيل جميع من يمكن ترحيلهم.

وبين هذين المنطقين يقف البيت الأبيض أمام معضلة حقيقية: هل يرضي القاعدة التي هي أشد صخباً، أو يخفف النبرة كي يحمي الأغلبية الجمهورية الهشة في الكونغرس؟ حتى الآن، يبدو أن الحساب الانتخابي الأوسع يتقدم على الإغراء الآيديولوجي الخالص. فالإدارة لم تتراجع عن هدفها، لكنها على الأرجح تراجعت عن الإيقاع الذي كان يهدد بأن يحول ملف الهجرة من ورقة قوة إلى عبء سياسي واقتصادي معاً قبل انتخابات نوفمبر.


الجيش الأميركي يؤكد مقتل 6 جنود في سقوط طائرة فوق العراق

طائرة التزود بالوقود من طراز «كيه سي - 135» (KC-135 ستراتوتانكر) تابعة لسلاح الجو الأميركي تقلع من مطار قاعدة كادينا الجوية غرب أوكيناوا بجنوب اليابان 30 أغسطس 2023 (أ.ب)
طائرة التزود بالوقود من طراز «كيه سي - 135» (KC-135 ستراتوتانكر) تابعة لسلاح الجو الأميركي تقلع من مطار قاعدة كادينا الجوية غرب أوكيناوا بجنوب اليابان 30 أغسطس 2023 (أ.ب)
TT

الجيش الأميركي يؤكد مقتل 6 جنود في سقوط طائرة فوق العراق

طائرة التزود بالوقود من طراز «كيه سي - 135» (KC-135 ستراتوتانكر) تابعة لسلاح الجو الأميركي تقلع من مطار قاعدة كادينا الجوية غرب أوكيناوا بجنوب اليابان 30 أغسطس 2023 (أ.ب)
طائرة التزود بالوقود من طراز «كيه سي - 135» (KC-135 ستراتوتانكر) تابعة لسلاح الجو الأميركي تقلع من مطار قاعدة كادينا الجوية غرب أوكيناوا بجنوب اليابان 30 أغسطس 2023 (أ.ب)

أكد ‌الجيش ‌الأميركي، ​اليوم ‌الجمعة، مقتل ⁠جميع ​أفراد الطاقم ⁠الستة ⁠الذين ‌كانوا ‌على ​متن ‌طائرة ‌عسكرية أميركية ‌سقطت في ⁠غرب ⁠العراق، ما يرفع إلى 13 حصيلة قتلاه منذ بدء الحرب مع إيران في 28 فبراير (شباط).

وفي وقت سابق اليوم، أكد الجيش وفاة أربعة من أفراد الطاقم الستة على متن طائرة إعادة التزود، طراز «كيه سي - 135» التي أُسقطت في العراق.

وأعلن الجيش الأميركي، الخميس، تحطم إحدى طائراته للتزود بالوقود جواً من طراز «كي سي 135 ستراتوتانكر» في غرب العراق، بينما هبطت بسلام طائرة ثانية شملتها الحادثة.

وقالت القيادة المركزية الأميركية، الخميس، إنها ‌تُجري ‌عملية ​إنقاذ ‌بعد ⁠فقدانها ​طائرة عسكرية في «المجال ⁠الجوي الصديق» بالعراق خلال النزاع ⁠الدائر ‌مع إيران. وقال ‌الجيش: «شاركت ​طائرتان في ‌الحادث. ‌سقطت إحداهما في غرب العراق، ‌بينما هبطت الأخرى ⁠بسلام». وأضاف أن ⁠الحادث لم يكن نتيجة نيران معادية أو ​صديقة.

وتضاف هذه الوفيات إلى الجنود السبعة الأميركيين الذين قُتلوا في إطار العمليات ‌الأميركية ضد ‌إيران منذ 28 فبراير (شباط).

ونشرت الولايات المتحدة عدداً كبيراً من ⁠الطائرات في الشرق الأوسط للمشاركة في عمليات ضد ‌إيران، وتسلط هذه ‌الواقعة الضوء على مخاطر ليس فقط العمليات ​العسكرية، بل أيضاً عمليات ‌تزويد الطائرات بالوقود في الجو.

وشكلت الطائرة «كيه سي - 135»، التي ‌صنعتها شركة «بوينغ» في الخمسينات وأوائل الستينات من القرن الماضي، العمود الفقري لأسطول التزود بالوقود التابع للجيش الأميركي، وهي ضرورية لتمكين الطائرات من تنفيذ مهامها دون الحاجة إلى الهبوط.

من جهتها، ذكرت «المقاومة الإسلامية في العراق»، وهي تحالف يضم فصائل مسلحة متحالفة مع إيران، فجر الجمعة، أنها تمكنت من استهداف طائرة أميركية ثانية من نوع «كي سي - 135»، وتمت إصابتها، لكنها تمكنت من الفرار، وهبطت اضطرارياً «في أحد مطارات العدو».

وذكرت ⁠«رويترز»، الثلاثاء، أن ما يصل إلى 150 جندياً أميركياً أصيبوا في الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران. وتزامن خبر تحطم الطائرة مع إصابة بحارَيْن أميركيَيْن إثر اندلاع حريق على متن حاملة الطائرات الأميركية «جيرالد فورد» لأسباب لا تتعلق بالقتال.

وقُتل سبعة جنود أميركيين عندما اصطدمت طائرة مسيّرة بمنشأة عسكرية أميركية في ميناء الشعيبة بالكويت. وحذّر الرئيس الأميركي دونالد ترمب ومسؤولون كبار آخرون من أن الصراع مع إيران سيؤدي ​إلى سقوط المزيد ​من القتلى في صفوف الجيش الأميركي، في ظل رد طهران على الهجمات الأميركية والإسرائيلية.