شرق السودان... خمس حركات مسلحة تختار الحياد

تغيير معادلة القوى وسط مخاوف من ازدياد نفوذ إريتريا

تخريج دفعات جديدة من مقاتلي «حركة تحرير الشرق» (فيسبوك)
تخريج دفعات جديدة من مقاتلي «حركة تحرير الشرق» (فيسبوك)
TT

شرق السودان... خمس حركات مسلحة تختار الحياد

تخريج دفعات جديدة من مقاتلي «حركة تحرير الشرق» (فيسبوك)
تخريج دفعات جديدة من مقاتلي «حركة تحرير الشرق» (فيسبوك)

قبل أيام، وقعت 5 فصائل مسلحة، ذات ثقل اجتماعي مؤثر في شرق السودان، على ميثاق تحالف «شرق السودان»، الذي نأى بنفسه عن الدخول إلى جانب الجيش السوداني في حربه ضد «قوات الدعم السريع».

هذا الموقف الصريح بث «مخاوف جدية» من استغلال هذا الوضع ذريعة من قِبَل بعض الجهات وتحويل الخلافات السياسية إلى صراعات مسلحة بين مكونات الإقليم، ما يبقي نفوذ القوة بيد مجموعات قبلية عرفت بولائها للسلطة القائمة في بورتسودان.

حسب قيادات سياسية مؤثرة في الإقليم تحدثت لــ«الشرق الأوسط»، فإن المشهد المحلي يظل هشاً، بوجود تكتلين: التحالف الجديد (مجموعة الخمس)، في مقابل تكتل آخر بقيادة ناظر عموم قبيلة الهدندوة، محمد الأمين «ترك»، الحليف الرئيسي للجيش والإسلاميين، مع تموضع «الجبهة الشعبية» وذراعها العسكرية «الأورطة الشرقية»، بقياة الأمين داوود، في تحالف «الكتلة الديمقراطية» الموالية للجيش.

قائد قوات حركة «تحرير شرق السودان» إبراهيم عبد الله دنيا (فيسبوك)

قوات الحركات الموقعة على الميثاق مؤخراً تأسست وتدربت في الأراضي الإريترية، وينتمي معظم أفرادها إلى قبائل وعشائر قومية البجا، وهي: الهدندوة والبني عامر والأمرار والجيملاب والرشايدة. وجميع هذه المكونات تربطها علاقة وثيقة بالرئيس أسياس أفورقي، ومع أن كل هذه الخطوات تمت بتنسيق بين إريتريا والجيش السوداني، فإن ذلك الارتباط يثير قلقاً داخلياً من تمدد النفوذ الإريتري في السودان.

ورأت المصادر، التي فضل بعضها عدم الكشف عن هويته لحساسية القضية، أن التحالف فرض واقعاً جديداً، وإن كان ما زال غير واضح الملامح، إذ استطاع حصد تأييد شعبي «غير مسبوق»، في إشارة إلى التفاعل الكبير مع خطاب قائد قوات «حركة تحرير الشرق»، إبراهيم عبد الله، المعروف باسم «عبد الله دنيا».

وعزت المصادر هذا القبول الواسع إلى مخاطبة قضايا قديمة متجددة بخصوص التهميش السياسي والاقتصادي لشرق السودان من قِبَل السلطة المركزية الحاكمة في البلاد، بالإضافة إلى رفض إقحام الإقليم في الحرب الدائرة حالياً، مع أن ثمة مواقف لتيارات أخرى تتحدث عن أن الشرق بأسره يصطف خلف الدولة السودانية وعلى رأسها مؤسسة القوات المسلحة.

حشود تستمع لخطاب قائد قوات حركة «تحرير شرق السودان» إبراهيم عبد الله دنيا (فيسبوك)

ويتخذ الجيش السوداني من بورتسودان، أكبر مدن شرق السودان، عاصمةً بديلةً، وأصبحت مقراً لقائد الجيش ورئيس «مجلس السيادة الانتقالي»، الفريق أول عبد الفتاح البرهان.

رفض الحرب

لكن «عبد الله دنيا» في خطابه بمناسبة الذكرى الثانية لتأسيس «حركة تحرير الشرق» بمنطقة شبوب في مدينة كسلا، وفي مناسبات أخرى متتالية، تحدث بلهجة حاسمة أن حركته ترفض أن يكون إقليم الشرق جزءاً أو وقوداً من حرب لم يتسبب فيها، إذ قال: «دربنا قواتنا لحماية إقليمنا ومواردنا وأراضينا... وأن نحكم أنفسنا بأنفسنا لأننا جديرون بذلك».

مسيرة في بورتسودان مؤيدة للجيش السوداني (أرشيفية - أ.ف.ب)

الظهور القوي لقائد الحركة لقى رواجاً في منصات التواصل الاجتماعي، لكنه أثار المزيد من الجدل بتحديه سلطة الجيش بقوله: «نحن جاهزون ولدينا جيوش جرارة... وسنقتلع حقوقنا بالقوة». وتطرق «دنيا» إلى التنافس الدولي الإقليمي في السيطرة على البحر الأحمر وممراته الحيوية ومواني السودان، وقال: «إن أهل الشرق أصحاب الحق التاريخي، وأي ترتيبات بشأنه يجب أن يكونوا شركاء أساسيين». مشدداً على أن التحالف تعاهد بعدم السماح لأي جهة بإثارة الفتن بين مكونات الشرق وتحويله لساحة للفوضى والاقتتال خدمةً لأجندات خارجية ومصالح ضيقة تحت شعارات زائفة.

وأضاف في خطابه: «نتابع الجهود الرامية عبر (الرباعية الدولية) وجهود المملكة العربية السعودية، ونرى ضرورة عاجلة لإنهاء معاناة الشعب السوداني ووقف نزيف الدم، نرحب بكل مبادرة جادة لتحقيق السلام».

ومنذ سنة 2019 شهدت مدن شرق السودان (القضارف وخشم القربة وبورتسودان وحلفا الجديدة وكسلا) حوادث ومواجهات عنيفة بين مجموعاتٍ من مكونات الإقليم الاجتماعية، وقع ضحيتها العشرات من المدنيين والعسكريين، بتدخل أيادي النظام السابق بعد سقوط الرئيس عمر حسن البشير مباشرةً في مايو (أيار) 2019، بالإضافة للخلافات السياسية حول «اتفاق جوبا» للسلام الموقع في أكتوبر (تشرين الأول) 2020، الذي كان يتضمن مساراً خاصاً بالإقليم.

البرهان وآبي أحمد خلال اجتماع في بورتسودان (أرشيفية - مجلس السيادة السوداني)

وكان «المجلس الأعلى لنظارات البجا والعموديات» بقيادة ناظر قبيلة الهدندوة، محمد الأمين ترك، قد قاد حراكاً بالتحالف مع القادة العسكريين، عبر إغلاق ميناء بورتسودان والطرق الرئيسية لخنق الحكومة الانتقالية، برئاسة عبد الله حمدوك، ما مهد الطريق لانقلاب 25 أكتوبر 2021.

تحالف استراتيجي

يعد التحالف الجديد التكتل العسكري والاجتماعي الأكبر الذي يضم شخصيات نافذة لها ثقل قبلي مؤثر في الشرق، أبرزها رئيس مؤتمر البجا، موسى محمد أحمد؛ و«الحركة الوطنية للعدالة والتنمية» التي يتزعمها محمد طاهر بيتاي، وهو رجل دين له نفوذ واسع ينحدر من قبيلة الجميلاب التي كانت جزءاً من نظارة قبيلة الهدوندة قبل أن تنفصل لنظارةٍ مستقلة، وتتمركز قواته في منطقة همشكوريب شمال شرقي كسلا؛ وقائد قوات «حركة تحرير الشرق»، إبراهيم دنيا. هذا التحالف، حسب المصادر السياسية، يمثل محاولة لإعادة التموضع عسكرياً وسياسياً وميدانياً، بما يضمن رسم معادلة نفوذ قوة جديدة واستراتيجية في الإقليم، لا يمكن تجاوزها، تعيد صياغة العلاقة مع السلطة المركزية على أسس جديدة.

ويتمتع الإقليم الشرقي بموقع جغرافي استراتيجي بالغ الحساسية، ويمتلك السوداني ساحل على البحر الأحمر يبلغ أكثر من 853 كيلومتراً، تقع عليه مواني بورتسودان وسواكن، وتتاخم ولاياته الثلاث (القضارف وكسلا البحر والأحمر) كلاً من إريتريا وإثيوبيا ومصر بحدود برية مفتوحة. هذا الموقع يجعل من الإقليم ذا بُعد استراتيجي لهذه الدول، حيث إن أي توترات أمنية وعسكرية تلقي بظلالها مباشرة عليها، إضافة إلى تأثير التوترات الإقليمية بين هذه الدول في ملفات أخرى مثل المواني وسد النهضة، ما يجعل شرق السودان ملفاً أمنياً مهماً.

وقال الناطق الرسمي باسم «تحالف القوى المدنية لشرق السودان»، صالح عمار: «نختلف مع المجموعات العسكرية في حمل السلاح، ونطالب بتكوين جيش واحد يمثل كل السودانيين، لكننا نرحب بأي خطوة تؤدي إلى وحدة أهل الشرق عبر المصالحات والتفكير الإيجابي نحو المستقبل».

وأضاف عمار، وهو مرشح سابق للحكومة الانتقالية لولاية كسلا: «هناك نقاط إيجابية في الخطابات التي قدمها القادة العسكريون لحركات الشرق، برفضهم الحرب والانحياز للسلام، وتأييد مبادرة (الرباعية الدولية) ورفض تفكيك السودان والمطالبة بحقوق الإقليم». وأشار إلى أن هذه المضامين الإيجابية للخطابات وجدت ترحيباً من كل مكونات الشرق والسودان.

مطار بورتسودان (أرشيفية - وكالة السودان للأنباء)

ارتباطات إقليمية

ازدياد عدد هذه الحركات لم يأتِ بمعزل عن تفاهمات غير معلنة مع القوات المسلحة السودانية والاستخبارات العسكرية، في سياق ترتيبات أمنية فرضتها الحرب. إضافة إلى تقاطعات إقليمية مع إريتريا، التي سمحت لبعض هذه الحركات باستخدام أراضيها لإقامة معسكرات تدريب وتمركز.

وتتمركز «الجبهة الشعبية للتحرير والعدالة» في منطقة «قرمايكا» داخل الأراضي الإريترية، فيما يوجد كل من «الحركة الوطنية للعدالة والتنمية» و«مؤتمر البجا» في منطقة لوكيب داخل إريتريا، في المقابل، تتخذ «حركة تحرير شرق السودان» مدينة كسلا مقراً لها.

وأثارت العلاقة بين هذه الحركات المسلحة ودولة إريتريا جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية، خصوصاً مع تكرار تقارير تتحدث عن تنسيق لوجيستي وأمني، وفتح قنوات اتصال مباشرة، في إطار ما تصفه مصادر إقليمية بأنه «ترتيبات أمن حدودي» في ظل هشاشة الوضع السوداني. وتحتفظ إريتريا بتاريخ طويل من التأثير في ملفات شرق السودان، وتسعى إلى إدارة المخاطر الأمنية على حدودها الغربية، في وقت يخشى فيه سودانيون من أن يؤدي هذا الانخراط إلى تعقيد المشهد وزيادة الاستقطاب داخل الإقليم.

مساندة الجيش

وأعلن نائب رئيس «الجبهة الشعبية للتحرير والعدالة»، جعفر محمد الحسن، إن قوات الجبهة في الأورطة الشرقية استجابت منذ اندلاع الحرب لمساندة الجيش السوداني ضد مشروع «قوات الدعم السريع» في تجريف الدولة السودانية، وأضاف: «أن انحيازنا لمشروع الدولة الوطنية وليس لفكرة الحرب في حد ذاتها، ونحن مع السلام العادل وبندقية واحدة في البلاد وفي إطار ذلك عملنا ترتيبات مع الجيش وأفرادنا يقاتلون إلى جانبه».

وقال: «نحن مع أي شخص يُطالب بحقوقهِ. ويجب الاستماع لكل الأصوات وإدارة حوار معها بدلاً من شيطنتها... إننا نطرح مشروعاً يخاطب قضايا الإقليم جغرافياً، ويتبنى حلولاً من ضمن حل أزمة السودان ككل... إن المخاوف من حصول ارتدادات واستقطاب أمر طبيعي، ولكن نحن مطمئنون إلى أن كل مكونات الشرق الاجتماعية ونظارات قبائل البجا مؤيدة للجيش ولن يسمحوا بأي استقطاب ينسف الاستقرار المجتمعي».

موقف تكتيكي

ورأى مصدر مطلع من تيار آخر في شرق السودان، طلب أيضاً عدم الكشف عن اسمه، أن تحالف «الحركات الخمس» موقف تكتيكي ومناورات سياسية في إطار الصراع على السلطة والنفوذ، يمكن أن يتغير هذا الموقف في أي لحظة، محذراً من وصول الأوضاع في الشرق إلى نقطة حرجة ما لم يتدارك قادته كيفية التعامل بحكمة لتجاوز خلافاتهم.

وأوضح أن موقف التحالف ليس ضد الجيش السوداني، وحسب تصريحات قادته فإنهم يرفضون جر الشرق إلى الحرب، مشيراً إلى أن قواتهم تأسست لحماية الإقليم من «قوات الدعم السريع» أو أي تدخل خارجي عسكري.

وقال إن التخوف الأكبر أنْ تستغل بعض الجهات الداخلية التطورات الأخيرة، وتحريك أدواتها المحلية بإثارة خطاب الكراهية والعنصرية والاقتتال الأهلي، لتفجير الأوضاع في الشرق، مثلما حدث في سنوات سابقة، بهدف أن تظل مسيطرة على نفوذ القوة في الإقليم. وحسب المصادر ذاتها، تبدو المؤشرات واضحة على أن الوضع في شرق السودان مرشح نحو مزيد من التوترات السياسية وتباين المواقف، لاختلاف أجندات ومصالح الفاعلين من حاملي السلاح. قد لا تصل هذه التوترات إلى المواجهة العسكرية بين المكونات الاجتماعية، لكنها قد تحدث تغيرات كبيرة في «موازين القوى» وإعادة رسم مسارات السلطة بقوى عسكرية وسياسية جديدة.


مقالات ذات صلة

الخرطوم تحذر الأمم المتحدة من التعامل مع حكومة «الدعم السريع» الموازية

شمال افريقيا وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم الثلاثاء (سونا)

الخرطوم تحذر الأمم المتحدة من التعامل مع حكومة «الدعم السريع» الموازية

أعلنت الحكومة السودانية، رفضها لأي تعاون أو تنسيق بشأن المساعدات الإنسانية بين وكالات الأمم المتحدة والحكومة الموازية الموالية لــ«قوات الدعم السريع».

محمد أمين ياسين (نيروبي)
خاص مسعد بولس خلال مشاركته في مؤتمر ميونيخ للأمن منتصف فبراير الماضي (حسابه على إكس)

خاص كبير مستشاري ترمب لـ«الشرق الأوسط»: لا حل عسكرياً بالسودان

لا تزال واشنطن تؤمن بوجود فرص نجاح لمسار خفض التصعيد في السودان، ويرى كبير مستشاري الرئيس دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، أنه «لا حل عسكرياً».

محمد الريس (القاهرة)
العالم العربي حشد من الأطفال السودانيين اللاجئين يتدافعون للحصول على الطعام بمخيم أدري فيما رجل يحمل سوطاً يحاول السيطرة عليهم (نيويورك تايمز)

الحرب تفرِّق آلاف الأسر السودانية... والأمم المتحدة تبحث عن ذوي 58 ألف طفل

فرقت الحرب في السودان آلاف الأسر، وتكشف الأمم المتحدة عن أنها تبحث عن ذوي 58 ألف طفل موجودين في بلاد اللجوء، في ظل شكوى مريرة من نقص حاد في التمويل

فتح الرحمن يوسف (الرياض)
شمال افريقيا البرهان وآبي أحمد خلال لقاء سابق في الخرطوم (مكتب رئيس وزراء إثيوبيا)

طبول المواجهة تُقرع بين الخرطوم وأديس أبابا

تصاعدت حدة الخلافات والاتهامات المتبادلة بين السودان وإثيوبيا عقب سلسلة من الهجمات باستخدام طائرات مسيّرة استهدفت مواقع داخل الأراضي السودانية، من بينها مطار.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا البرهان وآبي أحمد خلال لقاء سابق في الخرطوم (مكتب رئيس وزراء إثيوبيا) p-circle

السودان وإثيوبيا في مواجهة مفتوحة بعد هجوم بالمسيّرات

تصاعدت حدة الخلافات والاتهامات المتبادلة بين السودان وإثيوبيا عقب سلسلة من هجمات باستخدام طائرات مسيّرة استهدفت مطار الخرطوم.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)

إعلان حالة الطوارئ في مصفاة الزاوية الليبية إثر اشتباكات قرب المنشأة

صورة عامة لحقل الشرارة النفطي في ليبيا (رويترز-أرشيفية)
صورة عامة لحقل الشرارة النفطي في ليبيا (رويترز-أرشيفية)
TT

إعلان حالة الطوارئ في مصفاة الزاوية الليبية إثر اشتباكات قرب المنشأة

صورة عامة لحقل الشرارة النفطي في ليبيا (رويترز-أرشيفية)
صورة عامة لحقل الشرارة النفطي في ليبيا (رويترز-أرشيفية)

قال مهندسان لوكالة «رويترز» للأنباء، الجمعة، إنه تم إعلان حالة الطوارئ في مصفاة الزاوية الليبية وسط اشتباكات قرب المنشأة.

وتقع الزاوية على بعد 40 كيلومتراً غرب العاصمة طرابلس، وتضم أكبر مصفاة نفط عاملة في ليبيا بطاقة إنتاجية تبلغ 120 ألف برميل يومياً.

وترتبط المصفاة بحقل الشرارة النفطي الذي تبلغ طاقته الإنتاجية 300 ألف برميل يومياً.


الخرطوم تحذر الأمم المتحدة من التعامل مع حكومة «الدعم السريع» الموازية

الحرب شردَّت ملايين السودانيين بين نزوح في الداخل ولجوء في الخارج (أ.ف.ب)
الحرب شردَّت ملايين السودانيين بين نزوح في الداخل ولجوء في الخارج (أ.ف.ب)
TT

الخرطوم تحذر الأمم المتحدة من التعامل مع حكومة «الدعم السريع» الموازية

الحرب شردَّت ملايين السودانيين بين نزوح في الداخل ولجوء في الخارج (أ.ف.ب)
الحرب شردَّت ملايين السودانيين بين نزوح في الداخل ولجوء في الخارج (أ.ف.ب)

استدعت وزارة الخارجية السودانية، الخميس، المنسقة المقيمة للشؤون الإنسانية بالأمم المتحدة دينيس براون، إلى جانب جميع ممثلي وكالات الأمم المتحدة المعتمدين لدى السودان، لإبلاغهم برفض الحكومة لأي تعاون أو تنسيق يتعلق بالمساعدات الإنسانية مع الحكومة الموازية الموالية لـ«قوات الدعم السريع». وأكدت الخرطوم أن مثل هذا التعاون يمثل انتهاكاً لسيادة البلاد ووحدة أراضيها، في وقت تتواصل فيه المواجهات العسكرية بين الجيش السوداني وقوات تحالف «تأسيس» في ولاية جنوب كردفان.

وقالت وزارة الخارجية السودانية، في بيان صحافي، إن الحكومة أبلغت مسؤولي الأمم المتحدة اعتراضها على القرار الصادر عما يسمى «الهيئة الوطنية للوصول الإنساني»، التابعة لتحالف «تأسيس»، الذي يقضي بإلزام المنظمات الأجنبية والوطنية بالتسجيل لدى الهيئة والحصول على شهادات اعتماد خلال مدة لا تتجاوز ثلاثين يوماً، حتى يُسمح لها بمزاولة أنشطتها في المناطق الخاضعة لسيطرة «قوات الدعم السريع» وحلفائها.

وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم الثلاثاء (سونا)

وكانت الهيئة قد أصدرت القرار مطلع أبريل (نيسان) الماضي، داعية جميع المنظمات الإنسانية إلى استكمال إجراءات التسجيل خلال المهلة المحددة، كما طالبت وكالات الأمم المتحدة بإعادة فتح مكاتبها في مناطق سيطرتها خلال 45 يوماً، محذرة من اتخاذ إجراءات قد تصل إلى إلغاء تصاريح الدخول في حال عدم الالتزام.

وعدّت الخارجية السودانية أن أي اتفاقيات أو مذكرات تفاهم تُبرم مع هذه الهيئة تمثل دعماً لكيانات موازية لمؤسسات الدولة الشرعية، وتشكل خرقاً واضحاً لسيادة السودان، يتناقض مع قرار مجلس الأمن الدولي في أغسطس (آب) الماضي، الذي رفض إنشاء أي سلطات أو هياكل موازية في السودان. وكان مجلس الأمن حذر من أن أي خطوة أحادية في هذا الصدد تمثل تهديداً مباشراً لوحدة السودان وسلامة أراضيه، وتهدد السلام والاستقرار الإقليميين.

الخرطوم: لا تهاون في وحدة البلاد

وشددت الحكومة على أنها لن تتهاون مع أي خطوات تمس وحدة البلاد أو شرعية مؤسساتها الوطنية. لكنها أكدت، في المقابل، استمرار التزامها بالتعاون مع وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية من أجل إيصال المساعدات إلى جميع المحتاجين في مختلف أنحاء السودان دون استثناء.

من جهته، أوضح رئيس الهيئة الوطنية، التابعة لـ«تأسيس» عز الدين الصافي، أن الهدف من القرار هو تسهيل الوصول الإنساني الآمن وحماية العاملين في المجال الإغاثي، مشيراً إلى وجود تنسيق مسبق مع وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية قبل الإعلان الرسمي عن القرارات. وأبان أن عدداً من المنظمات استجاب بالفعل للقرار وبدأ استكمال إجراءات التسجيل، كما أبدت بعض وكالات الأمم المتحدة استعدادها لإعادة فتح مكاتبها في مناطق سيطرة ما يعرف بـ«حكومة السلام». ولم تصدر الأمم المتحدة حتى الآن أي تعليق رسمي بشأن موقفها في هذا التطور.

ميدانياً تجددت الاشتباكات العنيفة، صباح الخميس، بين الجيش السوداني وقوات تحالف «تأسيس» في منطقة التكمة، قرب الدلنج، ثاني أكبر مدن ولاية جنوب كردفان. وقالت مصادر إعلامية موالية للجيش إن قواته تصدت لهجوم نفذته «قوات الدعم السريع» وحليفتها الحركة الشعبية لتحرير السودان، بقيادة عبد العزيز الحلو، على بلدة التكمة، بينما لم يصدر بيان رسمي من الطرفين.

حميدتي: مستعدون للقتال لعقود

من جهته، قال قائد «قوات الدعم السريع» السودانية، إن قواته مستعدة للقتال لعقود في حربها مع الجيش السوداني، محذراً من أن مقاتليه ما زالوا متمركزين على مشارف العاصمة التي استعاد الجيش السيطرة عليها. وأضاف قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو، «حميدتي»، لمجموعة من الجنود في موقع لم يُكشف عنه، مساء الأربعاء: «لا نريد لهذه الحرب أن تستمر»، «لكن لو استمروا بها 40 سنة فستستمر حتى اقتلاعهم من جذورهم».

وجاءت تصريحات دقلو بعد يوم من اتهام الحكومة السودانية لإثيوبيا بضلوعها في قصف بالمسيّرات منذ مارس (آذار) على عدة ولايات في السودان انطلاقاً من الأراضي الإثيوبية، بما في ذلك هجمات بالطيران المسيّر، الاثنين، استهدف العاصمة الخرطوم ومطارها.

نازح سوداني داخل خيمة في مدرسة ابتدائية تديرها منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) جنوب بورتسودان 26 أبريل 2026

ونفت أديس أبابا، أي تورط لها في الضربات. وقال دقلو إن عناصر من «قوات الدعم السريع» لم يغادروا العاصمة التي استعاد الجيش السيطرة عليها في مارس 2025، مضيفاً أن هؤلاء العناصر ما زالوا متمركزين على مشارف أم درمان، على الضفة الأخرى من نهر النيل مقابل وسط الخرطوم.

وتعرضت الخرطوم التي شهدت هدوءاً نسبياً منذ استعادة الجيش السيطرة عليها، لعدة ضربات في الأسبوعين الماضيين. السبت الماضي أسفرت ضربة بطائرة مسيّرة عن مقتل خمسة مدنيين كانوا في سيارة في جنوب أم درمان، بينما ألحق هجوم آخر الأسبوع الماضي أضراراً بمستشفى. وخلال الأشهر الأخيرة شهدت العاصمة عودة تدريجية للحياة مع رجوع أكثر من 1.8 مليون نازح، وفق أرقام الأمم المتحدة، واستئناف الرحلات الداخلية من المطار، رغم استمرار نقص الكهرباء والخدمات الأساسية في أجزاء واسعة من المدينة.


السيسي في أبوظبي ومسقط لتأكيد التضامن وبحث سبل إنهاء التصعيد

الرئيس الإماراتي أثناء استقبال نظيره المصري الخميس (الرئاسة المصرية)
الرئيس الإماراتي أثناء استقبال نظيره المصري الخميس (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي في أبوظبي ومسقط لتأكيد التضامن وبحث سبل إنهاء التصعيد

الرئيس الإماراتي أثناء استقبال نظيره المصري الخميس (الرئاسة المصرية)
الرئيس الإماراتي أثناء استقبال نظيره المصري الخميس (الرئاسة المصرية)

زار الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، الإمارات وسلطنة عمان، في جولة عدّها خبراء تأكيداً على تضامن مصر مع دول الخليج، ودعماً للجهود الدبلوماسية الرامية إلى احتواء التصعيد وإنهاء الحرب الإيرانية.

واستمرت زيارة السيسي «الأخوية» لأبوظبي عدة ساعات، التقى خلالها نظيره الإماراتي محمد بن زايد آل نهيان، حسب إفادة رسمية للمتحدث باسم الرئاسة المصرية، السفير محمد الشناوي.

وأكد الرئيس المصري، حسب الإفادة، «تضامن بلاده مع الإمارات، في ظل التطورات الإقليمية الراهنة»، مشدداً على «دعم القاهرة الكامل لأمن الإمارات واستقرارها، ورفضها التام للاعتداءات الإيرانية التي تستهدف سيادتها»، ومؤكداً أن «ما يمس الإمارات يمس مصر».

وعدّ السيسي تلك الاعتداءات «تُمثل انتهاكاً صارخاً لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وتصعيداً خطيراً يُهدد أمن واستقرار المنطقة والعالم بأسره»، مشيراً إلى «ضرورة تكثيف الجهود لتسوية الأزمة الراهنة عبر الحوار والمساعي الدبلوماسية».

السيسي يلتقي نظيره الإماراتي محمد بن زايد الخميس (الرئاسة المصرية)

وبحث الرئيسان «سبل دفع العلاقات الثنائية بين مصر والإمارات في مختلف المجالات، خصوصاً التجارية والاستثمارية»، فضلاً عن «تكثيف التشاور بشأن الأزمات الإقليمية، بما يحافظ على وحدة وسلامة الدول ومقدرات شعوبها».

وكانت مصر قد أدانت بأشد العبارات الهجمات التي استهدفت أراضي الإمارات باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة. وأكدت في بيان لـ«الخارجية»، الاثنين الماضي، «تضامنها الكامل ودعمها التدابير التي تتخذها دولة الإمارات لحماية مقدراتها وسيادتها الوطنية»، وشددت على «رفضها بشكل قاطع أي ممارسات تستهدف ترويع الآمنين أو زعزعة الاستقرار في منطقة الخليج العربي».

السيسي وبن زايد بحثا سبل دفع العلاقات الثنائية بين مصر والإمارات (الرئاسة المصرية)

وقام الرئيسان الإماراتي والمصري بزيارة تفقدية إلى مفرزة المقاتلات المصرية المتمركزة في الإمارات، للاطلاع على الجاهزية والجهود المبذولة لتعزيز القدرات العملياتية والاستعداد لمختلف التحديات.

زيارة عُمان

وعقب انتهاء زيارته للإمارات توجّه السيسي إلى سلطنة عمان حيث بحث مع السلطان هيثم بن طارق «عدداً من القضايا التي تشهدها المنطقة، وتداعياتها السياسية والاقتصادية والأمنية، كما جرى تبادل وجهات النظر حول سُبل التوصل لاتفاق نهائي للأزمة الأميركية - الإيرانية، عبر التفاهم والحوار والمسارات الدبلوماسية»، حسب حساب وزارة الخارجية العمانية على منصة «إكس».

مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير محمد حجازي، قال إن زيارة الرئيس السيسي إلى الإمارات وعمان «تأتي في توقيت بالغ الأهمية تشهده المنطقة العربية والشرق الأوسط، في ظل ما تفرضه التحديات الإقليمية المتسارعة من ضرورة استمرار التنسيق والتشاور بشأن الأوضاع في منطقة الخليج ومضيق هرمز، والجهود التي تبذلها القاهرة مع الشركاء الإقليمين والدوليين لإنهاء حالة النزاع والمواجهة التي تضر بالأمن الإقليمي وأمن الخليج، وتُهدد سلاسل الغذاء وأمن الطاقة والملاحة البحرية والجوية».

جانب من محادثات السيسي وهيثم بن طارق الخميس (وزارة الخارجية العمانية على منصة «إكس»)

وأضاف حجازي لـ«الشرق الأوسط» أن «الزيارة تعكس الحرص المشترك على تعزيز آليات العمل العربي والتنسيق السياسي تجاه مختلف القضايا الإقليمية، بما يُسهم في دعم الأمن القومي العربي، والحفاظ على استقرار دول المنطقة ومؤسساتها الوطنية».

وزار الرئيس المصري، في مارس (آذار) الماضي، كلاً من السعودية والبحرين والإمارات وقطر في إطار جولتين خليجيتين لتأكيد التضامن وإدانة الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، كما قام وزير الخارجية، بدر عبد العاطي بجولة مماثلة.

السلطان هيثم بن طارق يستقبل الرئيس السيسي الخميس (وزارة الخارجية العمانية على منصة «إكس»)

وأكد مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، الدكتور عمرو الشوبكي أن «الزيارة تهدف إلى إرسال رسالتين؛ الأولى تتعلق بتأكيد التضامن المصري مع دول الخليج، وحرص القاهرة على أمن الخليج بوصفه جزءاً من أمنها القومي».

وأوضح الشوبكي لـ«الشرق الأوسط» أن «الرسالة الثانية تتمثل في تأكيد الحضور المصري في جهود الوساطة، وسعي القاهرة إلى إنهاء الحرب واستعادة الاستقرار في المنطقة، لا سيما أن سلطنة عمان لعبت دوراً مهماً في الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران بشأن الملف النووي».

وسبق أن أكدت مصر مراراً تضامنها مع دول الخليج في مواجهة الاعتداءات الإيرانية، وشددت على أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من أمنها القومي.