شرق السودان... خمس حركات مسلحة تختار الحياد

تغيير معادلة القوى وسط مخاوف من ازدياد نفوذ إريتريا

تخريج دفعات جديدة من مقاتلي «حركة تحرير الشرق» (فيسبوك)
تخريج دفعات جديدة من مقاتلي «حركة تحرير الشرق» (فيسبوك)
TT

شرق السودان... خمس حركات مسلحة تختار الحياد

تخريج دفعات جديدة من مقاتلي «حركة تحرير الشرق» (فيسبوك)
تخريج دفعات جديدة من مقاتلي «حركة تحرير الشرق» (فيسبوك)

قبل أيام، وقعت 5 فصائل مسلحة، ذات ثقل اجتماعي مؤثر في شرق السودان، على ميثاق تحالف «شرق السودان»، الذي نأى بنفسه عن الدخول إلى جانب الجيش السوداني في حربه ضد «قوات الدعم السريع».

هذا الموقف الصريح بث «مخاوف جدية» من استغلال هذا الوضع ذريعة من قِبَل بعض الجهات وتحويل الخلافات السياسية إلى صراعات مسلحة بين مكونات الإقليم، ما يبقي نفوذ القوة بيد مجموعات قبلية عرفت بولائها للسلطة القائمة في بورتسودان.

حسب قيادات سياسية مؤثرة في الإقليم تحدثت لــ«الشرق الأوسط»، فإن المشهد المحلي يظل هشاً، بوجود تكتلين: التحالف الجديد (مجموعة الخمس)، في مقابل تكتل آخر بقيادة ناظر عموم قبيلة الهدندوة، محمد الأمين «ترك»، الحليف الرئيسي للجيش والإسلاميين، مع تموضع «الجبهة الشعبية» وذراعها العسكرية «الأورطة الشرقية»، بقياة الأمين داوود، في تحالف «الكتلة الديمقراطية» الموالية للجيش.

قائد قوات حركة «تحرير شرق السودان» إبراهيم عبد الله دنيا (فيسبوك)

قوات الحركات الموقعة على الميثاق مؤخراً تأسست وتدربت في الأراضي الإريترية، وينتمي معظم أفرادها إلى قبائل وعشائر قومية البجا، وهي: الهدندوة والبني عامر والأمرار والجيملاب والرشايدة. وجميع هذه المكونات تربطها علاقة وثيقة بالرئيس أسياس أفورقي، ومع أن كل هذه الخطوات تمت بتنسيق بين إريتريا والجيش السوداني، فإن ذلك الارتباط يثير قلقاً داخلياً من تمدد النفوذ الإريتري في السودان.

ورأت المصادر، التي فضل بعضها عدم الكشف عن هويته لحساسية القضية، أن التحالف فرض واقعاً جديداً، وإن كان ما زال غير واضح الملامح، إذ استطاع حصد تأييد شعبي «غير مسبوق»، في إشارة إلى التفاعل الكبير مع خطاب قائد قوات «حركة تحرير الشرق»، إبراهيم عبد الله، المعروف باسم «عبد الله دنيا».

وعزت المصادر هذا القبول الواسع إلى مخاطبة قضايا قديمة متجددة بخصوص التهميش السياسي والاقتصادي لشرق السودان من قِبَل السلطة المركزية الحاكمة في البلاد، بالإضافة إلى رفض إقحام الإقليم في الحرب الدائرة حالياً، مع أن ثمة مواقف لتيارات أخرى تتحدث عن أن الشرق بأسره يصطف خلف الدولة السودانية وعلى رأسها مؤسسة القوات المسلحة.

حشود تستمع لخطاب قائد قوات حركة «تحرير شرق السودان» إبراهيم عبد الله دنيا (فيسبوك)

ويتخذ الجيش السوداني من بورتسودان، أكبر مدن شرق السودان، عاصمةً بديلةً، وأصبحت مقراً لقائد الجيش ورئيس «مجلس السيادة الانتقالي»، الفريق أول عبد الفتاح البرهان.

رفض الحرب

لكن «عبد الله دنيا» في خطابه بمناسبة الذكرى الثانية لتأسيس «حركة تحرير الشرق» بمنطقة شبوب في مدينة كسلا، وفي مناسبات أخرى متتالية، تحدث بلهجة حاسمة أن حركته ترفض أن يكون إقليم الشرق جزءاً أو وقوداً من حرب لم يتسبب فيها، إذ قال: «دربنا قواتنا لحماية إقليمنا ومواردنا وأراضينا... وأن نحكم أنفسنا بأنفسنا لأننا جديرون بذلك».

مسيرة في بورتسودان مؤيدة للجيش السوداني (أرشيفية - أ.ف.ب)

الظهور القوي لقائد الحركة لقى رواجاً في منصات التواصل الاجتماعي، لكنه أثار المزيد من الجدل بتحديه سلطة الجيش بقوله: «نحن جاهزون ولدينا جيوش جرارة... وسنقتلع حقوقنا بالقوة». وتطرق «دنيا» إلى التنافس الدولي الإقليمي في السيطرة على البحر الأحمر وممراته الحيوية ومواني السودان، وقال: «إن أهل الشرق أصحاب الحق التاريخي، وأي ترتيبات بشأنه يجب أن يكونوا شركاء أساسيين». مشدداً على أن التحالف تعاهد بعدم السماح لأي جهة بإثارة الفتن بين مكونات الشرق وتحويله لساحة للفوضى والاقتتال خدمةً لأجندات خارجية ومصالح ضيقة تحت شعارات زائفة.

وأضاف في خطابه: «نتابع الجهود الرامية عبر (الرباعية الدولية) وجهود المملكة العربية السعودية، ونرى ضرورة عاجلة لإنهاء معاناة الشعب السوداني ووقف نزيف الدم، نرحب بكل مبادرة جادة لتحقيق السلام».

ومنذ سنة 2019 شهدت مدن شرق السودان (القضارف وخشم القربة وبورتسودان وحلفا الجديدة وكسلا) حوادث ومواجهات عنيفة بين مجموعاتٍ من مكونات الإقليم الاجتماعية، وقع ضحيتها العشرات من المدنيين والعسكريين، بتدخل أيادي النظام السابق بعد سقوط الرئيس عمر حسن البشير مباشرةً في مايو (أيار) 2019، بالإضافة للخلافات السياسية حول «اتفاق جوبا» للسلام الموقع في أكتوبر (تشرين الأول) 2020، الذي كان يتضمن مساراً خاصاً بالإقليم.

البرهان وآبي أحمد خلال اجتماع في بورتسودان (أرشيفية - مجلس السيادة السوداني)

وكان «المجلس الأعلى لنظارات البجا والعموديات» بقيادة ناظر قبيلة الهدندوة، محمد الأمين ترك، قد قاد حراكاً بالتحالف مع القادة العسكريين، عبر إغلاق ميناء بورتسودان والطرق الرئيسية لخنق الحكومة الانتقالية، برئاسة عبد الله حمدوك، ما مهد الطريق لانقلاب 25 أكتوبر 2021.

تحالف استراتيجي

يعد التحالف الجديد التكتل العسكري والاجتماعي الأكبر الذي يضم شخصيات نافذة لها ثقل قبلي مؤثر في الشرق، أبرزها رئيس مؤتمر البجا، موسى محمد أحمد؛ و«الحركة الوطنية للعدالة والتنمية» التي يتزعمها محمد طاهر بيتاي، وهو رجل دين له نفوذ واسع ينحدر من قبيلة الجميلاب التي كانت جزءاً من نظارة قبيلة الهدوندة قبل أن تنفصل لنظارةٍ مستقلة، وتتمركز قواته في منطقة همشكوريب شمال شرقي كسلا؛ وقائد قوات «حركة تحرير الشرق»، إبراهيم دنيا. هذا التحالف، حسب المصادر السياسية، يمثل محاولة لإعادة التموضع عسكرياً وسياسياً وميدانياً، بما يضمن رسم معادلة نفوذ قوة جديدة واستراتيجية في الإقليم، لا يمكن تجاوزها، تعيد صياغة العلاقة مع السلطة المركزية على أسس جديدة.

ويتمتع الإقليم الشرقي بموقع جغرافي استراتيجي بالغ الحساسية، ويمتلك السوداني ساحل على البحر الأحمر يبلغ أكثر من 853 كيلومتراً، تقع عليه مواني بورتسودان وسواكن، وتتاخم ولاياته الثلاث (القضارف وكسلا البحر والأحمر) كلاً من إريتريا وإثيوبيا ومصر بحدود برية مفتوحة. هذا الموقع يجعل من الإقليم ذا بُعد استراتيجي لهذه الدول، حيث إن أي توترات أمنية وعسكرية تلقي بظلالها مباشرة عليها، إضافة إلى تأثير التوترات الإقليمية بين هذه الدول في ملفات أخرى مثل المواني وسد النهضة، ما يجعل شرق السودان ملفاً أمنياً مهماً.

وقال الناطق الرسمي باسم «تحالف القوى المدنية لشرق السودان»، صالح عمار: «نختلف مع المجموعات العسكرية في حمل السلاح، ونطالب بتكوين جيش واحد يمثل كل السودانيين، لكننا نرحب بأي خطوة تؤدي إلى وحدة أهل الشرق عبر المصالحات والتفكير الإيجابي نحو المستقبل».

وأضاف عمار، وهو مرشح سابق للحكومة الانتقالية لولاية كسلا: «هناك نقاط إيجابية في الخطابات التي قدمها القادة العسكريون لحركات الشرق، برفضهم الحرب والانحياز للسلام، وتأييد مبادرة (الرباعية الدولية) ورفض تفكيك السودان والمطالبة بحقوق الإقليم». وأشار إلى أن هذه المضامين الإيجابية للخطابات وجدت ترحيباً من كل مكونات الشرق والسودان.

مطار بورتسودان (أرشيفية - وكالة السودان للأنباء)

ارتباطات إقليمية

ازدياد عدد هذه الحركات لم يأتِ بمعزل عن تفاهمات غير معلنة مع القوات المسلحة السودانية والاستخبارات العسكرية، في سياق ترتيبات أمنية فرضتها الحرب. إضافة إلى تقاطعات إقليمية مع إريتريا، التي سمحت لبعض هذه الحركات باستخدام أراضيها لإقامة معسكرات تدريب وتمركز.

وتتمركز «الجبهة الشعبية للتحرير والعدالة» في منطقة «قرمايكا» داخل الأراضي الإريترية، فيما يوجد كل من «الحركة الوطنية للعدالة والتنمية» و«مؤتمر البجا» في منطقة لوكيب داخل إريتريا، في المقابل، تتخذ «حركة تحرير شرق السودان» مدينة كسلا مقراً لها.

وأثارت العلاقة بين هذه الحركات المسلحة ودولة إريتريا جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية، خصوصاً مع تكرار تقارير تتحدث عن تنسيق لوجيستي وأمني، وفتح قنوات اتصال مباشرة، في إطار ما تصفه مصادر إقليمية بأنه «ترتيبات أمن حدودي» في ظل هشاشة الوضع السوداني. وتحتفظ إريتريا بتاريخ طويل من التأثير في ملفات شرق السودان، وتسعى إلى إدارة المخاطر الأمنية على حدودها الغربية، في وقت يخشى فيه سودانيون من أن يؤدي هذا الانخراط إلى تعقيد المشهد وزيادة الاستقطاب داخل الإقليم.

مساندة الجيش

وأعلن نائب رئيس «الجبهة الشعبية للتحرير والعدالة»، جعفر محمد الحسن، إن قوات الجبهة في الأورطة الشرقية استجابت منذ اندلاع الحرب لمساندة الجيش السوداني ضد مشروع «قوات الدعم السريع» في تجريف الدولة السودانية، وأضاف: «أن انحيازنا لمشروع الدولة الوطنية وليس لفكرة الحرب في حد ذاتها، ونحن مع السلام العادل وبندقية واحدة في البلاد وفي إطار ذلك عملنا ترتيبات مع الجيش وأفرادنا يقاتلون إلى جانبه».

وقال: «نحن مع أي شخص يُطالب بحقوقهِ. ويجب الاستماع لكل الأصوات وإدارة حوار معها بدلاً من شيطنتها... إننا نطرح مشروعاً يخاطب قضايا الإقليم جغرافياً، ويتبنى حلولاً من ضمن حل أزمة السودان ككل... إن المخاوف من حصول ارتدادات واستقطاب أمر طبيعي، ولكن نحن مطمئنون إلى أن كل مكونات الشرق الاجتماعية ونظارات قبائل البجا مؤيدة للجيش ولن يسمحوا بأي استقطاب ينسف الاستقرار المجتمعي».

موقف تكتيكي

ورأى مصدر مطلع من تيار آخر في شرق السودان، طلب أيضاً عدم الكشف عن اسمه، أن تحالف «الحركات الخمس» موقف تكتيكي ومناورات سياسية في إطار الصراع على السلطة والنفوذ، يمكن أن يتغير هذا الموقف في أي لحظة، محذراً من وصول الأوضاع في الشرق إلى نقطة حرجة ما لم يتدارك قادته كيفية التعامل بحكمة لتجاوز خلافاتهم.

وأوضح أن موقف التحالف ليس ضد الجيش السوداني، وحسب تصريحات قادته فإنهم يرفضون جر الشرق إلى الحرب، مشيراً إلى أن قواتهم تأسست لحماية الإقليم من «قوات الدعم السريع» أو أي تدخل خارجي عسكري.

وقال إن التخوف الأكبر أنْ تستغل بعض الجهات الداخلية التطورات الأخيرة، وتحريك أدواتها المحلية بإثارة خطاب الكراهية والعنصرية والاقتتال الأهلي، لتفجير الأوضاع في الشرق، مثلما حدث في سنوات سابقة، بهدف أن تظل مسيطرة على نفوذ القوة في الإقليم. وحسب المصادر ذاتها، تبدو المؤشرات واضحة على أن الوضع في شرق السودان مرشح نحو مزيد من التوترات السياسية وتباين المواقف، لاختلاف أجندات ومصالح الفاعلين من حاملي السلاح. قد لا تصل هذه التوترات إلى المواجهة العسكرية بين المكونات الاجتماعية، لكنها قد تحدث تغيرات كبيرة في «موازين القوى» وإعادة رسم مسارات السلطة بقوى عسكرية وسياسية جديدة.


مقالات ذات صلة

الحرب توسّع دائرة الفقر والتسوّل في السودان

شمال افريقيا جانب من «سوق الخضر» في مدينة أم درمان (الشرق الأوسط)

الحرب توسّع دائرة الفقر والتسوّل في السودان

تحت وطأة الحرب وتفاقم الأزمات المعيشية، لم يعد مد الأيدي طلباً للمساعدة في شوارع السودان مشهداً عابراً، بل بات انعكاساً لمأساة إنسانية تتسع يوماً بعد يوم.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا جانب من الاجتماع التشاوري بشأن تعزيز تنسيق مبادرات وجهود السلام في السودان يوم 21 أكتوبر 2026 (الخارجية السعودية) p-circle

إجماع دولي يؤكد «استحالة الحل العسكري» لحرب السودان

أكد اجتماع دولي حول أوضاع السودان «استحالة الحل العسكري» للحرب الدائرة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» منذ منتصف أبريل (نيسان) 2023.

أحمد يونس (كمبالا)
الخليج المهندس وليد الخريجي نائب وزير الخارجية السعودي خلال مشاركته في الاجتماع الذي استضافته جنيف الأربعاء (واس)

السعودية: لا يمكن المساواة بين الحكومة السودانية والميليشيات

شدّدت السعودية، الأربعاء، «أنه لا يمكن المساواة بين الحكومة السودانية ومجلس السيادة وبين ميليشيات ارتكبت جرائم بحق الشعب السوداني».

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا قلق من تأثر حركة التجارة بين مصر والسودان بعد مقتل سائقين مصريين (أ.ف.ب)

آمال بعودة التدفق التجاري بين مصر والسودان بعد هدوء التوترات

قدّم رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان الفريق عبد الفتاح البرهان تطمينات بشأن أوضاع المصريين المقيمين بالسودان

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا البرهان متحدثاً لأهالي مدينة حلفا (إعلام مجلس السيادة) p-circle 01:33

البرهان يفتح باب العودة ويستبعد حمدوك وتحالف «قحت»

رحّب رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان بعودة السودانيين الراغبين في السلام، والحوار، لكنه استبعد رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، وقوى «قحت».

محمد أمين ياسين (نيروبي)

تونس: مواجهات بين الشرطة ومحتجين وسط تصاعد التوتر

تعزيزات أمنية مكثفة في تونس العاصمة بعد اندلاع المواجهات بين الشرطة والمحتجين (أ.ف.ب)
تعزيزات أمنية مكثفة في تونس العاصمة بعد اندلاع المواجهات بين الشرطة والمحتجين (أ.ف.ب)
TT

تونس: مواجهات بين الشرطة ومحتجين وسط تصاعد التوتر

تعزيزات أمنية مكثفة في تونس العاصمة بعد اندلاع المواجهات بين الشرطة والمحتجين (أ.ف.ب)
تعزيزات أمنية مكثفة في تونس العاصمة بعد اندلاع المواجهات بين الشرطة والمحتجين (أ.ف.ب)

أطلقت الشرطة التونسية الغاز المسيل للدموع لتفريق محتجين في حي التضامن بالعاصمة، مساء الخميس، عقب وفاة رجل أوقفته للاشتباه في ​ترويج المخدرات، في يوم شهد أيضاً اشتباكات مع الشرطة في بلدتين على الأقل بجنوب البلاد، بحسب ما ذكرته وكالة (رويترز) للأنباء.

وتأتي الاشتباكات وسط أزمة اقتصادية واجتماعية وسياسية متفاقمة في تونس، ومخاوف السلطات من احتمال اتساع رقعة الاحتجاجات العنيفة، خاصة في ظل تنامي الغضب بسبب تدهور الظروف المعيشية، وسوء الخدمات العامة.

وقالت عائلة الرجل إنه توفي نتيجة تعرضه للعنف على أيدي ‌أفراد الشرطة بعد ‌إيقافه، مطالبة بمحاسبة المسؤولين عن ​ذلك.

‌فيما ذكرت ⁠وسائل إعلام ​محلية ⁠سابقاً أنه توفي بعد ابتلاعه مواد مخدرة. ولم يتسن على الفور الحصول على تعليق من وزارة الداخلية.

وأغلق محتجون طرقاً بحي التضامن، وأحرقوا إطارات مطاطية ورشقوا الشرطة بالحجارة. وردت قوات الأمن بإطلاق الغاز المسيل للدموع، بينما سعت إلى تأمين مركز للحرس الوطني في المنطقة.

وفي ⁠وقت سابق من يوم الخميس، اشتبكت الشرطة ‌مع محتجين في بلدة جبنيانة ‌بجنوب البلاد، عقب وفاة رجل ​يقول أقاربه إنه توفي ‌خلال مطاردة أمنية.

وأحرق المحتجون في جبنيانة سيارة للشرطة. كما شهدت ‌مدينة عقارب، الواقعة أيضاً في ولاية صفاقس، بدورها اشتباكات مماثلة.

وفي مدينة صفاقس، احتج طلبة، يوم الخميس، على وفاة طالبة بعد أزمة قلبية. وقال زملاؤها إن فرق الإسعاف تأخرت في ‌الوصول إليها، مشيرين إلى نقص المرافق الطبية في الإقامة الجامعية، ودعوا إلى إضراب في كليات ⁠صفاقس، ⁠اليوم الجمعة.

وكان آلاف التونسيين قد شاركوا في احتجاج بالعاصمة، السبت الماضي، في أكبر مظاهرة ضد الرئيس قيس سعيد منذ سنوات، متهمين إياه بتقويض الديمقراطية، والفشل الذريع في إدارة الأزمة الاقتصادية، في تحد متزايد لحكمه.

ووسع سعيد صلاحياته في عامي 2021 و2022، بعد أن حل البرلمان، وأقال عشرات القضاة، وبدأ الحكم بمراسيم، وهي خطوات وصفها معارضوه بأنها انقلاب.

وتقول منظمات حقوقية إن الرئيس سعيد كثف حملة التضييق على المجتمع المدني وصحافيين وقادة ​المعارضة. فيما يرفض سعيد هذه ​الاتهامات، ويقول إنه ليس ديكتاتوراً، ويتهم معارضيه بافتعال أزمات اقتصادية بهدف تأجيج الاضطرابات الاجتماعية.


بعد تغيير رئاسته... هل ينتقل البرلمان الليبي إلى طرابلس؟

رئيس مجلس النواب الليبي الصالحين عبد النبي خلال ترؤسه جلسة سابقة للمجلس في بنغازي (المكتب الإعلامي لمجلس النواب)
رئيس مجلس النواب الليبي الصالحين عبد النبي خلال ترؤسه جلسة سابقة للمجلس في بنغازي (المكتب الإعلامي لمجلس النواب)
TT

بعد تغيير رئاسته... هل ينتقل البرلمان الليبي إلى طرابلس؟

رئيس مجلس النواب الليبي الصالحين عبد النبي خلال ترؤسه جلسة سابقة للمجلس في بنغازي (المكتب الإعلامي لمجلس النواب)
رئيس مجلس النواب الليبي الصالحين عبد النبي خلال ترؤسه جلسة سابقة للمجلس في بنغازي (المكتب الإعلامي لمجلس النواب)

بعد نحو 12 عاماً من انعقاد جلساته خارج العاصمة، بين طبرق وبنغازي في شرق البلاد، يقترب مجلس النواب الليبي من اختبار إمكانية العودة إلى عقد جلساته في طرابلس، في تحرك يرتبط بترتيبات تقودها رئاسته الجديدة، وسط استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي في البلاد.

وأعاد انتخاب الصالحين عبد النبي رئيساً للمجلس طرح تساؤلات حول إمكانية استئناف جلساته في العاصمة، بعد ظهور متغيرات طرأت على المشهدين السياسي والأمني، محلياً وإقليمياً، قد تُهيئ الظروف أمام عودة اجتماعات المؤسسة التشريعية إلى طرابلس، بعد سنوات من انعقادها في شرق البلاد.

ورجّح عضو مجلس النواب الليبي، فهمي التواتي، عقد جلسة للمجلس في طرابلس قريباً، معتبراً أن احتمال انعقادها «كبير»، في خطوة قد تُمهد لعودة اجتماعات المؤسسة التشريعية إلى العاصمة، بعد نحو 12 عاماً من الغياب.

رئيس مجلس النواب الليبي السابق عقيلة صالح (المكتب الإعلامي للمجلس)

غير أن التواتي رجّح في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن الجلسة المحتملة قد يترأسها النائب الأول لرئيس المجلس طارق الأشتر، بالتنسيق مع الصالحين عبد النبي، من دون تحديد موعد نهائي لانعقادها، أو الكشف عن تفاصيل الترتيبات المرتبطة بها.

وفي مؤشر آخر على الاستعدادات المحتملة، أوضح مصدر مطلع في طرابلس لـ«الشرق الأوسط» أن «طارق الأشتر عقد لقاءات مع قيادات سياسية وأمنية في العاصمة خلال الأيام الماضية، من دون الكشف عن نتائجها، أو طبيعة التفاهمات التي تناولتها». لافتاً إلى أعمال صيانة تجري في مجمع قصور الضيافة بطرابلس، الذي اتخذه «المؤتمر الوطني العام»، أول مجلس تشريعي في ليبيا بعد سقوط نظام العقيد معمر القذافي عام 2011، مقرّاً له، ما يفتح باب التساؤلات بشأن صلة هذه الأعمال بالترتيبات المحتملة لاستضافة جلسة لمجلس النواب.

ولا تقتصر الاحتمالات على عقد جلسة برئاسة الأشتر، إذ يرى المحلل السياسي حسام فنيش أن انعقادها برئاسة عبد النبي نفسه «بات مطروحاً»، في ضوء التحركات الرامية إلى تهيئة الظروف السياسية والأمنية، خصوصاً مع الحديث عن زيارة مرتقبة لرئيس المجلس إلى العاصمة.

ويربط فنيش هذه الاحتمالات بالتحركات الأمنية الأخيرة في غرب ليبيا، ومنها اجتماع رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، مع قادة تشكيلات مسلحة، معتبراً أنها قد تندرج ضمن مساعي توفير بيئة مناسبة لانعقاد الجلسة، وتسهيل عودة المجلس إلى العاصمة.

وتختلف الظروف الحالية، وفق فنيش، عن تلك التي أحاطت سابقاً بالاعتراض على عقد جلسات للمجلس في طرابلس، وذلك على خلفية الحرب التي شهدتها العاصمة (2019-2020)، وموقف رئيس المجلس السابق عقيلة صالح منها، في وقت قد يتيح فيه تغيير القيادة البرلمانية مجالاً لتفاهمات جديدة.

ولطالما تداولت تقارير محلية أنباء عن زيارة مرتقبة لعبد النبي إلى طرابلس، ربما تكون منتصف الأسبوع المقبل، وربطت الزيارة بالتقدم المحتمل في لقاء بين قيادات من السلطتين في شرق ليبيا وغربها برعاية تركية، من دون تأكيد رسمي أو نفي بشأنها.

مسعد بولس (أ.ف.ب)

ومن منظور فنيش فإن موافقة رئيس «المجلس الأعلى للدولة»، محمد تكالة، على تعيين فوزي بوخزام محافظاً مكلفاً لمصرف ليبيا المركزي قد تُسهم في تحسين المناخ السياسي، وفتح المجال أمام تفاهمات أوسع بين المؤسسات الليبية المنقسمة، رغم استمرار الخلافات بشأن إدارة المرحلة المقبلة.

في غضون ذلك، يرى مراقبون أن الاتفاق، الذي توصلت إليه الأطراف الفاعلة من شرق ليبيا وغربها ضمن لجنة «4+4»، نهاية أغسطس (آب) الماضي حول عقد جلسات لمجلس النواب في طرابلس وسبها وبنغازي، أرضية قوية لهذه الخطوة، خصوصاً إذا ترافقت مع تفاهمات سياسية وأمنية، تضمن مشاركة النواب، حسب فنيش في تصريحات لــ«الشرق الأوسط».

ويضع فنيش التحركات الدولية ضمن العوامل المساعدة على تهيئة الأجواء لعقد جلسة مجلس النواب، خصوصاً مبادرة مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، الرامية إلى توحيد السلطتين في شرق ليبيا وغربها، إلى جانب التهديدات الأميركية الأخيرة في جلسة مجلس الأمن بفرض عقوبات على معرقلي العملية السياسية.

وتقوم مبادرة بولس، وفقما تسرّب من تفاصيلها على مدى أشهر، على محاصصة للسلطة بين طرفي الانقسام في البلاد، إذ يتولّى صدام حفتر قائد «الجيش الوطني» في شرق البلاد رئاسة «المجلس الرئاسي»، فيما يكون الدبيبة رئيساً لحكومة «موحدة»، وهي المبادرة التي لم تشهد خطوات فعلية على مسار التنفيذ حتى اللحظة.

صدام حفتر (أ.ف.ب)

وبين هذه التحركات، يبقى انعقاد جلسة لمجلس النواب في طرابلس، حسب مراقبين، مرهوناً باستكمال التفاهمات السياسية، وتوفير الضمانات الأمنية اللازمة، إلى جانب حسم الترتيبات المتعلقة برئاستها ومشاركة الأعضاء، بما يُحدد ما إذا كانت الخطوة ستكسر حاجز التساؤلات والمشاورات إلى عودة فعلية لاجتماعات المجلس بالعاصمة.


مصر تجدد رفضها مذكرة ترسيم الحدود البحرية مع ليبيا

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في نيقوسيا بقبرص يوم 5 سبتمبر 2025 (رويترز)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في نيقوسيا بقبرص يوم 5 سبتمبر 2025 (رويترز)
TT

مصر تجدد رفضها مذكرة ترسيم الحدود البحرية مع ليبيا

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في نيقوسيا بقبرص يوم 5 سبتمبر 2025 (رويترز)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في نيقوسيا بقبرص يوم 5 سبتمبر 2025 (رويترز)

جدّد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، اليوم الجمعة، رفض بلاده القاطع للتصديق على مذكرة التفاهم الموقعة عام 2019 بشأن ترسيم الحدود البحرية بين ليبيا وتركيا، وذلك خلال محادثات مع نظيره التركي هاكان فيدان في إسطنبول، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

ورفضت القاهرة يوم الأربعاء اتفاقية صدّق عليها مجلس النواب الليبي، ومقرّه شرق البلاد، لتعيين الحدود البحرية مع تركيا، وقالت إن المصادقة لن يكون لها «أي آثار قانونية بالنسبة لمصر».

وتشكّل الاتفاقية التي جرى إقرارها يوم الثلاثاء جزءاً من نزاع ممتد منذ سنوات بسبب مطالبات متعارضة بالسيادة على مناطق بحرية وحقوق الاستكشاف والتنقيب عن موارد الطاقة في شرق البحر المتوسط.

وقالت وزارة الخارجية المصرية، في بيان، اليوم الجمعة، إن عبد العاطي شدد على «أهمية احترام مبادئ القانون الدولي للبحار وأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 فيما يتعلّق بتعيين المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، وفقاً لمبادئ العدل والإنصاف بين الدول».

وأضاف البيان أن الوزيرَيْن بحثا تطورات الأوضاع في ليبيا، وأكد عبد العاطي موقف مصر «الداعم لوحدة ليبيا وسيادتها وسلامة أراضيها واستقرارها ودعم مؤسسات الدولة الليبية».

وجاء اللقاء على هامش اجتماعات الآلية الرباعية التي تضم تركيا ومصر والسعودية وباكستان مع الدول الأوروبية الثلاث بريطانيا وفرنسا وألمانيا.

ووفقاً للبيان، أكد فيدان «تفهمه للشواغل المصرية إزاء تطورات الأوضاع في ليبيا، وأهمية مواصلة التشاور والتنسيق والعمل المشترك للتعامل مع هذه الشواغل ودعم جهود تحقيق الأمن والاستقرار في ليبيا».

توصلت الحكومة الليبية في طرابلس بغرب البلاد إلى الاتفاقية البحرية بين ليبيا وتركيا في الأصل في 2019، لكن الحكومة في الشرق بقيادة القائد العسكري خليفة حفتر امتنعت عن الموافقة عليها لسنوات.

وتعارض اليونان وقبرص كذلك منذ فترة طويلة اتفاقية تعيين الحدود البحرية المبرمة بين ليبيا وتركيا، وتعتبرانها تعدياً على مطالبات بالسيادة على مناطق بحرية.