الانتخابات النيابية اللبنانية قائمة... وتأجيلها تقني «إن حصل»

هل تتلازم مع تبدُّل المشهد العسكري بمنع إسرائيل من توسعة الحرب؟

ناخبة تدلي بصوتها في منطقة الشوف في الانتخابات المحلية الأخيرة في مايو 2024 (أرشيفية - إ.ب.أ)
ناخبة تدلي بصوتها في منطقة الشوف في الانتخابات المحلية الأخيرة في مايو 2024 (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

الانتخابات النيابية اللبنانية قائمة... وتأجيلها تقني «إن حصل»

ناخبة تدلي بصوتها في منطقة الشوف في الانتخابات المحلية الأخيرة في مايو 2024 (أرشيفية - إ.ب.أ)
ناخبة تدلي بصوتها في منطقة الشوف في الانتخابات المحلية الأخيرة في مايو 2024 (أرشيفية - إ.ب.أ)

السجال الدائر في لبنان حول مصير الانتخابات النيابية المقررة في مايو (أيار) المقبل، مع ارتفاع منسوب الترويج للتمديد للبرلمان لسنتين، يصطدم بحائط مسدود يتمثل في إصرار رؤساء الجمهورية العماد جوزيف عون، والمجلس النيابي نبيه بري، والحكومة نواف سلام على إنجازها في موعدها، احتراماً للاستحقاقات الدستورية، وتأجيل إنجازها، في حال حصوله، يعود لأسباب تقنية، وبحدود شهرين، أو ثلاثة أشهر على الأكثر، لتفادي انقضاء المهل.

رئيس البرلمان نبيه بري يترأس اجتماعاً لكتلته «التنمية والتحرير» (أرشيفية - رئاسة البرلمان)

فالترويج للتمديد بدأ يأخذ طريقه إلى العلن، بتبادل الاتهامات بين بري وخصومه، مع أن مصادر نيابية محسوبة على «الثنائي الشيعي» تستغرب إلصاق تهمة التمديد برئيس البرلمان.

وتؤكد المصادر لـ«الشرق الأوسط» أنه لا جدال في موقف بري من إجراء الانتخابات في موعدها، وأن من يريد التمديد فليتحمل مسؤوليته أمام اللبنانيين، والمجتمع الدولي.

ونقلت عن رئيس البرلمان قوله، في لقاء مسائي جمعه بعدد من النواب، إن ما يُنسب إليه أو للمنتمين إلى كتلته النيابية «ليس صحيحاً»، وأنه يسمع بالتمديد عبر بعض وسائل الإعلام وهو «يتيم الوالدين»، بالمفهوم السياسي للكلمة، و«نحن من جانبنا أوعزنا للمسؤولين عن الملف الانتخابي في حركة (أمل) بتشغيل الماكينة الانتخابية تحضيراً لخوض الانتخابات، وهذا ما حصل».

عون ليس في وارد التمديد

وفي المقابل، فإن ما يُنقل عن بري ينسحب على عون باعتباره الخاسر الأكبر من التمديد للبرلمان مع انقضاء عام ونيف على انتخابه رئيساً للجمهورية، كونه يراهن على دور الشباب لإحداث تغيير لملاقاته في منتصف الطريق لإنقاذ لبنان. وبالتالي فإن عون، كما تقول مصادر وزارية لـ«الشرق الأوسط»، ليس في وارد تمرير التمديد، وأنن لا شيء يمنع إجراء الانتخابات في موعدها، وليتحمل النواب مسؤوليتهم بالتوصل لتسوية حول قانون الانتخاب تعبّد الطريق أمام إنجازها.

سلام أيضاً

كما ينسحب موقف عون-بري على سلام الذي يراهن على توصُّل النواب لتسوية لإخراج قانون الانتخاب من السجال، مستغرباً، كما ينقل عنه زواره، اتهامه بتأييده الضمني للتمديد الذي يسمح ببقائه على رأس الحكومة بدلاً من اعتبارها مستقيلة حكماً بولادة مجلس نيابي جديد.

الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام خلال اجتماع ثنائي يوم الثلاثاء الماضي (الرئاسة اللبنانية)

وفي هذا السياق، يُنقل عن المصادر الوزارية قولها إنه لا عائق أمام الحكومة لإجراء الانتخابات بعد أن أشرفت في أحلك الظروف وأشدها، في ظل الاحتلال الإسرائيلي لعدد من التلال الواقعة في البلدات الحدودية، على إنجاز استحقاق الانتخابات البلدية والاختيارية بعد التمديد لأكثر من ولاية لمجالسها.

الدور الأميركي

وتؤكد المصادر أن الفترة الفاصلة عن إجراء الانتخابات في موعدها قد تكون كافية لتبدّل المشهد العسكري الذي تفرضه إسرائيل بالنار على الجنوب امتداداً إلى البقاع على نحو يعيد الاستقرار بالكامل للبنان من بوابته الجنوبية، وهذا يتوقف على مدى استعداد الولايات المتحدة الأميركية للضغط عليها لإلزامها بوقف الأعمال العدائية، مع استعداد لبنان للمضي بتطبيق حصرية السلاح بالانتقال للمرحلة الثانية من الخطة التي أعدتها قيادة الجيش وتبنّتها الحكومة، وتشمل المنطقة الممتدة من شمال نهر الليطاني حتى الأوليّ، بعد التأكد من سيطرة الوحدات العسكرية على المنطقة المحررة في جنوب الليطاني بشهادة لجنة الـ«ميكانيزم» المشرفة على تطبيق الاتفاق، ومعها قيادة قوات الطوارئ الدولية «يونيفيل».

المرحلة الثانية من حصرية السلاح

ولفتت إلى أن تأكيد سلام بالتحضير للمرحلة الثانية كان في محله، وقالت إنها تستغرب اتهامه من قبل كتلة «الوفاء للمقاومة» (حزب الله) من دون أن تسمّيه، بأنه يتبرّع مسبقاً للإسراع بتنفيذ ما يرتاح له العدو من خطوات بدلاً من قيام حكومته بإجراء حازم يدفعه لتنفيذ ما عليه، رغم أن حديثه عن التحضير لهذه المرحلة يأتي انسجاماً مع تبنيها للخطة التي أعدتها قيادة الجيش وتقوم بتطبيق حصرية السلاح على 4 مراحل، ولم يحدد موعداً لبدء تنفيذها لأن تحديده يعود لمجلس الوزراء في ضوء التقرير الذي سيطلعه عليه قائد الجيش العماد رودولف هيكل حول ما أُنجز في المرحلة الأولى الخاصة بجنوب النهر، وموقف الـ«ميكانيزم» منه.

الحلقة الأضعف؟

وسألت المصادر «حزب الله»، هل من فارق بين ما صرّح به سلام في هذا الخصوص لـ«الشرق الأوسط»، وما قاله ويقوله عون بأن قرار حصرية السلاح اتُّخذ والتطبيق وفقاً للظروف؟ وهل يتعاطى الحزب مع سلام على أنه الحلقة الأضعف؟ وإلا لماذا يتجنّب الرد على رئيس الجمهورية بتكراره لموقفه، وآخره كان في أعقاب الخلوة التي عقدها مع البطريرك الماروني بشارة الراعي لمناسبة حلول عيد الميلاد؟

كما سألت الحزب ما إذا كان يحتفظ لنفسه بعدم الرد على عون، لئلا يرتد سلباً على حواره المتقطع معه، والذي لم يحقق التقدم المطلوب لانخراطه في تطبيق حصرية السلاح في ظل تمسكه به، مع أن ما أعلنه سلام لا ينطوي على خلاف مع رئيس الجمهورية، وأنه اختار التوقيت المناسب لتمرير رسالة للرئيس الأميركي دونالد ترمب، وهو يستعد للقاء رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو في 29 الجاري؟

رهانات على ترمب

وأكدت المصادر أنه أحسن باختياره التوقيت ليؤكد لترمب أن الحكومة ماضية بتعهّدها بتطبيق حصرية السلاح تنفيذاً للقرار 1701، وأن إسرائيل ما زالت العائق دون انتشار الجيش حتى الحدود الدولية للبنان قبالة المستوطنات.

ورأت أن الحكومة تتطلع لقيام ترمب بالضغط على نتنياهو، ليس لمنعه من توسعة الحرب، وإنما لإحداث تغيير في المشهد العسكري المفروض إسرائيلياً على لبنان، ما يسمح بعودة الاستقرار للجنوب، وهذا ما يحتّم على «حزب الله» التجاوب مع حصريته التزاماً منه بخطاب القسم، وبالبيان الوزاري للحكومة، ومشاركته فيها بوزيرين.

لذلك تراهن الحكومة على تبدُّل الظروف الأمنية على نحو يتيح إجراء الانتخابات في أجواء آمنة لا تدعو للقلق، وإنما في موعدها، آخذة بعين الاعتبار التأجيل التقني لوقف النزاع حول القانون الذي ستجرى على أساسه، ولضمان اقتراع المغتربين استناداً للتفاهم على تسوية تستبعد إحداث الدائرة الـ16 لتمثيل الاغتراب بـ6 مقاعد، في مقابل صرف النظر عن السماح لهم بالاقتراع من مقر إقامتهم لـ128 نائباً، على أن يؤدي التأجيل التقني لإنجاز الاستحقاق النيابي في الصيف للسماح لهم بالمجيء للبنان لاختيار ممثليهم إلى الندوة النيابية.

وعليه فبمجيئهم في الصيف سيسهمون بتحريك العجلة الاقتصادية. فهل ستسمح الظروف بإجراء الانتخابات مشروطة بتأجيلها تقنياً، أم أن إسرائيل ستقلب الطاولة بتوسعتها الحرب أبعد مما هي عليه الآن؟

وكيف سيرد ترمب، بإسقاط لبنان ذرائع إسرائيل لمواصلة اعتداءاتها، ومعه المجتمع الدولي الذي يتعامل حيال إنجازها على أنها محطة لإحداث تغيير في ميزان القوى للتأكيد على أن نتائجها ما هي إلا ثمرة للتحولات في المنطقة بتراجع محور الممانعة بقيادة إيران، وتقليص نفوذ «حزب الله» في المعادلة السياسية بافتقاده للعدد الأكبر من حلفائه، وبالتالي فإن عدم لجمها سيؤدي لإحراج المجتمع الدولي وعلى رأسه واشنطن بإصرار موفديها إلى لبنان على إجراء الانتخابات بلا أي تأخير؟


مقالات ذات صلة

توغلات إسرائيلية وتفتيش للمنازل على تخوم جبل الشيخ

المشرق العربي دورية راجلة للجيش الإسرائيلي في بلدة كفرشوبا جنوب لبنان (أرشيفية - أ.ف.ب)

توغلات إسرائيلية وتفتيش للمنازل على تخوم جبل الشيخ

أثار توغلُ دورية مشاة إسرائيلية مدعومة بثلاث دبابات «ميركافا» في كفرشوبا وتفتيشُ منازل فيها تساؤلاتٍ بشأن أهداف العمليات البرية داخل القرى الجنوبية...

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي الانتخابات النيابية في لبنان عام 2022 (أرشيفية - رويترز)

استعدادات لبنانية لانتخابات فرعية في البقاع الغربي

قال عون خلال جلسة مجلس الوزراء، الخميس، إن الانتخابات الفرعية عن المقعد الأرثوذكسي في البقاع الغربي «استحقاق دستوري يجب أن يتم ولا يجب أن يبقى المقعد شاغراً».

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أثناء مراسم توقيع «إطار العمل الثلاثي» بين مستشار الوزارة دانيال هولر والسفيرة اللبنانية ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر في مقر «الخارجية» بواشنطن (أرشيفية - رويترز)

خلافات مستمرة بين لبنان وإسرائيل تحول دون تنفيذ «اتفاق الإطار»

لم تتوصل اجتماعات تامبا بين الوفدَين العسكريَين اللبناني والإسرائيلي، برعاية أميركية، التي عقدت يومي الثلاثاء والأربعاء إلى أي نتائج.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون خلال زيارته مدينة طرابلس يوم السبت (الرئاسة اللبنانية)

الرئيس اللبناني يؤكد من طرابلس «مركزية السلاح» بيد الجيش الواحد

شدد الرئيس اللبناني جوزيف عون على حصرية السلاح بيد الجيش، وتعزيز سلطة المؤسسات الشرعية على كامل الأراضي اللبنانية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي وزير الطاقة اللبناني جو صدي خلال مؤتمر صحافي (أرشيفية - المركزية)

حرب قضائية بين «القوات» و«الوطني الحر» على جبهة وزارة الطاقة

انتقلت معركة وزارة الطاقة بين «القوات» و«الوطني الحر» من المنابر السياسية إلى القضاء، مع تبادل الشكاوى والإخبارات بشأن عقود الكهرباء واستيراد الفيول.

يوسف دياب (بيروت) يوسف دياب (بيروت)

وسط أجواء من الحزن... تشييع ضحايا الاعتداء على كنيسة في الأردن

مشيعون يحملون جثامين ضحايا الهجوم الذي وقع قبل يومين في كنيسة للروم الأرثوذكس وذلك خلال مراسم جنازتهم في قرية حمود بمحافظة الكرك في الأردن (أ.ف.ب)
مشيعون يحملون جثامين ضحايا الهجوم الذي وقع قبل يومين في كنيسة للروم الأرثوذكس وذلك خلال مراسم جنازتهم في قرية حمود بمحافظة الكرك في الأردن (أ.ف.ب)
TT

وسط أجواء من الحزن... تشييع ضحايا الاعتداء على كنيسة في الأردن

مشيعون يحملون جثامين ضحايا الهجوم الذي وقع قبل يومين في كنيسة للروم الأرثوذكس وذلك خلال مراسم جنازتهم في قرية حمود بمحافظة الكرك في الأردن (أ.ف.ب)
مشيعون يحملون جثامين ضحايا الهجوم الذي وقع قبل يومين في كنيسة للروم الأرثوذكس وذلك خلال مراسم جنازتهم في قرية حمود بمحافظة الكرك في الأردن (أ.ف.ب)

شُيّع الأحد 8 من الضحايا الـ9 الذين قضوا خلال اعتداء غير مسبوق، الجمعة، على كنيسة القديس جاورجيوس في قرية حمود بمحافظة الكرك جنوب الأردن، وسط أجواء من الصلاة والحزن.

وهاجم 3 مسلحين، قالت السلطات في وقت لاحق إنهم «متطرفون»، يوم الجمعة، المشاركين في جنازة في الكنيسة، بإطلاق نار كثيف، وقتلوا 9 أشخاص وأصابوا 25 آخرين، قبل أن يلوذوا بالفرار.

وانطلق موكب طويل من السيارات، بينها سيارات تقل جثامين القتلى، من مستشفى الكرك الحكومي إلى موقع أُعد بشكل خاص قبالة الكنيسة؛ حيث أُقيمت الصلاة لراحة أنفسهم، ثم دفنهم في قبر جماعي استُحدث لهذا الغرض، على أن يُقام فوقه نصب تذكاري تخليداً لذكراهم، حسب مصدر رسمي.

وسيدفن القتيل التاسع الاثنين في مقبرة سحاب جنوب عمان، حسب عائلته.

وأظهرت مقاطع فيديو وصور لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» رجال أمن أردنيين يرتدون الشماغ الأردني الأحمر والأبيض، وهم يحملون على أكتافهم جثامين القتلى الـ8 ملفوفة بالعلم الأردني، وسط مئات الحضور يتقدمهم رئيس الوزراء جعفر حسان وانتشار أمني.

هناك 25 شخصاً آخرين لا يزالون يتلقون العلاج في المستشفيات من مصابي الحادث (أ.ف.ب)

ووضعت أكاليل من الزهور البيضاء على الجثامين، فيما حمل بعض أفراد العائلات صور قتلاهم.

وأطلق رجال أمن النار في الهواء، وزغردت نساء في المكان الذي خيّم عليه الحزن الشديد.

وقال حسان، الأحد، خلال ترؤسه جلسة لمجلس الوزراء استهلت بقراءة الفاتحة على أرواح قتلى الاعتداء، إن «أجهزة الدولة كلها تعمل على القبض على إرهابيي جريمة الكرك لينالوا العقوبة التي يستحقها أمثالهم».

وأضاف: «هذه ليست فقط معركة أمنية، هذه معركة وعي وفكر، الشعوب والأوطان تنهار عندما تنتشر الفتنة والعصبية والعنصرية والتطرف في مجتمعاتها».

مشيعون في جنازة ضحايا الهجوم الذي وقع قبل يومين في كنيسة الروم الأرثوذكس بقرية حمود في محافظة الكرك بالأردن (أ.ف.ب)

وتوعّد العاهل الأردني، الجمعة، منفّذي «العمل الإرهابي» بـ«أشدّ العقوبات».

وليست هذه المرة الأولى التي تتعرض فيها المحافظة لحادثة إرهابية؛ فقد تابع الكركيون أحداث قلعة الكرك، التي وقعت في ديسمبر (كانون الأول) 2016؛ إذ تمت ملاحقة عناصر ينتمون لتنظيم «داعش»، ليتمكن الإرهابيون من التحصن بقلعة الكرك التي تمت تخبئة أسلحة فيها.

في تلك الحادثة، تم حجز رهائن داخل القلعة، واستمرت العملية لأكثر من 15 ساعة، مسفرة عن مقتل 14 من عناصر الأمن ومدنيين وسائحة أجنبية، وإصابة كثير من الموجودين في محيط القلعة، ومقتل عناصر العملية الأربعة.


توغلات إسرائيلية وتفتيش للمنازل على تخوم جبل الشيخ

دورية راجلة للجيش الإسرائيلي في بلدة كفرشوبا جنوب لبنان (أرشيفية - أ.ف.ب)
دورية راجلة للجيش الإسرائيلي في بلدة كفرشوبا جنوب لبنان (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

توغلات إسرائيلية وتفتيش للمنازل على تخوم جبل الشيخ

دورية راجلة للجيش الإسرائيلي في بلدة كفرشوبا جنوب لبنان (أرشيفية - أ.ف.ب)
دورية راجلة للجيش الإسرائيلي في بلدة كفرشوبا جنوب لبنان (أرشيفية - أ.ف.ب)

أثارت توغلات إسرائيلية متكررة في منطقة العرقوب؛ جنوب شرقي لبنان؛ الحدودية مع إسرائيل وسوريا، مخاوف من توسيع السيطرة الإسرائيلية وفرض مزيد من القيود على حياة السكان؛ مما دفع بأبناء المنطقة لإطلاق تحذيرات، كان آخرها ما ورد في بيان نُشر السبت، تحدثت فيه «هيئة أبناء العرقوب» عن «توغلات، وتغيير معالم، وشق طرقات، في بلدات كفرشوبا وشبعا والهبارية وحلتا»، وهي بلدات واقعة على السفح الغربي لجبل الشيخ.

قوات من الجيش الإسرائيلي تُجري دورية في قرية كفرشوبا بجنوب لبنان يوم 17 فبراير 2025 (أرشيفية - أ.ف.ب)

وجاء التحذير بعد تكرار التوغلات الإسرائيلية في المنطقة، وتفتيش منازل في كفرشوبا الأسبوع الماضي. وحذرت «الهيئة»، في بيان، «من تكرار التجارب السابقة التي نتج منها احتلال مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، وسط غياب أو تجاهل من قبل السلطات والحكومات المتعاقبة».

ودعت إلى «ضرورة التحرك السريع والعاجل لدى الجامعة العربية والأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي لوضع حد لهذا العدوان والتوغلات ومحاولات القضم الجديدة للأراضي اللبنانية».

تحكّم في حركة السكان

وتأتي هذه العمليات في سياق التحركات الإسرائيلية المتواصلة منذ أشهر في القرى الحدودية الجنوبية، لا سيما المناطق غير المحتلة المحاذية لما تسميه إسرائيل «الخط الأصفر»، وتحمل «أبعاداً عسكرية وميدانية وأمنية تتجاوز البحث عن أسلحة أو منشآت تابعة لـ(حزب الله)»، وفق ما قال العميد الركن المتقاعد خليل الجميل، مشيراً إلى أن «التوغل الإسرائيلي في كفرشوبا والقرى المحيطة بها وتفتيش المنازل لا يمكن النظر إليه على أنه مجرد تحرك عسكري عابر أو عملية أمنية محدودة».

وأوضح الجميل لـ«الشرق الأوسط» أن لهذه التحركات «3 أبعاد مترابطة»؛ أولها «توسيع هامش الحركة والاستطلاع الميداني؛ إذ يتيح دخول أطراف القرى والتقدم بين المنازل وتفتيشها للقوات الإسرائيلية جمع معلومات مباشرة عن طبيعة المنطقة والممرات والطرقات والسكان، واختبار إمكان التحرك لاحقاً في بيئتها الحرجية والعمرانية، وتحديد المواقع التي تعدّها ذات أهمية عسكرية».

محو المعالم

وأضاف أن هذه العمليات تهدف أيضاً إلى «محو أكبر قدر ممكن من المعالم العمرانية والغطاء النباتي للقرى، بحجة منع (حزب الله) من إعادة بناء قدرته العسكرية في أماكن قريبة من تمركز الوحدات الإسرائيلية».

وأشار إلى أن البعد الثاني يتمثل في «فرض واقع أمني جديد على الأرض»، موضحاً أن «إسرائيل لم تعد تكتفي بالتمركز في مواقع مرتفعة ونقاط عسكرية ثابتة على تلال حاكمة تمتد من البحر إلى جبل الشيخ، وتشكل درعاً للمستوطنات الشمالية، بل تسعى إلى توسيع قدرتها على تنفيذ عمليات برية متكررة ضمن هامش جغرافي يمنحها حرية أكبر في الحركة والتدخل».

وقال إن «هذا لا يعني بالضرورة أنها قررت التقدم لاحتلال قرى إضافية»، لكنه يشير إلى «رغبتها في التحكم بالمجال الحدودي الأمامي ومراقبته وفقاً لمصالحها الأمنية، عبر خلق منطقة عازلة محتلة بالنار تُطبّق فيها إسرائيل نظرية الدفاع المرن خارج خطوطها الدفاعية؛ المحتلة والثابتة».

دخان يتصاعد من موقع استُهدف بقصف إسرائيلي بين كفرشوبا وحلتا في جنوب لبنان 6 يوليو 2026 (أرشيفية - أ.ف.ب)

أما البعد الثالث، وفق الجميل، فهو «الضغط على السكان ومنع عودة الحياة الطبيعية، من خلال تفتيش المنازل، ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، وفرض قيود على الحركة، بما يُبقي عشرات القرى غير المحتلة تحت ضغوط أمنية واقتصادية واجتماعية، ويصعّب استعادة النشاط الطبيعي فيها»، مستشهداً بـ«ما يواجهه المزارعون والرعاة في كفرشوبا وحلتا من قيود على الوصول إلى أراضيهم ومراعيهم».

وشدد الجميل على ضرورة التمييز بين التوغل العسكري المحدود بهدف التفتيش أو الاستطلاع أو اختبار الوضع الميداني، و«التقدم الهادف إلى فرض سيطرة أوسع، الذي يتطلب مؤشرات واضحة، بينها إقامة مواقع ثابتة، وتأمين طرق الإمداد، وتوسيع الانتشار العسكري».

وحذر بأن «تكرار هذه العمليات واتساع نطاقها يثيران مخاوف جدية، خصوصاً إذا تحولت أمراً واقعاً يصعب تغييره»، مؤكداً أن الخطورة لم تعد تقتصر على مواقع تمركز القوات الإسرائيلية، «بل تشمل سعيها إلى التحكم في حركة السكان وحياتهم اليومية داخل القرى اللبنانية المحاذية لمنطقتها العازلة، وصولاً إلى فرض واقع أمني وجغرافي جديد على الأرض».

ورقة تفاوضية وانتخابية

من جهته، رأى العميد الركن المتقاعد جورج نادر أن «التوغلات الإسرائيلية المتكررة داخل القرى الجنوبية، وآخرها التوغل في بلدة كفرشوبا وتفتيش عدد من المنازل، ليست عمليات عسكرية محدودة أو تحركات عشوائية، بل تشكل مقدمة لتعزيز السيطرة العسكرية الإسرائيلية وتوسيع نطاق التحرك داخل الأراضي اللبنانية»، عادّاً أن «إسرائيل تسعى إلى قضم مزيد من الأراضي وفرض وقائع ميدانية جديدة، إما لتحسين شروطها التفاوضية بعد الانتخابات الإسرائيلية، وإما تمهيداً لاستكمال عملياتها العسكرية إلى مناطق تتجاوز نهر الليطاني».

حرائق من جراء قصف إسرائيلي في كفرشوبا (أرشيفية - أ.ف.ب)

وأكد نادر لـ«الشرق الأوسط» أن «إسرائيل انتزعت لنفسها حرية التحرك العسكري في جنوب لبنان، من دون أن يمنحها أحد هذه الحرية، وهي تتصرف اليوم على أساس أن لا قوة قادرة على وقف عملياتها»، مشيراً إلى أن «الولايات المتحدة تبقى الجهة الوحيدة القادرة على ممارسة ضغط فعلي لكبح التحركات الإسرائيلية، لكن التوجه الأميركي في التعامل مع إسرائيل ليس واضحاً، خصوصاً في ظل انشغال واشنطن بالانتخابات النصفية، التي تتصدر أولوياتها في المرحلة الحالية».

وأوضح أن «إسرائيل تستغل هذا الظرف السياسي لتوسيع سيطرتها على المناطق التي تحتلها، وتعزيز نفوذها العسكري في المناطق المحيطة بها، ولن تتردد في توسيع رقعة عملياتها كلما سنحت لها الفرصة»، لافتاً إلى أن «ما يجري في الجنوب اللبناني يرتبط أيضاً بالحسابات الانتخابية الداخلية في إسرائيل، حيث يتحول الملف اللبناني مادةً للمزايدة السياسية بين المرشحين والأحزاب».

مقدمة لتعزيز السيطرة

وعن دلالات توغل القوات الإسرائيلية في بلدة كفرشوبا وتفتيش المنازل، أوضح نادر أن «هذه التحركات قد تكون مرتبطة بمعلومات استخباراتية لدى الجيش الإسرائيلي عن احتمال وجود مسلحين أو عناصر من (حزب الله) في المنطقة، أو معلومات تتعلق بتحركات محتملة لهؤلاء العناصر»، مشيراً إلى أن «عمليات التفتيش قد تستند إلى معطيات أمنية تعتقد القوات الإسرائيلية أنها تستدعي التدخل الميداني».

لكنه شدد على أن «الدلالات الأوسع لهذه التوغلات تتجاوز الأهداف الأمنية المباشرة التي قد تعلنها إسرائيل»، مؤكداً أن «ما يجري ليس مجرد عمليات محدودة، وإنما مقدمة لتعزيز السيطرة العسكرية؛ لأن الجيش الإسرائيلي لا ينفذ تحركات عشوائية، بل إن كل عملية ينفذها يكون مخططاً لها مسبقاً، وتقف وراءها أهداف أكبر من حجم العملية الظاهر».

وأضاف أن «إسرائيل تضع لبنان أمام معادلة تقوم على أن الدولة اللبنانية مطالبة بنزع سلاح (حزب الله)، وإلا فإن الجيش الإسرائيلي سيتولى تنفيذ ما يريده بطريقته وشروطه وأسلوبه العسكري»، مشيراً إلى أن «العمليات الجارية على الأرض تكشف عن طبيعة الأسلوب الذي تعتمده إسرائيل لفرض هذه المعادلة».


تحرُّك مصري عاجل للحد من تفاقم أزمة الخبز في غزة

شاحنة دقيق في طريقها الأحد لقطاع غزة لتجاوز أزمة الخبز (صفحة الهلال الأحمر المصري على فيسبوك)
شاحنة دقيق في طريقها الأحد لقطاع غزة لتجاوز أزمة الخبز (صفحة الهلال الأحمر المصري على فيسبوك)
TT

تحرُّك مصري عاجل للحد من تفاقم أزمة الخبز في غزة

شاحنة دقيق في طريقها الأحد لقطاع غزة لتجاوز أزمة الخبز (صفحة الهلال الأحمر المصري على فيسبوك)
شاحنة دقيق في طريقها الأحد لقطاع غزة لتجاوز أزمة الخبز (صفحة الهلال الأحمر المصري على فيسبوك)

جرَت تحركات مصرية عاجلة للحد من تفاقم أزمة الخبز في قطاع غزة؛ حيث تم توجيه قافلة مساعدات تضم 280 شاحنة دقيق وسلال غذائية لعودة تشغيل المخابز، وذلك في ظل استمرار القيود الإسرائيلية على دخول إمدادات المخابز إلى القطاع.

ودفع «الهلال الأحمر المصري»، الأحد، بأكثر من 90 شاحنة دقيق وسلال غذائية، تمهيداً لتسليمها إلى «اللجنة المصرية في قطاع غزة» لتقوم بدورها في توزيعها على المخابز لمواجهة أزمة الخبز الحاد وتعطيل المخابز داخل القطاع، بينما فوَّج «الهلال» على مدار الأسبوع الماضي أكثر من 190 شاحنة دقيق وسلال غذائية، في إطار الجهود المصرية المستمرة لتخفيف معاناة الأهالي ضمن حملة «سنابل العطاء... من زاد العزة».

وأعلنت «جمعية أصحاب المخابز» في غزة، السبت: «إغلاق 10 مخابز من أصل 17 أبوابها في القطاع بسبب نفاد الدقيق التجاري»، بعدما منعت سلطات الاحتلال دخول شحناته أكثر من 10 أيام، وسط تحذيرات من توقف مخابز إضافية وعودة طوابير البحث عن الخبز.

«الهلال الأحمر المصري» أطلق الأحد شاحنات دقيق وسلال غذائية لقطاع غزة (صفحة الهلال الأحمر المصري على فيسبوك)

وذكرت «الهيئة العامة للاستعلامات» المصرية أن «(اللجنة المصرية بالقطاع) تقوم بتسيير شاحنات محمَّلة بكميات من الطحين في ظل الأزمة الراهنة التي يشهدها قطاع غزة، جرَّاء النقص الحاد في مادة الطحين وارتفاع أسعار الخبز، وذلك للتخفيف من معاناة المواطنين، والوقوف إلى جانب العائلات الفلسطينية في هذه الظروف الصعبة».

وقالت «الاستعلامات المصرية»، السبت، إن هذه الخطوة تأتي استمراراً للجهود الإنسانية التي تبذلها مصر في دعم ومساندة أبناء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، والعمل المتواصل على إدخال المساعدات والمواد الأساسية، بما يساهم في رفع المعاناة عن الأهالي، وتوفير مقوِّمات الحياة الكريمة لهم.

ووفق إفادة لـ«الهلال الأحمر المصري»، الأحد، تم إطلاق قافلة «زاد العزة... من مصر إلى غزة» رقم 302 محمَّلة بالمساعدات الإنسانية والإغاثية المتجهة إلى القطاع، في إطار جهوده المستمرة لدعم الأشقاء الفلسطينيين وتلبية احتياجاتهم الأساسية؛ خصوصاً مع اقتراب فصل الشتاء.

وقدَّمت القافلة أكثر من 3676 طناً من المساعدات الإنسانية المتنوعة، تضمنت الدقيق والسلال الغذائية ومستلزمات إغاثية وأدوية علاجية، فضلاً عن المواد البترولية اللازمة لتشغيل المستشفيات والمخابز والمنشآت الحيوية في القطاع.

جهود مصرية مستمرة لتخفيف معاناة أهل غزة (صفحة الهلال الأحمر المصري على فيسبوك)

وقال «الهلال الأحمر المصري» في بيان، الأحد، إنه موجود على الحدود منذ بدء الأزمة، مع استمرار جاهزية مراكزه اللوجستية وتكثيف جهوده، لتجهيز وإدخال المساعدات الإنسانية والإغاثية إلى قطاع غزة، التي تجاوز إجماليها مليون طن بمشاركة أكثر من 75 ألف متطوع بالجمعية.

وكان «الهلال الأحمر المصري» قد أعلن، السبت، إطلاق حملة «سنابل العطاء... من زاد العزة» لتجهيز شحنات من الدقيق والسلال الغذائية ضمن قوافل «زاد العزة... من مصر إلى غزة» لإدخالها إلى غزة، في ظل أزمة الخبز الحادة، وما تواجهه المخابز داخل القطاع من تحديات تعوق استمرار إنتاج الخبز وتلبية احتياجات الأهالي.

وأكد أن «الحملة تستهدف دعم الفلسطينيين بالاحتياجات الغذائية الأساسية، من خلال توفير أطنان من الدقيق للمساهمة في تشغيل المخابز وإنتاج الخبز، إلى جانب السلال الغذائية التي تضم مجموعة من المواد الغذائية الأساسية، بما يسهم في مساندة الأسر المتضررة وتخفيف حدة المعاناة الإنسانية».

كما أشار «الهلال الأحمر المصري» إلى أن الحملة تُعدُّ امتداداً لجهوده في دعم الأمن الغذائي للفلسطينيين؛ حيث أطلق العام الماضي مبادرة «لقمة هنية من مصر إلى غزة» لتجهيز الخبز الطازج الذي أُعد بأيدي متطوعي «الهلال الأحمر المصري» داخل المخبز الآلي بمركز الإمداد الغذائي (المطبخ الإنساني) التابع للجمعية بمدينة الشيخ زويد في شمال سيناء.