الجزائر: سباق مبكر بين المعسكر الرئاسي والتيار الديمقراطي على «استحقاقات 2026»

المشهد يتأرجح بين تغيير حقيقي في قواعد اللعبة وتعديل شكلي يُبقي الوضع كما هو

من جولة لحوار الرئاسة مع الأحزاب في 21 مايو 2024 (الرئاسة)
من جولة لحوار الرئاسة مع الأحزاب في 21 مايو 2024 (الرئاسة)
TT

الجزائر: سباق مبكر بين المعسكر الرئاسي والتيار الديمقراطي على «استحقاقات 2026»

من جولة لحوار الرئاسة مع الأحزاب في 21 مايو 2024 (الرئاسة)
من جولة لحوار الرئاسة مع الأحزاب في 21 مايو 2024 (الرئاسة)

مع اقتراب موعد الانتخابات الجزائرية، المقررة في 2026، بدأت الساحة السياسية تستعيد بعض حيويتها، بعد فترة من الركود والجمود أعقبت توقيف الحراك الشعبي. ويتمحور هذا النشاط الجديد حول رؤيتين مختلفتين تماماً لأهمية ورهانات الانتخابات البرلمانية والبلدية المقبلة.

فمن جهة، تدافع التشكيلات التابعة لما تُعرف بـ«الغالبية الرئاسية» عن مقاربة ترتكز على «الاستقرار المؤسساتي»، واستمرارية عمل السلطة القائمة. ومن جهة أخرى، تحاول أحزاب التيار الديمقراطي استعادة الفضاء الانتخابي، عبر طرح شروط تراها ضمانةً لتنظيم انتخابات خالية من شبهة التزوير.

رئيس «جبهة المستقبل» مع الرئيس تبون (إعلام حزبي)

وتركز «الأحزاب الديمقراطية» النقاش على قضايا محددة، مثل معتقلي الرأي الذين يصل عددهم إلى 250، حيث تطالب بالإفراج عنهم، وعلى «انتهاك الحقوق، ووضع الحريات الفردية تحت الرقابة، والرقابة على الإعلام»، بخلاف الأحزاب الموالية للرئيس عبد المجيد تبون، التي تنفي وجود أي شكل من أشكال التجاوزات من جانب السلطات.

وعلى طرفي هذه المعادلة، يبرز «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية»، و«حزب العمال»، و«جبهة القوى الاشتراكية» و«جيل جديد»، ضمن معسكر الديمقراطيين من جهة، و«جبهة التحرير الوطني» (الأولى في البرلمان والمجالس البلدية)، و«التجمع الوطني الديمقراطي»، و«جبهة المستقبل»، و«حركة البناء الوطني»، بالمعسكر الرئاسي.

الأمين العام لـ«التجمع الوطني الديمقراطي» (إعلام حزبي)

ويبدو هذا التباين بوضوح من خلال خطاب رئيس «جبهة المستقبل» فاتح بوطبيق، الذي يلقيه كل نهاية أسبوع بمحافظة يزورها؛ في إطار حملة انتخابية مبكرة. ففي منطقة أفلو (300 كيلومتر جنوب العاصمة)، صرح بوطبيق، الذي يشغل مقعداً برلمانياً، بأن الانتخابات المقبلة «وسيلة لترسيخ الوضع القائم لا لإعادة تقييمه».

وضمن «الغالبية الرئاسية»، دافع رئيس «جبهة المستقبل» عن رؤية ترى في الاستحقاق الانتخابي استمراراً للمسار السلطوي، والتوافق الكامل مع النظام الذي يمثله حالياً عبد المجيد تبون. ويرتكز خطابه على مفاهيم متكررة: الاستقرار، والحفاظ على المكتسبات، والسيادة الوطنية... وهي شعارات دون نقد سياسي حقيقي.

وفي هذا الإطار، تُقدَّم الانتخابات على أنها «حصن أمام عدم الاستقرار الإقليمي (الوضع في مالي والأزمة في ليبيا)، وضد خطاب تسويد الوضع الداخلي». وضمن هذه المقاربة، ينفَّذ الإصلاح تدريجاً من داخل المؤسسات القائمة، ويتجسد في سياسات عامة، مثل التقسيم الترابي الجديد، أو السعي إلى توازن إقليمي أفضل. وتُفهَم المشاركة الانتخابية على أنها «فعل مسؤولية سياسية، وامتثال للنظام المؤسساتي القائم»، وفق تقدير بوطبيق، الذي يبدو أكبر نشاطاً في الميدان مقارنة ببقية قادة «الغالبية الرئاسية».

مشاركة مشروطة بالإصلاح

في مقابل ذلك، تتبنى أحزاب التيار الديمقراطي الأربعة موقفاً يصفه المراقبون بالأكبر توازناً؛ إذ رغم حسم خيار المشاركة، فإن انخراطها الفعلي يظل رهناً بقراءة نقدية ومعمقة للواقع السياسي الراهن، ومحكوماً بمدى الاستجابة لمطالب الإصلاح.

رئيس «حركة البناء الوطني» (إعلام حزبي)

وبالنسبة إلى هذه التشكيلات، لا تكمن أهمية الاستحقاق في مجرد إعادة إنتاج التوازنات القائمة، بل في أنه فرصة لفرض تحول نوعي في الأداء المؤسساتي، وفق ما صرح به عثمان معزوز، رئيس «التجمع من أجل الديمقراطية». وتتمحور رؤية التيار الديمقراطي حول حزمة مطالب جوهرية؛ تبدأ بتوسيع هوامش الحريات السياسية والإعلامية، مروراً بتكريس استقلال فعلي للقضاء، وصولاً إلى إرساء حوار وطني جاد بشأن الخيارات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى. ودون هذه الضمانات، يحذر قادة هذا التيار من «تحول الانتخابات إلى مجرد إجراءٍ بروتوكولي يفتقر إلى الجوهر»، وعاجز عن اختراق جدار العزوف الشعبي، أو استعادة ثقة الكتلة الناخبة التي أدمنت المقاطعة.

رئيس «حركة البناء الوطني» (إعلام حزبي)

وقد غابت هذه الأحزاب عن الانتخابات البرلمانية والبلدية المبكرة، التي نُظمت في 2021، بذريعة أن الحراك الشعبي رفضها، وأنه ما كان ممكناً، وفقهم، اتخاذ موقف مخالف لمئات آلاف المتظاهرين في الشارع المطالبين بالديمقراطية.

كما يظهر التباين بين الرؤيتين بوضوح في نقاط أخرى؛ فبينما يركز «التجمع الوطني» على «المسؤولية والانضباط السياسي واستمرارية النظام القائم»، تؤكد المعارضة الديمقراطية على مسألة الشرعية، وضرورة مشاركة المواطنين الفعلية في تسيير شؤون بلادهم.

الانتخابات لتجاوز «تغيير الوجوه»

يُقدَّم موقف «الغالبية الرئاسية» بوصفه «ترفعاً عن المزايدات السياسية، وانحيازاً إلى الخطاب المسؤول والانسجام». بينما تراه التشكيلات الديمقراطية «غطاءً لتقويض التعددية»، كما تنظر إلى الانتخابات على أنها فرصة قد تكون الأخيرة لتجاوز «الاستقرار الشكلي»، وللاستبدال به «شرعية شعبية حقيقية تولد من رحم النقاش والمنافسة السياسية الجادة»، وفق ما يقترحه يوسف أوشيش، السكرتير الأول لـ«القوى الاشتراكية»، وهو أقدم حزب معارض أسسه رجل الثورة الراحل حسين آيت أحمد.

ويتمثل الهدف الأساسي من هذه الانتخابات في القدرة على تقديم شيء يتجاوز مجرد تغيير الوجوه في المؤسسات... فالسلطة وحلفاؤها يواجهون تحدي إقناع الناس بأن الاستقرار لا يعني بقاء كل شيء على حاله. أما بالنسبة إلى المعارضة، فالرهان الحقيقي هو تحويل مشاركتها في الانتخابات إلى قوة ضاغطة ومؤثرة، بدلاً من الاكتفاء بمجرد تسجيل مواقف احتجاجية.

وبين رغبة الموالاة في «الاستمرارية»، ومطالب المعارضة بـ«القطيعة مع الممارسات القديمة»، تبدو الانتخابات المقبلة، في نظر مراقبين، أكبر من مجرد سباق بين الأحزاب؛ بل هي أولاً اختبار حقيقي لمدى صدق وجدية العمل السياسي عموماً في البلاد.

عثمان معزوز رئيس «التجمع من أجل الديمقراطية» (إعلام حزبي)

كما يرى المراقبون أن المشهد يتأرجح بين احتمالين: إما بداية فعلية لمسار ديمقراطي، وإما مجرد تمديد للنظام الحالي بأسلوب جديد. والنتيجة في النهاية ستتوقف على مدى نزاهة الانتخابات وموقف السلطة التي لا تزال تتحكم في المفاصل الأساسية للعملية السياسية. وبالنظر إلى تمسكها بنهجها الحالي، وغياب مؤشرات حقيقية على الانفتاح، يتوقع متابعون أن تجد الأحزاب الديمقراطية نفسها في مواجهة صعبة، قد تستنزف كثيراً من رصيدها وجهدها دون تحقيق مكاسب ملموسة.


مقالات ذات صلة

وزير جزائري هارب يواجه حكماً جديداً بالسجن 20 سنة

شمال افريقيا وزير الصناعة الجزائري سابقاً مع الرئيس الفرنسي عام 2017 (حسابات مبلغين عن الفساد)

وزير جزائري هارب يواجه حكماً جديداً بالسجن 20 سنة

يواجه وزير الصناعة الجزائري الأسبق، عبد السلام بوشوارب، حكماً غيابياً جديداً بالسجن، وذلك على خلفية تورطه في قضايا فساد عابرة للحدود.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا مؤتمر القناصل بحث «إجراءات 11 يناير» (الوزارة الأولى)

الجزائر تعبئ جهازها القنصلي لتسوية ملفات المعارضين

وجّهت الجزائر العشرات من مسؤوليها الدبلوماسيين في الخارج بمباشرة تنفيذ إجراءات جديدة، تخص تسوية وضعية المئات من رعاياها في البلدان الغربية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري مستقبلاً رئيسة الوزراء الإيطالية خلال زيارتها السابقة للجزائر  (الرئاسة الجزائرية)

الجزائر تعزز شراكتها مع إيطاليا في ظل علاقة متوترة مع فرنسا

تعكس الزيارة المقررة لرئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، إلى الجزائر، خلال الأسابيع المقبلة، استمرار المسار الإيجابي الذي تشهده العلاقات الجزائرية الإيطالية

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا موقوفون بتهم المتاجرة بالمخدرات وحمل السلاح (الشرطة الجزائرية)

الأمن الجزائري يعلن تفكيك شبكة دولية للاتجار بالمؤثرات العقلية وحجز 3.4 مليون قرص

استحدث القانون آليات متقدمة لتعقب التدفقات المالية، وتجفيف منابع تمويل جرائم المخدرات، كما منح السلطات القضائية صلاحية منع المشتبه بهم من مغادرة التراب الوطني.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وزير الداخلية الفرنسي يجدد شروطه لزيارة الجزائر

أكد وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز، الثلاثاء، رغبته في زيارة الجزائر، لكنه ينتظر «بداية» تجاوب من الجزائر مع طلبات باريس الإفراج عن صحافي فرنسي، وكذلك فيما…

«الشرق الأوسط» (باريس)

الخارجية السودانية تندد بهجوم «الدعم السريع» على قافلة برنامج الغذاء العالمي


نازحون سودانيون ينتظرون الحصول على الطعام في مخيم «أبو النجا» بولاية القضارف أمس (أ.ف.ب)
نازحون سودانيون ينتظرون الحصول على الطعام في مخيم «أبو النجا» بولاية القضارف أمس (أ.ف.ب)
TT

الخارجية السودانية تندد بهجوم «الدعم السريع» على قافلة برنامج الغذاء العالمي


نازحون سودانيون ينتظرون الحصول على الطعام في مخيم «أبو النجا» بولاية القضارف أمس (أ.ف.ب)
نازحون سودانيون ينتظرون الحصول على الطعام في مخيم «أبو النجا» بولاية القضارف أمس (أ.ف.ب)

نددت وزارة الخارجية السودانية، الجمعة، بالهجوم الذي قالت إن قوات الدعم السريع نفذته بطائرة مسيرة على شاحنات تابعة لبرنامج الغذاء العالمي بشمال كردفان.

وقالت الوزارة في بيان، إن استهداف قوافل الإغاثة يمثل انتهاكاً جسيماً للقانون الإنساني الدولي ويقوض جهود إيصال المساعدات الإنسانية للمحتاجين.

وجددت الخارجية السودانية دعمها الكامل بالتعاون مع الأمم المتحدة ووكالاتها الإنسانية لتأمين وصول المساعدات لمستحقيها دون عوائق.

وكانت شبكة أطباء السودان قد أفادت في وقت سابق بمقتل شخص وإصابة ثلاثة في قصف لقوات الدعم السريع على قافلة إغاثة لبرنامج الأغذية العالمي بشمال كردفان.


ليبيا تطوي صفحة سيف الإسلام القذافي

جانب من مراسم تشييع سيف الإسلام القذافي في بني وليد أمس (أ.ف.ب)
جانب من مراسم تشييع سيف الإسلام القذافي في بني وليد أمس (أ.ف.ب)
TT

ليبيا تطوي صفحة سيف الإسلام القذافي

جانب من مراسم تشييع سيف الإسلام القذافي في بني وليد أمس (أ.ف.ب)
جانب من مراسم تشييع سيف الإسلام القذافي في بني وليد أمس (أ.ف.ب)

شيّعت جماهيرُ ليبية غفيرة، جثمانَ سيف الإسلام القذافي الذي ووري الثَّرى في مدينة بني وليد، أمس (الجمعة)، لتُطوى بذلك صفحةٌ من تاريخ ليبيا، كانت حافلةً بالجدل والصخب السياسي.

وجرى نقل الجثمان من مستشفى بني وليد، محمولاً على عربة إسعاف إلى ساحة مطار المدينة، حيث نُصبت هناك خيمة بيضاء كبيرة أقيمت فيها صلاة الجنازة عقب صلاة الجمعة. وصاحَبَ خروج الجثمان من المستشفى هتافاتٌ مدوّية ردّدها آلاف المشاركين الذين «جدّدوا العهد» لنجل العقيد الراحل معمر القذافي. كما خطب بعض رموز النظام السابق، أمام الحشود المشارِكة، مطالبين بالكشف عن قتلة سيف القذافي ومحاسبتهم.

وحصرت مديرية أمن بني وليد المشاركة في دفن سيف القذافي بجوار شقيقه خميس، وجدّه لأبيه إحميد بومنيار، على أشخاص محدودين، وعزت ذلك إلى «دواعٍ تنظيمية وضمان سَير المراسم وفق ما جرى الاتفاق عليه».


رئيس مجلس السيادة السوداني: نرحب بأي شخص يلقي السلاح ويختار طريق السلام

نازحون سودانيون في مخيم أبو النجا بولاية القضارف (أ.ف.ب)
نازحون سودانيون في مخيم أبو النجا بولاية القضارف (أ.ف.ب)
TT

رئيس مجلس السيادة السوداني: نرحب بأي شخص يلقي السلاح ويختار طريق السلام

نازحون سودانيون في مخيم أبو النجا بولاية القضارف (أ.ف.ب)
نازحون سودانيون في مخيم أبو النجا بولاية القضارف (أ.ف.ب)

قال رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، اليوم الجمعة، إن الدولة لا ترفض السلام ولا الهدنة، لكن يجب ألا تكون الهدنة «فرصة لتمكين العدو مجدداً»، في إشارة إلى «قوات الدعم السريع».

وأضاف البرهان، في تصريحات أدلى بها، خلال زيارة لولاية الجزيرة، ونقلها بيان مجلس السيادة، أنه يرحب «بأي شخص يضع السلاح وينحاز لطريق السلام». وأكد أن «من يحرّض ضد البلد والجيش ستجري محاسبته».

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد قال، أمس الخميس، إن بلاده تسعى سعياً حثيثاً لإنهاء الحرب في السودان، وإنها توشك على تحقيق ذلك.

واندلعت الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في منتصف أبريل (نيسان) 2023، بعد صراع على السلطة خلال فترة انتقالية كان من المفترض أن تُفضي إلى إجراء انتخابات للتحول إلى حكم مدني.