إجراءات أمنية مشددة لحماية احتفالات الميلاد ورأس السنة في سوريا

مسيحيو إدلب يحتفلون لأول مرة منذ 14 عاماً بإنارة «شجرة الميلاد»

إضاءة «شجرة الميلاد» في قرية القنية بريف إدلب الغربي (سانا)
إضاءة «شجرة الميلاد» في قرية القنية بريف إدلب الغربي (سانا)
TT

إجراءات أمنية مشددة لحماية احتفالات الميلاد ورأس السنة في سوريا

إضاءة «شجرة الميلاد» في قرية القنية بريف إدلب الغربي (سانا)
إضاءة «شجرة الميلاد» في قرية القنية بريف إدلب الغربي (سانا)

لأول مرة منذ 14 عاماً، احتفل المسيحيون في محافظة إدلب بإنارة شجرة عيد الميلاد، بحضور وسائل إعلام محلية ودولية، في وقت اتخذت فيه وزارة الداخلية إجراءات أمنية احترازية مشددة؛ لضمان حماية الأماكن التي تشهد تجمعات حاشدة.

ومع بدء الطوائف المسيحية المختلفة في سوريا التحضير لأعياد الميلاد ورأس السنة والاحتفالات بإنارة «شجرة الميلاد» وإقامة البازارات، نفذت قوى الأمن الداخلي انتشاراً كثيفاً في أحياء باب شرقي وباب توما والقصاع والقصور. بدأ ذلك مساء السبت بقطع بعض الطرق، ومنع دخول السيارات في الشوارع المكتظة بمحيط الكنائس، وسط حراسة مشددة، وذلك عقب حادثة سرقة تعرض لها نصب تذكري للقديس بولس في باب كيسان أمام باب دير مار بولس لطائفة الروم الكاثوليك، في حادثة غامضة أحدثت صدمة في أوساط المسيحيين.

وقالت مصادر من أهالي الحي بالقرب من الدير، إن اللصوص استغلوا أن موقع النصب المصنوع من البرونز والنحاس، والبالغ ارتفاعه ثلاثة أمتار ونصف المتر، قريب من ساحة باب مصلى على الشارع العام، كما استغلوا اقتصار الحراسة على شخص واحد من الكنيسة، وقاموا في ساعة متأخرة من الليل بإزالة التمثال عن قاعدته وسرقته، ولم يتبادر لذهن العابرين في المكان أن من يقوم بفك النصب بطريقة احترافية لصوص.

عنصر أمن سوري على سطح يطل على كنيسة القصير أثناء الاحتفال بإنارة «شجرة الميلاد» (متداولة)

وأرخت حادثة سرقة نصب القديس بولس بظلال ثقيلة على أجواء العيد في دمشق، مع أن التحليلات تتجه إلى أن الدافع هو سرقة المعدن المصنوع منه، إلا أن ذلك زاد التحديات الأمنية لدى السلطات التي تبدي اهتماماً خاصاً هذا العام بضبط الأمن في أماكن الاحتفالات والتجمعات الشعبية عموماً والدينية خصوصاً. وبدا هذا واضحاً في المدن والبلدات التي تشهد احتفالات، مثل مدينة حمص والبلدات التابعة لها، وفي بلدات الساحل السوري، ومحافظة حماة، والمناطق كافة التي سبق أن حصلت فيها حوادث عنف ذات طابع طائفي.

صورة جوية لبلدة الغسانية ذات الأغلبية المسيحية جنوب حمص وقد بدأ سكانها بالعودة إلى منازلهم ومتاجرهم المدمرة (أ.ف.ب)

كما برز بوضوح الاهتمام الرسمي باحتفالات البلدات المسيحية مثل القنية واليعقوبية في محافظة إدلب التي عاد إليها قسم كبير من أبنائها بعد الإطاحة بنظام الأسد، حيث كانت تلك المناطق لسنوات ساحات للمواجهات العسكرية ومخيمات النازحين.

فرقة كنسية تعزف في ساحة كنيسة الصليب المقدس بدمشق احتفالاً بإضاءة شجرة عيد الميلاد (سانا)

واتخذت قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية السورية إجراءات أمنية في إدلب لضمان إقامة الفعاليات بشكل آمن. كما عُزفت موسيقى عيد الميلاد للمرة الأولى، بعد أن اقتصرت الاحتفالات خلال سنوات الحرب على الصلوات داخل الكنيسة وفي المنازل.

وأظهرت الصور المتداولة للاحتفالات مشاركة واسعة من الأهالي؛ كونها الأولى منذ عام 2011، ولها أهمية تتجاوز أبعاد الاحتفال الديني إلى التأكيد على بدء عودة الحياة الطبيعية لمناطق كانت الأولى في اندلاع المواجهات العسكرية.

صورة متداولة لتمثال مار بولس المسروق (متداولة)

في الأثناء، حاولت «الشرق الأوسط» التواصل مع الكنيسة لمعرفة مزيد من التفاصيل، إلا أنه تم التحفظ على المعلومات؛ لأن الأمر ما زال قيد التحقيق.

وقال الأب سلامة سمعان في تصريحات إنه سيكتفي بقول جملة واحدة فقط: «دمشق من دون مار بولس». وللقديس بولس أهمية روحية ورمزية عند المسيحيين والدمشقيين؛ كونه يعبر عن لحظة اهتداء بولس إلى المسيحية على أسوار دمشق. وقد نفذه نحات إيطالي ووُضع أمام باب كيسان، حيث إن مدخل الدير هو الموقع الذي اهتدى فيه القديس بولس. ويظهر بالنصب لحظة وقوعه عن ظهر الحصان، وكان نظره متجهاً نحو السماء.

رجل ينتظر عند كشك «عصير زين» ضمن التحضيرات لأعياد الميلاد في دمشق (أ.ب)

يقول الإعلامي السوري ثابت سالم لـ«الشرق الأوسط»: «لو عرف اللصوص رمزية نصب بولس بغض النظر عن البُعد الديني، ما أقدموا على هذه الفعلة»، لافتاً إلى أنه في بداية أبريل (نيسان) عام 2007، قامت نانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب الأميركي بزيارة لدمشق، وقُبيل مغادرتها قالت في مؤتمر صحافي: «I am on the road to Damascus»، وترجمتها: «أنا على طريق دمشق»، مرددة تعبير بولس.

ويشير سالم إلى أن وزير الخارجية آنذاك وليد المعلم لم يفهم ما قصدته بيلوسي في تصريحها المهم، ولم يرد على تصريحها رغم لغته الإنجليزية القوية، وأنه عادة ما يستخدم هذا القول للإشارة إلى تحول بولس الرسول أو «شاؤول» إلى المسيحية عند تل كوكب قُرب داريا، نتيجة رؤيته المعروفة للهداية، وهو الضابط اليهودي المكلف بتأديب المسيحيين في دمشق وإنهاء وجودهم.


مقالات ذات صلة

تركيا توقف عناصر من «داعش» على خلفية «اشتباك يالوفا»

شؤون إقليمية عناصر من قوات مكافحة الإرهاب في يالوفا في أثناء نقل موقوفين من «داعش» إلى المحكمة (الداخلية التركية)

تركيا توقف عناصر من «داعش» على خلفية «اشتباك يالوفا»

أوقفت السلطات التركية العشرات من عناصر تنظيم «داعش» الإرهابي والمشتبه بانتمائهم إلى التنظيم على خلفية اشتباك دامٍ وقع في مدينة يالوفا.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية انتشار مدرعات وعناصر من القوات الخاصة التركية في شوارع يالوفا خلال اشتباك مع أعضاء من «داعش» يوم 29 ديسمبر (رويترز)

تأهّب أمني في تركيا عقب حملة اعتقالات واسعة ضد «داعش»

ألقت قوات الأمن التركية القبض على 125 من المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» الإرهابي في إطار حملة أمنية موسعة.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية أقيمت أمام مديرية أمن يالوفا الثلاثاء مراسم رسمية لوداع 3 رجال شرطة قُتلوا في عملية ضد «داعش» (من البث المباشر)

تركيا تفرض تدابير أمنية مشددة مدة 4 أيام لتأمين البلاد في رأس السنة

أعلنت السلطات التركية تطبيق تدابير أمنية مشددة تستمر حتى 2 يناير المقبل، كما نفَّذت حملة أمنية واسعة في 21 ولاية، ألقت خلالها القبض على مئات من عناصر «داعش».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية دخان كثيف يتصاعد من منزل كان يوجد به عناصر من «داعش» أثناء اشتباكات مع الشرطة في يالوفا شمال غربي تركيا الاثنين (رويترز)

قتلى ومصابون من الشرطة و«داعش» باشتباكات دامية غرب تركيا

قُتل 3 شرطيين و6 من عناصر تنظيم «داعش» الإرهابي في اشتباكات وقعت في مدينة يالوفا شمال غربي تركيا أسفرت أيضاً عن إصابة 8 من رجال الشرطة وحارس أمن.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
يوميات الشرق لحظة عائلية دافئة في موسم الأعياد (إنستغرام)

رسالة ميلادية دافئة من دوق ودوقة ساسكس

شاركت دوقة ساسكس صورة عائلية جمعتها بدوق ساسكس وطفليهما، مُرفقة برسالة بمناسبة عيد الميلاد...

«الشرق الأوسط» (لندن)

لبنان يمنع بيع العقارات في مناطق يحتلها الجيش الإسرائيلي

الرئيس اللبناني جوزف عون (ریاست‌جمهوری لبنان)
الرئيس اللبناني جوزف عون (ریاست‌جمهوری لبنان)
TT

لبنان يمنع بيع العقارات في مناطق يحتلها الجيش الإسرائيلي

الرئيس اللبناني جوزف عون (ریاست‌جمهوری لبنان)
الرئيس اللبناني جوزف عون (ریاست‌جمهوری لبنان)

وافق مجلس الوزراء اللبناني، الخميس، على طلب وزارة المال منع التصرف والبيوعات العقارية في المناطق التي يحتلها الجيش الإسرائيلي.

وأقرّ مجلس الوزراء، خلال جلسة عُقدت اليوم معظم بنود جدول أعماله، وفق ما أعلنه وزير الإعلام بول مرقص.

وقال الرئيس اللبناني جوزف عون، في مستهلّ الجلسة: «لقد آن الأوان لكي تعود الدولة إلى الجنوب. هذه مسؤوليتنا جميعاً، وهذا واجبنا تجاه أهلنا؛ فالجنوب هو الجزء الأساس من لبنان، وعلى كل وزارة أن تقدم ما لديها لنؤكد وقوفنا إلى جانب أهلنا من دون أي تقصير».

جنود ينتظرون عند مدخل قرية زوطر الغربية جنوب لبنان مع انتشار الجيش اللبناني في المنطقة عقب انسحاب القوات الإسرائيلية 21 يوليو الماضي (رويترز)

وأعلن عون «وضع حجر الأساس اليوم لتوسيع مرفأ بيروت. وهذه بادرة خير للجميع، أسهم فيها وزير الأشغال العامة والنقل، ونأمل أن تتبعها خطوات إضافية في الإطار عينه».

وأضاف: «طلبنا منذ فترة من الوزارات كافة أن تضع مشاريع نرفعها إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، بعد أن وجدنا كل ترحيب من قِبل المسؤولين ورجال الأعمال الإماراتيين الذين أبدوا رغبة في الاستثمار في لبنان، وقد زارنا لهذه الغاية وفدان حتى الآن».

وأكد رئيس الحكومة نواف سلام، حسب ما نقل عنه وزير الإعلام بعد انتهاء الجلسة، أن هناك مواكبة مدنية حقيقية في جنوب لبنان إلى جانب وجود الجيش والقوى الأمنية وسيتم تفعيلها أكثر بعد الانتهاء من الإجراءات المطلوبة مع البنك الدولي، مشيراً إلى أنه في الأسابيع المقبلة ستظهر أكثر فأكثر ثمار الجهد المبذول في القرى الجنوبية، ولا سيما في المناطق التي سُميت تجريبية وفي محافظة النبطية جنوب لبنان، تحديداً.

وكانت جلسة مجلس الوزراء انعقدت بالتزامن مع اعتصام نفّذه المتعاقدون مع الجامعة اللبنانية للمطالبة بإقرار ملف التفرغ.


نشاط دبلوماسي سوري لهندسة التحول إلى نقطة «استقرار إقليمي»

وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع نظيره التركي هاكان فيدان في العاصمة أنقرة الثلاثاء (الخارجية السورية)
وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع نظيره التركي هاكان فيدان في العاصمة أنقرة الثلاثاء (الخارجية السورية)
TT

نشاط دبلوماسي سوري لهندسة التحول إلى نقطة «استقرار إقليمي»

وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع نظيره التركي هاكان فيدان في العاصمة أنقرة الثلاثاء (الخارجية السورية)
وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع نظيره التركي هاكان فيدان في العاصمة أنقرة الثلاثاء (الخارجية السورية)

بعد زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني لأنقرة وعقد اجتماعين منفصلين مع نظيره التركي هاكان فيدان، والمبعوث الأميركي توم براك مساء الثلاثاء، استقبل الشيباني في دمشق، الأربعاء، نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، وقالت الخارجية السورية إن اللقاء بحث العلاقات الثنائية بين البلدين وتعزيز التعاون في كل المجالات، وتطورات الأوضاع في جنوب سوريا ومسار تنفيذ خريطة الطريق الثلاثية، بين سوريا والمملكة الأردنية والولايات المتحدة الأميركية بما يخص محافظة السويداء.

ويتمحور الحراك الدبلوماسي السوري حول تعزيز الاستقرار في سوريا والمنطقة، وتجنب الانخراط في ساحات الصراعات الإقليمية، والتحول إلى عنصر استقرار إقليمي، وتفعيل موقعها بصفتها بديلاً جيوسياسياً وممراً آمناً للتجارة مع اضطراب خطوط الملاحة البحرية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب جراء التصعيد في اليمن، حسب مصادر في دمشق قالت لـ«الشرق الأوسط» إن الدبلوماسية السورية تنخرط في هندسة دور سوريا الجديدة القائم على سياسة «الحياد الإيجابي»، وتتركز أولوياتها على ملفات رئيسية عدة، أبرزها ملف ضبط الحدود المرتبط بالتعاون مع دول الجوار (العراق ـ تركيا ـ لبنان ـ الأردن).

التقى الرئيس أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني في دمشق نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية وشؤون المغتربين الأردني أيمن الصفدي (الخارجية السورية)

وتسعى دمشق إلى الحصول على مزيد من الدعم الدولي، لا سيما الأميركي لمنع استخدام الأراضي السورية ممرات إمداد وتهريب السلاح و المخدرات. أما الملف الثاني، وهو الأكثر أهمية، نشر الاستقرار في الجنوب السوري والتوصل عبر الوساطة الأميركية إلى «صيغة تفاهم مع إسرائيل لوقف الاعتداءات والتوغلات والعودة إلى خط فض الاشتباك لعام 1974»، والدفع نحو حل ملف السويداء كجزء من بسط سيادة الدولة على كامل الأراضي السورية وتكريس الاستقرار.

ويعد الحراك الديبلوماسي السوري الحثيث استمراراً للنشاط المكثف الذي يقوده وزير الخارجية أسعد الشيباني منذ «لحظة الانتصار، حسب المستشار في الرئاسة السورية أحمد موفق زيدان لـ«الشرق الأوسط»، مضيفاً، أن هذا «النشاط بكل تأكيد يحدث في ظل أوضاع إقليمية ملتهبة كما هو ملاحظ».

وتابع، أن «ما تريده دمشق هو أن تكون عموداً من أعمدة الاستقرار والسلام الداخلي والإقليمي والدولي، ولا أدلّ على ذلك من اقتلاعها عمود محور الاضطراب وزعزعة الاستقرار الذي كان النظام البائد المجرم يشكله لعقود».

وأكد زيدان على أن دمشق اليوم هي «عنوان السلام والاستقرار، وتقف مع جوارها العربي، وسندها الخليجي، من أجل تعزيز الاستقرار والسلم»، ورأى أن اقتلاع سوريا لحكم الميليشيات التي كانت تتحكم فيها، سيكون «مقدمة لنهاية عصر الميليشيات في المنطقة التي جلبت على المنطقة المآسي والمصائب»، معبّراً عن الأمل بالتمكن من خلال هذا «التحرك المتواصل مع محيطنا العربي والإسلامي أن نعظم الاستقرار، ونقزم الفوضى».

وكان المبعوث الرئاسي الأميركي توم برّاك قد أشاد بوزير الخارجية السوري عقب لقاء امتد حتى ساعة متأخرة من ليل الثلاثاء- الأربعاء في أنقرة، ووصفه بأنه شريك «دؤوب، ذو رؤية ثاقبة، وجاد في خفض حدة التوتر».

وأضاف براك في منشور عبر منصة «إكس»، أن «الدبلوماسية ليست مسرحية، بل هي التوفيق بمواءمة صبورة بين المصالح قبل أن تنقلب الأحداث وتتجه في اتجاه معاكس ضد الجميع». معرباً عن امتنانه الكبير لشفافية وصراحة الحوار مع الوزير السوري، مؤكداً أن الشيباني يدرك جيداً أن «ضبط النفس والحوار يمثلان أيضاً شكلين من أشكال القوة».

وكان وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني قد أجرى مباحثات مع نظيره التركي هاكان فيدان في أنقرة، دون الإفصاح رسمياً عن مضمون المحادثات التي جاء بعد نحو شهر على زيارة مماثلة في 6 أغسطس (آب) الماضي، وبحثا التعاون الثنائي والتطورات الأمنية والسياسية في سورية والمنطقة وتم الاتفاق على إنشاء مجلس تنسيق أعلى بين سورية وتركيا، وتسريع تفعيل لجنة البحار الأربعة، والدفع لإنجاز مشروع الربط السككي، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية السورية.


واشنطن تسعى لتحييد الطائفة الشيعية في لبنان عن «حزب الله»

نعوش 12 شخصاً بينهم مقاتلان في «حزب الله» وأطفال قتلوا خلال غارة إسرائيلية استهدفت بلدة كفر رمان بجنوب لبنان الاثنين (إ.ب.أ)
نعوش 12 شخصاً بينهم مقاتلان في «حزب الله» وأطفال قتلوا خلال غارة إسرائيلية استهدفت بلدة كفر رمان بجنوب لبنان الاثنين (إ.ب.أ)
TT

واشنطن تسعى لتحييد الطائفة الشيعية في لبنان عن «حزب الله»

نعوش 12 شخصاً بينهم مقاتلان في «حزب الله» وأطفال قتلوا خلال غارة إسرائيلية استهدفت بلدة كفر رمان بجنوب لبنان الاثنين (إ.ب.أ)
نعوش 12 شخصاً بينهم مقاتلان في «حزب الله» وأطفال قتلوا خلال غارة إسرائيلية استهدفت بلدة كفر رمان بجنوب لبنان الاثنين (إ.ب.أ)

تسعى الولايات المتحدة الأميركية لتحييد الطائفة الشيعية في لبنان عن «حزب الله»، وهو مسار بات أكثر وضوحاً، هذا الأسبوع، من خلال زيارة قام بها السفير الأميركي لدى بيروت ميشال عيسى إلى «المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى»، تلاها بيان صادر عن السفارة أكدت فيه أن جنوب لبنان «لا ينتمي إلى جهات إقليمية أو ميليشيات».

وبدت حركة السفير عيسى تجاه الطائفة الشيعية، سواء باتجاه المؤسسة الدينية أم لجهة مخاطبة سكان الجنوب (تسكنه أغلبية شيعية)، لافتة في هذا التوقيت، خصوصاً بعد قطيعة اقتصرت، في وقت سابق، على محادثات ولقاءات مع رئيس البرلمان نبيه بري.

تغيير الانطباع السابق

وتقول مصادر مواكِبة لهذه الحركة الأميركية إن مثار الاهتمام بها «ينطلق من أن هناك اتهامات سابقة لواشنطن بمعاداة الطائفة الشيعية»؛ في إشارة إلى تصريحات وتسريبات صادرة عن «حزب الله» ومقرَّبين منه تتهم واشنطن بالانحياز ضد الطائفة، مضيفة، في تصريحات، لـ«الشرق الأوسط»، أن الانطباع السابق «يحاول السفير عيسى تغييره، إذ يستدرك بحركته الأخيرة مسارات التواصل، ويحاول أن يغير الصورة عن واشنطن لتأكيد أنه لا مشكلة مع الطائفة، بل المشكلة مع فئة فيها هي (حزب الله)، وهو ما تُكرسه اللقاءات والصور الأخيرة».

رجال دين شيعة يؤدون صلاة الجنازة على نعوش 12 شخصاً قُتلوا خلال غارة إسرائيلية استهدفت بلدة كفر رمان بجنوب لبنان الاثنين الماضي (أ.ب)

ويتصدر ملف نزع سلاح «حزب الله» اهتمامات واشنطن في لبنان، إذ تعدّ أن نزع السلاح «هو العنوان الأول الذي تبدأ على أساسه أي ترتيبات أخرى»، وفق ما تقول مصادر دبلوماسية مواكبة للحركة الأميركية، وهو ما يدفعها لتأكيد أن المشكلة مع «حزب الله» وليس مع الطائفة، وأنها تفصل بين الطرفين، وتحاول تحييد الطائفة عن «الحزب».

مخاطبة السكان مباشرة

وفتح السفير عيسى مساراً جديداً عبر مخاطبة الشيعة وسكان الجنوب بشكل مباشر. فقد أكدت السفارة الأميركية في بيروت، في بيان نشرته الخميس، أن «الشعب اللبناني يُبدي يومياً تفضيله لمؤسسات الدولة اللبنانية على سلاح (حزب الله)»، مشيرةً إلى أن جنوب لبنان «لا ينتمي إلى جهات إقليمية أو ميليشيات».

وقالت السفارة إن الولايات المتحدة تُشيد بهذه المجتمعات، وتدعم الحكومة اللبنانية في هدفها المعلَن المتمثل في فرض السيادة، التي يتولى الجيش اللبناني إنفاذها، وضمان أن تبقى قرارات الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية حصراً.

مسار ثالث

ويُعد هذا البيان المسار الثالث بين واشنطن والطائفة الشيعية في لبنان. ولطالما كان الرئيس بري قناة الاتصال شبه الوحيدة مع الجانب الأميركي، ويعود ذلك أولاً إلى موقعه الرسمي في لبنان رئيساً لمجلس النواب ورئيس «حركة أمل»، إضافة إلى أنه المفوَّض من قِبل «الحزب» بالتفاوض خلال الحرب، وقناة التواصل الرسمية بين «الحزب» والدولة اللبنانية في ظل القطيعة بين الرئيس جوزيف عون و«الحزب» منذ مارس (آذار) الماضي.

رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري مستقبِلاً السفير عيسى والجنرال كليرفيلد (الوكالة الوطنية للإعلام)

أما الآن، فقد توسعت المسارات، رغم أن الخطاب الأميركي هو نفسه، وتكرر الموقف، سواء في البيان، وما سبقه على منبر «المجلس الشيعي»، وخلال لقاء السفير عيسى مع نائب رئيس المجلس الشيعي الشيخ علي خطيب.

وقالت مصادر مواكِبة للقاء، لـ«الشرق الأوسط»، إن السفير لم يطرح مبادرة، بل جُلّ ما طرحه هو تأكيد «أنه على (حزب الله) تسليم سلاحه، مما يتيح فتح الطريق أمام الحلول والمعالجات للأزمة، ولتأمين انسحاب إسرائيلي من الأراضي اللبنانية».

موقف شيعي موحد

وأشارت المصادر إلى رد الشيخ الخطيب، وكان الطلب من الجانب الأميركي القيام بمبادرة أو بخطوة لدفع الجيش الإسرائيلي للانسحاب من جنوب لبنان، ولو من منطقة أو قضاء (في الجنوب)، مما يثبت أن واشنطن عادلة وجِدية في تأمين الحلول. كما تحدَّث الخطيب، وفق المصادر، عن أن «المقاومة هي نتيجة احتلال، وليست سبباً، والمقاومة كانت قبل (حزب الله)».

نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب يستقبل السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى (الوكالة الوطنية)

ولم تنفِ المصادر أن الزيارة تبعث رسالة بأن هناك محاولة أميركية لتحييد الطائفة عن «حزب الله»، وذلك على أثر تأكيد السفير عيسى أن واشنطن «تكنّ كل الاحترام وكل المحبة للطائفة الشيعية، ولا تُصنفها طائفة إرهابية، بل تُصنف (الحزب) فقط». وأضافت المصادر أن الشيخ الخطيب «أكد أن الموقف الشيعي موحد، سواء في (حزب الله) أم (حركة أمل) أم (المجلس الشيعي)، ومن الصعوبة تحييد فئة أو عزلها لأنه موقف الطائفة بكل مكوناتها»، مشيرة إلى أن البيئة الشيعية بجميع انتماءاتها «تسأل عن الضمانات والتطمينات الأميركية، في حال نزع السلاح دون انسحاب إسرائيلي من الجنوب»، لافتة إلى أنه «لا ضمانات حتى الآن».

وأشارت المصادر إلى أن الخطيب «أكد لعيسى أن الشيعة يريدون الدولة، ويدفعون باتجاه دولة تحميهم وترعى شؤونهم، وهو موقف جامع لدى جميع المكونات».

وتتوسط واشنطن في المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، وينتظر لبنان تحديد موعد للجلسة الثامنة التي يُفترض أن تُعقد هذا الشهر في روما، في وقت تُواصل إسرائيل فيه قصف لبنان وتنفيذ الاعتداءات، مما يقوّض قدرة الجيش على الانتشار، وتأمين عودة السكان حتى إلى المناطق النموذجية.

كان رئيس البرلمان نبيه بري قد قال، في تصريح سابق آخر، الأسبوع الماضي، إن «إسرائيل ماضية في تحويل الجنوب وأهله وممتلكاتهم إلى صندوق اقتراع بالدم في سباق الانتخابات المقبلة في معركة يتنافس فيها الجميع حول مَن يقتل ومَن يدمّر أكثر».