الاتحاد الأوروبي يقرض أوكرانيا 90 مليار يورو ويعدل عن استخدام الأصول الروسية

كييف تشيد بالخطوة وموسكو «بتغليب المنطق» في عدم استخدام أموالها المجمدة

رئيسة المفوضية مع رئيس المجلس الأوروبي ورئيسة وزراء الدنمارك (إ.ب.أ)
رئيسة المفوضية مع رئيس المجلس الأوروبي ورئيسة وزراء الدنمارك (إ.ب.أ)
TT

الاتحاد الأوروبي يقرض أوكرانيا 90 مليار يورو ويعدل عن استخدام الأصول الروسية

رئيسة المفوضية مع رئيس المجلس الأوروبي ورئيسة وزراء الدنمارك (إ.ب.أ)
رئيسة المفوضية مع رئيس المجلس الأوروبي ورئيسة وزراء الدنمارك (إ.ب.أ)

وجَّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الشكر، الجمعة، لقادة القمة الأوروبية عقب موافقتهم على زيادة التمويل لبلاده ومنحها قرضاً كانت بأمسِّ الحاجة إليه. بينما ردت روسيا بشكل إيجابي على تسوية توصلت إليها الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي دون اللجوء إلى استخدام الأصول الروسية المجمدة في بنوك التكتل.

وكتب زيلينسكي في منشور عبر منصة «إكس»: «هذا دعم هائل يقوي صمودنا حقاً»، وشدد على «أهمية أن تظل الأصول الروسية مجمدة»، وأن تحصل أوكرانيا على ضمانات مالية للسنوات المقبلة.

كوستا مع زيلينسكي الخميس في بروكسل (أ.ف.ب)

ويمثل هذا الاتفاق الذي تم التوصل إليه عند منتصف الليل خلال محادثات قمة التكتل في بروكسل، شريان حياة لكييف، في الوقت الذي يضغط فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب من أجل تحقيق اتفاق سريع ينهي الحرب المستمرة منذ نحو 4 سنوات.

وبعد شهور من النقاش والجدل، توصل قادة الاتحاد الأوروبي المجتمعون في بروكسل إلى حل وسط في الساعات الأولى من الجمعة، بشأن تمويل أوكرانيا على مدار العامين المقبلين، من دون أخذ الخطوة المثيرة للجدل المتمثلة في استخدام الأصول الروسية المجمدة لدى الاتحاد الأوروبي، على الفور. وبموجب الاتفاق، سوف تحصل أوكرانيا على قرض بقيمة 90 مليار يورو (105.5 مليار دولار). وإذا لم تدفع موسكو تعويضات بسبب الأضرار الناتجة عن الحرب، فسوف يجري استخدام الأصول الروسية المجمدة لسداد القرض.

موسكو: تغليب المنطق والعقلانية

كتب كبير المفاوضين الروس، كيريل ديميتريف، الجمعة، على منصة «تلغرام»: «لقد ساد القانون والمنطق السليم الآن». ووصف القرار الذي تم اتخاذه في بروكسل بأنه «ضربة قاضية» لما وصفهم بـ«دعاة الحرب»، واختص بالذكر رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، والمستشار الألماني، فريدريش ميرتس، ورئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر.

كبير المفاوضين الروس كيريل ديميتريف (رويترز)

وكتب ديميتريف: «لقد حالت بعض الأصوات العقلانية داخل الاتحاد الأوروبي حتى الآن دون استخدام الاحتياطات الروسية بشكل غير قانوني لتمويل أوكرانيا».

اتهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الاتحاد الأوروبي بمحاولة «سرقة» احتياطيات الدولة الروسية، والتي زعم أنها فشلت حتى الآن. وأضاف أن روسيا ستواصل الدفاع عن مصالحها، وستسعى إلى إنشاء محاكم مستقلة سياسياً، تستجيب لطلب عودة مليارات الدولة المجمدة في الاتحاد الأوروبي. وتابع بوتين، الجمعة: «مهما سرقوا، تجب إعادة (المسروقات) في وقت ما».

وكتب رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا في منشور على منصة التواصل الاجتماعي «إكس» في الساعات الأولى من صباح الجمعة: «لقد توصلنا إلى اتفاق. تمت الموافقة على قرار تقديم دعم بقيمة 90 مليار يورو لأوكرانيا للمدة، 2026 - 2027 لقد التزمنا، وأوفينا».

زيلينسكي مع كوستا في الخلف (رويترز)

الجميع يشعر بالارتياح

توصل قادة الاتحاد الأوروبي المجتمعون في بروكسل إلى حل وسط بعد أن فشلت خطط استخدام مليارات اليورو من الأصول الروسية لتغطية احتياجات التمويل لأوكرانيا في السنوات المقبلة في الحصول على الدعم اللازم.

وكان الخيار الأول المطروح هو الاستفادة من نحو 200 مليار يورو من أصول البنك المركزي الروسي المجمدة في الاتحاد الأوروبي، لتأمين قرض لكييف، لكن هذا المخطط تهاوى بعد أن طالبت بلجيكا، حيث توجد الغالبية العظمى من الأصول، بضمانات بشأن تقاسم مسؤولية استخدام الأصول. وفي مؤتمر صحافي بعد اختتام القمة، أعرب رئيس الوزراء البلجيكي بارت دي ويفر عن اعتقاده أن «العقلانية انتصرت»، مضيفاً: «كان هذا الأمر برمته محفوفاً بالمخاطر وخطيراً للغاية، وأثار كثيراً من التساؤلات (...) لقد كان الأمر أشبه بسفينة تغرق، مثل سفينة تايتانيك. الأمر حُسم الآن (...) والجميع يشعر بالارتياح».

رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان يتوقع فشل القمة (أ.ف.ب)

ورأى المستشار الألماني فريدريش ميرتس الذي ضغط بشدة لاستخدام الأصول الروسية، أن الاتحاد الأوروبي وجَّه «رسالة واضحة» إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بموافقته على تقديم 90 مليار يورو إلى كييف.

وحتى الآن همشت واشنطن أوروبا إلى حد كبير في المفاوضات الجارية بين الأطراف المعنية، لكن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رأى أن الوقت قد حان للقارة للانخراط في حوار مع موسكو نفسها.

ماكرون يطرح الحوار مجدداً مع بوتين

وقال ماكرون بعد الإعلان عن القرض الأوروبي لأوكرانيا إنه «سيصبح مجدداً من المفيد» له وللأوروبيين الانخراط في حوار مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وأضاف: «في الأسابيع المقبلة، علينا إيجاد السبل والوسائل للأوروبيين، ضمن الإطار المناسب، للانخراط مجدداً في حوار كامل وشفاف مع روسيا».

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال مؤتمره الصحافي السنوي في نهاية العام بموسكو يوم 19 ديسمبر 2025 (رويترز)

وأعلن زيلينسكي أن الوفدين الأوكراني والأميركي سيجريان محادثات جديدة، نهاية هذا الأسبوع أو بداية الأسبوع المقبل في الولايات المتحدة. ودعا زيلينسكي واشنطن إلى تقديم مزيد من التفاصيل بشأن الضمانات الأمنية لأوكرانيا. وقال: «هناك سؤال لم أحصل بعد على جواب عنه... وهو سؤال حول مجمل الضمانات الأمنية»، مشيراً إلى أنه يرغب في معرفة «ما ستقوم به الولايات المتحدة إن ارتكبت روسيا اعتداءً جديداً». ومع ذلك، واصل ترمب الضغط على كييف، قائلاً مرة أخرى إنه يأمل أن «تتحرك أوكرانيا بسرعة» للتوصل إلى اتفاق.

رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني خلال حديثها في مهرجان «أتريو» الذي ينظمه حزبها «إخوة إيطاليا» (أ.ف.ب)

وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إن أوكرانيا لن تحتاج إلى سداد القرض إلا بعد أن تدفع موسكو تعويضات عن الأضرار التي تسببت بها. ويتطلب استخدام الدين المشترك قراراً بالإجماع من قبل الدول الـ27 الأعضاء في التكتل، لكن تم منح الدول المتشككة، وهي المجر وسلوفاكيا وجمهورية التشيك، إعفاءً من الالتزام لتجنب حدوث عرقلة.

أوربان: إعطاء المال يعني الحرب

أظهرت مسودة ​اطلعت عليها «رويترز»، الجمعة، أن قادة الاتحاد الأوروبي قد يوافقون ‌على الاقتراض ‌من ‌السوق ⁠بضمان ​من ‌ميزانية الاتحاد الأوروبي من أجل الإبقاء على تمويل أوكرانيا في عامي ⁠2026 و2027. ووفقاً للمسودة فإن ‌القادة لا يزالون يريدون من حكوماتهم والبرلمان الأوروبي مواصلة العمل على إعداد تمويل ​لأوكرانيا بالاستفادة من الأصول الروسية المجمدة. وجاء ⁠في المسودة التي لم يوافق عليها القادة بعد أن الاقتراض المشترك بضمان ميزانية التكتل سيستثني المجر وسلوفاكيا ‌وجمهورية التشيك.

وخلال رده على تساؤلات من صحافيين ومواطنين خلال جلسة الأسئلة والأجوبة السنوية التي يبثها التلفزيون الرسمي في موسكو، أكد بوتين مجدداً أن سعي الاتحاد الأوروبي لاستخدام الأموال الحكومية الروسية يمكن أن يقوض الثقة بالأسواق المالية الدولية. وقال إن هذه القروض أدت إلى زيادة مديونية دول الاتحاد الأوروبي مثل فرنسا.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية النائب الأول لوزير الدفاع فاليري غيراسيموف في موسكو 17 ديسمبر 2025 (إ.ب.أ)

تباينت ردود الفعل الأوروبية على الاتفاق؛ حيث إنه على الرغم من عدم موافقة جميع الدول على حزمة القروض، مع رفض المجر وسلوفاكيا وجمهورية التشيك دعم أوكرانيا، فقد تم التوصل إلى اتفاق لم تعرقل بموجبه تلك الدول الحزمة، ووعدت بالحماية من أي تداعيات مالية. وقال رئيس وزراء المجر، فيكتور أوربان، وهو أقرب حليف للرئيس بوتين في أوروبا والذي يصف نفسه بأنه صانع سلام: «لا أرغب في أن ينخرط الاتحاد الأوروبي في حرب». وتابع أوربان أن «إعطاء المال يعني الحرب»، ووصف أيضاً الخطة المرفوضة لاستخدام الأصول الروسية المجمدة بأنها «طريق مسدود».

المستشار الألماني ​فريدريش ميرتس (أ.ب)

ويقدر الاتحاد الأوروبي أن أوكرانيا تحتاج إلى 135 مليار يورو إضافية خلال العامين المقبلين، مع توقُّع أن تبدأ أزمة السيولة في أبريل (نيسان). وكان زيلينسكي قد اعتبر سابقاً أن كييف ستواجه «مشاكل كبيرة» إذا ما تعذّر على القادة الأوروبيين التوصّل إلى اتفاق حول استخدام هذه الأصول لتمويل أوكرانيا. وفي حال عدم التوصّل إلى اتفاق، ستفتقر كييف إلى السيولة بداية من الربع الأول من 2026.

وعلى الرغم من أن كييف قد تشعر بخيبة أمل لأن الاتحاد الأوروبي لم يتخذ خطوة استخدام الأصول الروسية، فإن تأمين التمويل بطريقة أخرى يبعث على الارتياح.

وقال زيلينسكي للقادة إن كييف بحاجة إلى قرار بحلول نهاية العام، وإن وضع بلاده على أرضية أكثر صلابة يمكن أن يمنحها مزيداً من النفوذ في المحادثات لإنهاء الحرب.


مقالات ذات صلة

بولندا تعتمد قواعد زمن الحرب لإسقاط الطائرات الأجنبية في أجوائها

أوروبا أرشيفية لمسيرة (أ.ف.ب)

بولندا تعتمد قواعد زمن الحرب لإسقاط الطائرات الأجنبية في أجوائها

قال نائب وزير الدفاع البولندي سيزاري تومتشيك، الاثنين، إنه سيصبح في إمكان المقاتلات والمروحيات البولندية إسقاط الطائرات الأجنبية.

«الشرق الأوسط» (وارسو)
أوروبا يعمل عمال الإنقاذ على إخماد حريق في مبنى الأكاديمية الوطنية للعلوم الذي تضرر جراء هجوم بطائرة مسيرة روسية في وسط كييف بأوكرانيا اليوم (أ.ب)

أوكرانيا تدعو الفئات الأكثر عرضة للخطر إلى مغادرة المدن قبل الشتاء

دعا رئيس الوزراء الأوكراني سيرغي كوريتسكي الأشخاص ذوي الإعاقة ومحدودي الحركة في المدن إلى التفكير في الانتقال إلى أماكن إقامة بديلة قبل حلول الشتاء.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا رئيسة «المفوضية الأوروبية» أورسولا فون دير لاين خلال خطاب في «الاتحاد الأوروبي» (أ.ب)

الاتحاد الأوروبي يبحث تعزيز الردّ على «الهجمات الروسية الهجينة»

بحث وزراء دفاع «الاتحاد الأوروبي»، الاثنين، ما إذا كان التكتل بحاجة لآلية طوارئ خاصة به على غرار «حلف شمال الأطلسي»، لتعزيز التنسيق في مواجهة «الهجمات الهجينة».

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
آسيا صورة نشرها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لجندي من كوريا الشمالية وقع أسيراً في يد الجنود الأوكرانيين (حساب زيلينسكي على إكس)

سيول تطالب كييف باعتذار بعد كشفها نقل جنديَّين كوريَّين شماليَّين إليها

طالبت كوريا الجنوبية أوكرانيا باعتذار رسمي بعدما نفت كييف وجود اتفاق بين الجانبين يقضي بالحفاظ على سرّية نقل جنديَّين كوريَّين شماليَّين أُسرا خلال القتال.

«الشرق الأوسط» (سيول)
أوروبا تصاعد الدخان جراء غارة روسية على كييف (رويترز)

أوكرانيا تنقل 4 أطنان من الغذاء بمسيّرة إلى مدينة أوليشكي المحاصرة

أعلنت السلطات الأوكرانية، الأحد، أن القوات الأوكرانية قامت بنقل 4 أطنان من المواد الغذائية بواسطة طائرة شحن مسيَّرة إلى مدينة أوليشكي، المحاصرة منذ عدة أشهر.

«الشرق الأوسط» (كييف)

بولندا تعتمد قواعد زمن الحرب لإسقاط الطائرات الأجنبية في أجوائها

أرشيفية لمسيرة (أ.ف.ب)
أرشيفية لمسيرة (أ.ف.ب)
TT

بولندا تعتمد قواعد زمن الحرب لإسقاط الطائرات الأجنبية في أجوائها

أرشيفية لمسيرة (أ.ف.ب)
أرشيفية لمسيرة (أ.ف.ب)

قال نائب وزير الدفاع البولندي، سيزاري تومتشيك، الاثنين، إنه سيصبح في إمكان المقاتلات والمروحيات البولندية إسقاط الطائرات الأجنبية التي يتم رصدها في أجواء البلاد، وفق تدابير دفاعية تُتخذ عادة في زمن الحرب.

وتأتي هذه الخطوة ضمن أحدث الإجراءات الرامية إلى تعزيز دفاعات بولندا، العضو في حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي، مع قرب إتمام الحرب في أوكرانيا المجاورة عامها الخامس، وازدياد تحذيرات حلفاء كييف من ازدياد خطر الطائرات المسيّرة الروسية.

وقال تومتشيك إن مثل هذا التغيير سيسمح «للطيار أو قائد العمليات باتخاذ قرار بإسقاط طائرة أجنبية استناداً إلى بيانات الرادار أو معلومات أخرى ترد إلى النظام».

وأشار إلى أن هذه المعايير «تطبّق عادة في حال الحرب أو الأحكام العرفية»، في حين أن المعايير المعتدة خلال فترات السلم تستوجب رؤية الطائرة بالعين المجردة، وليس فقط الاعتماد على قراءات أنظمة الرادار.

وقال المسؤول إن التغيير اعتمد لأن بولندا «تواجه احتمال دخول طائرات مسيّرة إلى أجوائها بشكل يومي».

وفي وقت سابق من سبتمبر (أيلول)، قال رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك، إن روسيا تخطط في إطار الحرب مع أوكرانيا، لشنّ هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على حلفاء كييف، من بينهم بولندا.

وتتهم وارسو، وهي من أعضاء حلف شمال الأطلسي الأكثر إنفاقاً على الدفاع نسبة إلى حجم اقتصادها، موسكو، بتنفيذ استفزازات «متعددة الوسائل» على أراضيها، تشمل انتهاك مجالها الجوي باستخدام طائرات مسيّرة.


البابا يدعو من فرنسا إلى «وقف زحف الحرب» ويندد بوهم التسلح

البابا لاوون الرابع عشر في مركز روبيرت شومان للمؤتمرات في مدينة ميتز يلقي خطابه الاثنين والرئيس ماكرون مستمعاً (رويترز)
البابا لاوون الرابع عشر في مركز روبيرت شومان للمؤتمرات في مدينة ميتز يلقي خطابه الاثنين والرئيس ماكرون مستمعاً (رويترز)
TT

البابا يدعو من فرنسا إلى «وقف زحف الحرب» ويندد بوهم التسلح

البابا لاوون الرابع عشر في مركز روبيرت شومان للمؤتمرات في مدينة ميتز يلقي خطابه الاثنين والرئيس ماكرون مستمعاً (رويترز)
البابا لاوون الرابع عشر في مركز روبيرت شومان للمؤتمرات في مدينة ميتز يلقي خطابه الاثنين والرئيس ماكرون مستمعاً (رويترز)

اختار البابا لاوون الرابع عشر مدينة ميتز الفرنسية الواقعة قرب الحدود مع ألمانيا ودوقية لوكسمبورغ لتوجيه مجموعة من الرسائل السياسية في اليوم الأخير من زيارته رباعية الأيام إلى فرنسا. ولم يكن اختيار ميتز وليد مصادفة؛ بل كون هذه المدينة اشتهرت لأن السياسي والوزير الفرنسي روبيرت شومان الذي يعد أحد آباء ولادة الاتحاد الأوروبي بمسمياته المختلفة، عاش سنوات فيها، ودُفن في ضاحية قريبة منها. كذلك، فإن «مركز المؤتمرات» الذي استضاف اللقاء السياسي، صباح الاثنين، يحمل اسم روبيرت شومان، وخطاب البابا جاء تحت مسمى «في جذور أوروبا من أجل السلام والوحدة». ولأن أوروبا في قلب كلمة البابا، فإن الإليزيه عمد إلى توجيه دعوة لقادة دول الاتحاد الأوروبي وكبار مسؤوليه، إلا أن أياً من رؤساء الدول والحكومات الأوروبية لم يكن حاضراً باستثناء غيوم، دوق لوكسمبورغ ورئيس وزرائه وأمير موناكو وعدد من مسؤولي الصف الثاني في دول الاتحاد.

وقبل خطاب البابا، تحدث الرئيس الفرنسي الذي حض أوروبا على أن «تستعيد شجاعة مؤسسيها» من أجل أن «تصبح قوةً للسلام والاستقلال والديمقراطية، كما ينبغي لها أن تكون». لكن ماكرون سارع إلى توصيف الواقع الأوروبي حيث الحرب تدور منذ أكثر من 4 سنوات على الأراضي الأوروبية، وحيث الدعوات لإعادة التسلح والتحضر ربما لحروب آتية قائمة على قدم وساق. وإذ رأى أن «الأخطار تغيرت من حيث الحجم»، إلا أنه سارع لإضافة أنه «يجب أن تكون جهودنا من أجل السلام على قدر حجم التحديات، ومن أجل ضمان سيادة حقيقية، يتعين علينا بالتالي أن نتحرك». وهذا التحرك، بنظره «ضروري لضمان أمننا، والحفاظ على قيمنا»، ولتجنب ما سماه «عودة النزعات القومية» في أوروبا حيث اليمين المتطرف، أكان في ألمانيا أو فرنسا أو بريطانيا أو في بلدان أخرى، يحقق مزيداً من النجاحات الانتخابية.

بابا الفاتيكان والرئيس الفرنسي في جلسة حوارية مع مجموعة من المسؤولين الذين حضروا للاستماع لخطابه عن أوروبا في مركز شومان للمؤتمرات في مدينة ميتز الفرنسية الاثنين (إ.ب.أ)

وهم التسلح

ومنذ بداية ولايته، يطرح لاوون الرابع عشر نفسه داعية للسلام عبر العالم وحافزاً للتشجيع على الحوار بين الحضارات والثقافات والأديان والدول. ولأن الحرب «عادت، حتى إلى أوروبا حيث تدور مجزرة جديدة عبثية، تحصد أرواح عدد لا يحصى من المدنيين كل يوم»، ولأن محاولات إيجاد حد نهائي لها استمرت حتى اليوم بسبب تمسك كل طرف بموقفه، فإن البابا حض المفاوضين على «إظهار الشجاعة في المفاوضات، وأن نكون مستعدين للتخلي عن بعض مواقفنا من أجل الخير الأكبر، أي السلام».

واستحضر البابا في ذلك دعوة مماثلة أطلقها البابا بنديكتوس الخامس عشر عام 1917، في خضم المجازر التي شهدتها الحرب العالمية الأولى. واللافت أن لاوون الرابع عشر لم يذكر أوكرانيا ولا روسيا ولا أي دولة أخرى بالاسم، إلا أن إشارته للحرب الدائرة في أوكرانيا منذ 4 سنوات ونصف السنة جاءت جلية. ولأن الحرب مرتبطة عضوياً بزيادة التسلح، وهو الأمر الغالب اليوم في أوروبا بسبب الأوضاع والمخاطر الجيواستراتيجية، وتضاعف الإنفاق العسكري عموماً خصوصاً في أوروبا، فقد حرص البابا على التحذير من مخاطر «وهم التسلح». وقال: «علينا أن نحذّر من أن إعادة التسلح هي الحل» مضيفاً أن «علينا اليوم أن نسأل أنفسنا: هل نبذل بالفعل جهوداً إبداعية لتعزيز السلام العالمي، أم أننا نسعى ببساطة إلى وقف زحف الحرب والاستعداد بشكل أفضل لحروب نفترض أنها لا تزال قادمة». وذهب لاوون الرابع عشر إلى التنديد بعلاقات «تزداد همجية بين البشر وبين الدول»، منتقداً أيضاً «التباهي بالكذب والخداع»، وحضّ أوروبا على «وضع حدّ لهذه الدوامة بفضل احترام الآخر الذي عرفت كيف تنمّيه وتصونه».

البابا لاوون الرابع عشر في مدينة ميتز الفرنسية الاثنين في طريقه إلى كاتدرائية سانت إتيان (أ.ب)

الهجرات والإرث الأوروبي

وخلال الأيام الأربعة المنصرمة، دعا البابا في أكثر من مناسبة، إلى تغليب الحوار والحوار متعدد الأطراف، محذراً من الحوارات الفارغة التي تحولت إلى «مسرحية صورية»، كما حذر من تغليب قانون القوة على قوة القانون. وفيما يقوى عود الدعوات الشوفينية والقومية المتطرفة، حرص بابا روما على التذكير بأهمية الانفتاح على التلاقح وعلى التعددية الثقافية التي في أساس البناء الأوروبي، وضرورة تغليب سيادة القانون والمساواة بين الناس. وفي هذا السياق، كان لا بد له من تناول مسألة الهجرات المتدفقة على أوروبا الساعية إلى إقفال الأبواب، وبناء الأسيجة والجدران بوجه المهاجرين واللاجئين بما في ذلك على المستوى الأوروبي الجماعي.

وبداية، أعاد البابا إلى الأذهان أن الحضارة الأوروبية «ثمرة لقاءات تمتد عبر قرون، حتى إن لم تكن هذه اللقاءات سهلة دائماً»، في إشارة إلى الهجرات التي توافدت على أوروبا خلال العصور المنصرمة، حيث «ازدهرت وتقدمت عندما تمكنت من الاستفادة من أفضل جوانب ماضيها، وإعادة ابتكارها بطرق جديدة ومبدعة من خلال الانفتاح على الآخرين».

أما اليوم، فإن «أوروبا المعاصرة تواجه مرحلة جديدة من تاريخها الطويل من اللقاءات، مع وصول عدد كبير من الرجال والنساء إلى القارة، فراراً من ساحات الحرب والاضطهاد، أو بحثاً عن حياة أفضل بعيداً عن الفقر والبؤس». وإزاء المآسي المتلاحقة في المتوسط، رفع البابا الصوت ليدعو إلى التعامل مع اللاجئين والمهاجرين بطريقة «إنسانية» بما يحفظ كرامتهم الإنسانية مكرراً دعوته من أجل توفير «مسارات قانونية وآمنة» للهجرة، والتعاون الدولي لمكافحة الاتجار بالبشر، كذلك دعا القادة الأوروبيين إلى العمل على دمج المهاجرين الذين يصلون إلى القارة الأوروبية، وتوفير الفرص لهم كما لو كانوا أفراداً في العائلة نفسها. وخلال لقائه بمجموعة من المهاجرين في مؤسسة باريسية تعمل على استقبالهم، حض البابا على إدماج اللاجئين والمهاجرين في المجتمعات التي يحلون فيها ومنحهم فرصاً للانخراط. وإزاء الدعوات للانغلاق الحضاري في المجتمعات الأوروبية، فإن لاوون الرابع عشر ركز على الانفتاح والتعددية الثقافية رغم إشارته إلى الجذور المسيحية لأوروبا.

حقيقة الأمر أن بابا روما في وادٍ وما هو جارٍ في أوروبا في وادٍ آخر. ولا يصح ذلك فقط على ملف الهجرات؛ فالبابا ندد بالقوانين الجديدة في أوروبا التي تتيح الموت الرحيم معتبراً أن ذلك يمكن عدُّه «قانونياً ولكنه ليس أخلاقياً». كذلك ندد بزواج المثليين وبالإنجاب من خلال استعارة أحشاء أخريات، ولم يفته التحذير من فقدان الجوهر الإنساني، والعيش في ظل «جنة الآلات» واستبداد الذكاء الاصطناعي.


محكمة فرنسية تدين شركة «سويفت إير» بتهمة القتل الخطأ بعد سقوط طائرة في مالي

جندي فرنسي وصحافي ينظران إلى حطام طائرة الخطوط الجوية الجزائرية الرحلة AH 5017 المتناثرة في موقع التحطم في منطقة غوسي بمالي غرب مدينة غاو في 26 يوليو 2014 (أ.ف.ب)
جندي فرنسي وصحافي ينظران إلى حطام طائرة الخطوط الجوية الجزائرية الرحلة AH 5017 المتناثرة في موقع التحطم في منطقة غوسي بمالي غرب مدينة غاو في 26 يوليو 2014 (أ.ف.ب)
TT

محكمة فرنسية تدين شركة «سويفت إير» بتهمة القتل الخطأ بعد سقوط طائرة في مالي

جندي فرنسي وصحافي ينظران إلى حطام طائرة الخطوط الجوية الجزائرية الرحلة AH 5017 المتناثرة في موقع التحطم في منطقة غوسي بمالي غرب مدينة غاو في 26 يوليو 2014 (أ.ف.ب)
جندي فرنسي وصحافي ينظران إلى حطام طائرة الخطوط الجوية الجزائرية الرحلة AH 5017 المتناثرة في موقع التحطم في منطقة غوسي بمالي غرب مدينة غاو في 26 يوليو 2014 (أ.ف.ب)

أدانت محكمة باريس الجنائية، اليوم الاثنين، الشركة الإسبانية «سويفت إير» بتهمة القتل الخطأ المؤسسي، وذلك بعد سقوط طائرة تابعة للخطوط الجوية الجزائرية في 2014، ما أودى بحياة 116 شخصاً في شمال مالي، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

ونفت «سويفت إير» هذه التهم وحاولت وقف سير القضية بحجة أنه لا يمكن محاكمتها في فرنسا لأن محكمة إسبانية أسقطت القضية بالفعل.

ومع ذلك، أمر قاضٍ فرنسي الشركة بدفع الغرامة القصوى البالغة 225 ألف يورو بعد محاكمة استمرت ثلاثة أسابيع في وقت سابق هذا العام بشأن سقوط طائرة ركاب «إم.دي-83» مملوكة لشركة «سويفت إير».

ولم ترد «سويفت إير» بعد على طلب للتعليق اليوم. وأمام الشركة 10 أيام لاستئناف الحكم.

خبراء طب شرعي يجمعون الأدلة في موقع تحطم طائرة الخطوط الجوية الجزائرية AH5017 في منطقة غوسي بمالي في 29 يوليو 2014 (أ.ف.ب)

وسقطت رحلة الخطوط الجوية الجزائرية رقم «إيه.إتش5017» بعد أقل من ساعة من إقلاعها من واغادوغو، عاصمة بوركينا فاسو، ما أدى إلى مقتل جميع من كانوا على متنها ونصفهم تقريباً من الفرنسيين. وقال المحققون إن الطائرة خرجت عن السيطرة عندما اصطدمت بالجليد مع بقاء نظام مكافحة الجليد مغلقاً.

وقال الادعاء العام إن هناك إهمالاً في طريقة تدريب طياري «سويفت إير»، الذين كانوا يشغلون الرحلة نيابة عن الخطوط الجوية الجزائرية، على التعامل مع الظروف الجليدية وقراءات البيانات المتقلبة.

وأنحت «سويفت إير» باللائمة على أوجه القصور في اللوائح والأدلة الإرشادية.

ورفضت المحكمة في حكمها الصادر اليوم بعض حجج ممثلي الادعاء بشأن سوء التدريب، لكنها قالت إن الطيار لم يخضع لاختبار كفاءة مناسب، وإن الطاقم لم يقم بالعدد المطلوب من الرحلات التدريبية بعد فترة من التوقف عن العمل.