إتقان فن التعاون بين الذكاء الاصطناعي وبين الإنسان سيؤدي إلى الازدهار

تحويله من مجرد أداة… إلى شريك

إتقان فن التعاون بين الذكاء الاصطناعي وبين الإنسان سيؤدي إلى الازدهار
TT

إتقان فن التعاون بين الذكاء الاصطناعي وبين الإنسان سيؤدي إلى الازدهار

إتقان فن التعاون بين الذكاء الاصطناعي وبين الإنسان سيؤدي إلى الازدهار

هيمنت على النقاش الدائر حول الذكاء الاصطناعي في بيئة العمل فكرةٌ مبسطة مفادها أن الآلات ستحل حتماً محل البشر. إلا أن المؤسسات التي تحقق نتائج ملموسة بفضل الذكاء الاصطناعي قد تجاوزت هذا التصور تماماً. فهي تدرك أن أفضل تطبيقات الذكاء الاصطناعي لا تقوم على الاستبدال، بل على التعاون، كما كتب فيصل حقّ (*).

تتطور العلاقة بين الموظفين وأنظمة الذكاء الاصطناعي عبر مراحل متميزة، لكل منها خصائصها وفرصها ومخاطرها. لذا؛ فإن فهم موقع مؤسستك على هذا الطيف - وإلى أين تتجه - أمرٌ بالغ الأهمية للاستفادة من إمكانات الذكاء الاصطناعي وتجنب مخاطره.

المرحلة الأولى: الأدوات والأتمتة

هذه هي المرحلة التي تبدأ بها معظم المؤسسات. في هذه المرحلة، تؤدي أنظمة الذكاء الاصطناعي مهامَ روتينية محددة، بينما يحتفظ البشر بالسيطرة الكاملة وسلطة اتخاذ القرار. يعمل الذكاء الاصطناعي بشكل أساسي بوصفه أداةً لزيادة الإنتاجية، حيث يتولى مهام محددة بدقة وفق معايير واضحة.

تتعدد الأمثلة هنا: أنظمة تصنيف المستندات التي تفرز المراسلات الواردة تلقائياً، وبرامج الدردشة الآلية التي تجيب عن استفسارات العملاء المعتادة، والمساعدة في جدولة ترتيبات الاجتماعات، وأتمتة إدخال البيانات التي تستخرج المعلومات من النماذج.

السمة الرئيسية لهذه المرحلة هي أن الذكاء الاصطناعي يعمل ضمن حدود ضيقة. إذ يُدير البشر سير العمل العام ويتخذون جميع القرارات الجوهرية، بينما يتولى الذكاء الاصطناعي المهام الروتينية؛ ما يُتيح للبشر التفرغ لأعمال ذات قيمة أعلى.

الاعتبارات الأخلاقية الأساسية تتمثل في هذه المرحلة في ضمان الدقة ومنع الضرر الناجم عن العمليات الآلية. عندما يُوجّه نظام الذكاء الاصطناعي شكاوى العملاء تلقائياً أو يُشير إلى الطلبات للمراجعة، قد تؤثر الأخطاء على أشخاص حقيقيين. يجب على المؤسسات تطبيق ضوابط الجودة والمراقبة لاكتشاف الأخطاء قبل أن تُسبب ضرراً، لا سيما للفئات الأكثر عرضة للخطر التي قد تكون أقل قدرة على التعامل مع أخطاء النظام.

المرحلة الثانية: التعزيز وتقديم المشورة

مع ازدياد ثقة المؤسسات بأنظمة الذكاء الاصطناعي، فإنها عادةً ما تنتقل إلى نماذج لا يقتصر فيها الذكاء الاصطناعي على تنفيذ المهام فحسب، بل يُقدم أيضاً تحليلات وتوصيات تُسهم في اتخاذ القرارات البشرية.

تحليلات تنبؤية. في هذه المرحلة، قد تُحدد أدوات التحليلات التنبؤية أنماطاً ناشئة في سلوك العملاء؛ ما يُتيح استراتيجيات أعمال أكثر استباقية. قد تُحلل أنظمة تقييم المخاطر البيانات التاريخية لتحديد مشكلات الامتثال المحتملة. وقد تُشير التشخيصات المدعومة بالذكاء الاصطناعي إلى أسباب محتملة لأعطال المعدات أو أعراض المرضى.

يكمن الفرق الجوهري في أنه بينما يستطيع الذكاء الاصطناعي توليد رؤى لا يستطيع البشر التوصل إليها بمفردهم من خلال إيجاد أنماط في مجموعات بيانات ضخمة يصعب على أي شخص تحليلها، يبقى الحكم البشري هو المرجع النهائي لتفسير هذه الرؤى واتخاذ الإجراءات بناءً عليها.

مخاطر جديدة: هنا تبرز مخاطر جديدة. إذ يُصبح الاعتماد المفرط على توصيات الذكاء الاصطناعي خطراً حقيقياً. وقد يتسلل التحيز التأكيدي، حيث يقبل البشر بشكل انتقائي رؤى الذكاء الاصطناعي التي تتوافق مع آرائهم المسبقة، بينما يرفضون تلك التي تُشكك في افتراضاتهم.

يتطلب النهج المسؤول في هذه المرحلة من البشر فهم كيفية توصل الذكاء الاصطناعي إلى توصياته - ما هي البيانات التي دُرّب عليها، وما الذي قد يكون تغير منذ التدريب، وما إذا كان هناك أي سبب يدعو إلى الشك في وجود تحيز. وقد يكون الأمر إشكالياً بالقدر نفسه عندما يرفض البشر نصائح الذكاء الاصطناعي الجيدة لعدم فهمهم لها أو عدم ثقتهم بها، كما هو الحال عندما يقبلون النصائح السيئة دون تفكير.

المرحلة الثالثة: التعاون والشراكة

تمثل هذه المرحلة تحولاً أكثر جوهرية. إذ وبدلاً من وجود فصل واضح بين مهام الآلة وقرارات الإنسان، يعمل البشر والذكاء الاصطناعي كفريقين يتمتعان بقدرات متكاملة ومسؤولية مشتركة.

علاقة ديناميكية. تصبح العلاقة ديناميكية وتفاعلية. وهنا تتكيف أنظمة الذكاء الاصطناعي باستمرار بناءً على ملاحظات البشر، بينما يُعدّل البشر أساليبهم بناءً على الرؤى التي يُولدها الذكاء الاصطناعي. يتلاشى الحد الفاصل بين «عمل الذكاء الاصطناعي» و«عمل الإنسان».

لنأخذ على سبيل المثال سيناريوهات الاستجابة للطوارئ، حيث تعمل فرق بشرية جنباً إلى جنب مع أنظمة الذكاء الاصطناعي أثناء الأزمات. يراقب الذكاء الاصطناعي باستمرار تدفقات بيانات متعددة - أنماط الطقس، وحالة المرور، وتوافر الموارد، وبيانات الاستجابة السابقة - ويقترح تخصيص الموارد. ويقبل البشر هذه الاقتراحات أو يُعدّلونها أو يرفضونها بناءً على معرفة سياقية غير متاحة للنظام. يتعلم الذكاء الاصطناعي من هذه التدخلات البشرية؛ ما يُحسّن توصياته المستقبلية. يطور البشر حدساً حول متى يثقون بالذكاء الاصطناعي ومتى يعتمدون على حكمهم الخاص.

أهمية تحديد المسؤولية. هنا يصبح تحديد المسؤولية أمراً معقداً حقاً. عندما تنتج النتائج عن عمل مشترك بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، من يتحمل مسؤولية الأخطاء؟ إذا أوصى الذكاء الاصطناعي بمسار عمل، ووافق عليه إنسان، ثم ساءت الأمور، فإن مسألة تحديد المسؤولية ليست واضحة على الإطلاق.

تحتاج المؤسسات العاملة في هذه المرحلة إلى أطر حوكمة جديدة تحافظ على وضوح خطوط المساءلة البشرية مع تمكين شراكات مثمرة. يتجاوز هذا مجرد تحديد المسؤولية القانونية؛ فهو أساسي للحفاظ على الثقة، داخل المنظمة ومع أصحاب المصلحة الخارجيين.

المرحلة الرابعة: الإشراف والحوكمة

• وضع المعايير. يتضمن نموذج العلاقة الأكثر تطوراً قيام البشر بوضع المعايير، والإشراف، وإدارة الاستثناءات، بينما تتولى أنظمة الذكاء الاصطناعي العمليات الروتينية بشكل مستقل.

يمثل هذا تطوراً كبيراً عن المراحل السابقة. ينتقل دور البشر من التنفيذ المباشر للمهام أو اتخاذ القرارات إلى دور يركز على وضع الحدود، ومراقبة الأداء، والتدخل عند الضرورة.

قد يقوم نظام الذكاء الاصطناعي بمعالجة مطالبات التأمين بشكل مستقل وفقاً للسياسات المعمول بها، مع مراجعة البشر للحالات غير الاعتيادية فقط أو القرارات المختارة عشوائياً لضمان مراقبة الجودة. قد تُنفذ خوارزمية التداول المعاملات ضمن معايير محددة، مع قيام المشرفين البشريين بمراقبة أي شذوذ وتعديل القيود مع تغير ظروف السوق.

يمكن أن تكون مكاسب الكفاءة هائلة، ولكن المخاطر كذلك.

خطر «الرضا عن الأتمتة». يزداد هذا الخطر بشكل كبير في هذه المرحلة. فقد يفشل المشرفون البشريون في الحفاظ على اليقظة اللازمة تجاه أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تعمل عادةً بشكل صحيح. فعند الإشراف على نظام يتخذ القرار الصحيح بنسبة 99 في المائة من الوقت، يصبح من الصعب نفسياً البقاء متيقظاً للنسبة المتبقية (1 في المائة) من الحالات التي تتطلب تدخلاً. لذا؛ يجب على المؤسسات تطبيق آليات إشراف فعّالة تُبقي العنصر البشري منخرطاً بشكل هادف بدلاً من الاقتصار على دور إشرافي شكلي. وقد يُقدّم استخدام أسلوب اللعب في تحديد الأخطاء وتصحيحها مساراً قيّماً في هذا الصدد، من خلال إضافة طبقة من الأخطاء في لعبة لكشف المشرفين «النائمين» إلى أنظمة عالية الموثوقية، ونادراً ما تُخطئ.

التنقل بين مراحل التطور

لا تحتاج كل مؤسسة إلى المرور بالمراحل الأربع جميعها، ولا ينبغي أن تكون جميع وظائف المؤسسة في المرحلة نفسها. فالمستوى الأمثل للتعاون بين الإنسان والذكاء الاصطناعي يعتمد على المخاطر المترتبة، ونضج تقنية الذكاء الاصطناعي، وقدرة المؤسسة على الحوكمة.

تستدعي القرارات المصيرية - تلك التي تؤثر على حقوق الأفراد أو سلامتهم أو مصالحهم المالية المهمة - عموماً مشاركة بشرية أكبر من المهام الإدارية الروتينية، بينما تتطلب التطبيقات الجديدة للذكاء الاصطناعي- حيث لا تزال حدود هذه التقنية مفهومة جيداً بعد - إشرافاً بشرياً أدق من التطبيقات الراسخة ذات السجلات الحافلة بالإنجازات.

مبادئ عامة تنطبق على الجميع

وبغض النظر عن موقع مؤسستك على هذا الطيف، فإن هناك مبادئ عامة تنطبق على الجميع، تشمل:

• فهم قدرات الذكاء الاصطناعي وحدوده. في كل مرحلة، يتطلب التعاون الفعال وجود أفراد يفهمون، ليس فقط ما يمكن للذكاء الاصطناعي فعله، بل أيضاً مواطن قصوره المحتملة. ويزداد هذا الفهم أهميةً مع ازدياد استقلالية أنظمة الذكاء الاصطناعي.

• الحفاظ على مساءلة بشرية فعّالة. لا يتغير المبدأ الأساسي المتمثل في ضرورة بقاء البشر مسؤولين عن القرارات المصيرية مع تطور قدرات الذكاء الاصطناعي. ما يتغير هو كيفية هيكلة هذه المساءلة وممارستها.

• تصميم الأعمال لمواكبة التطور. العلاقة بين البشر وأنظمة الذكاء الاصطناعي ليست ثابتة. ينبغي للمؤسسات بناء أطر حوكمة قابلة للتكيف مع تطور قدرات الذكاء الاصطناعي، ومع ازدياد فهمها لكيفية عمل التعاون بين الإنسان والذكاء الاصطناعي في سياقها الخاص.

• الاستثمار في العنصر البشري. لا يُقدم نظام الذكاء الاصطناعي الأكثر تطوراً قيمةً تُذكر إذا لم يفهم البشر العاملون معه كيفية التعاون بفاعلية. يُعدّ التدريب والتطوير الثقافي والتصميم التنظيمي عناصر لا تقل أهمية عن التكنولوجيا نفسها.

لن تكون المؤسسات التي تزدهر في عصر الذكاء الاصطناعي هي تلك التي تكتفي بنشر أحدث الأنظمة، بل تلك التي تُتقن فنّ التعاون بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، أي التي تُدرك متى تعتمد على قدرات الذكاء الاصطناعي، ومتى تُفعّل الحكم البشري، وكيفية بناء شراكات تستفيد من نقاط القوة المُميزة لكليهما.

* مقتبس من كتاب «إعادة تصور الحكومة: تحقيق وعد الذكاء الاصطناعي» Reimagining Government: Achieving the Promise of AI، تأليف فيصل هوك، وإريك نيلسون، وتوم دافنبورت، وآخرون. دار نشر بوست هيل. سيصدر في يناير (كانون الثاني) 2026.

مجلة «فاست كومباني» - خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

أدوات الدردشة القائمة على الذكاء الاصطناعي تُقدّم نصائح طبية سيئة

تكنولوجيا دراسة تحذر من استخدام الذكاء الاصطناعي لتشخيص حالات صحية (رويترز)

أدوات الدردشة القائمة على الذكاء الاصطناعي تُقدّم نصائح طبية سيئة

أظهرت دراسة نُشرت الاثنين أن النصائح الطبية التي تسديها برامج الدردشة الآلية القائمة على الذكاء الاصطناعي للمستخدمين ليست جيدة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد الجلسة الختامية من مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة حيث تظهر غورغييفا وهي تتحدث إلى الحضور (الشرق الأوسط)

غورغييفا: الأسواق الناشئة أصبحت لاعباً مهماً في الناتج المحلي

قالت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، إن الأسواق الناشئة أصبحت لاعباً مهماً في الناتج المحلي.

«الشرق الأوسط» (العلا)
الاقتصاد حاويات مُكدّسة في ميناء كيلونغ بشمال تايوان (أرشيفية - رويترز)

صادرات تايوان في يناير تسجل أسرع نمو شهري منذ 16 عاماً

ارتفعت صادرات تايوان في يناير (كانون الثاني) بأكثر من المتوقع، مسجلة أسرع وتيرة نمو شهرية لها منذ 16 عاماً.

«الشرق الأوسط» (تايبيه )
الاقتصاد محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)

محافظ «المركزي السعودي»: عدم اليقين العالمي بات هيكلياً لـ4 أسباب رئيسية

قال محافظ البنك المركزي السعودي، أيمن السياري، إن حالة عدم اليقين العالمي الراهنة باتت تميل إلى أن تكون هيكلية أكثر من كونها ظرفية.

«الشرق الأوسط» (العلا)
الاقتصاد محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي متحدثاً في النسخة الثانية من «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة» (الشرق الأوسط)

محافظ بنك إنجلترا من العلا: الاقتصاد العالمي يتماسك رغم تصاعد المخاطر

قال محافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي، إن الاقتصاد العالمي أظهر مرونة لافتة خلال العام الماضي رغم حالة عدم اليقين الكبيرة المحيطة بالسياسات.

«الشرق الأوسط» (العلا)

بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
TT

بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)

أشارت دراسة حديثة لبيانات رادار خاصة بكوكب الزهرة حصلت عليها مركبة الفضاء ماجلان التابعة لإدارة الطيران والفضاء (ناسا) في تسعينات القرن الماضي إلى وجود تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية. وهذه أول ظاهرة تحت السطح تُكتشف على الكوكب المجاور للأرض.

ووفقاً لـ«رويترز»، قال الباحثون إن بيانات الرادار تتوافق مع سمة جيولوجية تسمى أنبوب الحمم البركانية الموجود في بعض المواقع البركانية ‌على الأرض. وتوجد أنابيب ‌الحمم البركانية أيضاً على ‌القمر ⁠ويُعتقد أنها موجودة ‌على المريخ.

وتغطي سطح الزهرة سحب سامة كثيفة تجعل من الصعب سبر أغواره، لكن الرادار يمكنه اختراق السحب.

وافترض العلماء وجود أنابيب الحمم البركانية على كوكب الزهرة بالنظر إلى تاريخه البركاني.

وقال لورينتسو بروتسوني عالم الرادار والكواكب في جامعة ترينتو بإيطاليا والمعد الرئيسي للدراسة ⁠المنشورة اليوم في دورية «نيتشر كوميونيكيشنز» العلمية: «يمثل الانتقال من ‌النظرية إلى الملاحظة المباشرة خطوة كبيرة إلى الأمام، ويفتح الباب أمام اتجاهات جديدة للبحث، ويوفر معلومات مهمة للمهام المستقبلية التي تهدف إلى استكشاف الكوكب».

وحلل الباحثون البيانات التي تسنى الحصول عليها بواسطة رادار الفتحة التركيبية، وهو جهاز استشعار عن بعد تابع للمركبة ماجلان، بين عامي 1990 و1992 في مواقع تحمل علامات انهيارات سطحية موضعية تشير إلى وجود ⁠أنابيب حمم بركانية تحتها. واستخدموا منهج تحليل بيانات مطورة حديثاً تهدف إلى تحديد التجاويف تحت السطح مثل أنابيب الحمم البركانية.

ولم يحظ كوكب الزهرة باهتمام علمي كبير مقارنة بالمريخ، لكنّ هناك بعثتين مهمتين على وشك الانطلاق، وهما «إنفجن» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية و«فيريتا» التابعة لناسا.

وستحمل كلتا المركبتين الفضائيتين أنظمة رادار متطورة قادرة على التقاط صور عالية الدقة. وستحمل «إنفجن» راداراً مدارياً قادراً على اختراق السطح ‌وعلى استكشاف باطن كوكب الزهرة إلى عمق عدة مئات من الأمتار.


أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها
TT

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها

مع كل قفزة يحققها الذكاء الاصطناعي في الطب، يتسلّل إلى الوعي الجمعي شعور مريح بالاطمئنان: أن هذه الخوارزميات لا «تحتفظ» ببيانات المرضى، بل تتعلّم منها ثم تمضي، كما يفعل الطبيب حين يستخلص الخبرة دون أن يحمل أسرار مرضاه معه.

غير أن هذا الاطمئنان، الذي بدا طويلاً بديهياً، بدأ يتآكل بهدوء داخل المختبرات البحثية الغربية، مع ظهور دراسات حديثة أعادت فتح سؤال كان يُفضَّل تأجيله: ماذا لو كان الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بالتعلّم من البيانات، بل يحتفظ ببعضها في ذاكرته الخفية؟ وماذا لو تحوَّل هذا التذكُّر، غير المقصود، إلى خطر صامت لا يُرى في الاستخدام اليومي، لكنه يظهر حين لا ينبغي له أن يظهر؟

تفكيك السر قبل تفكيكه

الذاكرة الخفية

في مطلع عام 2026، كشف فريق بحثي من معهد ماساتشوستس للتقنية، عبر معهد جميل للذكاء الاصطناعي في الصحة، عن دراسة علمية دقيقة أعادت فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في الطب الرقمي: قدرة النماذج الطبية الذكية على الاحتفاظ غير المقصود بجزء من البيانات التي تتدرَّب عليها. ولا تشكك الدراسة في القيمة السريرية المتزايدة للذكاء الاصطناعي، ولا تقلّل من دوره في تحسين التشخيص ودعم القرار الطبي، لكنها تلفت الانتباه إلى أثر جانبي خفيّ قد يتنامى بصمت كلما اتّسع نطاق استخدام هذه النماذج داخل البيئات السريرية. فمع تعاظم حجم البيانات وتعقيد الخوارزميات، قد يتحوَّل ما يُفترض أنه «تعلّم آمن» إلى شكل من أشكال الذاكرة الرقمية غير المرئية، بما يحمله ذلك من تبعات أخلاقية وتنظيمية لم تُحسم بعد.

* متى يتحوَّل التعلّم إلى تذكّر؟ صُمِّمت النماذج الذكية، من حيث المبدأ، لاستخلاص الأنماط العامة من البيانات الصحية، لا للاحتفاظ بتفاصيل تعود إلى أفراد بعينهم. فهي تتعلَّم الاتجاهات، لا القصص الشخصية، وتستنتج العلاقات، لا السجلات الفردية. غير أن هذا الفصل النظري بين التعلُّم والتخزين يبدأ في التآكل مع تضخُّم أحجام النماذج وزيادة عمقها الحسابي، ومع تغذيتها بملايين السجلات الصحية الإلكترونية المتشابكة.

وفي هذه المرحلة، لا تعود الحدود واضحة تماماً، خصوصاً عندما تُختبر النماذج عبر استفسارات دقيقة ومتكررة قد تدفعها - من دون قصد - إلى استدعاء تفاصيل جزئية من بيانات حقيقية، فتتحوّل القدرة على التعلّم، في بعض الحالات، إلى شكل من أشكال التذكّر غير المرئي.

* خصوصية طبية لا تحتمل التساهل. تختلف البيانات الطبية جذرياً عن سائر أشكال البيانات الرقمية، لأنها لا تتعلَّق بعادات الاستهلاك أو أنماط التصفُّح، بل تمسُّ الجسد والهوية والصحة والكرامة الإنسانية. فهي تحمل في طياتها قصص المرض والألم والهشاشة، وقد تترتَّب على تسريبها أو إساءة استخدامها تبعات اجتماعية وقانونية ونفسية طويلة الأمد. لذلك، فإن أي خلل في التعامل مع هذه البيانات لا يمكن اختزاله في خطأ تقني عابر أو ثغرة برمجية مؤقتة، بل يجب النظر إليه بوصفه احتمالاً حقيقياً لإلحاق أذى إنساني مباشر، يطال المريض قبل النظام، والثقة قبل التقنية

الطبيب امام عقل رقمي

مفارقة الذكاء المتقدّم

تسلّط الدراسة الضوء على مفارقة علمية دقيقة في صميم تطوّر الذكاء الاصطناعي الطبي: فالنماذج الأكثر تقدّماً، والأعلى دقة في التنبؤ والتحليل، هي نفسها الأكثر عرضة للاحتفاظ بتفاصيل فردية من البيانات التي تتدرّب عليها. فالسعة الحسابية الهائلة، وعمق البنية الخوارزمية، وهما مصدر قوة هذه النماذج، قد يتحوّلان في الوقت ذاته إلى نقطة ضعف خفية، تجعلها أقل قدرة على «النسيان». وهكذا، يصبح التقدّم التقني ذاته سيفاً ذا حدّين، يرفع كفاءة التشخيص من جهة، ويضاعف التحديات الأخلاقية المرتبطة بالخصوصية من جهة أخرى.

* بين الحلّ التقني والمسؤولية الأخلاقية. يقترح الباحثون بالفعل حلولاً تقنية متقدمة تهدف إلى الحدّ من قابلية النماذج الذكية على الاحتفاظ بتفاصيل فردية، من خلال أساليب تدريب أكثر حذراً وآليات إخفاء للبيانات الحساسة. غير أن الدراسة تؤكد بوضوح أن التقنية وحدها لا تكفي لحل الإشكال. فالمسألة في جوهرها ليست حسابية فحسب، بل أخلاقية وتنظيمية بامتياز، وتتطلب أطر مساءلة واضحة تحدد من يتحمّل المسؤولية عند الخطأ، وكيف تُدار المخاطر قبل وقوعها لا بعدها. وفي غياب هذا الإطار، قد يتحوَّل الذكاء الاصطناعي من أداة دعم سريري إلى منطقة رمادية تُختبر فيها الحدود دون مرجع أخلاقي ثابت.

* اتساع الاستخدام واتساع المخاطر. مع توسُّع استخدام الذكاء الاصطناعي في أنظمة سحابية ومنصات صحية رقمية عابرة للحدود، لم تعد البيانات الطبية محصورة داخل جدران مستشفى أو خوادم محلية يمكن التحكم بها بسهولة. بل أصبحت تتنقّل بين بيئات تقنية متعددة، تخضع لتشريعات مختلفة، وتدار أحياناً من جهات لا ترى المريض ولا تتحمَّل مسؤوليته المباشرة. وفي هذا السياق، تتسع دائرة المخاطر المحتملة بقدر اتساع دائرة الاستخدام، ويزداد السؤال إلحاحاً حول الجهة التي تتحمّل المسؤولية عند حدوث انتهاك غير مقصود للخصوصية: هل هي المؤسسة الصحية التي استخدمت النظام، أم الجهة المطوّرة للخوارزمية، أم المنصة السحابية التي تستضيف البيانات؟ هذا الغموض في تحديد المسؤولية لا يقل خطورة عن الخلل التقني ذاته، لأنه يترك المريض في منطقة رمادية، بلا حماية واضحة ولا مساءلة محددة.

* ذكاء يعرف متى يصمت. لا يدعو هذا البحث إلى التراجع عن الذكاء الاصطناعي في الطب، ولا إلى كبح قدراته أو التشكيك في جدواه، بل إلى نضجه. فالنضج هنا لا يعني مزيداً من المعرفة أو سرعةً أعلى في التحليل، بل قدرة واعية على احترام الحدود.

أن نعلّم الخوارزميات كيف تستنتج وتربط وتنبّه، نعم، لكن أيضاً كيف تنسى، ومتى تتوقف عن الاستدعاء، وما الذي لا يجوز لها الاحتفاظ به أصلاً. ففي الطب، كما في الأخلاق، لا تُقاس الحكمة بكمّ ما يُقال، بل بوعي ما ينبغي أن يبقى صامتاً.

يعيد هذا البحث إحياء مبدأ طبي قديم بلغة رقمية معاصرة: أولاً- لا تُلحق ضرراً. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته التحليلية، يظل أداة تحتاج إلى ضبط ومساءلة، لا عقلاً يُترك بلا حدود. نعم، قد يغيّر مستقبل الطب ويمنحه دقة غير مسبوقة، لكنه لا ينبغي أن يُعفى من المحاسبة، ولا أن يُطلق بذاكرة مفتوحة في عالم شديد الفضول وسريع الاستغلال.

وحتى إشعار آخر، سيبقى القرار الطبي الحقيقي قراراً إنسانياً في جوهره، تُعينه الخوارزميات على الرؤية... لكنها لا تحفظه عن ظهر قلب.


كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
TT

كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم

كشف علماء في جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة عن استراتيجية مفاجئة تستخدمها الخلايا السرطانية للانتشار؛ إذ ظهر أنها تقوم بسرقة الميتوكوندريا وهي «محطات الطاقة» داخل الخلايا، من الخلايا المناعية. وتُضعف هذه السرقة دفاعات الجهاز المناعي وتساعد الأورام على الانتقال إلى العقد اللمفاوية وهي خطوة مبكرة ومهمة في تطور السرطان.

وتُعدّ العقد اللمفاوية مراكز رئيسية للنشاط المناعي؛ إذ تحتوي على أعداد كبيرة من الخلايا التي تعمل عادةً على اكتشاف الخلايا السرطانية والقضاء عليها. لكنها في الوقت نفسه تُعدّ من أكثر الأماكن التي تنتقل إليها الخلايا السرطانية في المراحل الأولى من انتشار المرض. وحتى الآن لم يكن مفهوماً بشكل كامل كيف تتمكن الخلايا السرطانية من البقاء والنمو في بيئة غنية بالخلايا المناعية.

الاستحواذ على العقد اللمفاوية

• من ساحة مواجهة إلى بوابة الانتشار. تُظهر الدراسة الجديدة المنشورة في مجلة Cell Metabolism في 12 يناير (كانون الثاني) 2026، أن الخلايا السرطانية قادرة على نقل الميتوكوندريا مباشرةً من الخلايا المناعية، إليها. والميتوكوندريا مسؤولة عن إنتاج الطاقة وتنظيم بقاء الخلية. ومن خلال الاستيلاء عليها تكتسب الخلايا السرطانية مزايا تساعدها على النمو والحركة بينما تصبح الخلايا المناعية أضعف وأقل كفاءة.

ودرس فريق البحث بقيادة ديريك أوكوان دودو من قسم علم الأمراض ومعهد ستانفورد للسرطان جامعة ستانفورد الولايات المتحدة الأميركية عدة أنواع من السرطان منها سرطان القولون والثدي والميلانوما (سرطان الخلايا الصبغية في الجلد) باستخدام نماذج فئران. وقد وُسِمت الميتوكوندريا (أي تم تعليمها بعلامة يمكن تتبّعها) بعلامات خاصة لتتبع حركتها بين الخلايا. وباستخدام تقنيات تصوير متقدمة وأدوات وراثية لاحظ الباحثون انتقال الميتوكوندريا من الخلايا المناعية إلى الخلايا السرطانية سواء في موقع الورم الأصلي أو - وبنسبة أكبر - في العقد اللمفاوية القريبة.

وتبيّن أن هذا الانتقال يتطلب تلامساً مباشراً بين الخلايا المناعية والخلايا السرطانية، ويزداد حدوثه في ظروف الضغط الخلوي مثل نقص الأكسجين أو الالتهاب وهي ظروف شائعة داخل الأورام.

• تأثيرات ضارة. وكان لهذه العملية تأثيران رئيسيان:

- أولاً: الخلايا المناعية التي فقدت ميتوكوندريا أصبحت أقل فاعلية. فقد أظهرت خلايا مناعية مهمة مثل الخلايا التائية والخلايا القاتلة الطبيعية قدرة أضعف على التعرّف على الخلايا السرطانية وقتلها. كما تراجعت قدرتها على عرض الإشارات المناعية وإطلاق استجابة قوية ضد الورم ما أدى إلى ضعف الرقابة المناعية.

- ثانياً: الخلايا السرطانية التي حصلت على ميتوكوندريا من الخلايا المناعية فعّلت مسارات داخلية تساعدها على الإفلات من الجهاز المناعي. ومن أبرز هذه المسارات مسار cGAS -STING إلى جانب إشارات الإنترفيرون من النوع الأول. وعلى الرغم من أن هذه المسارات تُعدّ عادةً جزءاً من الدفاع المناعي فإنها في هذه الحالة ساعدت الخلايا السرطانية على البقاء والتخفي من المناعة والاستقرار داخل العقد اللمفاوية.

تحليل بيانات السرطان

• هروب الخلايا السرطانية من الجهاز المناعي. كما وجد الباحثون أن تسرّب الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا داخل الخلايا السرطانية بعد انتقالها، يلعب دوراً في تنشيط هذه المسارات. وعند منع انتقال الميتوكوندريا أو تثبيط مسارات STING - cGAS أو إشارات الإنترفيرون انخفض انتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية في النماذج التجريبية.

ومسار cGAS-STING هو نظام إنذار داخلي في الخلية. فعندما يظهر الحمض النووي «دي إن إيه» في مكان غير طبيعي داخل الخلية، مثلاً خارج النواة، تلتقطه أداة استشعار اسمها cGAS. وهذا الاستشعار يفعّل بروتيناً آخر يُدعى STING الذي يرسل إشارة طوارئ داخل الخلية. ونتيجة لهذه الإشارة يتم تشغيل الإنترفيرون من النوع الأول وهي مواد تحفّز الاستجابة المناعية. ويتم تنشيط جينات دفاعية تساعد الجسم على مقاومة العدوى أو الخلايا غير الطبيعية مثل الخلايا السرطانية.

وفي بعض أنواع السرطان تستغل الخلايا الورمية هذا المسار بذكاء فتُفعّله بطريقة تساعدها على الهروب من المناعة والانتشار بدل القضاء عليها.

وللتأكد من أهمية هذه النتائج لدى البشر، حلّل العلماء أيضاً بيانات من مرضى السرطان. وبيّنت التحليلات أن الأورام التي تحمل مؤشرات أعلى على انتقال الميتوكوندريا كانت أكثر ارتباطاً بانتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية وتنشيط المسارات المناعية نفسها التي لوحظت في المختبر.

• آفاق علاجية. تُسلّط هذه الدراسة الضوء على انتقال الميتوكوندريا بوصفه آلية غير متوقعة تستخدمها الخلايا السرطانية للتلاعب ببيئتها. فمن خلال إضعاف الخلايا المناعية بحرمانها من مصادر الطاقة ثم استخدام هذه المكونات نفسها لتفعيل برامج تساعدها على الهروب والانتشار تحقق الخلايا السرطانية فائدة مزدوجة.

ويشير الباحثون إلى أن استهداف «سرقة» الميتوكوندريا هذه، أو المسارات الإشارية التي تنتج عنها قد يفتح آفاقاً جديدة لعلاج السرطان. فالحد من انتقال السرطان إلى العقد اللمفاوية قد يساهم في إبطاء تطور المرض وتحسين فرص العلاج.

ورغم الحاجة إلى مزيد من الأبحاث قبل تحويل هذه النتائج إلى علاجات فعلية فإن هذا الاكتشاف يضيف فهماً جديداً ومعمقاً للتفاعل المعقد بين الأورام والجهاز المناعي ويكشف طريقة أخرى تستغل بها الخلايا السرطانية دفاعات الجسم لصالحها.