«الملك فولتير» في مواجهة «ملك الشمس» لويس الرابع عشر

الفكر يسبق السياسة ويعلو عليها وليس العكس

«الملك فولتير» في مواجهة «ملك الشمس» لويس الرابع عشر
TT

«الملك فولتير» في مواجهة «ملك الشمس» لويس الرابع عشر

«الملك فولتير» في مواجهة «ملك الشمس» لويس الرابع عشر

عندما تطبِق الظُلمة الظلماء على أمة من الأمم في لحظة ما من لحظات تاريخها، فإنه لا يعود في الساحة إلا فلاسفة الدرجة الأولى لكي يضيئوا لها الطريق. ولكنهم عندئذ قد يخاطرون بأنفسهم ويدفعون الثمن باهظاً. عندما شعر أرسطو بالخطر يقترب من رقبته أكثر مما يجب قال هذه العبارة البليغة: «لن أدعهم يرتكبون جريمة أخرى ضد الفلسفة. يكفي أنهم قتلوا سقراط». ثم غادر أثينا مسرعاً تحت جنح الظلام. ومعلوم أن سقراط كان بإمكانه أن ينجو بجلده لو أراد. ولكنه رفض الهرب في آخر لحظة على الرغم من إلحاح تلامذته وأصدقائه الشديد عليه. لقد توسلوا إليه وبكوا على ركبتيه وكانوا جاهزين لتهريبه بكل سهولة ولكنه رفض بإصرار. وفضل بذلك أن يواجه مصيره المحتوم ويتجرع السم الزعاف. وكان بذلك أول شهيد في تاريخ الفلسفة ولكنه لن يكون الأخير. وذلك لأن تهديد المثقفين، بل واغتيالهم على مدار العصور أمر شائع لدى مختلف الأمم والشعوب. بل إنهم المستهدف الأول بالاغتيال حتى قبل رؤساء الدول وقادة الجيوش. لماذا؟ لأن جيوش الفكر أخطر على الظلاميين والرجعيين بكثير. فالتغيير الحقيقي وتبديد حلكات الظلام يتم أول ما يتم على أيدي الفلاسفة والمثقفين الكبار. في البدء كانت الكلمة. الكلمة أخطر من الرصاصة. بعدئذ يأتي الفعل والتغيير العملي. الفكر يسبق السياسة ويعلو عليها وليس العكس. ولكن الفكر بهذا المعنى نادر جداً على عكس ما نتصور. كم هو عدد الفلاسفة الذين غيروا وجه التاريخ البشري؟ يعدون على أصابع اليد الواحدة أو اليدين. بعد الثلاثي سقراط وأفلاطون وأرسطو نقفز قفزة كبرى ألفي سنة لكي نصل إلى ديكارت، وسبينوزا، ولايبنتز، وكانط، وهيغل، ونيتشه وهيدغر... ولكن هل يمكن أن ننسى فولتير، وجان جاك روسو وديدرو الذين تصدوا للظلامية الكاثوليكية بكل قوة؟ بالطبع لا. هذا ما يشرحه لنا أستاذ جامعة بروكسل البروفسور ريمون تروسون في كتابه الضخم عن فولتير (798 صفحة من القطع الكبير). على أي حال، هناك شيء لافت للانتباه هو أنه كلما ازدادت حلكة الظلام اسوداداً اقترب موعد الفجر. كلما احتدت واحتدمت انبجس الفكر المنقذ كفلق الصبح. ما أجمل تلك اللحظة. اشتدي أزمة تنفرجي.

ولكن الشيء الملاحظ أيضاً هو أن التغيير الفكري أصعب أنواع التغيير. إنه أصعب من التغيير المادي. وذلك لأنه يصطدم بعقليات قديمة راسخة منذ مئات السنين رسوخ الجبال. من يستطيع أن يقاوم الشيوخ التقليديين المهيمنين على عقول عامة الشعب؟ من يستطيع أن ينتزع الشعب من براثنهم؟ ولكن التغيير الفكري هو الذي يمهد للتغيير المادي المبتغى. دونه لا تغيير سياسياً حقيقياً ولا من يحزنون. ولذلك قال فلاسفة الأنوار في أوروبا ما فحواه: «شعارنا المقبل هو تغيير الفكر والعقليات أولاً». ينبغي تهذيب الجنس البشري وتنويره وتثقيفه وتخليصه من براثن الطائفية والطائفيين. وبعدئذ يصبح كل شيء ممكناً. بعدئذ يجيء التغيير السياسي تحصيل حاصل. يقول لنا ريمون تروسون ما يلي: «كان هناك ملك جبار في القرن السابع عشر هو لويس الرابع عشر. إنه الملقب بـ(الملك الشمس) باني قصر فرساي العظيم. وكان هناك شخص آخر يتربع على عرش الفكر والآداب الفرنسية في القرن الثامن عشر هو: الملك فولتير. وملك الفكر لم يكن يقل أهمية عن ملك السياسة إن لم يزد». ثم يضيف أستاذ جامعة بروكسل الحرة قائلاً: لا تعتقدوا أن زعيم الأنوار الفرنسية كان ملحداً كارهاً للدين في المطلق. انزعوا من أذهانكم هذه الصورة الخاطئة التي شاعت عنه. لقد كان مؤمناً كل الإيمان بالله والقيم المثالية والأخلاقية العليا للدين. وكان يقول حرفياً لا مخلوق من دون خالق، ولا مصنوع من دون صانع. ولكنه لم يكن مؤمناً على طريقة المتعصبين الطائفيين. كان فولتير يفرق بين شيئين لا يستطيع الشعب الفقير الأمي الجاهل أن يفرق بينهما: الدين/ والطائفية. ولكن معظم الناس بمن فيهم عديد المثقفين لا يستطيعون التفريق بينهما. إنهم يعتقدون أنهما شيء واحد. وعن هذا الاعتقاد الخاطئ تنتج المشاكل والمجازر. فالدين في سموه وعلوه وتعاليه غير الطائفية الضيقة المنغلقة على ذاتها داخل جدران التعصب الفئوي الأعمى. وللتعصب حلاوة في القلب لا تعادلها حلاوة. وبما أن المسيحية في عصره كانت لا تزال أصولية متطرفة، فإن الأكثرية الكاثوليكية كانت تضطهد الأقلية البروتستانتية وتكفرها وتبيح إبادتها شرعاً. كان يبرر ذلك شخص لاهوتي كهنوتي خطير يدعى جاك بوسويه (1627 - 1704). وهو أكبر أصولي فرنسي في ذلك العصر وربما في كل العصور. وكان خطيباً مصقعاً لا يشق له غبار. حتى لويس الرابع عشر كان يخشاه أشد الخشية ويحسب له ألف حساب. وقد هيج الملك على البروتستانتيين في خطبة نارية قائلاً له ما فحواه: «هؤلاء البروتستانتيون الزنادقة لا مكان لهم على أرض المملكة الكاثوليكية الطاهرة. فإما أن يتخلوا عن مذهبهم وعقائدهم الخاطئة ويعتنقوا المذهب الكاثوليكي فوراً، وإما أن يبادوا عن بكرة أبيهم. فالمذهب الكاثوليكي البابوي الروماني هو وحده الفرقة الناجية في المسيحية. وهو وحده المذهب الصحيح المرضي عنه عند الله. وكل ما عداه كفر وهرطقة وخروج على شرع الله. المسيحي الحقيقي الشرعي لا يمكن أن يكون إلا أكثرياً كاثوليكياً» (بين قوسين: نقول ذلك على الرغم من أن الأقلية البروتستانتية كانت هي الأقرب إلى المفهوم العقلاني والحداثي المتسامح للدين وأن الأغلبية الكاثوليكية كانت هي الأقرب إلى المفهوم التكفيري الرجعي الشديد التعصب والعدوانية. ولكن الحق دائماً مع الأقوى. كان ذلك عصر الظلمات الفرنسية...). ينبغي العلم أن الشعب الفرنسي كان كاثوليكياً بنسبة 80 في المائة والباقي أقليات بروتستانتية. وقد نفذ الملك الجبار كلامه حرفياً واجتاح المناطق البروتستانتية وحصلت أكبر حرب أهلية في تاريخ فرنسا. ولا يزال الفرنسيون يخجلون بها ويتأسفون عليها ويعتذرون عنها حتى اللحظة. في ذلك الوقت لم يكن هناك رأي عام دولي يحمي سكان الأقليات ويمنع المتطرفين من الاختلاء بهم وإعمال المجازر فيهم... نحن في القرن السابع عشر لا في القرن الحادي والعشرين.

هذا التعصب الأصولي التكفيري الأعمى هو الذي نهض فولتير ضده بكل قوة وحاربه طيلة حياته كلها. كانت تلك هي قضيته المركزية الأولى التي لا قضية بعدها أو قبلها. قضية التنوير كانت أعز عليه من روحه. نقول ذلك على الرغم من أنه كان أكثرياً كاثوليكياً مثل جاك بوسويه ولا يعاني عقدة الاضطهاد على عكس مثقفي الأقليات. وهنا تكمن عظمته. فلا شيء كان يجبره على محاربة أساطين مذهبه وطائفته القوية الجبارة المعتدة بعددها وعديدها. لا شيء كان يجبره على التصدي لهم وبخاصة أنهم كانوا قادرين على اغتياله بكل سهولة. يكفي أن يرسلوا إليه أحد الجهلة المهووسين بالتعصب لكي يرديه قتيلاً. ولهذا السبب كان يتخفى عن الأنظار لبعض الوقت عندما تحمّر عليه الأعين أكثر مما يجب. كان «ينزل تحت الأرض» كما يقال ثم سرعان ما يعود إلى السطح بعد شهرين أو ثلاثة لكي يناوشهم مجدداً ويواصل المعركة ضدهم. ولا شيء كان يجبره على الدفاع عن الأقليات اللهم إلا ضميره الأخلاقي بصفته مثقفاً عالمياً يكره الطائفية والطائفيين. لهذا السبب ظل اسمه لامعاً على صفحة التاريخ. وذلك لأنهم حتى في الصين، حتى في الهند واليابان، يعرفون من هو فولتير هذا، ناهيك عن العالم العربي. إنه لشيء ممتع أن يغطس المرء في كتاب البروفسور ريمون تروسون الضخم هذا. نقول ذلك وبخاصة أنه مكتوب بأسلوب ناصع وتبحر علمي مكين. فهو من أعظم الأكاديميين المتبحرين في العلم. أنا شخصياً أغطس فيه بكل استمتاع في نهايات هذا العام المنصرم. كما وأغطس في كتبه الأخرى لأنه مختص كلياً بفلسفة الأنوار في القرن الثامن عشر. لماذا أركز كل هذا التركيز على تلك الفترة من تاريخ أوروبا؟ لأني أعتقد أن العالم العربي يعيش في ذلك الحز الفاصل بين العصور الوسطى والعصور الحديثة. إنه يعيش في عصر فولتير لا في عصر سارتر، وفوكو وبورديو وبقية مثقفي فرنسا الحاليين، حيث اختفت المشكلة الطائفية نهائياً. فلم يعد هناك كاثوليكي واحد يحقد على بروتستانتي أو العكس. هذه هي بعض جوانب المعركة الكبرى التي يشرحها لنا البروفسور ريمون تروسون بكل تمكن واقتدار. نسيت أن أقول إن كتابه الآخر عن جان جاك روسو يشمل ثلاثة مجلدات كبرى. مئات الصفحات، آلاف الصفحات، كنز الكنوز.


مقالات ذات صلة

الدخول في المتاهة العراقية قبل الفتح العربي ــ الإسلامي

ثقافة وفنون الدخول في المتاهة العراقية قبل الفتح العربي ــ الإسلامي

الدخول في المتاهة العراقية قبل الفتح العربي ــ الإسلامي

أثارت الكتب الثلاثة التي ألفها المؤرخ البريطاني فيليب وود عن سوريا والعراق في نفسي، ذلك السؤال الذي ظل غائباً عن الذهن طويلاً: ماذا جرى للعراق بعد سقوط بابل…

لؤي عبد الإله
ثقافة وفنون «مدينة الذباب»... البحث عن عالم مغاير

«مدينة الذباب»... البحث عن عالم مغاير

لا تؤسِس رواية «في مدينة الذباب» (دار الشروق - القاهرة) للكاتب والروائي المصري أحمد عبد المنعم رمضان عالمها على الديستوبيا وحدها،

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون ميخائيل رومان... دون كيشوت المسرح المصري

ميخائيل رومان... دون كيشوت المسرح المصري

يقدم عامر درويش الخطيب، في كتابه «البطل الدرامي عند ميخائيل رومان»، دراسة عن تطور شخصية البطل الدرامي في كتابات رومان المسرحية، عبر نموجين من أعماله.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
ثقافة وفنون فيليب وود

وود: الحكم الإسلامي في مناطق الرومان كان فترة تطور ثقافي

قد يفاجأ من يلتقي بالباحث في الكتابات التاريخية، فيليب وود، بصغر سنه، خصوصاً إذا كان اطّلع على قائمة ما أنجزه من كتب، وأوراق بحثية، وقيادته لعدد من مشاريع البحث

لؤي عبد الإله
ثقافة وفنون جانب من لقاء ثقافي في الرياض

المرجعية الجغرافية والتاريخية للأدب الخليجي

يُعد الأدب أحد أهم العوامل الثقافية التي تحفظ ذاكرة المجتمعات وتوثق تحولات الإنسان في المكان والزمان

د. فهد توفيق الهندال

الدخول في المتاهة العراقية قبل الفتح العربي ــ الإسلامي

الدخول في المتاهة العراقية قبل الفتح العربي ــ الإسلامي
TT

الدخول في المتاهة العراقية قبل الفتح العربي ــ الإسلامي

الدخول في المتاهة العراقية قبل الفتح العربي ــ الإسلامي

أثارت الكتب الثلاثة التي ألفها المؤرخ البريطاني فيليب وود عن سوريا والعراق في نفسي، ذلك السؤال الذي ظل غائباً عن الذهن طويلاً: ماذا جرى للعراق بعد سقوط بابل على يد الإمبراطور الأخميني، قورش الكبير، عام 539 ق.م. حتى الفتح العربي - الإسلامي عام 637؟

أسأل الأستاذ فيليب: هل هناك صورة واضحة عن التنوع الإثني للعراق خلال تلك الفترة الممتدة لأكثر من ألف سنة، عدا عن كون اللغة التي سادت آنذاك هي الآرامية؟

يجيب: «أنا مهتم جداً بمعرفة الهوية الإثنية أو الدينية في ذلك الوقت، وهذا لأن الحكام الساسانيين أو المسلمين الذين أعقبوهم، لم يكونوا مهتمين بذلك الجانب».

على ضوء ذلك، يرى وود أن الدولة العراقية الحديثة (خصوصاً خلال حكم صدام حسين) كان لديها حرص على اعتبار أن العراقيين كانوا جميعاً عرباً، وهذا مخالف للواقع. «على سبيل المثال، أنت تجد أهل الحلة يتكلمون العربية القريبة للجماعات البدوية، ولكن ذلك لا ينطبق على سائر العراق، فكما تعلم أن العربية العراقية هي نفسها متنوعة داخلياً، فالعربية التي يتكلمها المسيحيون واليهود في بغداد خلال الخمسينات من القرن الماضي، كانت أقرب إلى العربية السائدة في الموصل منها إلى العربية التي يتكلم بها البغداديون المسلمون... لذلك فإن العراق كما أرى، كان متعدد الإثنيات والديانات بشكل يجعل من الصعب اليوم استكشافه... هناك بعض منها له أصواته، بينما ربما مجموعات دينية محلية كثيرة أصبحت منقرضة، بحيث أصبحت غير سهلة علينا الكتابة عنها».

ولعل الحالة مماثلة، أو أكثر قليلاً، مع اللغة الآرامية السائدة في العراق عشية الفتح العربي - الإسلامي.

تعلم اللغات المحلية

يجرنا الحديث إلى مشوار تعلمه اللغة العربية. أسأله: ما الذي دفعك إلى تعلم لغة معقدة كلغتنا؟ فكأن السؤال أثار ذكريات محببة إلى نفسه قضاها في دمشق.

خلال فترة الزمالة الدراسية التي حصل عليها لما يعرف بـ«ما بعد الدكتوراه»، تبلورت في نفسه قناعة بأنه سيحتاج إلى تعلم العربية جنباً إلى جنب مع السريانية (التي هي واحدة من لهجات اللغة الآرامية)، وإذا كان فيليب قد تعلم قسطاً مهماً من الأخيرة خلال سنوات دراسته للدكتوراه، فإنه شعر وهو يشاهد المصادر الكثيرة المترجمة عن العربية في مكتبة الكلية التي انتسب إليها خلال تلك الفترة الواقعة بين عامي 2010 و2012، بضرورة تعلم هذه اللغة، فقد أدرك أن كثيراً من الدراسات المعنية بالإرث المكتوب بالسريانية، يهمل الدراسات السياسية والثقافية الأوسع. وقد شعر فيليب وود بأن السريانية تكون مفهومة أكثر عند تحاورها مع لغة أخرى: السريانية مع الإغريقية أو السريانية مع العربية.

لذلك لم يكن أمامه خيار سوى العثور على مدرس خاص يبدأ معه أولى الخطوات: «كان بروفسوراً متقدماً كثيراً في السن، وراغباً في تعليمي قواعد العربية من دون قاموس... كان مسرفاً في التدخين، وهو مهتم فقط بالفلسفة لكنه كان لطيفاً جداً معي».

في دمشق سجل فيليب بمعهد يقع في منطقة المزة، خاص بتعليم العربية لغير الناطقين بها، لكنه كان محظوظاً بعثوره على مدرس فلسطيني. «كان شخصاً عظيماً ومدهشاً ورائعاً»، يردد مبتسماً: «قال إنه لن يعلمني الفصحى فقط؛ بل هو طلب مني أن أبدأ بالكتابة بالعربية، طلب أن أكتب عن أي موضوع أريده، لذلك كتبت شيئاً عن السياسة المعاصرة، أو اكتشاف أميركا أو عن فيلم بريطاني... كانت طريقته أن يصحح لي أسلوبي، ويجعلني أقرأ بصوت عالٍ من كتاب، ثم نبدأ بالجدال حول موضوع ما. كنت أقدم عرضاً ما فيهاجم وجهة نظري ويدفعني كي أدافع عنها... كان يدخن باستمرار... وكان عليّ دائماً أن أزيل الرماد من أوراقي».

في مساء كل خميس، كان مدرس فيليب ينظم حفلات؛ فهو عضو في تنظيم يساري، فيلتقي خلاله برفاقه الشباب. «بعد العمل، كان يطبخ، وكنت أساعده في إعداد العشاء... كان وقتاً ممتعاً جداً... درّسني العربية مدة ستة أشهر في دمشق، وكنت هناك من وقت إلى آخر».

الموسوعي أدّاي شير

أسأل: «هل يمكنك إضاءة ما دار في مدينة سِعِرْت التي ذكرها عدد من المؤرخين المسلمين؛ مثل ياقوت الحموي والمقدسي وابن الأثير، باسم آخر هو (سِعِرْد)؟».

«هي مدينة تقع في شرق أناضوليا، ومكتشف الحولية (التي كانت موضوع كتابي الثاني) رجل اسمه أدّاي شير الذي كان رئيس الأساقفة في سِعِرْت، وهو الذي نقّحها وترجمها للفرنسية، وقد أُرسلت لحسن الحظ إلى الموصل قبل مقتله خلال الإبادة الجماعية التي ارتكبت عام 1915 على يد جماعات غير نظامية من الأتراك والكرد».

«كان من المفترض أن المكتبة أخفيت في بئر داخل منشفة»، يقول فيليب، «لكن لم يتم العثور عليها... وكان شير قد وضع فهرساً لهذه المخطوطات، قبل تدميرها. وهذا الفهرس يضم ملاحظات عديدة عن تلك النفائس غير القابلة للتعويض».

«كان شير فصيحاً في العربية والفرنسية والسريانية والتركية. لهذا السبب كان ذلك عالمه. لذلك أكملت - مع صديق هو مايل بونر - ترجمة مخطوطة الفهرست والهوامش التي كتبها والتعليق عليها، وستتولى دار النشر (كرومات) إصدارها بالإنجليزية».

كأن هذا الحوار الطويل مع البروفسور فيليب وود أثار في مخيلتي صورة العراق في تلك الحقبة الفارسية - الإغريقية: نخب صغيرة متفرقة في أماكن عديدة، وتيارات دينية متعددة، ولهجات مختلفة للغة نفسها: الآرامية؛ هناك الآرامية المندائية، والآرامية السريانية، والآرامية البابلية التي كان اليهود يتحدثون بها، والآرامية المانوية. من بين الحركات الدينية الكبرى التي ظهرت خلال تلك الحقبة كانت المانوية في القرن الثالث الميلادي، كما يقول وود، وهذا يتوافق مع ما جاء في رواية أمين معلوف «حدائق النور» المكرسة لحياة ماني.

استخدم ماني اللغة الآرامية في تأليف ما عُرف بـ«التراتيل المانوية» التي قال عنها فيليب «إنها آسرة».

علق محاوري على اللهجات المختلفة للآرامية، مستنداً إلى سليمان البصري مطران مدينة البصرة في القرن الثالث عشر، الذي قال إن هناك 12 لهجة آرامية تمتد ما بين سيناء والبصرة، لكن قد تكون اللهجات التي يتحدث بها الناس في الهلال الخصيب أكبر بكثير من هذا الرقم.

وأشار فيليب وود إلى أن «اللغة الآرامية المسيحية لغة مناسبة متطورة، وهي بمثابة الفصحى بالنسبة للناس الذين يتحدثون بلغة أخرى في الحياة اليومية، وهذه العملية حدثت أيضاً للمندائية حين أصبحت اللهجات الآرامية (آرامية مندائية). والشيء نفسه مع الآرامية المانوية، ولغات غيرها كان لها تاريخ باعتبارها لغات محلية، ثم أصبحت تُعرَّف بدين محدَّد، وبذلك أصبحت صيغاً معيارية مرتبطة بجماعات دينية».

مكان تدوين حولية سِعِرْت

أسأل فيليب عن مكان تدوين الوقائع التي تضمنتها هذه الحولية بالذات. «كثير مما حدث وكُتب عنه في الحولية، كان في طيسفون (المدائن)». يجيبني البروفسور وود: «كذلك هناك كثير من النشاطات جرى على نهر دجلة. كثير من الوصف لأديرة تقع في شمال العراق، وأماكن أخرى. وأديرة كثيرة من المذكورة لا يمكننا تحديد مواقعها... طبعاً سيكون أمراً رائعاً لو كانت هناك خريطة جميلة مع أسهم ونقاط صغيرة ودقيقة أستطيع أن أحدد كل شيء بدقة عليها».

العراق الوثني

يحضرني هذا السؤال: كيف كان لقاء الفاتحين العرب الذين أغلبهم من قبائل بدوية أو شبه بدوية، بالعراقيين الذين كانوا بالدرجة الأولى فلاحين؟

«حين فتح العرب المسلمون العراق، كانوا يسخرون ممن أطلقوا عليهم بالنبط الذين هم من دون أصول قبلية مثلهم، والذين لا يستطيعون التفاهم مع أحد خارج قريتهم. كثير من السكان آنذاك كان يتحدث بلهجات مختلفة من اللغة الآرامية، مع مجموعات دينية محلية كل واحدة منها قد لا تكون لديها آصرة مع غيرها، ثم تم جمعهم على يد فاتحين متعددين، مثل الفرس ثم العرب».

يستنتج وود موضحاً: «إذن بمعنى ما نحن نتكلم عن العراقي... هذه تصنيفات استخدمها الحكام، وربما لم تكن مدرَكة من قبل السكان أنفسهم؛ إذ لم تكن هناك هوية مشتركة يقر بها الفاتحون».

مع ذلك، فأمام النظرة الفوقية للفاتحين الجدد القادم أغلبهم من البوادي والصحارى، جاء الرد عبر كتاب «الفلاحة النبطية» لابن وحشية النبطي، «حيث تكلم فيه عن معتقدات ومعرفة الكلدانيين، ووصف نفسه بأنه كلداني اعتنق الإسلام».

وتضمن كتابه، الذي زعم أنه ترجمه عن السريانية، كثيراً من تراث قديم يعود إلى ما قبل سقوط بابل قبل أكثر من ألف سنة: أي إلى العراق الوثني. غير أن المادة الأساسية فيه، كما كشفت دراسات حديثة عنه، تعود إلى فترة متأخرة تقع بين القرنين الخامس والسادس الميلاديين، فهي تعكس تقاليد عراقية متأخرة جداً عن العصور السومرية أو الأكدية أو الآشورية البائدة.

يسلط هذا الكتاب الضوء على جوانب مهمة في ابتكارات سكان وادي الرافدين القدامى بدلاً من سيرة الملوك. إنه يثير أسئلة من هذا النوع: من اكتشف الزراعة؟ ومن غرس أول نخلة؟ ومن علّم الناس الري؟ ومن صنَّف أنواع التربة؟ كأن الروايات التي تضمنها الكتاب، كما يرى البروفسور فيليب وود، تكشف عن اهتمام ابن وحشية النبطي، مؤلف العصر الوسيط في العراق، بأصول المعرفة العراقية القديمة، وتكشف ما يميز هذا الخليط الواسع من الإثنيات والأعراق التي استوطنت وادي الرافدين طويلاً، عن الفاتحين الجدد. وهذا بالضبط ما جعل مترجم الكتاب الفنلندي هامين أنتيلا، أن يعدّه محاولة لإحياء ذاكرة العراق القديم وتراثه الزراعي والحضاري.

لكأن هذا السؤال يفرض نفسه عليّ، بعد هذا الحوار الشيق مع فيليب وود أستاذ التاريخ والأديان المقارِنة: كم تغير النسيج الاجتماعي المتنوع والمعقد للعراقيين اليوم عما كان عليه في أواخر العصور القديمة؟

كم تغير النسيج الاجتماعي المتنوع والمعقد للعراقيين اليوم عما كان عليه في أواخر العصور القديمة؟


«مدينة الذباب»... البحث عن عالم مغاير

«مدينة الذباب»... البحث عن عالم مغاير
TT

«مدينة الذباب»... البحث عن عالم مغاير

«مدينة الذباب»... البحث عن عالم مغاير

لا تؤسِس رواية «في مدينة الذباب» (دار الشروق - القاهرة) للكاتب والروائي المصري أحمد عبد المنعم رمضان عالمها على الديستوبيا وحدها، بقدر ما تؤسسه على مساءلة المنطق الذي يمنح بعض السرديات حضورها المركزي، بينما يدفع أخرى إلى الهامش.

فمنذ تصدير الرواية باقتباس لمحمود درويش «أنا والذبابة حُرّان» يعود البطل لاحقاً إلى الشاعِر نفسه متسائلاً عن سبب الاحتفاء بـ«أثر الفراشة»، فيما لم ينتبه أحد يوماً إلى «أثر الذبابة».

هذا الأثر لا يبدو هيناً، فالرواية التي تفتتح أولى مشاهدها بطنين ذبابة شاردة في أذن سارِدها، لا تقدم هذا الطنين بوصفه إزعاجاً عابراً، بقدر ما تجعله نقطة انطلاق لتحوّلات ستطول البطل والمدينة معاً، فما يبدأ بذبابة مُنفردة، ينتهي بمدينة تستيقظ على حرب عبثية مُعلنة ضد الذباب، وسط بيانات رسمية تتحدث عن هجوم بيولوجي، وحظر تجوال، ومؤامرة تشارك فيها قوى خارجية بالتعاون مع الخونة، فيما أسراب الذباب تغطي السماء وتحجب معالم المدينة.

ويبدو اختيار الكاتب لبنية التقارير اليومية المؤرخة التي يكتبها سارِدها الوحيد على امتداد عام كامل، متسقاً مع العالم الديستوبي الذي تصوغه الرواية؛ عالم تحكمه المراقبة وجمع المعلومات والرصد المستمر للتفاصيل.

فالبطل، المنتمي إلى جهاز أمني غامض لا تُفصح الرواية عن طبيعته بشكل مباشر وتطلق عليه «الهؤلاء»، مُكلف برفع تقارير شهرية عن كل ما يلفت انتباهه؛ من انتشار مسلسل مكسيكي، إلى تناقص أوراق النقد من فئة معينة، إلى ازدياد أعداد الذباب في المدينة، حتى تصبح أكثر الملاحظات هامشية مادة للرصد والتحليل.

فرز ومراقبة

تمتد حالة الهوس بـ«الرصد» إلى شخصية الراوي، الذي يتباهى بمهارته في الإضافة والحذف وتعديل الجمل وترتيب الوقائع وتشذيبها، بل يعترف لاحقاً بأنه كان ماهراً في تلفيق القصص وحوك الحكايات: «أنا لا أسمي ذلك كذباً وتزويراً، مجرد إعادة صياغة وتنقيح»، فالرجل الذي يعيد صياغة التقارير قبل تقديمها إلى العامة والإعلام، يتعامل مع الواقع بوصفه مادة قابلة للتأويل وإعادة الكتابة.

ويبدو أن البطل الذي خضع لسلسلة من الاختبارات البدنية والعصبية والنفسية للانضمام إلى مؤسسة «الهؤلاء»، يعيد إنتاج منطق الفرز والمراقبة ذاته خارج المؤسسة، فاختيار الزوجة يتحوّل إلى عملية انتقاء دقيقة من بين مجموعة من المرشحات، بينما لا يقوده إعجابه اللاحق بـ«هند» إلى الاقتراب منها أو التعرّف إليها، بقدر ما يدفعه إلى إخضاعها لمراقبة أمنية مستمرة وإفراد ملف كامل لتتبع تفاصيل حياتها اليومية.

غير أن الرواية لا تكتفي بإبراز هذا السلوك بوصفه امتداداً لعمله داخل المؤسسة، بل تلمّح إلى جذوره النفسية الأعمق، فخلف رجل التقارير والمراقبة يُطل طفل خائف من الحشرات، يخوض معاركه الأولى ضد الذباب قبل أن يجد نفسه بعد سنوات مكلفاً رسمياً بتولي مهمة الحرب عليه، وهكذا يبدو هوسه بالتصنيف والمراقبة والسيطرة امتداداً لخوف مبكر من الفوضى وكل ما يستعصي على الإخضاع والتنظيم.

هوجة طبقية

تفتح الرواية مسارين لتتبع أثر الذباب الذي يستولى على أفق المدينة؛ أولهما داخل وعي بطلها المصاب بفوبيا الحشرات، وثانيهما عبر خيط اجتماعي يفجر قضية طبقية عُرفت بـ«كومة الزمالك» على إثر إلقاء أحد سكان حي راقٍ قمامته في مقلب قمامة في حي شعبي مجاور، وما يبدو في البداية خلافاً محدوداً سرعان ما يتحول إلى قضية رأي عام، فيما تتحول القمامة نفسها إلى علامة على اختلال بنيوي أعمق داخل المدينة.

في موازاة ذلك، يُعاد تأويل تلك الواقعة تدريجياً عبر الخطاب الرسمي؛ فـ«محمود»، الذي يعترض على إلقاء القمامة في حيّه، يُعرف في الخطاب الرسمي بوصفه مثيراً للمشاعر الطبقية ومهدداً للسلم العام، لتغدو القضية مثالاً آخر على الكيفية التي تُنتج بها السلطة سرديتها الخاصة للوقائع.

وينعكس أثر تلك المشاحنات على لغة الرواية نفسها، إذ تنتقل المفردات المستخدمة في وصف الذباب من المجال البيولوجي إلى المجال السياسي، فلا تعود الأسراب مجرد تجمعات حشرية، بل تتحوّل إلى «هوجة» شرسة، وهي اللغة نفسها التي تستدعي بصورة غير مباشرة أوصافاً ارتبطت بالاحتجاجات والحشود البشرية، بحيث يصبح الذباب مرآة للطريقة التي تنظر بها السلطة إلى كل ما يخرج عن السيطرة.

يتراجع حضور الذباب بوصفه ظاهرة طبيعية، ليُعاد تقديمه باعتباره خصماً يستدعي التعبئة والمواجهة، وهكذا تؤول المدينة تدريجياً إلى ساحة استنفار عام تنتهي بإعلان حرب كاملة على حشرة صغيرة، وسط حديث متصاعد عن المؤامرات والخونة والأيادي الخارجية.

وتبلغ السخرية السوداء ذروتها عندما تبدأ هذه الحرب في إنتاج ضحاياها من البشر، فبينما تُحشد الأجهزة المختلفة لمواجهة الأسراب وتُطلق المبيدات والغازات في حملات واسعة النطاق، يتعرض المشاركون أنفسهم للاختناق والإصابات، في مفارقة تجعل آثار المواجهة أكثر فتكاً من آثار العدو الذي أُعلنت الحرب عليه.

تدفع ملابسات تلك الحرب، بوجهيها العبثي والدستوبي، بطل الرواية إلى عالم موازٍ داخل مستشفى معزول للأمراض العقلية موصوماً بالجنون، فالرجل الذي احترف كتابة التقارير وإعادة تحرير الوقائع بما يتوافق مع السياسة الرسمية، يجد نفسه في نهاية المطاف مأخوذاً بنسج وقائع وهُوية جديدة لنفسه أكثر قبولاً، يدعمها بتقرّب من زملاء المستشفى «المثقفين» للحديث عن الكتب والروايات، بما في ذلك الأعمال التي تعرّضت للمنع والرقابة كأعمال جورج أورويل.

ولعل هذه النقلة السردية هي ما تمنح الرواية أحد أكثر مستوياتها ثراءً في التأويل، فبعد عام كامل من مطاردة الذباب ورصده والحرب ضده، يدخل البطل في مراجعة ملتبسة لعلاقته بتلك الحشرة، حين يصبح مأخوذاً بحكاية يسمعها عن «ذبابة سقراط»، ويتعهد في لحظة سلام عابرة بأن ينظر إلى الذباب نظرة مغايرة، لتترك الرواية نهايتها مفتوحة على أفق فلسفي يعيد التفكير في السلطة والخوف، وفي قدرة أكثر الكائنات ضآلة على إرباك الرِوايات الرسمية وإعادة مساءلتها.


ميخائيل رومان... دون كيشوت المسرح المصري

ميخائيل رومان... دون كيشوت المسرح المصري
TT

ميخائيل رومان... دون كيشوت المسرح المصري

ميخائيل رومان... دون كيشوت المسرح المصري

يقدم عامر درويش الخطيب، في كتابه «البطل الدرامي عند ميخائيل رومان»، دراسة عن تطور شخصية البطل الدرامي في كتابات رومان المسرحية، عبر نموجين من أعماله.

يقول عامر الخطيب في مقدمته: «أحسب أنه لم يسبق لكاتب مسرحي أن حظي بمثل الإهمال - غير المبرَّر - الذي حظي به ميخائيل رومان، ذلك الإهمال الذي يدعو إلى العجب والتساؤل. فمن يقتحم مثل هذا المضمار الشائك، وسط زخم من الكم والنوعية من الكتاب الذين زخر بهم مسرح الستينات في مصر، لا بد أن يكون قد وجد له - بموهبته ووعيه - مكاناً مقبولاً بينهم...».

من الواضح أن هذا الإهمال هو ما حرَّض المؤلف على اختيار ميخائيل رومان.

وواقع الحال أن الأدب العربي والعالمي يزخر بالكُتاب والشعراء والفنانين الذين لم تحالفهم الشهرة إلا بعد وفاتهم، أو بعد انقضاء الظروف السياسية والاجتماعية التي طمست أعمالهم. هذا قد يشمل كاتباً مصرياً بارزاً مثل عبد الحليم عبد الله، أو كتاباًعالميين مثل كافكا وإدغار ألان بو الذي لم ينشر في حياته غير قصيدة واحدة عنوانها «الغراب» مقابل 9 دولارات.

كما تعرَّض الألماني حائز نوبل غونتر غراس إلى مثل هذا النقد «التشهيري» المُغرض بعد روايته المعروفة «حقل شاسع»، التي انتقد فيها «العجالة» في توحيد ألمانيا وتسببها بانهيار اقتصاد ألمانيا الشرقية. حينها نشرت مجلة «دير شبيغل» نقداً لاذعاً كتبه شيخ النقاد الألمان مارسيل رايش رانيسكي «مزَّق» فيها الرواية شر تمزيق. وكان غراس يتعرض حينها إلى هجمة شرسة بسبب مواقفه المؤيدة للشعب الفلسطيني.

حالُ الكاتب المسرحي ميخائيل رومان (1924 ـ 1973) لا تختلف، وإن تعددت الدوافع والأسباب، ففضلاً عن الإهمال الذي طال أعماله في مصر، تعرَّض لهجمات غير مبررة (في حينها) من قِبل النقاد المصريين الكبار من أمثال محمد عودة والدكتور لويس عوض. حينها طالب الأول بالرحمة بالمسرح المصري من كتابات رومان، ولم ير الثاني في كتاباته سوى «دخان»؛ في إشارة إلى مسرحية «الدخان» لميخائيل رومان.

وربما يكون الناقد والمخرج المسرحي عامر درويش الخطيب أول من يحاول إعادة الاعتبار إلى ميخائيل رومان، من خلال دراسته الأكاديمية المعنونة «البطل الدرامي عند ميخائيل رومان»، التي صدرت عن دار السرد في 87 صفحة.

قبل أن يخوض الخطيب غمار الدفاع عن كاتب «مقهور»، مِثل شخصيته الدرامية «حمدي»، يُوجز مفهوم البطل في مسرح الدراما الممتدّ بين الإغريقي والملحمي، مروراً بالمدارس، أو لنقل، الاتجاهات الأخرى. ويعرض للقارئ أيضاً كيف انحدر البطل الدرامي عبر التاريخ من النبالة والأخلاقية العالية إلى فرد مقهور وفي مجتمعه.

يعدد الكاتب، في الفصول الأخرى، أعمال وتواريخ مسرحيات رومان، والمحظوظ منها الذي ظهر على المسارح أو الشاشات المصرية، ثم يركز بحثه على شخصية حمدي في مسرحيتَي «الدخان» و«الزجاج».

وفي حين يقدم لنا نقادُ المسرح في مصر، ما قبل هزيمة 1967، أبطال رومان كأبطال إشكاليين وطارئين على أجواء مصر «الديمقراطية» بعد ثورة يوليو، يقدم لنا الباحث بطل ميخائيل رومان على أنه مصري متمرد على واقعه ويعمل من أجل تغييره. ويقترب بذلك من البطل الملحمي في تناقضه مع ذاته ومع مجتمعه وعائلته باحثاً عن الأفضل للجميع.

يرى عامر الخطيب أن حمدي في مسرح رومان شخصية بطل مستلَب ومغترِب اجتماعياً، يتمحور صراعه في المسرحيات في صراع داخل عائلته وضد تطلعاتها الطبقية، وصراع مع شروط عمله الوظيفي وعبثية الواقع السياسي للمجتمع، فهو بطل واعٍ لطبقته يعمل «منحازاً إليها ومنحازاً ضدها».

نرى شخصية حمدي في مسرحية «الزجاج» (1968)، مثلاً، أكثر انفعالاً وحدية في طرح تناقضاته مع مجتمع «الفتارين» و«القفازات» مما كان في مسرحية «الدخان». وإذا كان حمدي في «الدخان» يدمن المخدرات، ولا يجد طريق الخلاص من إدمانه إلا بالتمرد على مسبّبات إدمانه السياسية والاجتماعية، يطرح حمدي نفسه في «الزجاج» كـ«دون كيشوت القرن العشرين». ونلاحظ هنا كيف تطورت شخصية حمدي «الدخان» (1962)، المتمردة على انتكاسة ثورة يوليو، إلى شخصية حمدي «الزجاج» الذي قهرته وهزّته من الأعماق هزيمة «نكسة 1967».

يختتم رومان مسرحياته بذروة تفاؤلية، قد تستجيب أو لا تستجيب إلى الصراع الكافكوي الذي تخوضه شخصياته، لكنه يعكس بذلك أهداف مسرحه التحريضي التعبوي من أجل التغيير.

يبدو هذا واضحاً في السطور الأخيرة لمسرحية «الدخان»

«حمدي: أنا والله ما ضعفت ولا ساومت ولا كنت بأدوّر على لذة، أنا كنت بأدوّر على الإيمان... كنت بأدوّر على هدف... وأنا حالاقي هدف (يبكي) لازم ألاقي هدف... لازم ألاقي هدف».

وينهي كلامه في «الزجاج»

«حمدي: فساد... فساد متكامل... فساد منظم (يكاد يبكي) عصابة، عصابة بتاكل بيت المال... بتخطف طعام الأطفال».

قد يجد بعض النقاد في هذا الطرح ضعفاً «مَعيباً» في أعمال الكاتب المسرحي رومان، لكن عامر الخطيب يتوصل في بحثه إلى أن هذه «المباشرة» في النص «ليست معيبة، بل تكون مطلوبة أيضاً» في مثل عروض المسرحيات الاجتماعية السياسية هذه.