انطلاق «الحوار المهيكل» برعاية أممية يفجّر جدلاً حاداً في ليبيا

تبدأ أولى جلساته الأحد وسط تساؤلات عن استعادة زخم «خريطة تيتيه»

مبعوثة الأمم المتحدة في ليبيا هانا تيتيه (البعثة الأممية)
مبعوثة الأمم المتحدة في ليبيا هانا تيتيه (البعثة الأممية)
TT

انطلاق «الحوار المهيكل» برعاية أممية يفجّر جدلاً حاداً في ليبيا

مبعوثة الأمم المتحدة في ليبيا هانا تيتيه (البعثة الأممية)
مبعوثة الأمم المتحدة في ليبيا هانا تيتيه (البعثة الأممية)

يترقب جُل الليبيين، الأحد في طرابلس، انطلاق أولى جلسات «الحوار المهيكل»، أحد أبرز مسارات خريطة الحل السياسي التي طرحتها المبعوثة الأممية، هانا تيتيه قبل أربعة أشهر، وسط جدل واسع حول قدرته على إعادة الزخم للمسار الأممي المتعثر، بفعل خلافات وتعنت الأطراف المحلية.

وبعد تحركات مكثفة قادتها تيتيه أخيراً لتقريب وجهات النظر محلياً وإقليمياً، برزت مواقف ليبية متباينة عبر منصات التواصل الاجتماعي قبيل انطلاق الحوار؛ إذ أعلن الباحث السياسي، أحمد المهدوي، مقاطعة الجلسات التي تستمر يومين بعد تلقيه دعوة لحضورها، رافضاً ما سماه «مسار قد يُستغل لإعادة إنتاج الفشل، أو تجاوز إرادة الشعب».

نائبة المبعوثة الأممية في ليبيا ستيفاني خوري (حساب البعثة)

من جانبه، اختار وزير الصحة في الحكومة المكلفة من البرلمان (شرق)، عثمان عبد الجليل، مسار المتفائلين، إذ رأى في الحوار الذي ترعاه الأمم المتحدة «أملاً أخيراً»، و«اختباراً وطنياً مصيرياً لوحدة ليبيا ومستقبلها».

ويرى محللون أن هذا الجدل الليبي المتصاعد حول «الحوار المهيكل» يرتبط بغياب معايير واضحة لاختيار نحو 120 مشاركاً، وسط حديث عام عن النزاهة دون آليات محددة، مما أثار مخاوف من تأثير القوى المتنفذة، أو توظيف البعثة لشخصيات قريبة من رؤيتها.

ويزداد هذا الجدل، وربما الغموض، من منظور متابعين، مع عدم إلزامية مخرجات هذا الحوار المرتقب للأطراف السياسية الليبية، ومخاوف من تكرار فشل تجارب حوارات سابقة جرت في عواصم إقليمية ودولية، في مقابل ما بدا أنه دعم أميركي ودولي متنامٍ لهذا المسار الأممي.

رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية عبد الحميد الدبيبة (مكتب الدبيبة)

في هذا السياق، تأتي رؤية عضو المجلس الأعلى للدولة، علي السويح، الذي قال إن الدعم الدولي للخريطة الأممية «لا يزال شكلياً»، وحذر من أن «الحوار المهيكل قد يلقى مصير مبادرات سابقة لم تنهِ الانسداد السياسي»، متسائلاً عن «جدوى حوار غير ملزم لا يعالج الانقسام الحكومي؟».

وشدد السويح لـ«الشرق الأوسط» على أن ليبيا «تحتاج إلى توافق دولي جاد يدفع الأطراف المتنفذة شرقاً وغرباً للتعاطي مع الخريطة الأممية، بما يمهد للانتخابات، ويحدّ من نفوذ لوبيات الفساد»، حسب تعبيره.

ويُعد «الحوار المهيكل» أحد مسارات «الخريطة الأممية»، التي طرحتها تيتيه أمام مجلس الأمن في أغسطس (آب) الماضي لمعالجة الانقسام بين حكومتي طرابلس والشرق، ويركز على أربعة ملفات رئيسية هي: الحوكمة، والاقتصاد، والمصالحة الوطنية، والأمن.

القائد العام للجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر ونجله بالقاسم (الحكومة المكلفة من البرلمان)

وحسب السويح فإن هذه الملفات الأربعة «مشخَّصة منذ سنوات»، لكنه يعتقد أن «الحلول جرى تجاهلها»، منتقداً «غياب الشفافية» لعدم إعلان أسماء المشاركين. وحذر من أن «شبهة فساد واحدة» كفيلة بتقويض مصداقية الحوار، مؤكداً أيضاً أن الاكتفاء بـ«بيانات تهديد دون عقوبات» شجّع أطرافاً على عدم التعامل بجدية مع البعثة.

وفي ظل إخفاق مجلسي النواب و«الأعلى للدولة» في التقدم بمسار القوانين الانتخابية، التي مثّل التوافق حولها المرحلة الأولى من «خريطة تيتيه»، بدأت البعثة توجيه الدعوات إلى الحوار المهيكل، وأعلنت أنه سيراعي التوازن الجغرافي، ويشمل النساء والشباب، والمجتمع المدني والبلديات والأحزاب والنقابات.

من اجتماع سابق لأعضاء المجلس الأعلى للدولة (المجلس)

ورغم أجواء عدم التفاؤل، فإن هناك من يعوّل على الحوار المهيكل بوصفه «منصة لتوسيع التشاور، وصياغة تفاهمات ليبية قد تعيد الزخم إلى الخريطة الأممية»، وهي رؤية المستشار السابق بالأمم المتحدة، إبراهيم قرادة، الذي استند في رؤيته إلى أن «إشراك طيف واسع من الفاعلين من الحزبيين والنشطاء، وممثلي البلديات المنتخبة، وغيرهم، سيحدّ من احتكار القوى المتصدرة للسلطة، والمستفيدة من الوضع القائم للعملية السياسية».

ومع عدم إلزامية مخرجات «الحوار المهيكل»، يرى قرادة في حديثه إلى «الشرق الأوسط» أن «توصيات محددة من شخصيات ليبية قد تخلق التفافاً شعبياً يدفع البعثة لاعتمادها»، محذراً من أن رفض القوى المتنفذة في المشهد الليبي قد «يعزز الشكوك حول تعطيل الانتخابات»، وقد يدفع البعثة إلى «تفعيل المادة 64 من الاتفاق السياسي الليبي لتشكيل مجلس تأسيسي جديد قصد إعداد الانتخابات، وتشكيل حكومة موحدة».

وتزداد التساؤلات الراهنة حول مشاركة ممثلين عن الشرق الليبي في الحوار، في ظل إعلان حكومة حماد، المدعومة من قائد «الجيش الوطني» خليفة حفتر، تعليق التعاون مع البعثة الأممية في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

في هذا السياق يلفت قرادة، المدير التنفيذي لـ«المعهد الدولي للبحوث والدراسات» الليبية، إلى بيان «مجموعة الدول العشر الداعمة للمسار الأممي»، عاداً أن المؤشر الحقيقي لجدية المجتمع الدولي، خصوصاً واشنطن، هو «تبني مخرجات الحوار، وحث الأطراف الليبية على التفاعل مع الخريطة التي تستهدف إجراء انتخابات خلال 18 شهراً»، مبرزاً أن الحوار المهيكل «يهيئ المناخ للانتخابات، لكنه لا يتصدى لملف القوانين».

أما أستاذ القانون العام بجامعة طرابلس، الدكتور صالح المخزوم، فيتبني رؤية تقف على مسافة من معسكر المتفائلين والمتحفظين، إذ لا يستبعد «إمكانية أن يكسر الحوار حالة الجمود». وذهب إلى الاعتقاد أن جلساته قد «تمتد إلى نقاشات جوهرية، مثل اقتصاد الحرب، وتهريب الوقود، والرقابة على الإنفاق، في ظل مخاوف دولية، خصوصاً أميركية، من تسرب الأموال إلى شبكات التطرف». وعزا المخزوم، نائب رئيس «المؤتمر الوطني» السابق، حديث تيتيه السابق عن عدم إلزامية تلك التوصيات إلى أنه «جاء لتجنب استفزاز مجلسي النواب والأعلى للدولة».

في المقابل، يؤكد المخروم أن «المعايير التي أعلنتها البعثة بشأن النزاهة والخبرة فضفاضة»، كما انتقد اشتراط البعثة على المشاركين العمل في إطار المصالحة الوطنية، معتبراً أن ذلك «قد يُستخدم لاستبعاد الشخصيات ذات المواقف النقدية تجاه الأطراف القائمة على العملية السياسية، ومنها البعثة الأممية».

وانتهى المخزوم إلى أن «البعثة قد تتمكن من إحباط أي محاولات لعرقلة الحوار، مستندةً إلى الدعم الأميركي الأخير، خصوصاً بعد فشل واشنطن في تشكيل حكومة موحدة بين سلطات الشرق والغرب، مما دفعها إلى العودة إلى دعم المسار الأممي بشكل كامل».


مقالات ذات صلة

الاتحاد الأوروبي لتوسيع الشراكة مع «صندوق الإعمار» بشرق ليبيا

شمال افريقيا مسؤولون أوروبيون في لقاء مع ممثلى صندوق الإعمار ببنغازي الثلاثاء الماضي (سفير الاتحاد الأوروبي في ليبيا)

الاتحاد الأوروبي لتوسيع الشراكة مع «صندوق الإعمار» بشرق ليبيا

أعلن السفير الأوروبي لدى ليبيا نيكولا أورلاندو عن توافق واسع مع السلطات في شرق البلاد بشأن إطلاق شراكة تنموية وأمنية جديدة

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا جانب من جنازة سيف الإسلام القذافي في مدينة بني وليد غرب ليبيا (متداولة)

حديث «الجنائية الدولية» عن عدم وجود «شهادة وفاة» لسيف الإسلام يفجِّر جدلاً حاداً في ليبيا

بعد أكثر من 110 أيام على مقتل سيف الإسلام القذافي، نجل العقيد الراحل معمر القذافي، عاد اسمه ليتصدر المشهد الليبي مجدداً، ولكن من بوابة «الجنائية الدولية».

علاء حموده (القاهرة )
شمال افريقيا من شرق ليبيا إلى غربها تتفاوت أسعار الخراف في ظل ارتفاع أسعارها عن العام الماضي (إ.ب.أ)

غلاء الأضاحي هاجس يؤرق الطبقة الوسطى في ليبيا

بين ارتفاع الأسعار ومحدودية الرواتب، تجد الطبقة الوسطى نفسها في ليبيا محاصرة بين الاستدانة من الأقارب أو الاقتراض المصرفي للقيام بشعيرة الأضحية.

جاكلين زاهر (القاهرة)
شمال افريقيا نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية خلال الحديث عن ليبيا أمام مجلس الأمن أخيراً (الأمم المتحدة)

ليبيا تنشد مزيداً من الملاحقات الدولية لمتهمين ارتكبوا «جرائم حرب»

ترسَّخت لدى حقوقيِّين ليبيِّين قناعة بأنَّ حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في غرب ليبيا تتجه نحو «تعزيز مسار الملاحقات الدولية بحق المتورطين في «جرائم حرب».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا الاجتماع السنوي الثاني لمجموعة دعم الأعمال المتعلقة بالألغام في ليبيا (البعثة الأممية)

تحرك دولي لتعزيز السلامة وتطهير ليبيا من مخلفات الحروب

حضت مجموعة دعم الأعمال المتعلقة بالألغام في ليبيا الأطراف الليبية على إبعاد مخازن الذخيرة عن المناطق والمدن، وقالت إن جهود مكافحة الألغام لا تزال تواجه تحديات.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«تمرد بونتلاند» يثير مخاوف بشأن تكرار سيناريو «أرض الصومال»

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

«تمرد بونتلاند» يثير مخاوف بشأن تكرار سيناريو «أرض الصومال»

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

وجّهت مقديشو انتقادات حادة إلى رئيس ولاية بونتلاند، سعيد عبد الله دني، بعد إعلانه عدم الاعتراف بشرعية الرئيس الصومالي، حسن شيخ محمود، في خطوة سبقتها تحركات من مسؤول الإقليم، كان أبرزها دعم المعارضة ضد الحكومة الفيدرالية.

ذلك التمرد، بحسب ما يصف خبير في الشأن الصومالي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، يأتي في ظل أزمة سياسية داخلية، لكنه لن يقود لتكرار سريع ومباشر لسيناريو انفصال ولاية بونتلاند على نفس مسار إقليم «أرض الصومال»، غير أن الأزمة تأتي في إطار تدريجي وخطير حال أُغلقت كل سيناريوهات الحوار بين الحكومة ودني.

انتقادات حادة

ووجّه وزير الداخلية في الحكومة الفيدرالية الصومالية، علي يوسف علي (حوش)، انتقادات شديدة إلى رئيس ولاية بونتلاند، سعيد عبد الله دني، متهماً إياه بأنه عقبة أمام الدولة ووحدة البلاد وتنميتها.

وأوضح «حوش» عبر صفحته في «فيسبوك»، الجمعة، أن «البيان الصادر الخميس عن رئاسة بونتلاند لا يخدم شعب بونتلاند، ولا المجتمع الصومالي عموماً، بل هو جزء من سلسلة من الإنكار والتضليل التي كان دني يمارسها منذ فترة طويلة لعرقلة قيام دولة الصومال».

واتهم وزير الداخلية دني أيضاً بـ«معارضة خطط سابقة، من بينها إلغاء ديون الصومال، وإجراء انتخابات بنظام صوت واحد لكل شخص، واستغلال موارد البلاد، وبناء جيش وطني»، مضيفاً أن «رئيس بونتلاند يدعم مصالح أجنبية، ويستخدم بونتلاند لممارسة ضغوط سياسية على الحكومة الفيدرالية».

والخميس، أعلن رئيس بونتلاند في بيان أنه «لا يعترف بحسن شيخ محمود رئيساً شرعياً للصومال»، متهماً إياه بـ«إساءة استخدام صلاحيات الرئاسة بشكل غير قانوني»، ودعا إلى اجتماع عاجل لجميع الأحزاب السياسية في الصومال للاتفاق على عملية انتخابية شاملة، بحسب إعلام صومالي.

والتوتر قائم بين الحكومة الفيدرالية وولاية بونتلاند، التي أصدرت أكثر من موقف على مدار أكثر من عام مخالف لتوجهات حسن شيخ محمود، ورفضت الحوار معه، وانضم دني إلى مجلس مستقبل الصومال المعارض الذي يطالب برحيل النظام.

رئيس ولاية بونتلاند سعيد عبد الله دني (وكالة الأنباء الصومالية)

ويرى المحلل السياسي الصومالي، عبد الولي جامع بري، أن التصعيد الأخير بين الحكومة الفيدرالية ودني يعكس أزمة أعمق تتعلق بطبيعة النظام الفيدرالي، والخلاف حول الانتخابات، وتوزيع السلطة، مشيراً إلى أن تمرد بونتلاند يثير مخاوف من تكرار سيناريو «أرض الصومال»، واتساع الفجوة بين مقديشو وبونتلاند، لكن حتى اللحظة لا يزال الوضع مختلفاً.

وأوضح أن بونتلاند لم تعلن الانفصال رسمياً بعد، بل تقول إنها تدافع عن النظام الفيدرالي، وترفض ما تعتبره مركزية مفرطة من الحكومة الفيدرالية، في ظل خلافات أهمها بشأن الانتخابات المباشرة، وصلاحيات المركز والولايات، لافتاً إلى أن بونتلاند ما زالت جزءاً من المؤسسات الصومالية نظرياً، رغم تعليقها التعاون مع الحكومة الفيدرالية في عدة ملفات سابقاً. لكن الخطر الحقيقي لا يزال قائماً، ويتمثل في بناء مؤسسات أمنية وإدارية مستقلة أكثر فأكثر، وتوسع الانقسام السياسي بين الولايات والحكومة المركزية، وفتح الباب أمام تدخلات خارجية أو تحالفات إقليمية متعارضة، مما يدفع نحو تخوفات من تكرار تدريجي لسيناريو «أرض الصومال»، وليس تكراراً مباشراً أو سريعاً، وفق بري.

وأعلن إقليم «أرض الصومال» الاستقلال عن جمهورية الصومال في 18 مايو (أيار) عام 1991، مستغلاً أزمات داخلية كانت تواجهها مقديشو.

مواقف تصعيدية

وتأتي الخلافات الأخيرة مع إعلان «مجلس الإنقاذ المعارض» في الصومال المدعوم من دني بدء احتجاجات أسبوعية في مقديشو اعتباراً من 4 يونيو (حزيران) المقبل، تُعقد كل خميس حتى التوصل إلى اتفاق سياسي بشأن انتخابات البلاد، المقرر دستورياً إجراؤها عبر التصويت المباشر لأول مرة منذ عقود، وهو المسار الذي تتحفظ عليه المعارضة.

وبحسب ما نقلته «وكالة الأنباء الصومالية» في 16 مايو الحالي، أعلن شيخ محمود البدء في تطبيق الدستور الجديد الذي أُقر في مارس (آذار) الماضي، وسط رفض من المعارضة، وهو ما يعني تمديد فترة ولايته عاماً انتقالياً.

نواب بالبرلمان الصومالي خلال المصادقة على دستور البلاد في مارس الماضي (وكالة الأنباء الصومالية)

ويعتقد بري أن الحكومة الفيدرالية ليس أمامها في ظل هذه المعارضة التي تتسع إلا عدة خيارات كلها معقدة، أولها الحوار والتسوية السياسية، وهو الخيار الأقل تكلفة والأكثر واقعية، خاصة مع الضغوط الدولية الداعية للتوافق بشأن الانتخابات.

ويمكن لمقديشو أيضاً استخدام النفوذ الدولي والتمويل التنموي للحد من تمرد بونتلاند، لكن هذا الخيار قد يزيد التوتر بدلاً من حله، بحسب بري، لافتاً إلى أن الحكومة قد تسعى لبناء تحالفات داخل بونتلاند، بالتقارب مع شخصيات عشائرية ومعارضين لدني، لكن هذا يحمل مخاطر تفجير صراع داخلي داخل بونتلاند نفسها.

وعن الخيار الأمني والعسكري أضاف بري: «يعد هذا السيناريو الأخطر والأقل احتمالاً حالياً؛ لأن بونتلاند تمتلك قوات أمن قوية نسبياً، بخلاف أن البلاد تواجه تهديداً من (حركة الشباب) الإرهابية، وأي صدام مباشر قد يفتح جبهة داخلية جديدة تهدد استقرار الدولة بالكامل».

ويعتقد بري أن إسقاط دني بطريقة مشابهة لسيناريوهات بعض الولايات الأخرى ليس مستحيلاً، لكنه أكثر تعقيداً وصعوبة، ويحتاج إلى توافقات عشائرية وسياسية واسعة، وليس مجرد قرار من مقديشو.


تأكيد سعودي-مصري على ضرورة خفض حدة التوتر الإقليمي

لقاء سابق بين وزير الخارجية السعودي ونظيره المصري في الرياض (واس)
لقاء سابق بين وزير الخارجية السعودي ونظيره المصري في الرياض (واس)
TT

تأكيد سعودي-مصري على ضرورة خفض حدة التوتر الإقليمي

لقاء سابق بين وزير الخارجية السعودي ونظيره المصري في الرياض (واس)
لقاء سابق بين وزير الخارجية السعودي ونظيره المصري في الرياض (واس)

أكدت المملكة العربية السعودية ومصر «ضرورة خفض حدة التوتر الإقليمي وتجنب مخاطر التصعيد غير المحسوب الذي يهدد أمن واستقرار الإقليم».

وتبادل وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي مع نظيره المصري، بدر عبد العاطي، السبت، الرؤى حول مسار المفاوضات الأميركية-الإيرانية والتطورات المتلاحقة التي تشهدها المنطقة والمساعي الرامية للتهدئة وخفض التصعيد، وذلك في إطار التنسيق والتشاور المستمر بين البلدين الشقيقين حيال مستجدات الأوضاع الإقليمية.

ووفق إفادة لوزارة الخارجية المصرية، السبت، شدد الوزيران على «ضرورة تكثيف العمل الدبلوماسي»، وأكدا أن «تغليب لغة الحوار واللجوء إلى مسار التفاوض يمثل الخيار الوحيد لمعالجة القضايا العالقة، وذلك لضمان حفظ أمن واستقرار دول المنطقة وشعوبها».

وكانت مصر قد أدانت بشدة محاولة استهداف أراضي السعودية باستخدام طائرات مسيّرة. وأكدت في بيان أصدرته وزارة الخارجية، الاثنين الماضي، تضامنها الكامل مع السعودية، وموقفها الثابت والداعم لها في مواجهة أي تهديدات، معربة عن دعمها للإجراءات والتدابير التي تتخذها المملكة لحماية سيادتها وصون أمن مواطنيها والمقيمين على أراضيها.

وشددت القاهرة حينها على التزامها الراسخ بأمن دول الخليج، باعتباره ركيزة أساسية للأمن القومي المصري، ولأمن واستقرار المنطقة، محذرة من أن هذه الانتهاكات الصارخة للقانون الدولي من شأنها زيادة تعقيد المشهد الإقليمي الراهن وعرقلة جهود التهدئة.

كما جرى اتصال هاتفي آخر بين عبد العاطي ووزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، مساء الجمعة، وذلك في إطار متابعة مستجدات الأوضاع الإقليمية. وأطلع عراقجي نظيره المصري على آخر مستجدات المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران بجهود الوسطاء، والجهود المبذولة للتوصل إلى تفاهمات توافقية بين الجانبين.

وذكرت «الخارجية المصرية» في إفادة، السبت، أن الوزير عبد العاطي أكد «أهمية مواصلة المسار الدبلوماسي»، مشدداً على «ضرورة التوصل إلى اختراق يسهم في خفض حدة التوتر والتصعيد في المنطقة، بما يجنب الإقليم مخاطر اتساع رقعة الصراع وانعكاساته على الأمن والاستقرار الإقليمي».

وأيضاً شدد بدر عبد العاطي ورئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، خلال اتصال هاتفي، السبت، على أن «المنعطف الدقيق الذي تمر به المنطقة يفرض على كل الأطراف المعنية التحلي بأقصى درجات المرونة والمسؤولية». وأشارا إلى «ضرورة الأخذ في الاعتبار شواغل جميع الأطراف بوصفها ركيزة أساسية لضمان التهدئة المستدامة، والحيلولة دون انزلاق الإقليم نحو دوامة جديدة من الصراع وعدم الاستقرار».


الاتحاد الأوروبي لتوسيع الشراكة مع «صندوق الإعمار» بشرق ليبيا

مسؤولون أوروبيون في لقاء مع ممثلى صندوق الإعمار ببنغازي الثلاثاء الماضي (سفير الاتحاد الأوروبي في ليبيا)
مسؤولون أوروبيون في لقاء مع ممثلى صندوق الإعمار ببنغازي الثلاثاء الماضي (سفير الاتحاد الأوروبي في ليبيا)
TT

الاتحاد الأوروبي لتوسيع الشراكة مع «صندوق الإعمار» بشرق ليبيا

مسؤولون أوروبيون في لقاء مع ممثلى صندوق الإعمار ببنغازي الثلاثاء الماضي (سفير الاتحاد الأوروبي في ليبيا)
مسؤولون أوروبيون في لقاء مع ممثلى صندوق الإعمار ببنغازي الثلاثاء الماضي (سفير الاتحاد الأوروبي في ليبيا)

في خطوة تعكس تحوّلاً لافتاً في مقاربة الاتحاد الأوروبي للملف الليبي، أعلن السفير الأوروبي لدى ليبيا، نيكولا أورلاندو، عن توافق واسع مع سلطات شرق البلاد بشأن إطلاق شراكة تنموية وأمنية جديدة، تشمل التعاون مع صندوق الإعمار، وتعزيز إدارة الحدود، والتصدي للهجرة غير النظامية.

وجاء الإعلان الأوروبي عقب سلسلة اجتماعات فنية ودبلوماسية في مدينة بنغازي، شاركت فيها بعثة الاتحاد الأوروبي للمساعدة الحدودية (EUBAM)، والعملية البحرية الأوروبية «إيريني»، إلى جانب مسؤولين من المديرية العامة للهجرة والشؤون الداخلية، حيث تم التوافق على خطوات عملية، من بينها دراسة إنشاء مركز لتنسيق عمليات الإنقاذ البحري في المدينة.

وأوضح أورلاندو، في تغريدة عبر منصة «إكس»، مساء الجمعة، أن الشراكة المقترحة مع صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، الذي يرأسه بلقاسم حفتر، ستشمل مجالات متعددة، أبرزها دعم البنية التحتية، وتطوير التخطيط العمراني، وتعزيز قدرات البلديات، إضافة إلى برامج تدريب ومنح دراسية، وتحديث أداء مؤسسات الجمارك والموانئ.

كما اتفق الجانبان، بحسب البيان الأوروبي، على توسيع التعاون في ملف الهجرة وإدارة الحدود، بما يشمل دعم عمليات البحث والإنقاذ في البحر والصحراء، وتطوير آليات لمكافحة شبكات التهريب والاتجار بالبشر، إلى جانب برامج العودة الطوعية، وتوفير الحماية الإنسانية للمهاجرين واللاجئين وفق المعايير الدولية.

وأشار السفير الأوروبي إلى أن هذه التحركات تأتي في إطار تنسيق مع وكالات الأمم المتحدة المعنية، بهدف تحسين «حوكمة الهجرة»، والحد من المخاطر الإنسانية المتزايدة على طرق العبور عبر الأراضي الليبية نحو أوروبا.

في سياق متصل، أعرب أورلاندو عن تقديره للدعم والتسهيلات، التي قدمتها القيادة العامة في شرق ليبيا لتيسير عمل البعثات الفنية، مشيداً بالجهود المبذولة لتعزيز الاستقرار الأمني وتحسين إدارة ملف الهجرة، بما يتوافق مع الالتزامات الدولية لليبيا.

عملية إنقاذ مهاجرين غير نظاميين على ساحل مدينة طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر الليبي)

ويرى مدير «مركز بنغازي لدراسات الهجرة»، طارق لملوم، أن هذا التطور يعكس تحولاً مهماً في السياسة الأوروبية، حيث لم يعد التعامل مع الملف الليبي محكوماً فقط بمسألة الشرعية السياسية، بل بات مرتبطاً بمدى القدرة الفعلية على ضبط الحدود، والحد من تدفقات الهجرة غير النظامية.

وتعيش ليبيا واقعاً سياسياً منقسماً بين حكومتين، إحداهما في الغرب برئاسة عبد الحميد الدبيبة والمعترف بها دولياً، وأخرى في الشرق يقودها أسامة حماد، وهي مكلفة من البرلمان، وتحظى بدعم من القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر.

وبحسب لملوم فإن «بروكسل باتت تتعامل بشكل مباشر مع الأطراف، التي تملك النفوذ والسيطرة على الأرض، والقادرة عملياً على إدارة هذا الملف، حتى وإن لم تكن دائماً ضمن إطار الحكومة المعترف بها دولياً»، وفق منشور عبر حسابه بموقع «فيسبوك». لافتاً إلى أن تطورات المشهد في شرق ليبيا، وما ارتبط بها من توظيف لملف الهجرة ومسارات التهريب، أسهمت في فرض واقع جديد، دفع الاتحاد الأوروبي إلى توسيع دائرة تواصله وشراكاته، بما في ذلك الحضور المباشر في بنغازي.

ميدانياً، تزامن الحراك الأوروبي النشط مع إعلان السلطات في شرق ليبيا عن إنقاذ 60 مهاجراً غير نظامي قبالة السواحل الليبية، السبت، في عملية نفذتها أجهزة خفر السواحل بالتنسيق مع الهلال الأحمر الليبي، ضمن جهود الاستجابة لحالات الهجرة المتزايدة عبر البحر المتوسط.

وتؤكد منظمات إنسانية أن ليبيا لا تزال واحدة من أبرز نقاط العبور الرئيسية للمهاجرين غير النظاميين نحو أوروبا منذ عام 2011، نتيجة الفوضى الأمنية والانقسام السياسي، منذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي، ما أدى إلى تنامي شبكات التهريب عبر البحر والصحراء، وتزايد المخاطر الإنسانية على طول هذه المسارات.