«يوميات سجين» يكشف عن العالم الخفيّ داخل زنزانة ساركوزي

من سجن لا سانتي إلى توقيع كتاب في قلب باريس

رجل يحمل كتاب «يوميات سجين» للرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي أمام مكتبة في باريس الأربعاء 10 ديسمبر 2025 (أسوشييتد برس)
رجل يحمل كتاب «يوميات سجين» للرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي أمام مكتبة في باريس الأربعاء 10 ديسمبر 2025 (أسوشييتد برس)
TT

«يوميات سجين» يكشف عن العالم الخفيّ داخل زنزانة ساركوزي

رجل يحمل كتاب «يوميات سجين» للرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي أمام مكتبة في باريس الأربعاء 10 ديسمبر 2025 (أسوشييتد برس)
رجل يحمل كتاب «يوميات سجين» للرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي أمام مكتبة في باريس الأربعاء 10 ديسمبر 2025 (أسوشييتد برس)

عاد نيكولا ساركوزي إلى صدارة المشهد الفرنسي بقوة غير متوقعة مع صدور كتابه الجديد «يوميات سجين»، الذي يسرد فيه تفاصيل واحد وعشرين يوماً أمضاها داخل سجن لا سانتي. وفي أول ظهور علني له بعد نشر كتابه، احتشد المئات من معجبيه في إحدى مكتبات باريس الكبرى، حيث وقّع نسخ الكتاب بابتسامة امتزج فيها شيء من الاعتزاز بشيء من التأثر. كان واضحاً أن الرجل الذي عاش ثلاثة أسابيع خلف الجدران، يخرج اليوم ليلتقي جمهوراً لم يبتعد عنه رغم كل العواصف القضائية والسياسية التي مر بها.

وصول الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي إلى مكتبه في باريس 10 ديسمبر 2025 لتوقيع نسخ من مذكراته «يوميات سجين» (رويترز)

يستعيد ساركوزي في الكتاب اللحظة الأولى التي أُغلق فيها باب الزنزانة خلفه. كانت الغرفة الضيقة، ذات الألوان الرمادية المتراكمة، بمثابة عالم يبتلع كل ما حمله معه من ماضي السلطة والأضواء. السرير المعدني والطاولة الخشبية البسيطة والجدران الباردة بدت كأنها تحاصر روحه قبل جسده، وتجرده من الهيبة التي التصقت به طوال عقود. كان عليه أن يواجه حقيقة لم يتوقعها قط: أن الرجل الذي حكم فرنسا يوماً، أصبح الآن سجيناً في اثني عشر متراً مربعاً لا يكاد يتنفس فيها.

رجل يحمل كتاب «يوميات سجين» للرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي أمام مكتبة في باريس الأربعاء 10 ديسمبر 2025 (أسوشييتد برس)

في هذا الفراغ القاتل، وجد ساركوزي نفسه يلجأ إلى الإيمان، يركع للصلاة كما لو أن السجود كان الطريق الوحيد للحفاظ على تماسكه. ويعترف بأن لقاءاته مع قسّ السجن كانت متنفساً يمنحه شيئاً من السكينة وسط بحر من القلق. أما الزيارات العائلية، فكانت أشبه بجرعة حياة يعود بها إلى نفسه، خصوصاً حين كانت زوجته كارلا بروني وابنه جان يزورانه. يقول إن تلك اللحظات أعادته من حافة الانهيار.

الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي وهو يشارك في جلسة توقيع كتابه «يوميات سجين» في يوم صدوره في مكتبة لامارتين بباريس في 10 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

لم تكن الأيام داخل السجن متشابهة. بعضها كان يمر ببطء خانق، وبعضها يتسم بمفاجآت غير متوقعة، مثل اليوم الذي أخبرته فيه مديرة شابة بأن نائبين من حزب «فرنسا الأبية» يتجولان في السجن برفقة صحافي ومصور. فهم على الفور أن وجودهم لم يكن لغاية إنسانية، بل كان خطوة سياسية هدفها التقاط صورة له أو إثارة الجدل حول ظروف احتجازه. آثر البقاء في زنزانته احتراماً لكرامته، رافضاً المساهمة في مشهد أراد البعض تحويله إلى مادة إعلامية. ويصرّ في كتابه على أن زنزانته لم تكن تحظى بأي امتياز، بل كانت أبوابها مغلقة دائماً، على عكس بعض السجناء الآخرين.

علاقته بماكرون

ولم تكن علاقته بالرئيس إيمانويل ماكرون بعيدة عن هذا السرد. يكتب بصراحة أن الصمت الذي واجهه من الإليزيه كان علامة على توتر عميق، وأن غياب أي تواصل من ماكرون خلال تلك الفترة شكّل له خيبة شخصية أكثر مما شكّل له خيبة سياسية. وفي المقابل، تلقّى دعماً مفاجئاً من مارين لوبان وشخصيات من اليمين المتطرف، وهو ما شكّل مفارقة سياسية لافتة لم يتردد في ذكرها، لأنها – كما يقول – جزء من الحقيقة التي تعرّت له خلال تلك التجربة.

دعم غير متوقّع... مارين لوبان وأصوات من اليمين المتطرف

ومع أن علاقته بماكرون اتسمت بالبرود الذي ازداد خلال محنته، فإن المفاجأة جاءت من جهة لم يكن يتوقعها. ففي واحدة من أكثر لحظات الكتاب إثارة للجدل، يكشف ساركوزي عن اتصالات دعم وصلته من مارين لوبان وقياديين في حزب التجمع الوطني. لم يخفِ أنه فوجئ بتعاطف اليمين المتطرف معه، وأن هذا الدعم غير المتوقع أعاد إلى ذهنه أسئلة أعمق حول مستقبل اليمين الفرنسي وتحوّلاته. لقد فتح هذا الاعتراف باباً واسعاً للنقاش، فعدّ البعض أن ساركوزي يعيد رسم موقعه داخل الخريطة السياسية، بينما رأى آخرون أنه يلمّح إلى قناعة جديدة بضرورة إعادة التفكير في حدود التحالفات بين يمين الوسط واليمين القومي. كان لهذا المقطع وقع الصدمة في أوساط الجمهوريين، لأنّه يكشف عن مستويات من إعادة التموضع السياسي لم تكن مطروحة بهذه الجرأة من قبل.

الملك محمد السادس... مكالمة تهزّ القلب

ولا يكتمل السرد دون الإشارة إلى واحدة من أكثر اللحظات إنسانية التي تضمنها الكتاب، وهي الاتصال الذي تلقّاه من الملك محمد السادس. يروي ساركوزي أن العاهل المغربي كان من أوائل من هاتفوه قبل سجنه وبعده، وأن صوته كان يحمل تأثراً حقيقياً وهو يتحدث عن محنته. يقول إنه شعر بصدق عاطفي لا يصدر إلا عن قلوب كبار القادة، وإن العلاقة التي تربطه بملك المغرب علاقة تقدير متبادل لم تتأثر بتبدل المناصب ولا بالأزمات.

وعلى امتداد الصفحات، يؤكد ساركوزي أن ما عاشه في السجن لم يبدّد إصراره على البراءة، بل جعله أكثر تشبثاً بالدفاع عن نفسه. يرى أن ملف التمويل الليبي هشّ، وأن الحكم الذي صدر بحقه كان قاسياً، وأنه واثق من أن العدالة ستصحّح المسار في مرحلة الاستئناف.

الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي يشارك في جلسة توقيع لكتابه «يوميات سجين» في مكتبة لامارتين بباريس يوم صدوره في 10 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

اختبار البراءة... معركة مع القضاء والوقت

وفي جانب آخر من الكتاب، يَظهر إدراك واضح بأن محنته لم تكن معزولة عن سياق سياسي وقضائي أكبر. يهاجم النظام القضائي الفرنسي بنبرة حادة، ويصف تجربته داخل السجن بأنها جزء من «عملية تهدف لإضعافه سياسياً وتشويه تاريخه». ويشير إلى أن الحكم الصادر بحقه في قضية التمويل الليبي كان في رأيه «قاسياً وغير قائم على أدلة دامغة»، عادّاً أن بعض القضاة أصبحوا، في نظره، طرفاً لا يقف على الحياد، بل جزءاً من صراع سياسي يتجاوز حدود الملفات القضائية. ويذهب أبعد من ذلك، حين يلمّح إلى أن خصومه السياسيين كانوا ينتظرون سقوطه بفارغ الصبر، وأن بعضهم ساهم في خلق مناخ ضاغط دفع القضاء إلى التشدد في التعامل معه.

الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي يوقع نسخة من كتابه «يوميات سجين» لأحد القراء في يوم صدوره في مكتبة لامارتين بباريس في 10 ديسمبر2025 (أ.ف.ب)

خروج من السجن... وبداية هدوء مختلف

خرج ساركوزي من السجن رجلاً تغيّر كثيراً. كان يقول إنه شعر بأن الهواء خارج الجدران مختلف، وأن شيئاً في داخله قد انكسر، لكن شيئاً آخر أقوى قد تولّد من رحم المحنة. ولهذا بدا مشهد توقيع الكتاب اليوم في باريس أشبه بالعودة الرمزية إلى الحياة العامة، عودة يختلط فيها الألم بالفخر، والصدمة بالرغبة في النهوض مجدداً. لقد كانت الوجوه التي احتشدت أمامه، والعيون التي تابعت كلماته وهو يكتب الإهداءات، دليلاً على أن الرجل الذي عاش واحداً وعشرين يوماً في العالم الرمادي، يعود اليوم إلى الضوء ومعه روايته الخاصة، رواية قد تغيّر موقعه، وقد تغيّر معه مستقبل اليمين الفرنسي نفسه.


مقالات ذات صلة

ديمبيلي - كفارا - دويه... ثلاثي هجوم سان جيرمان الذهبي

رياضة عالمية عثمان ديمبيلي (أ.ف.ب)

ديمبيلي - كفارا - دويه... ثلاثي هجوم سان جيرمان الذهبي

يشكّل الثلاثي عثمان ديمبيلي وخفيتشا كفارا تسخيليا وديزيريه دويه -الذي كان أساس إنجازات باريس سان جيرمان الكبيرة خلال العامين الماضيين- رأس الحربة هذا الموسم

«الشرق الأوسط» (باريس )
رياضة عالمية  باريس سان جيرمان استهل موسمه بالسقوط أمام لانس في كأس السوبر الفرنسية (أ.ف.ب)

«الدوري الفرنسي»: سان جيرمان المرشح الأبرز للفوز باللقب

لم يكن فريق باريس سان جيرمان مضطرا لتعزيز صفوفه في ظل تتويجه بلقب الدوري الفرنسي لكرة القدم خمس مرات متتالية.

«الشرق الأوسط» (باريس)
رياضة سعودية النجم السعودي سعود عبد الحميد لاعب لانس (رويترز)

«كأس السوبر الفرنسية»: سعود عبد الحميد أساسياً مع لانس... وأكليوش يقود سان جيرمان

سيكون النجم السعودي سعود عبد الحميد حاضراً في التشكيلة الأساسية لفريقه الفرنسي لانس، بطل كأس فرنسا، في مواجهة كأس السوبر الفرنسية.

مهند علي (القاهرة)
رياضة عالمية الإسباني فيران توريس إلى باريس سان جيرمان (د.ب.أ)

رسمياً... فيران توريس إلى سان جيرمان

انضم الإسباني فيران توريس، المتوّج بلقب كأس العالم لكرة القدم 2026، السبت، إلى باريس سان جيرمان الفرنسي بطل أوروبا قادماً من برشلونة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
رياضة عالمية الجناح البلجيكي ميكا غودتس يقترب من «سان جيرمان» (إ.ب.أ)

البلجيكي غودتس يقترب من «سان جيرمان»

اقترب الجناح البلجيكي ميكا غودتس من الانتقال إلى نادي باريس سان جيرمان الفرنسي، بعدما توصّل بطل أوروبا إلى اتفاق مع «أياكس» الهولندي لضمّه مقابل 55 مليون يورو.

«الشرق الأوسط» (باريس)

فن «الكتابة عن الكتابة»

فن «الكتابة عن الكتابة»
TT

فن «الكتابة عن الكتابة»

فن «الكتابة عن الكتابة»

بين الأكاديمية والانطباعية والمزاجية، بقيت مراجعات الكتب على أنواعها ممارسة ثقافية، متحررة من أي قيد يحددها في إطار أو يكبح جماح كاتبها. كلٌ يمارس مراجعته بالطريقة التي يراها مناسبة، وهذا أهم ما يكشفه كتاب رائد العيد الصادر عن «دار كلمات للنشر والتوزيع» بعنوان «دفاتر المكتبة الكونية... فن مراجعة الكتب». وهو من خلال هذا المؤلَّف التوثيقي والأدبي في آن، يقوم بما يشبه التأريخ والتحليل لنوع من الكتابة نادراً ما تصدى له كاتب عربي، أو اعتبره صنفاً يستحق العناية به لذاته. الميزة الأساسية أن العيد يتتبع أنواع هذا الفن وضروبه ويعمل على لمّ شمله، وفهمه وتوضيح الفوارق بين أصنافه.

لهذا؛ فإن «فن المراجعات»، يخضع هذه المرة لتفحص وتتبع وتفنيد وتحليل واستخلاص نتائج. وعلى عكس ما يخطر لك، فإن موت الكتاب الورقي أو خفوت نجمه، كما يقول العيد، لا يعني تراجع هذا الفن، بل تعزيز دوره، وبروزه بصور مختلفة لم تكن معروفة؛ ما يجعلنا لا نتنبه له بالضرورة. إذ لا يمر يوم إلا وتقرأ تقييماً لكتاب أو برنامج أو مداخلة، على إحدى وسائل التواصل، وتترك نجمة أو إعجاباً، أو تعليقاً طويلاً أو قصيراً. فالتقييم جوهر في اقتصاد وسائل التواصل وجزء أساسي من حيويتها وعجلة دورانها. وهو أمر لا يقارن بالضرورة بالمراجعات الجادة للكتب، لكن قرابة الوصل موجودة، والربط واجب.

يحاول العيد تقديم «مراجعة للمراجعات»، على طريقة «علم العلم» أو «تفسير التفسير»، بحيث يبحث في هذا الفن محاولاً تحديد ماهيته، وتأريخ بدايته، وتوضيح المصطلحات المتعلقة به ودوافع كتابته، ومعرفة مكوناته وأساليبه، ومتطلباته، وخيارات مؤلفيه، كما يبحث في حجم اقتصاده وتبعات نشره، ومحاذير قراءته، وصولاً إلى ادعاء موته.

حسب العيد، فإن الكتابة عن الكتب، وُجدت مع انتشار الكتاب، بحيث إن من يتعذر عليه الحصول على مؤلف ما، كان يمنّي النفس بقراءة جزء منه، أو شيء عنه، في مؤلف جامع يتصدى لهذه الغاية. وبالتالي، فإن المراجعة أو التلخيص يقدمان خدمة جليلة. وهذا هو السبب الأول لولادة المراجعات: «أن تعـرّف بالكتـاب النــادر الــذي يصعـب الحصــول عليــه أو تُقـرّب البعيــد وتنشر الفريد. ففــي بدايات الكتابة والنشر كان الكتاب صعـب التشـكيل عســير النسـخ، وليــس بمقـدور الجميـع الحصـول عليه؛ فيكتفي النـاس منــه بالقليل».

ثمة كتب لم تصل إلينا أصلاً، لكننا عرفنا بوجودها وبمحتواها من المراجعات. يلفت الكتاب إلى أن بعض المراجعات نجدها في حوارات أفلاطون، وفي رسائل سينيكا، وفي كتابات بلوتارك، ومجادلات شيشيرون، وتأملات ماركوس أوريليوس وأبحاث أرسطو. وعند العرب لم يقصّر الجاحظ في الكتابة عن الكتب ونقدها والتشجيع على قراءة بعضها أو نقل محتوى بعضها الآخر.

ويرى العيد أن كتــاب «الفهرسـت» لابــن النديم هو نموذج لحقبــة طويلة فــي تاريـخ مراجعات الكتــب. فابن النديــم كان شاغله الأكبـر أن يحـوي كتابه فحوى كتب زمانه، بحيث يجمــع فيــه ما قــرأه وعرفــه وســمع عنه. وتأتي أهميته من أن الكثير من الكتــب التــي تحدث عنها اندثرت، ولم تعد بيـن أيدينــا اليــوم. وبالتالي، فإن مراجعات ابـن النديــم هي التي أدخلتهــا التاريــخ، ومنعتهـا مــن الاختفاء الكلي.

يقتفي الكتاب أثر المراجعات عبر التاريخ شرقاً وغرباً، وصولاً إلى العصر الحديث. فقد ظهـرت في شـكلها الذي نعرفه اليوم في الصحف الفرنسية خـلال القــرن الســابع عشــر، ومن حينها بدأت أشكال المراجعات ومناهجها تتطور، من الاكتفاء بالتعريف بالكتب، إلى نقدها والحكم عليها. وهو ما تسبب في حراك ونقاشات ليس حول دورها فحسب، بل حول حدودها التي يفترض أن تلتزمها؛ إذ إن الكتّاب تجاوزوا التعريف إلى النقد والتقريظ. ويروي كليمان موزان في كتابه «ما التاريخ الأدبي؟»، «أن الصحافيين الأدبيين فــي تلـك الفترة لم يكتفوا بالتلخيص والاستشهاد بما ورد في الأعمال التي يعرضونها، بل أخذوا يطلقون الأحكام وينتقدون الأعمال، معتبرين أنهم يقومون بواجبهم اتجاه القارئ في مهمة إرشاده».

وفي القرن التاسع عشر، بدأت المجلات بتخصيص فصول وأبواب تواكب مستجدات الكتب وتتابع الإصدارات وتعرضها وتنقدها. عربياً، ظهرت مجلة «المقتطف» عام 1883 وفيها «باب الهدايا والتقاريظ» بعد سبع سنوات من تأسيس المجلة، على اعتبار أن التعريف بالكتب ومراجعتها، هي هدايا للقارئ. لكن اسم الباب تغير، ليصبح «باب التقريظ والانتقاد» مع تحول مهماتها، واتخاذها مناحي جديدة في التحليل والنقد. ثم جاءت مجلة «الزهـور» وأسمت باب مراجعات الكتب «ثمرات المطابع» منتهجـة العـرض الموجــز والتعريــف الســـريع بجديــد المؤلفات. وهــو مــا أكملته مجلة «أبولــو» تحت عنـوان «ثمــار المطابع». وعندما جـاء إبراهيــم اليازجي إلى مجلة «البيــان» ومن بعدهـا «الضياء» اختار تقديـم مراجعات الكتب التي كان يسطرها تحت عنــوان «آثار أدبية»، عادَّاً أن المراجعة وصلـت لأن تكون نصاً أدبياً مستقلاً. والذين كتبوا نصوصاً أدبية في المراجعات كثر، من بينهم طه حسين وعباس محمود العقاد والمازني، وغيرهم كثير.

عام 1896 أعلنت صحيفة «نيويورك تايمز» عن ملحق متخصص في مراجعات الكتب. بدأ الملحق بالظهور كل صباح سبت، ثم تحول صدوره إلى صباح الأحد لزيادة عدد القراء، ولتسليتهم وإفادتهم في عطلتهم. وعاش الملحق أكثر مما يتوقع الجميع؛ إذ احتفلت الصحيفة بمرور 125 سنة على ولادته عام 2021، مع كتاب توثيقي لهذه المغامرة الأدبية والفكرية.

كانت المراجعات حين تكتبها إدارة التحرير، وتقتصر على التعريف بالكتاب ووصفه دون جهد كبير، لا تحمل بالضرورة اسم الكتّاب، لكن الوضع تغير بعد أن أصبحت مقرونة بالرأي والتحليل، وتسطر بأقلام مؤلفين معروفين للصحف مصلحة في إبراز أسمائهم.

أما اليوم، وقد تشعبت الطرق والمناهج، وتعددت الأساليب والمدارس، وظهرت المصطلحات المتخصصة وتنوعت المنابر، فإن المراجعات لم تعد مجرد كتابات هامشية، بل صارت أهم من أن يتم تجاهلها، أو تستبعد من القواميس والمعاجم الأدبية واللغوية. لا، بل يرى مؤلف الكتاب أن المراجعات تحولت «جنساً أدبياً مستقلاً قائماً بذاته له مفاهيمه وأبعاده، كما له ممارساته المتعددة الواسعة». وهو يدعو إلى الاعتراف بما يمكننا تسميته «أدب المراجعات». فليست الغاية عند كل من كتبوا في هذا المجال مجرد الاقتصار علــى التعريــف بكتــب في حقــل معين، بــل إن البعض عمل فعلاً على كتابـة مراجعات أدبية يمكن وضعها في مصـاف الأدب الرفيع، وقد أعلت مــن شــأن الكتابــة علــى الكتابــة كفعــل أصيــل وليس مجرد ردة فعــل سريعة، أو تعليقات متعجلة.

مقالة واحدة تلفت القراء وتجذبهم يمكنها أن تعلي من شأن الكتاب في عيون الناس وتجعلهم يتهافتون للحصول عليه

ما يفوتنا أحياناً، أن ثمة بعداً تجارياً واقتصادياً للمراجعات. إذ إن مقالة واحدة تلفت القراء وتجذبهم، يمكنها أن تعلي من شأن الكتاب في عيون الناس، وتجعلهم يتهافتون للحصول عليه. من هنا يقول العيد بدأنا نسمع عن شركات متخصصة في تسويق الكتب، واستكتاب كتّاب أعمدة في الصحف الرائجة. وهناك دور نشر متعاقدة مع أبرز مراجعي الكتب، وثمة مؤلفون ينسجون علاقات مع يوتيوبرز ونجوم وسائل التواصل للترويج لكتبهم، ولا غرابة أن نجد بأنه ما أن تنطلق الحملة حتى تنفد الكتب عن رفوف المكتبات.

يحاول رائد العيد، إذن، تقديم مسار المراجعات منذ عرفها الإنسان إلى اليوم بشمولية وانفتاح على مختلف الأشكال والمعارف. إنها دراسة بنفح أدبي تشبه ما يمكن أن نسميه «أنثروبولوجيا المراجعات»، من خلال استعراض سيرة هذا الفن في المجلات والدوريات الثقافية الورقية وصولاً إلى العصر الرقمي المنفتح، حيث أصبحت منصات التواصل الاجتماعي والمدونات الوسيلة الأكثر رواجاً لتقييم الكتب ومشاركة أخبارها وتبادل الآراء حولها.

والكتاب يسد ثغرة في المكتبة العربية، ويملأ فراغاً تنظيرياً بشأن فن اعتبر باستمرار أقل من أن يلتفت إليه، لا، بل لم يعترف بقيمته الأدبية ودوره بصفته محركاً حيوياً لحركة البيع وسبباً أساسياً في فتح المعارك الأدبية والفكرية. لهذا؛ اعتبر المؤلف كتّاب المراجعات الذين أهداهم الكتاب بأنهم «صنّاع الجسور الثقافية، وأمناء المكتبة الكونية».

يرسم العيد بداية طريق لمجال لم يؤخذ بالجدية الكافية؛ آملاً أن يأتي من بعده من يطوره ويبحث في مزيد من التفاصيل، خاصة وأن المجال نفسه يشهد تحولاً في الشكل والمضمون والوسيلة، في وقت واحد. وهذا انقلاب كبير، تتوجب متابعته.

وهنا يستشهد الكتاب بما ختم به ابن خلدون مقدمته الشهيرة: «ولعل من يأتي بعدنا ممن يؤيده الله بفكر صحيح وعلم متين، يغوص من مسائله على أكثر مما كتبناه، فليس على مستنبط الفن إحصاء مسائله، وإنما عليه تعيين موضع العلم وتنويع فصوله وما يتكلم فيه، والمتأخرون يلحقون المسائل شيئاً فشيئاً إلى أن تكمل».


تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»

تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»
TT

تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»

تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»

صدر أخيراً، عن «دار الشروق» في القاهرة، المجموعة القصصية «تخفيف أحمال»، للروائية والقاصة المصرية شيرين سامي. تتكون المجموعة من ثلاث عشرة قصة قصيرة، تسعى إلى تشريح وتفكيك فلسفة «أنصاف الأشياء»، وتكشف عن العوز العاطفي الخافت الذي يتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية للأبطال، الذين يرتضون بنصف دفء ونصف حب، ونصف طمأنينة لا تكتمل أبداً. وتتحول القصص مرآةً للإنسانية شديدة الهشاشة، نابشة في مرارة الخذلان وفراغات الروح، ليكتشف الأبطال مع آخر ضوء ينطفئ أن العتمة المؤقتة قد تصبح أحياناً مساحتهم الوحيدة والآمنة للنجاة.

تتقاطع حكايات المجموعة وتتباين عوالمها، معتمدة لغة بصرية. وتدور القصة - التي تحمل المجموعة عنوانها - حول فتاة تستعيد مزاج التسعينات ورسائل الشرفات وشرائط الكاسيت القديمة.

وفي قصة «يوميات امرأة غير جديرة بالحب» تستعيد البطلة ذكرياتها الطويلة مع العلاقات السامة. بينما في «شقة رقم عشرة» يجلس البشر محبوسي الأنفاس أمام الشاشات في انتظار نيزك ينهي العالم خلال أربع وعشرين ساعة.

وكان قد صدرت لشيرين سامي ثمانية كتب، منها روايات: «قيد الفراشة» و«حنة»، و« مَن ذاق عرف»، و«الحجرات»، وكان أحدث إصداراتها رواية «السيدة الكبرى» في يناير (كانون الثاني) 2025، ورواية للنشء بعنوان «ابْتَسِمْ لأكون أقوى» التي وصلت إلى القائمة القصيرة لـ«جائزة اتصالات لكتاب الطفل» عن فئة اليافعين، وكتاب «154 طريقة لقول أفتقدك».

من أجواء المجموعة، نقرأ: «كثيراً ما تتمشى في الشوارع، قديماً كان الغرض من التمشية هو حب الحركة مع مشاهدة الطبيعة والناس والمحال والأحوال، ثم أصبحت تفعلها حتى تضعف، بعد أن علَّق علي أنها تحتاج إلى أن تفقد بعض الوزن، لم يكن أول تعليق تسمعه عن جسدها الذي يقترب من النحافة، أبوها قال تعليقاً مشابهاً ذات مرة لكن بحسه الساخر، وحبيب سابق قاله أيضاً بحسِّه المُدمِّر.

أما هو فقالها بحسه اللطيف، كمشرط دقيق يظن به البعض أنه يعالج. لكن في تمشياتها الأخيرة، أشياء بدأت تتبدَّى لها، قائمة طويلة من الأمور التي تؤلمها، هذا الألم الشفيف الذي لا تستطيع أن تصرخ وتهد العالم وتقول بسببه: «يجب أن أرحل».. أو «قف!»، ألم له قوام هلامي، لا تستطيع أن تمسك به أو تكرهه أو تريه للآخرين، لكنك أيضاً لا تستطيع أن تتغافل عن حركته في يدك، ترسل له رسالة تقول: «أريد أن أحتضنك جدّاً»، ترسلها دون أن تفكر، لو فكرت فربما استبدلت الآن بـ جدّاً، تتذكر رسالة مشابهة أرسلتها قبل سنوات وأتى على أثرها من غيابه ليحقق لها رغبتها، لكنها تعلم أنه لن يأتي هذه المرة، لن يأتي كل مرة.

ورغم ذلك عندما تضعه بجوار قائمة الأمور التي تؤلمها، فإنها تقرر أن تختاره.


«بـينَ الجسرِ والجرس»... نص متخيل ينهض على تجربة واقعية

«بـينَ الجسرِ والجرس»... نص متخيل ينهض على تجربة واقعية
TT

«بـينَ الجسرِ والجرس»... نص متخيل ينهض على تجربة واقعية

«بـينَ الجسرِ والجرس»... نص متخيل ينهض على تجربة واقعية

تختم ميمونة الشيشاني روايتها الجديدة «بـينَ الجسرِ والجرس»، بصفحةٍ عنونتها بـ«أخيراً»، تخرج فيها من صوت الراوية «آلاء» إلى صوتها هي، الروائيّة التي تُعنى - كما تصف نفسها - بنقل التجربة الإنسانية على الصعيدين الفرديّ والجمعيّ، وفي هذه الصفحة توجّه شكرها وامتنانها لمحارِبة السرطان السيدة آلاء آسندر، التي بُنِي أساس الرواية على قصتها الحقيقية مع المرض.

جاءت الرواية الصادرة عن «الآن ناشرون وموزعون» في الأردن في 188 صفحة من القطع المتوسط، وتقدم خلالها سرداً ذاتيًّا حميماً بضمير المتكلم، هو في جوهره «رواية شهادة»: نصٌّ متخيَّلٌ ينهض على تجربةٍ إنسانيةٍ واقعية، خضعت، كما ورد في صفحة «تنويه» في افتتاح الكتاب، لمعالجةٍ فنيةٍ وتخيُّيلٍ روائيّ يخدمان السياق الأدبي للعمل.

وتروي «آلاء»، بطلة العمل وراويته، رحلتها مع سرطان الثدي منذ لحظة الاشتباه الأولى في الفحص الإشعاعي، مروراً بالخزعة والتشخيص، فالعمليات الجراحية، والعلاج الكيماوي والإشعاعي والهرموني والبيولوجي، وصولاً إلى إعلانها «ناجية» بعد سنوات من المتابعة.

وتفتتح الرواية بمشهدٍ مباغت بصيغة الحاضر: لحظة سريرية أقرب إلى الاحتضار، تسمع فيها آلاء صافرة جهاز المراقبة وإعلان الطبيب ساعة الوفاة، في حين تشعر روحها بانفصالٍ خفيفٍ عن جسدها. هذا المشهد الاستهلالي – الذي يتكشَّف لاحقاً أنه رؤيا منامية لا واقعة فعلية – يمنح الرواية إطاراً دائريًّا؛ إذ يعود صداه في فصلٍ متأخر بعنوان «موتٌ زائف»، قبل أن تُغلَق الدائرة بمشهدَي «قرع الجرس» و«ولادة» في ختام العمل.

ويشكّل الفضاء الرقمي - حسابات «فيسبوك» و«سنابشات» و«إكس» - مسرحاً فرعيًّا للرواية؛ إذ توثّق آلاء تفاصيل رحلتها بمنشوراتٍ وصورٍ وتعليقات، فتتحوّل صفحتها الشخصية مساحةَ تضامنٍ افتراضيٍّ مع ناجياتٍ أخريات ومتابعين من بلدانٍ عدة، وتصبح الكتابة على «الجدار» امتداداً لصوتها الداخلي حين يعجز الجسد عن الفعل.

من أجواء الرواية نقرأ النص الآتي: «العالمُ هنا تحت قدميَّ؛ تمرُّ من تحتي جحافل السَّيارات المتّجهة إلى حيواتها المختلفة، وأنا أُحلِّق فوقها كغيمةٍ تائهةٍ فضوليَّة. قد لا يتنبَّهون لوجودي، وقد يمرُّون بي مرور الجُهَّال، لكنِّي الجبل الذي يتعجَّب النُّجباء من شموخهِ وثباتهِ على الرغم من سياط البرق التي تخترق جوفي، وسهام المطر التي تنغرز في أكثر اﻷماكن رقَّةً وضعفاً. ظلِّي يسكن مراياهم العابرة، وطيفي حرٌّ يسبح في فضاءاتٍ لا حدود لها».

وهو مقطع يكشف عن جانب من اللغة التي تراهن عليها الرواية؛ لغة تتجاور فيها صورة الجسد المتألم مع اتساع المخيلة، ويصبح المرض، رغم قسوته، نافذة لرؤية العالم من علٍ، لا مجرد تجربة تستنزف صاحبها.

والرواية امتداد لمشروع الشيشاني في الكتابة عن التجارب الإنسانية الواقعية، لكنها تضع هذه المرة وجع الجسد في مواجهة مباشرة مع واحدة من أكثر رغبات الإنسان بداهة وإلحاحاً: أن يعبر إلى الضفة الأخرى، وأن يقرع الجرس معلناً أنه ما زال هنا... حيّاً.

وكانت المؤلفة قد أصدرت من قبل روايتين: «دمعة ذئب» و«كزهر اللي»، إضافة إلى مجموعة من القصص الموجَّهة للأطفال.