قلق أميركي من تعميق الشراكة الروسية - الهندية

موسكو ونيودلهي تدخلان مرحلة «الاستقلال الاستراتيجي» رغم ضغوطات واشنطن

مودي لدى استقباله بوتين في نيودلهي يوم 4 ديسمبر (إ.ب.أ)
مودي لدى استقباله بوتين في نيودلهي يوم 4 ديسمبر (إ.ب.أ)
TT

قلق أميركي من تعميق الشراكة الروسية - الهندية

مودي لدى استقباله بوتين في نيودلهي يوم 4 ديسمبر (إ.ب.أ)
مودي لدى استقباله بوتين في نيودلهي يوم 4 ديسمبر (إ.ب.أ)

أثارت زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الهند حالة من اليقظة في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، التي عدّت الشراكة المتجددة بين نيودلهي وموسكو بمثابة تقويض مباشر لجهودها الرامية لوقف تمويل حرب روسيا في أوكرانيا. ويجمع محللون على أن الزيارة، برمزيتها وما أفرزته من اتفاقيات، تمثل رسالة «تحدٍ» و«استقلالية استراتيجية» واضحة موجهة إلى واشنطن.

غير أنه وبالرغم من توقيعها سلسلة اتفاقيات جديدة تعيد تثبيت علاقاتها مع روسيا إلى مستوياتها الاستراتيجية، تجد الهند نفسها في مرحلة شديدة التعقيد في سياستها الخارجية، في وقت تشهد فيه العلاقات الهندية - الأميركية توتراً متصاعداً بسبب إصرار نيودلهي على الحفاظ على شراكتها التاريخية مع الكرملين.

ومنذ لحظة الاستقبال الحار الذي خصّ به رئيس الوزراء ناريندرا مودي ضيفه الروسي، مروراً بالعشاء غير الرسمي في مقر إقامته، وصولاً إلى مراسم الوداع، حرصت نيودلهي على إظهار أن العلاقة مع موسكو «ثابتة مثل النجمة القطبية»، كما قال مودي بعد توقيع الاتفاقيات. وقد منح مودي بوتين إشادات لافتة، مثنياً على «قيادته وبصيرته»، في رسالة واضحة لواشنطن بأن الهند لا تعتزم التخلي عن سياسة «الاستقلال الاستراتيجي» التي تُبقي خطوطها مفتوحة مع جميع الأطراف.

توتر غير مسبوق

بالنسبة لإدارة الرئيس دونالد ترمب، باتت الهند جزءاً من ساحة ضغط أوسع على روسيا. فالإدارة ترى أن الشراكة الهندية - الروسية توفر لموسكو منفذاً اقتصادياً ودبلوماسياً يخفف من حدة العقوبات الغربية. ومُنذ عام 2022، عدّت واشنطن أن نيودلهي تحولت إلى «مغسلة للكرملين»، بعد أن قفزت وارداتها من النفط الروسي من 2 في المائة إلى أكثر من ثلث إجمالي وارداتها.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يتحدثان خلال قمة منظمة شنغهاي في تيانجين يوم 1 سبتمبر (رويترز)

وأمام هذا المسار، رفعت الإدارة الأميركية الرسوم الجمركية على السلع الهندية إلى 50 في المائة، وفرضت عقوبات على شركات شحن وتأمين وبنوك تُسهّل تجارة النفط الروسي. وقد دفعت الضغوط الأميركية عدداً من كبرى التكتلات الهندية، مثل «ريلاينس»، إلى وقف معظم مشترياتها من الخام الروسي تفادياً للعقوبات الثانوية.

لكن موسكو تؤكد أن هذا التراجع «مؤقت»، وأنها تطور آليات التفاف جديدة لضمان استمرار تدفق النفط إلى السوق الهندية. وتراقب واشنطن من كثب أي تعمق إضافي في العلاقات الروسية - الهندية، خصوصاً بعد توقيع اتفاقيات جديدة تشمل الطاقة والتكنولوجيا والتصنيع.

وأشار معهد هدسون إلى أن الهند عادت إلى وضعها الافتراضي المتمثل في «التحوط» في تحالفاتها، «مرسلة إشارة إلى الولايات المتحدة بأن لديها خيارات متعددة». بل يرى بعض المحللين أنه «كلما زاد استهداف ترمب وإدارته للهند، ترسخت في الهند قناعة بأهمية علاقتها مع روسيا».

معادلة السلاح والتجارة

رغم الضغوط الأميركية، يبقى المجال الدفاعي حجر الزاوية في العلاقة الروسية - الهندية. إذ لا تزال أكثر من 60 في المائة من ترسانة الهند روسية المنشأ، من الطائرات المقاتلة إلى أنظمة الدفاع الجوي، وصواريخ «براهموس» المشتركة التطوير.

جانب من لقاء بوتين ومودي على هامش أعمال مجموعة «بريكس» شهر أكتوبر 2024 (د.ب.أ)

وخلال القمة الأخيرة، أكدت موسكو استعدادها لصفقات جديدة، بينما تواصل الهند تقدير المخاطر، خشية تفعيل واشنطن لعقوبات قانون «كاتسا». وفي خلفية هذا المشهد، تستخدم نيودلهي العروض الروسية بوصفها أداة مساومة مع واشنطن للحصول على أنظمة أميركية أكثر تقدماً، مُدركة أنها تحتاج إلى موافقة ضمنية من الولايات المتحدة قبل الدخول في صفقات كبرى جديدة مع موسكو. فالهند تُعدّ ركناً أساسياً في الرؤية الأميركية لموازنة صعود الصين، ما يمنحها هامشاً محدوداً لكنه مُهم، في مواجهة الضغوط.

التوازن مع الصين

الكرملين من جهته يسعى إلى تنويع شراكاته في آسيا، وتقليل اعتماده المفرط على الصين، التي تحولت إلى أكبر مشترٍ للطاقة الروسية.

الرئيسان الصيني شي جينبينغ والروسي فلاديمير بوتين وبينهما رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي أثناء لقائهم بمدينة تيانجين الصينية في سبتمبر (أ.ب)

وتحاول موسكو تعزيز وارداتها من السلع الصناعية والزراعية الهندية، ومعالجة الاختلال التجاري الكبير الذي تتجاوز فيه صادراتها إلى الهند 60 مليار دولار مقابل 5 مليارات فقط في الاتجاه المعاكس.

وتُشكّل المشاريع النووية، ومنها محطة «كودانكولام» التي تبنيها «روساتوم» في تاميل نادو، ومشاريع الصناعات الدوائية والطاقة، ركائز إضافية في هذا التوجه. وقد أكد بوتين استعداد بلاده لـ«استمرار الإمدادات غير المنقطعة من الطاقة» للاقتصاد الهندي المتنامي.

التكنولوجيا ساحة تنافس جديدة

التعاون التكنولوجي برز في الزيارة بصفته أحد أهم مجالات التعاون بين نيودلهي وموسكو. فإلى جانب عروض نقل تكنولوجيا المقاتلة «سو 57»، تكشف وثائق حصلت عليها أجهزة أوروبية، ونشرتها صحيفة «واشنطن بوست»، عن جهود روسية بقيادة أندريه بيزروكوف، الجاسوس السابق الذي أصبحت حياته أساس مسلسل اسمه «الأميركيون»، لاختراق قطاع التكنولوجيا الهندي عبر مشاريع مشتركة تشمل الأمن السيبراني والحوسبة المتقدمة.

ترمب ومودي في مؤتمر صحافي مشترك في البيت الأبيض في فبراير الماضي (رويترز)

وتُوضّح الوثائق أن هذه المبادرة لا تقتصر على تعزيز «السيادة التكنولوجية» الروسية، بل تهدف أيضاً لفتح أبواب النفوذ داخل الأنظمة التقنية الهندية، من خلال مشاريع، مثل تطوير معالجات وطنية تعتمد على «إلبروس» الروسية، أو إدخال نظام التشغيل «باس آلت» في مؤسسات حكومية، بما فيها الدفاعية. وقد أبدت نيودلهي اهتماماً ببعض هذه المشاريع، وجرى توقيع اتفاقيات أولية لمجمعات إنتاج مشتركة.

غير أن محللين غربيين يحذرون من أخطار «أبواب خلفية» أمنية قد تسمح لموسكو بالتسلل إلى البنية التحتية الرقمية الهندية، خصوصاً مع سوابق العقوبات الأميركية على شركات سيبرانية روسية مرتبطة بالاستخبارات. كما تشير الوثائق إلى تواصل روسي - صيني حول بعض هذه المشاريع، ما يثير تساؤلات إضافية بشأن تأثيرها على الأمن القومي الهندي.

كيف سترد واشنطن؟

أمام هذا المشهد المتشابك، يتوقع مراقبون أن تسعى واشنطن إلى رفع مستوى الضغط على نيودلهي إذا مضت قُدماً في تنفيذ الاتفاقيات الموقعة مع موسكو.

عسكرياً، أي صفقة سلاح روسية كبرى مثل توسيع منظومة «إس 400»، أو تعاون في إنتاج «سو 57» قد يؤدي ذلك إلى تفعيل عقوبات «كاتسا»، مع ضعف احتمال منح إعفاء استراتيجي لنيودلهي في ظل الإدارة الحالية.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير إلى جانب نظيره الروسي فلاديمير بوتين خلال لقاء جمعهما في ألاسكا يوم 15 أغسطس (د.ب.أ)

اقتصادياً ونفطياً، ستواصل الولايات المتحدة مراقبة التزام الهند بسقف أسعار النفط الروسي، وقد توسع العقوبات على شركات شحن وتمويل مرتبطة بالتجارة النفطية لإغلاق أي ثغرات تمكّن موسكو من الالتفاف على سقف الأسعار.

تكنولوجياً، من المتوقع أن تدرس واشنطن استهداف الشركات الروسية المشاركة في مشاريع سيبرانية داخل الهند، وقد تضغط على الشركات الأميركية لعدم التعاون مع أطراف هندية منخرطة في المبادرات التكنولوجية الروسية.

تتقدم الشراكة الروسية - الهندية بثبات، لكنها تتقدم أيضاً داخل حقل ألغام دبلوماسي واقتصادي أميركي. الهند، التي تعتمد على روسيا في أمنها القومي وعلى الولايات المتحدة بوصفها بوابتها الاقتصادية والتكنولوجية نحو المستقبل، تحاول تعزيز استقلاليتها الاستراتيجية وعدم الانحياز، فيما تسعى موسكو إلى استثمار هذا التوازن لمواجهة عزلتها الدولية، وتقليص هيمنة الصين عليها.

لكن قدرة نيودلهي على الحفاظ على هذا التوازن ستتوقف على عاملين: مدى نجاح روسيا في تجاوز العقوبات الغربية، ومدى استعداد واشنطن لتقبُّل دور للهند، بحيث لا تدور بالكامل في فلكها.


مقالات ذات صلة

بوتين وإردوغان يدعوان إلى وقف فوري لإطلاق النار في الشرق الأوسط

شؤون إقليمية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره التركي رجب طيب إردوغان خلال مؤتمر صحافي مشترك (الكرملين)

بوتين وإردوغان يدعوان إلى وقف فوري لإطلاق النار في الشرق الأوسط

دعا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره التركي رجب طيب إردوغان إلى وقف فوري لإطلاق النار في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا رجال إنقاذ أوكرانيون بموقع غارة روسية استهدفت مبنى سكنياً في خاركيف (إ.ب.أ) p-circle

زيلينسكي يسعى إلى ضمانات أميركية إضافية... ويعدّ الوضع على الجبهة الأفضل خلال 10 أشهر

ميدفيديف: الانقسامات الواضحة داخل الحلف يمكن أن تدفع الاتحاد الأوروبي إلى تجاوز كونه تكتلاً اقتصادياً

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (د.ب.أ)

الكرملين: بوتين يكرس وقتاً طويلاً لأزمة الشرق الأوسط

أعلن المتحدث ​باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، اليوم (الجمعة)، أن الرئيس الروسي ‌فلاديمير ‌بوتين ​يكرس ‌وقتاً ⁠طويلاً ​للأزمة المتصاعدة في الشرق ⁠الأوسط.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين (الشرق الأوسط)

روسيا تؤكد دعمها حفظ سيادة وأمن أراضي السعودية

بحث ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تطورات الأوضاع المتسارعة في ظل التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة.

«الشرق الأوسط» (جدة)
شمال افريقيا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصافح وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال اجتماع في الكرملين بتاريخ 2 أبريل 2026 (رويترز) p-circle 01:02

بوتين يقترح إنشاء مركز للحبوب والطاقة في مصر

قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الخميس، إنَّ روسيا ستساعد مصر في توفير إمدادات الحبوب.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

ترمب يطلب تمويلاً لإعادة فتح سجن «ألكاتراز» سيئ السمعة

 أرشيفية لمجمع سجن «ألكاتراز» الواقع في جزيرة «ألكاتراز» في خليج سان فرانسيسكو (رويترز)
أرشيفية لمجمع سجن «ألكاتراز» الواقع في جزيرة «ألكاتراز» في خليج سان فرانسيسكو (رويترز)
TT

ترمب يطلب تمويلاً لإعادة فتح سجن «ألكاتراز» سيئ السمعة

 أرشيفية لمجمع سجن «ألكاتراز» الواقع في جزيرة «ألكاتراز» في خليج سان فرانسيسكو (رويترز)
أرشيفية لمجمع سجن «ألكاتراز» الواقع في جزيرة «ألكاتراز» في خليج سان فرانسيسكو (رويترز)

طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في مقترح الميزانية الجديد من الكونغرس 152 مليون دولار لإعادة فتح سجن «ألكاتراز» سيئ السمعة.

ويطالب مقترح الميزانية للسنة المالية 2027، الذي أصدره البيت الأبيض يوم الجمعة، تمويل إعادة بناء سجن «ألكاتراز» باعتباره «مرفق سجن آمن على أحدث طراز».

ويغطي التمويل السنة الأولى من تكاليف المشروع وهو جزء من طلب أكبر بقيمة 1.7 مليار دولار لتمويل «منشآت الاحتجاز المتداعية» في الولايات المتحدة.

وفي مايو (أيار)، قال ترمب إنه أعطى تعليمات للسلطات المعنية لإعادة بناء السجن وإعادة فتحه.

وكان الكاتراز، المعروف باسم «الصخرة»، سجناً شديد الحراسة يقع على جزيرة تجتاحها الرياح في خليج سان فرانسيسكو.

ولمدة 29 عاماً، كانت الجزيرة بمثابة مكان لنفي «أسوأ الأسوأ» من مثيري الشغب وأسياد الهروب. وتم إطلاق سراح آخر السجناء المحتجزين هناك في عام .1963


هيغسيث يقيل رئيس أركان الجيش وجنرالين

الجنرال راندي جورج (أ. ب)
الجنرال راندي جورج (أ. ب)
TT

هيغسيث يقيل رئيس أركان الجيش وجنرالين

الجنرال راندي جورج (أ. ب)
الجنرال راندي جورج (أ. ب)

أكد «البنتاغون» أن رئيس أركان الجيش الأميركي الجنرال راندي جورج، تنحى فوراً من منصبه، بالتوازي مع إقالة جنرالين آخرين بناء على طلب وزير الحرب بيت هيغسيث، الذي أصدر قراراً آخر يسمح للعسكريين بحمل أسلحتهم الفردية الخاصة داخل القواعد، من دون تقديم تفسير حقيقي لخلفية القرار.

ويرى الديمقراطيون وبعض الأوساط العسكرية ما يجري، أنه ليس مجرد «اختيار فريق جديد»؛ بل عملية فرز ولاء سياسي داخل مؤسسة يفترض أنها تبقى على مسافة من الصراع الحزبي. وتزداد حساسية هذه المخاوف لأن عدداً من الذين استهدفهم هيغسيث كانوا مرتبطين بقيادات عسكرية خدموا في ظل إدارة جو بايدن، أو غير منسجمين مع خط ترمب الثقافي والسياسي. والقرارات، كما عكستها الصحف الأميركية، لا تُقرأ فقط بوصفها أمنية أو إدارية؛ بل أيضاً بوصفها جزءاً من معركة على هوية الجيش الأميركي وحدود حياده التقليدي.


إصابة 365 جندياً أميركياً منذ بدء الحرب على إيران

صورة لـ«البنتاغون» من الجو في واشنطن (رويترز)
صورة لـ«البنتاغون» من الجو في واشنطن (رويترز)
TT

إصابة 365 جندياً أميركياً منذ بدء الحرب على إيران

صورة لـ«البنتاغون» من الجو في واشنطن (رويترز)
صورة لـ«البنتاغون» من الجو في واشنطن (رويترز)

كشفت بيانات وزارة الدفاع الأميركية «البنتاغون) أنه حتى يوم الجمعة، أصيب 247 جندياً من جنود الجيش و63 بحاراً من البحرية و19 من مشاة البحرية و36 طياراً بالقوات الجوية.

ولم يتضح ما إذا كانت البيانات تتضمن أيا من الجنود الذين سقطوا لدى إسقاط طائرتين مقاتلتين يوم الجمعة.

وكان معظم الجرحى، 200 جندياً من المجندين من المستوى المتوسط إلى الأعلى و85 ضابطا و80 من المجندين المبتدئين. ولا يزال عدد القتلى الحالي عند 13 جندياً قضوا في القتال.