قلق أميركي من تعميق الشراكة الروسية - الهندية

موسكو ونيودلهي تدخلان مرحلة «الاستقلال الاستراتيجي» رغم ضغوطات واشنطن

مودي لدى استقباله بوتين في نيودلهي يوم 4 ديسمبر (إ.ب.أ)
مودي لدى استقباله بوتين في نيودلهي يوم 4 ديسمبر (إ.ب.أ)
TT

قلق أميركي من تعميق الشراكة الروسية - الهندية

مودي لدى استقباله بوتين في نيودلهي يوم 4 ديسمبر (إ.ب.أ)
مودي لدى استقباله بوتين في نيودلهي يوم 4 ديسمبر (إ.ب.أ)

أثارت زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الهند حالة من اليقظة في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، التي عدّت الشراكة المتجددة بين نيودلهي وموسكو بمثابة تقويض مباشر لجهودها الرامية لوقف تمويل حرب روسيا في أوكرانيا. ويجمع محللون على أن الزيارة، برمزيتها وما أفرزته من اتفاقيات، تمثل رسالة «تحدٍ» و«استقلالية استراتيجية» واضحة موجهة إلى واشنطن.

غير أنه وبالرغم من توقيعها سلسلة اتفاقيات جديدة تعيد تثبيت علاقاتها مع روسيا إلى مستوياتها الاستراتيجية، تجد الهند نفسها في مرحلة شديدة التعقيد في سياستها الخارجية، في وقت تشهد فيه العلاقات الهندية - الأميركية توتراً متصاعداً بسبب إصرار نيودلهي على الحفاظ على شراكتها التاريخية مع الكرملين.

ومنذ لحظة الاستقبال الحار الذي خصّ به رئيس الوزراء ناريندرا مودي ضيفه الروسي، مروراً بالعشاء غير الرسمي في مقر إقامته، وصولاً إلى مراسم الوداع، حرصت نيودلهي على إظهار أن العلاقة مع موسكو «ثابتة مثل النجمة القطبية»، كما قال مودي بعد توقيع الاتفاقيات. وقد منح مودي بوتين إشادات لافتة، مثنياً على «قيادته وبصيرته»، في رسالة واضحة لواشنطن بأن الهند لا تعتزم التخلي عن سياسة «الاستقلال الاستراتيجي» التي تُبقي خطوطها مفتوحة مع جميع الأطراف.

توتر غير مسبوق

بالنسبة لإدارة الرئيس دونالد ترمب، باتت الهند جزءاً من ساحة ضغط أوسع على روسيا. فالإدارة ترى أن الشراكة الهندية - الروسية توفر لموسكو منفذاً اقتصادياً ودبلوماسياً يخفف من حدة العقوبات الغربية. ومُنذ عام 2022، عدّت واشنطن أن نيودلهي تحولت إلى «مغسلة للكرملين»، بعد أن قفزت وارداتها من النفط الروسي من 2 في المائة إلى أكثر من ثلث إجمالي وارداتها.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يتحدثان خلال قمة منظمة شنغهاي في تيانجين يوم 1 سبتمبر (رويترز)

وأمام هذا المسار، رفعت الإدارة الأميركية الرسوم الجمركية على السلع الهندية إلى 50 في المائة، وفرضت عقوبات على شركات شحن وتأمين وبنوك تُسهّل تجارة النفط الروسي. وقد دفعت الضغوط الأميركية عدداً من كبرى التكتلات الهندية، مثل «ريلاينس»، إلى وقف معظم مشترياتها من الخام الروسي تفادياً للعقوبات الثانوية.

لكن موسكو تؤكد أن هذا التراجع «مؤقت»، وأنها تطور آليات التفاف جديدة لضمان استمرار تدفق النفط إلى السوق الهندية. وتراقب واشنطن من كثب أي تعمق إضافي في العلاقات الروسية - الهندية، خصوصاً بعد توقيع اتفاقيات جديدة تشمل الطاقة والتكنولوجيا والتصنيع.

وأشار معهد هدسون إلى أن الهند عادت إلى وضعها الافتراضي المتمثل في «التحوط» في تحالفاتها، «مرسلة إشارة إلى الولايات المتحدة بأن لديها خيارات متعددة». بل يرى بعض المحللين أنه «كلما زاد استهداف ترمب وإدارته للهند، ترسخت في الهند قناعة بأهمية علاقتها مع روسيا».

معادلة السلاح والتجارة

رغم الضغوط الأميركية، يبقى المجال الدفاعي حجر الزاوية في العلاقة الروسية - الهندية. إذ لا تزال أكثر من 60 في المائة من ترسانة الهند روسية المنشأ، من الطائرات المقاتلة إلى أنظمة الدفاع الجوي، وصواريخ «براهموس» المشتركة التطوير.

جانب من لقاء بوتين ومودي على هامش أعمال مجموعة «بريكس» شهر أكتوبر 2024 (د.ب.أ)

وخلال القمة الأخيرة، أكدت موسكو استعدادها لصفقات جديدة، بينما تواصل الهند تقدير المخاطر، خشية تفعيل واشنطن لعقوبات قانون «كاتسا». وفي خلفية هذا المشهد، تستخدم نيودلهي العروض الروسية بوصفها أداة مساومة مع واشنطن للحصول على أنظمة أميركية أكثر تقدماً، مُدركة أنها تحتاج إلى موافقة ضمنية من الولايات المتحدة قبل الدخول في صفقات كبرى جديدة مع موسكو. فالهند تُعدّ ركناً أساسياً في الرؤية الأميركية لموازنة صعود الصين، ما يمنحها هامشاً محدوداً لكنه مُهم، في مواجهة الضغوط.

التوازن مع الصين

الكرملين من جهته يسعى إلى تنويع شراكاته في آسيا، وتقليل اعتماده المفرط على الصين، التي تحولت إلى أكبر مشترٍ للطاقة الروسية.

الرئيسان الصيني شي جينبينغ والروسي فلاديمير بوتين وبينهما رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي أثناء لقائهم بمدينة تيانجين الصينية في سبتمبر (أ.ب)

وتحاول موسكو تعزيز وارداتها من السلع الصناعية والزراعية الهندية، ومعالجة الاختلال التجاري الكبير الذي تتجاوز فيه صادراتها إلى الهند 60 مليار دولار مقابل 5 مليارات فقط في الاتجاه المعاكس.

وتُشكّل المشاريع النووية، ومنها محطة «كودانكولام» التي تبنيها «روساتوم» في تاميل نادو، ومشاريع الصناعات الدوائية والطاقة، ركائز إضافية في هذا التوجه. وقد أكد بوتين استعداد بلاده لـ«استمرار الإمدادات غير المنقطعة من الطاقة» للاقتصاد الهندي المتنامي.

التكنولوجيا ساحة تنافس جديدة

التعاون التكنولوجي برز في الزيارة بصفته أحد أهم مجالات التعاون بين نيودلهي وموسكو. فإلى جانب عروض نقل تكنولوجيا المقاتلة «سو 57»، تكشف وثائق حصلت عليها أجهزة أوروبية، ونشرتها صحيفة «واشنطن بوست»، عن جهود روسية بقيادة أندريه بيزروكوف، الجاسوس السابق الذي أصبحت حياته أساس مسلسل اسمه «الأميركيون»، لاختراق قطاع التكنولوجيا الهندي عبر مشاريع مشتركة تشمل الأمن السيبراني والحوسبة المتقدمة.

ترمب ومودي في مؤتمر صحافي مشترك في البيت الأبيض في فبراير الماضي (رويترز)

وتُوضّح الوثائق أن هذه المبادرة لا تقتصر على تعزيز «السيادة التكنولوجية» الروسية، بل تهدف أيضاً لفتح أبواب النفوذ داخل الأنظمة التقنية الهندية، من خلال مشاريع، مثل تطوير معالجات وطنية تعتمد على «إلبروس» الروسية، أو إدخال نظام التشغيل «باس آلت» في مؤسسات حكومية، بما فيها الدفاعية. وقد أبدت نيودلهي اهتماماً ببعض هذه المشاريع، وجرى توقيع اتفاقيات أولية لمجمعات إنتاج مشتركة.

غير أن محللين غربيين يحذرون من أخطار «أبواب خلفية» أمنية قد تسمح لموسكو بالتسلل إلى البنية التحتية الرقمية الهندية، خصوصاً مع سوابق العقوبات الأميركية على شركات سيبرانية روسية مرتبطة بالاستخبارات. كما تشير الوثائق إلى تواصل روسي - صيني حول بعض هذه المشاريع، ما يثير تساؤلات إضافية بشأن تأثيرها على الأمن القومي الهندي.

كيف سترد واشنطن؟

أمام هذا المشهد المتشابك، يتوقع مراقبون أن تسعى واشنطن إلى رفع مستوى الضغط على نيودلهي إذا مضت قُدماً في تنفيذ الاتفاقيات الموقعة مع موسكو.

عسكرياً، أي صفقة سلاح روسية كبرى مثل توسيع منظومة «إس 400»، أو تعاون في إنتاج «سو 57» قد يؤدي ذلك إلى تفعيل عقوبات «كاتسا»، مع ضعف احتمال منح إعفاء استراتيجي لنيودلهي في ظل الإدارة الحالية.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير إلى جانب نظيره الروسي فلاديمير بوتين خلال لقاء جمعهما في ألاسكا يوم 15 أغسطس (د.ب.أ)

اقتصادياً ونفطياً، ستواصل الولايات المتحدة مراقبة التزام الهند بسقف أسعار النفط الروسي، وقد توسع العقوبات على شركات شحن وتمويل مرتبطة بالتجارة النفطية لإغلاق أي ثغرات تمكّن موسكو من الالتفاف على سقف الأسعار.

تكنولوجياً، من المتوقع أن تدرس واشنطن استهداف الشركات الروسية المشاركة في مشاريع سيبرانية داخل الهند، وقد تضغط على الشركات الأميركية لعدم التعاون مع أطراف هندية منخرطة في المبادرات التكنولوجية الروسية.

تتقدم الشراكة الروسية - الهندية بثبات، لكنها تتقدم أيضاً داخل حقل ألغام دبلوماسي واقتصادي أميركي. الهند، التي تعتمد على روسيا في أمنها القومي وعلى الولايات المتحدة بوصفها بوابتها الاقتصادية والتكنولوجية نحو المستقبل، تحاول تعزيز استقلاليتها الاستراتيجية وعدم الانحياز، فيما تسعى موسكو إلى استثمار هذا التوازن لمواجهة عزلتها الدولية، وتقليص هيمنة الصين عليها.

لكن قدرة نيودلهي على الحفاظ على هذا التوازن ستتوقف على عاملين: مدى نجاح روسيا في تجاوز العقوبات الغربية، ومدى استعداد واشنطن لتقبُّل دور للهند، بحيث لا تدور بالكامل في فلكها.


مقالات ذات صلة

الكرملين لا يثق بزيلينسكي لكنه يرى أن التسوية السياسية من دونه «مستحيلة»

أوروبا أوكراني وزوجته وابنتهما أمام بناية تعرضت لغارة في كييف أمس (أ.ب) p-circle

الكرملين لا يثق بزيلينسكي لكنه يرى أن التسوية السياسية من دونه «مستحيلة»

خلافاً للموقف المتشدد للرئيس الأميركي دونالد ترمب حيال العلاقة مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، جاء موقف الكرملين أكثر هدوءاً وتحفظاً، وبدا لافتاً في…

رائد جبر (موسكو)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلتقي بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن يوم 28 فبراير 2025 (رويترز)

ترمب: زيلينسكي ليس شخصاً جيداً للتعامل معه

وصف الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، بأنه شريك تفاوضي أكثر صعوبة من الروسي فلاديمير بوتين، مصوّراً إياه عقبةً أمام إنهاء الحرب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال لقائهما في البيت الأبيض يوم 28 فبراير 2025 (أ.ف.ب) p-circle

وراء التوتر بين ترمب وزيلينسكي... اختلاف في تعريف الأولويات باستهداف المصافي

انهيار «هدنة الطاقة» يعمّق شرخ ترمب - زيلينسكي ويفتح جولة تصعيد جديدة.

إيلي يوسف (واشنطن)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والمستشار الألماني فريدريش ميرتس يسيران في ساحة الاستقلال بكييف الأحد (إ.ب.أ) p-circle

تعميق الهوة بين واشنطن وكييف... زيلينسكي يشعر «بالخيانة» ويواجه «قطيعة نهائية» من ترمب

الشرخ المتزايد في العلاقة بين الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وإدارة الرئيس دونالد ترمب يقترب بسرعة من حافة «القطيعة النهائية».

رائد جبر (موسكو)
أوروبا المستشار الألماني فريدريش ميرتس متحدثاً أمام الـ«بوندستاغ» في برلين مع انطلاق محاكمة «سيرهي.ك» (د.ب.أ)

مثول جندي أوكراني متهم بتفجير خط أنابيب «نورد ستريم» أمام المحكمة

في محاكمة تشكل حرجاً للحكومة الألمانية، مثل جندي أوكراني سابق أمام محكمة في هامبورغ بقضية تخريب خط أنابيب الغاز «نورد ستريم1»، في أول يوم لانطلاق محاكمته...

راغدة بهنام (برلين)

ترمب يوقّع أمراً تنفيذياً يعفي روسيا من عقوبات أقرّها «الكونغرس»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب أثناء وصوله يوم أمس إلى تجمع انتخابي في دالتون بولاية جورجيا (ا.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب أثناء وصوله يوم أمس إلى تجمع انتخابي في دالتون بولاية جورجيا (ا.ب)
TT

ترمب يوقّع أمراً تنفيذياً يعفي روسيا من عقوبات أقرّها «الكونغرس»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب أثناء وصوله يوم أمس إلى تجمع انتخابي في دالتون بولاية جورجيا (ا.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب أثناء وصوله يوم أمس إلى تجمع انتخابي في دالتون بولاية جورجيا (ا.ب)

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم، أمرا تنفيذيا أعفى بموجبه روسيا من عقوبات أميركية ورسوم جمركية تستهدف عائدات الطاقة الروسية، وذلك بعدما كان وقّعها الشهر الماضي لتصبح قانونا.

وجاء في الأمر التنفيذي «وفقا لما تنص عليه المادة الرابعة من هذا الأمر، قرّرت تعليق تطبيق العقوبات والقيود والرسوم المنصوص عليها في قانون غراهام».

ومنح قانون ليندسي غراهام، الذي حمل اسم السناتور الأميركي الراحل، ترامب صلاحية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على كبار مشتري النفط والغاز الروسيين.

ويستهدف القانون قطاعَي الطاقة والدفاع الروسيَّين، والرئيس فلاديمير بوتين وغيره من كبار المسؤولين، فضلا عما يُعرف بـ«أسطول الظل» من ناقلات النفط الروسية المستخدمة للالتفاف على العقوبات الغربية.

وأتت خطوة ترمب بعد اتفاقه مع بوتين على استئناف صادرات الديزل الروسية مقابل تخفيف العقوبات الأميركية على موسكو.

إلا أنها الاتفاق أثار استياء الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي وصفه بأنه «قرار ضعيف»، وقرّر استئناف الهجمات على مصافي النفط الروسية، خلافا لإعلان الرئيس الأميركي.


من كاتي زكريا إلى سكاراموتشي... تاريخ الإقالات السريعة لمتحدثي البيت الأبيض

من كاتي زكريا إلى سكاراموتشي... تاريخ الإقالات السريعة لمتحدثي البيت الأبيض
TT

من كاتي زكريا إلى سكاراموتشي... تاريخ الإقالات السريعة لمتحدثي البيت الأبيض

من كاتي زكريا إلى سكاراموتشي... تاريخ الإقالات السريعة لمتحدثي البيت الأبيض

لم يكن منصب المتحدث باسم البيت الأبيض يوماً مجرد وظيفة إدارية عادية، بل هو خط الدفاع الأول عن أدق أسرار وتوجهات الإدارة الأميركية، والموقع الأكثر عرضة لـ«مقاصل» الإقالة السياسية السريعة.

ومع التطورات الأخيرة الصادمة في أروقة واشنطن، أعاد سقوط المتحدثة الجديدة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا بعد أسبوع فقط من تعيينها، تسليط الضوء على تاريخ هذا المنصب المليء بالإعفاءات العاصفة والوجوه التي لم تكد تحفظ ممرات المبنى البيضاوي حتى أُجبرت على مغادرته.

الأسرع في التاريخ... زلة لسان وأكاذيب قانونية تطيح بزكريا

سجلت كاتي زكريا الرقم القياسي كأقصر المتحدثين الرسميين بقاءً في تاريخ البيت الأبيض بعد خمسة أيام فقط من توليها المنصب في أكتوبر (تشرين الأول) 2026.

وجاء سقوطها المدوي إثر مواجهتها لإحاطة صحافية أولى استمرت 14 دقيقة فقط، تخللتها زلات لسان غريبة أثارت سخرية منصات التواصل الاجتماعي.

ولم تقف الأمور عند حد الارتباك المهني، بل جاء المنعطف الحاسم الذي عجل برحيلها، والذي كان افتضاح أمر مؤهلاتها القانونية، حيث قدّمها الرئيس دونالد ترمب كمحامية محترفة، ليتبين لاحقاً للصحافة الاستقصائية أنها رسبت في اختبار نقابة المحامين ولم تحصل قط على الترخيص، ما دفع ترمب لحثها علناً على الاستقالة قائلاً لها أمام الكاميرات إن عليها إعادة النظر في موقعها.

وبذلك غادرت المعلقة السياسية المحافظة والمستشارة الإعلامية السابقة منصبها قبل أن تبدأ عملياً في ممارسته.

المتحدثة السابقة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا (أ.ب)

شون سبايسر... حارس بوابة «الحقائق البديلة» الذي دهسته التجاذبات

وفي سياق متصل، حفر شون سبايسر اسمه في ذاكرة الإقالات الخاطفة خلال عهد ترمب الأول عام 2017، حيث أمضى 182 يوماً فقط في منصبه. سبايسر، الذي كان يشغل سابقاً منصب الخبير الاستراتيجي الإعلامي للجنة الوطنية للحزب الجمهوري، دخل في مواجهة طاحنة مع الجسم الصحافي منذ اليوم الأول لتكليفه، عندما أُجبر على تضخيم أرقام الحضور في حفل تنصيب ترمب بما يخالف الصور الجوية الواقعية.

وتآكلت الرصانة المهنية لسبايسر يومياً تحت وطأة ضغوط الإدارة ورغبتها في الهجوم الشرس على وسائل الإعلام، لتأتي نهايته السريعة بالاستقالة احتجاجاً على تعيين ترمب للمستثمر النيويوركي أنتوني سكاراموتشي مديراً للاتصالات.

المتحدث باسم البيت الأبيض السابق شون سبايسر (أ.ف.ب)

مفارقة سكاراموتشي... «الخروج الكبير» في أحد عشر يوماً

وعلى الرغم من أن أنتوني سكاراموتشي لم يشغل تقنياً منصب السكرتير الصحافي بل مدير اتصالات البيت الأبيض، فإن تجربته تظل الأيقونة التاريخية للإقالات الخاطفة في الجناح الغربي بعد أن أمضى 11 يوماً فقط في منصبه في يوليو (تموز) 2017.

وفقد الممول القادم من قطاع وول ستريت وظيفته إثر إجرائه مقابلة صحافية هاتفية مليئة بالألفاظ النابية والشتائم الموجهة لزملائه في الإدارة مثل رينس بريبوس وستيف بانون.

وجاء قرار إبعاده السريع بضغط مباشر من رئيس الموظفين آنذاك، جون كيلي، لفرض الانضباط العسكري داخل الفريق، ما جعل اسم سكاراموتشي يتحول في واشنطن إلى وحدة قياس زمنية تهكمية للمقارنة مع أي مسؤول يقال سريعاً.

مدير اتصالات البيت الأبيض السابق أنتوني سكاراموتشي (رويترز)

وعلّق سكاراموتشي عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس» متفاعلاً مع كسر رقمه القياسي السابق، حيث كتب معقباً على تغريدة للإعلامي جو سكاربورو: «الأرقام القياسية وُجدت لتُحطم.. لكنني لا أجد أي متعة في آلام الآخرين».

وجاء هذا التعليق ليعكس المفارقة التاريخية الساخرة التي أصبحت تربط بين اسمه واسم زكاريا كأقصر المسؤولين بقاءً في مناصبهم الإعلامية داخل البيت الأبيض.

ستيفاني غريشام... المتحدثة التي غادرت دون منصة

ومن باب مغاير تماماً، دخلت ستيفاني غريشام التاريخ السياسي الأميركي بصفتها المتحدثة الوحيدة باسم البيت الأبيض التي أمضت كامل فترة خدمتها السريعة، البالغة تسعة أشهر بين عامي 2019 و2020، دون أن تعقد إحاطة صحافية رسمية واحدة في قاعة الصحافة «جيمس برادي».

غريشام، التي امتلكت خلفية كمؤلفة ومسؤولة إعلامية ومساعد إداري مقرب من ميلانيا ترمب، اقتصر دورها على التصريحات المكتوبة والمقابلات التلفزيونية الصديقة للحزب.

وتمثلت أسباب إبعادها السريع في رغبة الإدارة في تغيير الاستراتيجية الاتصالية بالكامل مع بدء أزمة جائحة كورونا (كوفيد - 19) والتحضير للانتخابات، حيث استُبدلت بها كيلي ماكناني، لتتحول غريشام لاحقاً إلى واحدة من أشرس منتقدي ترمب.

ستيفاني غريشام المتحدثة السابقة باسم البيت الأبيض (إ.ب.أ)

مقاصل الرؤساء الآخرين... جيرالد فورد وبيل كلينتون نموذجاً

ولم تكن الإقالات والاستقالات السريعة حكراً على عهد ترمب، بل عرفت الإدارات الأميركية السابقة هزات مماثلة، وتبرز في هذا السياق تجربة الصحافي المخضرم جيرالد تيرهورس الذي عينه صديقه القديم الرئيس جيرالد فورد كأول متحدث رسمي باسم البيت الأبيض (السكرتير الصحافي الـ14) فور توليه الرئاسة عام 1974.

جيرالد تيرهورس المتحدث الرسمي باسم البيت الأبيض (السكرتير الصحافي الـ14) عام 1974 (ويكيبيديا)

تيرهورس، الذي أمضى عقوداً في عالم الصحافة مديراً لمكتب صحيفة «ديترويت نيوز» في واشنطن، وكان يبلغ من العمر آنذاك 52 عاماً عند تكليفه بالمنصب، لم يصمد في موقعه سوى شهر واحد فقط (30 يوماً) وجاء خروجه الخاطف في خطوة وُصفت تاريخياً بـ«موقف ضمير أخلاقي نادر»، بعد أن قدّم استقالته احتجاجاً على قرار فورد المفاجئ بمنح عفو رئاسي كامل وغير مشروط عن الرئيس السابق ريتشارد نيكسون في فضيحة «ووترغيت»، ليحل محله سريعاً مراسل شبكة «إن بي سي» رون نيسن.

رسالة استقالة جيرالد تيرهورس المتحدث الرسمي باسم البيت الأبيض (السكرتير الصحافي الـ14) عام 1974 (ويكيبيديا)

وفي عهد الديمقراطيين، واجهت دي دي مييرز، المتحدثة باسم البيت الأبيض في عهد بيل كلينتون عام 1993، تهميشاً وإقالة ضمنية مبكرة خلال السنة الثانية من حكم كلينتون، حيث سُحبت منها الصلاحيات تدريجياً بسبب ما وصفه البيت الأبيض بسوء تنسيق الرسالة السياسية للإدارة، وحُرمت لفترة من دخول بعض الاجتماعات الاستراتيجية الحساسة قبل استبدال مايك مكوري كلياً بها.

دي دي مييرز المتحدثة باسم البيت الأبيض السابقة (ويكيبيديا)

وتوضح هذه النماذج التاريخية المتعاقبة طبيعة العمل الحساسة المرتبطة بمنصب المتحدث باسم البيت الأبيض، إذ يظل استمرار المسؤول في موقعه رهناً بدقة الأداء الإعلامي ومدى التوافق الاستراتيجي مع رئيس الإدارة.

وبيّنت التجارب السابقة أن أي تراجع في هذا التنسيق، أو غياب الانسجام في الرؤى السياسية، كفيل بإنهاء المسيرة المهنية للمتحدث رسميّاً في غضون فترة وجيزة، بصرف النظر عن خبراته المهنية السابقة أو درجة ولائه السياسي للرئيس.


المتحدثة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا تغادر منصبها بعد أسبوع واحد من تعيينها

المتحدثة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا (أ.ب)
المتحدثة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا (أ.ب)
TT

المتحدثة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا تغادر منصبها بعد أسبوع واحد من تعيينها

المتحدثة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا (أ.ب)
المتحدثة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا (أ.ب)

بعدما لمّح الرئيس الأميركى دونالد ترمب إلى قرب رحيل المتحدثة باسمه، كاتي زكريا، بعد أسبوع واحد فقط من تعيينها في المنصب، مشيراً إلى أنه لم يتخذ قراراً نهائياً بشأن مستقبلها، نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مسؤول أميركي كبير، اشترط عدم ذكر اسمه، تأكيداً لمغادرة المتحدثة الجديدة باسم ترمب منصبها.

وكان ترمب قد قال للصحافيين على العشب أمام البيت الأبيض، قبيل توجهه إلى ولاية جورجيا، إنه نصح كاتي زكريا بأن «السعادة قد تكون أفضل لها»، لافتاً إلى أنها تتمتع بحياة عائلية جيدة ولا تحتاج إلى الاستمرار في منصب المتحدثة باسم البيت الأبيض.

ورأى أن كاتي زكريا تعرضت لمعاملة «غير منصفة إطلاقاً» من جانب وسائل الإعلام، مضيفاً أنها واجهت انتقادات وضغوطاً إعلامية شديدة.

وأكد الرئيس الأميركي أنه سيحسم موقفه في وقت لاحق، من دون أن يحدد موعداً لاتخاذ القرار.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب قُبيل مغادرته واشنطن إلى ولاية جورجيا (أ.ب)

ورداً على سؤال بشأن الشخص الذي قد يخلف كاتي زكريا في حال مغادرتها المنصب، قال ترمب إن هناك كثيرين يرغبون في تولي هذه المهمة.

ومعلوم أن كاتي زكريا حاصلة على شهادة في الحقوق من جامعة بيبرداين عام 2011، لكنها لم تنجح في امتحان نقابة المحامين بولاية كاليفورنيا، معترفةً بأنها لم تُعد التقدم إليه. ولم يُعثر على سجل يثبت حصولها على ترخيص لممارسة المحاماة في أي ولاية أميركية أو في واشنطن العاصمة.

وقالت كاتي زكريا إنها عملت في المجال القانوني في بكين بين عامَي 2011 و2013، ووصفت عملها بأنه متعلق بالتعاملات الدولية، لكن هذا الأمر أثار مزيداً من التساؤلات، إذ إن القانون الصيني يشترط الجنسية الصينية لممارسة المحاماة.

وكانت زكريا قد قالت في مقابلة سابقة، الخميس، مع وسيلة الإعلام المحافظة «ريل أميريكاز فويس»، إنها سُجّلت للخضوع لامتحان النقابة، لكن التحضيرات للانتقال للعيش في الصين مع شريكها «ألهتني وغمرتني» في ما بعد.

وصرّحت: «قلنا: لنأخذ وقتنا، سوف أخضع للامتحان، وأرى النتيجة. والنتائج ليست فعلاً مهمة لأنني علمت أنني لم أكن بحاجة إلى النقابة في الصين. وغادرنا بُعيد ذلك».

وانتقلت كيتي زكريا مع شريكها للعيش في الصين حيث عملت خبيرة قانونية في مكتب محاماة صيني معروف.

وأشارت إلى أنها لم تتقدّم لامتحان النقابة من جديد بعد عودتها إلى الولايات المتحدة؛ لأنها رُزقت «بأربعة أطفال في خلال 6 سنوات».