النمو المستدام للاقتصاد اللبناني مشروط بتقدم الإصلاحات الهيكلية

«موديز» قدّرت التحسّن الإيجابي بنسبة 2.5 % هذا العام

عمال يستخدمون رافعة لتعليق زينة شجرة عيد الميلاد المقامة أمام مسجد محمد الأمين في وسط بيروت (إ.ب.أ)
عمال يستخدمون رافعة لتعليق زينة شجرة عيد الميلاد المقامة أمام مسجد محمد الأمين في وسط بيروت (إ.ب.أ)
TT

النمو المستدام للاقتصاد اللبناني مشروط بتقدم الإصلاحات الهيكلية

عمال يستخدمون رافعة لتعليق زينة شجرة عيد الميلاد المقامة أمام مسجد محمد الأمين في وسط بيروت (إ.ب.أ)
عمال يستخدمون رافعة لتعليق زينة شجرة عيد الميلاد المقامة أمام مسجد محمد الأمين في وسط بيروت (إ.ب.أ)

خفّضت وكالة التصنيف الدولية «موديز»، في تقرير محدث، سقف ترقبات النمو الحقيقي للاقتصاد اللبناني هذا العام، من 5 في المائة المرتقبة محلياً، إلى 2.5 في المائة، مع إدراجها ضمن مسار إيجابي يرتفع إلى نسبة 3.5 في المائة خلال العامين المقبلين، ومع التنويه بأنّ هذه الأرقام «قابلة للتحسّن في حال تنفيذ الإصلاحات بشكلٍ سريع».

وتتلاقى مبرّرات الوكالة ضمنياً، مع تقديرات صندوق النقد الدولي التي تلاحظ أن التقدم المسجّل في ملف إبرام اتفاق مشترك مع لبنان، لا يزال «بطيئاً للغاية»، ويتعرض لانتكاسات تشريعية وقانونية، ما يؤكد مجدداً أن الأزمة لا تزال تتطلب توافقاً سياسياً جدياً لسن القوانين الإصلاحية الضرورية التي تمنح الصندوق الثقة الكافية للموافقة المكتملة على اتفاق يتضمن برنامج تمويل بمبالغ تتراوح بين 3 و4 مليارات دولار، وقابلة للزيادة أيضاً.

الرئيس اللبناني جوزيف عون خلال اجتماعه مع وفد من صندوق النقد الدولي (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

ورغم التباين في تقديرات النمو المتوقعة لهذا العام، فإن التبدلات الطارئة على المناخات السياسية وانضمام مسؤول مدني إلى اللجنة العسكرية المعنية بوقف الأعمال العسكرية بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي، قلّصت نسبياً من مخاوف توسّع الأعمال الحربية، وأنعشت بالتالي، بحسب مسؤول مالي معني تواصلت معه «الشرق الأوسط»، التطلعات الحكومية لتصحيح الأرقام، وربما فوق مستوى 5 في المائة، ربطاً بكثافة النشاط التجاري والسياحي المعتاد في فترة الأعياد والعطلات بنهاية العام.

وتعدّ عودة الاقتصاد المحلي إلى مسار النمو الإيجابي، وبمعزل عن التفاوت في النسب المحققة أو المرتقبة، تحولاً نوعياً لتأثير عودة الانتظام إلى عمل المؤسّسات الدستورية، بعد 5 سنوات متتالية من الأزمات الحادة والتخبط في حال «عدم اليقين» سياسياً واقتصادياً. ثم تُوّجت باندلاع حرب تدميرية طاحنة، أودت إلى اتساع فجوة الخسائر الإعمارية والقطاعية بما يزيد على 7 مليارات دولار.

وتكفلت تضافر هذه الوقائع السلبية المتتالية بانكماش حاد للناتج المحلي من أعلى المستويات البالغة نحو 53 مليار دولار عشية انفجار الأزمة إلى نحو 20 مليار دولار في ذروة الانهيارات المالية والنقدية، والمعزّزة بإشهار الحكومة الأسبق بتعليق دفع مستحقات الديون العامة، قبل أن يستعيد الاقتصاد حيوية هشّة دفعت أرقامه إلى حدود 31.6 مليار دولار بنهاية عام 2023، وفق رصد إدارة الإحصاء المركزي، ليصل بعدها إلى نحو 43 مليار دولار، وفق تقرير مصرفي محلي، بدفع من مؤشرات متنوعة تشمل السياحة وزيادة الاستيراد واستمرار التضخم واستدامة التحويلات الخارجية، ولا سيما من المغتربين والعاملين في الخارج.

رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام يُشير بيده أثناء حديثه خلال اجتماع مع وفد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة (أ.ف.ب)

إعادة هيكلة القطاع المالي

لكن بلوغ مرحلة النمو المستدام للاقتصاد، والاستفادة من التزام الدول المانحة بدعم لبنان، يظل مشروطاً بتطبيق برنامج الإصلاح المعدّ من قبل صندوق النقد الدولي، حيث تتمحور المطالب الرئيسية حول إعادة هيكلة القطاع المالي، واعتماد استراتيجية متوسطة الأجل لتعبئة الإيرادات وترشيد النفقات، وخفض نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي واستعادة الاستدامة المالية، فضلاً عن أولويات معالجة ضعف الحوكمة وتعزيز إطار مكافحة الفساد، وإجراء عمليات تدقيق موثوقة لمجمل المؤسسات والحسابات العامة.

وليس خافياً في هذا السياق، ملاحظة إدارة الصندوق أن موازنة الحكومة للعام المقبل، لم ترتقِ إلى مستوى التطلعات الإصلاحية المطلوبة، والاستجابة لضرورة الشروع بإعادة هيكلة الديون الخارجية للبلاد، والتي تشمل سندات «اليوروبوندز» المقدرة بأكثر من 41 مليار دولار، كجزء لا يتجزأ من استعادة القدرة على تحمل الديون. في حين تنبّه إلى أن الحكومة تستمر في الاعتماد على سياسة التقشف القاسي بغية فائض تشغيلي جزئي في الخزينة، بدلاً من التركيز على الإصلاح الهيكلي، والنظر في إصلاح السياسة الضريبية لإتاحة الحيز المالي اللازم للإنفاق على الأولويات مثل إعادة الإعمار والحماية الاجتماعية.

كما تبرز التباينات التي تقارب التناقضات في نقاط محددة بشأن منهجية معالجة الفجوة المالية ستظل عائقاً محورياً على مسار المفاوضات المستمرة بين الحكومة وصندوق النقد، خصوصاً في مقاربة مسألة الودائع التي تناهز 80 مليار دولار، حيث تعلو التحذيرات والانتقادات الحادة لمنحى «الاقتراحات المسرّبة» من اللجنة الحكومية التي تعكف على إعداد مشروع القانون الرامي إلى تغطية عجز القطاع المالي، والمتضمنة صراحة أو مواربة شطب ما يصل إلى 30 مليار دولار من إجمالي المدخرات لدى المصارف، وحصر الضمانة للسداد بمبلغ 100 الف دولار، وإصدار سندات «صفرية» الفوائد لمدة تتعدى 20 عاماً للمبالغ الأكبر.

وقد حافظت «موديز» على تصنيف لبنان السيادي عند الدرجة «سي»، وعلى النظرة المستقبليّة «المستقرّة» في تحديثها للتقييم الائتماني السيادي للحكومة اللبنانيّة، مؤكدة أن هذا التصنيف يعكس احتماليّة كبيرة بأن تتخطّى خسائر حاملي سندات الدين الدولية (اليوروبوندز) نسبة 65 في المائة. في حين يتم تداول هذه السندات حالياً في الأسواق الدولية بأسعار تقارب 25 في المائة من قيمتها الدفترية، بعدما انحدرت خلال الحرب الأخيرة إلى 6 في المائة فقط.

ولم يفت الوكالة الإشارة إلى أنّ تصنيف لبنان سيبقى على حاله، إلا إذا تمّ تطبيق إصلاحات جوهريّة على مدى سنوات عدّة من جهة، وتحسين القدرة على تحصيل الإيرادات وحصول تقدّم ملحوظ في ديناميكيّة الدين، كالنموّ الاقتصادي ومستويات الفوائد وإيرادات الخصخصة والقدرة على تسجيل فوائض أولية كبيرة من جهة موازية، وذلك لضمان استدامة الدين في المستقبل.


مقالات ذات صلة

هل تبدأ إسرائيل تسليم البلدات التجريبية إلى الجيش اللبناني؟

المشرق العربي مسعفون وعناصر إنقاذ يعاينون السيارة التي استهدفت بغارة إسرائيلية في النبطية بجنوب لبنان وأدت إلى مقتل 4 أشخاص (أ.ف.ب)

هل تبدأ إسرائيل تسليم البلدات التجريبية إلى الجيش اللبناني؟

يتزامن الحديث عن استعداد إسرائيل لتسليم بلدتي فرون وزوطر الشرقية إلى الجيش اللبناني ضمن مرحلة تجريبية من تنفيذ اتفاق الإطار، مع استمرار عملياتها العسكرية.

صبحي أمهز (بيروت)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتفقد قواته في جنوب لبنان أبريل 2026 (د.ب.أ) p-circle

لماذا اخترع نتنياهو «طلباً مسيحياً» لضم قرى لبنانية؟

عاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى ترداد فرية «المسيحيون يريدون إسرائيل».

نظير مجلي (تل أبيب)
المشرق العربي تمثال للسيدة العذراء يزيِّن شارعاً في قرية رميش بجنوب لبنان (د.ب.أ - صورة أرشيفية)

بلدات جنوب لبنان المسيحية تُجهض لعب نتنياهو على «وتر الانقسامات»

تستثمر إسرائيل تاريخياً في الانقسامات الداخلية في لبنان بوصفها إحدى نقاط الضعف البنيوية داخل النظام اللبناني.

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون خلال لقائه مع الأدميرال براد كوبر قائد القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) - في القصر الرئاسي الأسبوع الماضي (الرئاسة اللبنانية)

واشنطن تستعجل نشر الجيش اللبناني لتدعيم موقف عون أمام «الثنائي»

يترقب لبنان، على المستويين الرئاسي والحكومي، نتائج الاتصالات التي يقودها رئيس لجنة «الميكانيزم» الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً وفداً من تكتل «الاعتدال الوطني» (الرئاسة اللبنانية)

الرئيس اللبناني: الاحتلال الإسرائيلي يقوّض أسس السلام الدائم

شدد رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون على أهمية عودة الجيش اللبناني على طول الحدود.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

«نيكي» ينخفض 2 % مع عمليات بيع مكثفة للرقائق

امرأة تمر أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
امرأة تمر أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
TT

«نيكي» ينخفض 2 % مع عمليات بيع مكثفة للرقائق

امرأة تمر أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
امرأة تمر أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

أغلق مؤشر «نيكي» الياباني على انخفاض بنسبة اثنين في المائة يوم الثلاثاء، مع تراجع أسهم الشركات الكبرى العاملة في مجال أشباه الموصلات، وذلك بعد انخفاض سهم شركة «سامسونغ» للإلكترونيات الكورية الجنوبية الذي أدى إلى هبوط مؤشر «كوسبي» القياسي.

وتراجع مؤشر «نيكي» بنسبة 2.12 في المائة ليغلق عند 68.256.96 نقطة. بينما أغلق مؤشر «توبكس» الأوسع نطاقاً على انخفاض بنسبة 0.97 في المائة عند 4.062.26 نقطة، بعد أن سجل مستوى قياسياً بلغ 4.137.62 نقطة في وقت سابق من الجلسة، حيث أقبل المستثمرون على شراء أسهم القطاع المالي وغيرها من أسهم القيمة التي انخفضت أسعارها.

وقال كازواكي شيمادا، كبير الاستراتيجيين في شركة «إيواي كوزمو» للأوراق المالية: «راقبت السوق أسهم شركة (سامسونغ للإلكترونيات)، التي انخفضت رغم أن توقعات الشركة المصنعة لرقائق الذاكرة فاقت توقعات السوق».

وتراجعت أسهم شركة «كيوكسيا» اليابانية الرائدة في صناعة رقائق الذاكرة بنسبة 11.26 في المائة، بينما خسرت أسهم شركتي «أدفانتيست» و«طوكيو إلكترون»، المختصتين في صناعة الرقائق، 2.25 و3.94 في المائة على التوالي.

ويميل مؤشر «نيكي»، الذي يضم شركات التكنولوجيا بشكل رئيسي، إلى تتبع تحركات المؤشر القياسي في كوريا الجنوبية، الذي يضم أيضاً أسهم شركات الرقائق.

وانخفض مؤشر «كوسبي» القياسي في كوريا الجنوبية بنسبة تصل إلى 8 في المائة؛ مما أدى إلى تفعيل آليات وقف التداول لسادس مرة هذا العام، وذلك بعد أن تراجعت أسهم «سامسونغ» للإلكترونيات بنسبة تصل إلى 10 في المائة. وتوقعت كبرى الشركات المصنعة لرقائق الذاكرة في العالم، يوم الثلاثاء، قفزة قدرها 19 ضعفاً في أرباحها التشغيلية للربع الثاني مقارنة بالعام الماضي. وقال ناوكي فوجيوارا، المدير الأول للصناديق في شركة «شينكين» لإدارة الأصول: «على المدى القريب، سيستمر المستثمرون في بيع أسهم الذكاء الاصطناعي لجني الأرباح، لكنهم في الوقت نفسه يشترون أسهماً مقيّمة بأقل من قيمتها الحقيقية».

وارتفعت أسهم القطاع المصرفي الياباني، حيث صعد سهم مجموعة «ميتسوبيشي يو إف جيه» المالية بنسبة 2.26 في المائة. وارتفعت أسهم مجموعة «ميزوهو» المالية ومجموعة «سوميتومو ميتسوي» المالية بنسبتين طفيفتين بلغتا 0.39 و0.18 في المائة على التوالي. وصعد سهم «نومورا القابضة» بنسبة 3 في المائة ليصبح الرابح الأكبر على مؤشر «نيكي». وأغلق سهم «تويوتا موتور» مرتفعاً بنسبة 0.79 في المائة. ومن بين أكثر من 1500 سهم متداول في السوق الرئيسية لـ«بورصة طوكيو»، ارتفعت أسعار 47 في المائة منها، وانخفضت أسعار 49 في المائة، بينما استقرت أسعار اثنين في المائة.

* العوائد تتراجع

من جانبها، انخفضت عوائد السندات الحكومية اليابانية من أعلى مستوياتها منذ عقود يوم الثلاثاء، بعد أن أظهر بيع سندات طويلة الأجل للغاية طلباً قوياً. وانخفض عائد السندات الحكومية اليابانية القياسي لأجل 10 سنوات بمقدار 2.5 نقطة أساس إلى 2.805 في المائة، متراجعاً من أعلى مستوى له منذ أكتوبر (تشرين الأول) 1996.

وتتحرك العوائد عكسياً مع أسعار السندات.

وانخفض عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل 20 عاماً بمقدار 4 نقاط أساس إلى 3.765 في المائة، متراجعاً من أعلى مستوى له منذ عام 1999. كما انخفض عائد السندات لأجل 30 عاماً بمقدار 7 نقاط أساس إلى 4.005 في المائة.

وباعت وزارة المالية اليابانية سندات حكومية يابانية لأجل 30 عاماً بقيمة 600 مليار ين (3.70 مليار دولار) يوم الثلاثاء. وارتفعت نسبة العرض إلى التغطية، وهي مؤشر على الطلب، إلى 4.55، وهو أعلى مستوى لها منذ مايو (أيار) 2019.

وشهدت عوائد السندات الحكومية اليابانية ارتفاعاً هذا الشهر، لا سيما في السندات «طويلة الأجل» و«فائقة الأجل»، مدفوعةً بمخاوف التضخم، وضعف الين الحاد، والقلق بشأن التوسع المالي.

وقال يوكي كيمورا، استراتيجي السندات في شركة «أوكاسان» للأوراق المالية: «كان المزاد قوياً؛ نظراً إلى ارتفاع مستوى العائد». هناك طلبٌ ملحوظ على السندات طويلة الأجل للغاية عندما ترتفع عوائدها. إلا إن المخاوف بشأن توسع الإنفاق الحكومي لا تزال قائمة، لذا؛ فلن تستمر العوائد في الانخفاض. كما انخفض عائد السندات لأجل عامين، وهو الأعلى تأثراً بأسعار الفائدة التي يحددها «بنك اليابان»، بمقدار 0.5 نقطة أساس إلى 1.385 في المائة، بينما انخفض عائد السندات لأجل 5 سنوات بمقدار 0.5 نقطة أساس إلى 1.935 في المائة.


تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية عند مستوى قياسي في 2025

سفينة غاز طبيعي مسال تُحمّل الغاز لسفينة سياحية في برشلونة (رويترز)
سفينة غاز طبيعي مسال تُحمّل الغاز لسفينة سياحية في برشلونة (رويترز)
TT

تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية عند مستوى قياسي في 2025

سفينة غاز طبيعي مسال تُحمّل الغاز لسفينة سياحية في برشلونة (رويترز)
سفينة غاز طبيعي مسال تُحمّل الغاز لسفينة سياحية في برشلونة (رويترز)

قال الاتحاد الدولي للغاز في تقرير، الثلاثاء، إن تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية سجلت مستوى قياسياً العام الماضي، إذ عوضت الصادرات الأميركية القوية وارتفاع الواردات الأوروبية، تراجع المشتريات الآسيوية.

ومع ذلك، حذّر التقرير من أن الصراع في الشرق الأوسط قد يؤدي إلى انكماش في العام الجاري.

وقال رئيس الاتحاد الدولي للغاز أندريا ستيجر: «ألحق الصراع في الخليج أضراراً بالبنية التحتية للغاز الطبيعي المسال، وألقى بظلاله على آفاق مشروعات التوسع في المنطقة، وعرّض المشترين الآسيويين لحالة من الضبابية بشأن التدفقات وارتفاع الأسعار».

وأشار الاتحاد الدولي للغاز في التقرير إلى أن تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية ارتفعت 6.3 في المائة لتصل إلى 436.98 مليون طن في عام 2025، وهو أسرع معدل نمو منذ عام 2022.

وسجلت أوروبا أكبر زيادة في الواردات، إذ ارتفعت وارداتها 26.1 مليون طن لتصل إلى 126.2 مليون، في إطار سعيها لتجديد مخزوناتها وتعويض انخفاض تدفقات الغاز الروسي.

وظلت منطقة آسيا والمحيط الهادي أكبر منطقة مستوردة للغاز الطبيعي المسال، إذ استوردت 168.7 مليون طن، رغم انخفاض الواردات إلى آسيا 9.2 مليون طن، ويرجع ذلك بشكل أساسي إلى انخفاض الطلب في الصين والهند.

وظلت الصين أكبر مستورد للغاز الطبيعي المسال في العالم بواقع 69.77 مليون طن، لكن الواردات انخفضت 8.9 مليون طن على أساس سنوي.

وسلط التقرير الضوء على الاتجاهات المتباينة في آسيا، مع انخفاض واردات الصين من الغاز الطبيعي المسال بسبب زيادة المعروض المحلي وارتفاع الواردات عبر خطوط الأنابيب من روسيا، في حين أدى تراجع الإنتاج في أجزاء من جنوب شرقي آسيا إلى زيادة الاعتماد على مشتريات الغاز الطبيعي المسال في السوق الفورية.

واحتلت اليابان المرتبة الثانية بين أكبر المستوردين بواقع 67.37 مليون طن، في حين زادت كوريا الجنوبية وارداتها 1.7 مليون طن لتصل إلى 48.67 مليون.

وقال الاتحاد الدولي للغاز إن ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي المسال لفترة طويلة قد يؤثر سلباً على نمو الطلب في الاقتصادات الآسيوية الناشئة، لا سيما في جنوب آسيا وجنوبها الشرقي.

وظلت الولايات المتحدة أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، إذ شحنت 110.74 مليون طن، تليها قطر بنحو 81.51 مليون، ثم أستراليا بنحو 80.32 مليون طن.

ويضم الاتحاد الدولي للغاز أكثر من 130 دولة عضواً تمثل أكثر من 90 في المائة من سوق الغاز العالمية.


البنوك السعودية تحافظ على متانتها... ونمو الائتمان يعوّض ضغوط الفائدة

مركز الملك عبد الله المالي (صندوق الاستثمارات العامة)
مركز الملك عبد الله المالي (صندوق الاستثمارات العامة)
TT

البنوك السعودية تحافظ على متانتها... ونمو الائتمان يعوّض ضغوط الفائدة

مركز الملك عبد الله المالي (صندوق الاستثمارات العامة)
مركز الملك عبد الله المالي (صندوق الاستثمارات العامة)

أثبت القطاع المصرفي السعودي مجدداً امتلاكه أساسيات مالية متينة وقدرة عالية على التكيف مع التحديات الجيوسياسية والتقلبات العالمية، مدعوماً بزخم قوي في التمويل والإقراض واستمرار مشاريع «رؤية 2030». وفي المقابل، بدأت المصارف تواجه مرحلة جديدة تتسم بتراجع أسعار الفائدة، واشتداد المنافسة على الودائع، وارتفاع تكاليف التشغيل؛ ما يفرض ضغوطاً متزايدة على الهوامش والربحية. ومع ذلك، يرى خبراء أن قوة جودة الأصول، وتحسن السيولة، واستمرار نمو الائتمان وتنويع مصادر الدخل ستمنح البنوك هامشاً أوسع للحفاظ على أدائها خلال الفترة المقبلة.

وأظهر تقرير «نبض البنوك السعودية» الصادر عن شركة «ألفاريز آند مارسال» تحولاً في اتجاهات التمويل والسيولة خلال الربع الأول من عام 2026؛ إذ نمت ودائع العملاء بنسبة 3.9 في المائة، متجاوزة نمو صافي التمويل الذي بلغ 1.6 في المائة، بعد فصول عدة كانت فيها وتيرة الإقراض تفوق نمو الودائع.

وأسهم هذا التحول في خفض نسبة القروض إلى الودائع إلى 104.1 في المائة، مقارنة مع 106.5 في المائة في الربع السابق، في مؤشر على تحسن مستويات السيولة وتراجع الضغوط التمويلية التي واجهتها البنوك مع تسارع نمو الائتمان خلال الفترات الماضية.

وفي هذا السياق، قال العضو المنتدب في «ألفاريز آند مارسال» في الشرق الأوسط، حازم المقرن، لـ«الشرق الأوسط»، إن متانة الإقراض المؤسسي تعود إلى أن دوافعه «هيكلية واستثمارية أكثر من كونها دورية»، موضحاً أن استمرار تنفيذ مشاريع «رؤية السعودية 2030»، إلى جانب قوة أساسيات القطاع المصرفي، شكّلا عاملين رئيسيين في الحفاظ على زخم الطلب على التمويل.

وأضاف أن التباطؤ الذي شهده نمو القروض مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في نهاية الربع الأول يُتوقع أن يكون مؤقتاً، مرجحاً أن يواصل الاستثمار المدعوم من الدولة لعب دور محوري في استقرار الطلب على التمويل، وأن تتراجع آثار هذه الضغوط تدريجياً خلال الربع الثالث ما لم تشهد المنطقة تصعيداً جديداً.

المنافسة على الودائع منخفضة التكلفة

ورغم تحسن مستويات السيولة، أشار التقرير إلى أن النمو القوي في الودائع جاء مدفوعاً إلى حد كبير بارتفاع الودائع لأجل، في ظل احتدام المنافسة بين البنوك على استقطاب مصادر التمويل. ويرى المقرن أن المرحلة المقبلة ستشهد تركيزاً أكبر على الحفاظ على ودائع الحسابات الجارية وحسابات الادخار (CASA)، بصفتها المصدر الأكثر استقراراً والأقل تكلفة للتمويل.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن قدرة البنوك على حماية هذه الودائع ستكون أحد أبرز محددات الربحية خلال الأشهر الـ12 إلى الـ24 المقبلة، إلى جانب المحافظة على جودة الأصول وتعزيز الإيرادات المتأتية من الرسوم والعمولات، بما يحدّ من تأثير تراجع هوامش الفائدة.

معادلة الربحية وهامش الفائدة

وعلى صعيد الربحية الإجمالية المجمعة، أظهر التقرير الأصلي لـ«ألفاريز آند مارسال» أن صافي أرباح القطاع حقق نمواً بنسبة 1.2 في المائة على أساس ربع سنوي، مقارنة بنمو لم يتجاوز 0.2 في المائة في الربع الأخير من العام الماضي. هذا الاستقرار في الربحية تزامن مع محافظة البنوك على معدل عائد قوي على الأصول استقر عند 2.0 في المائة، في حين سجل معدل العائد على الأصول المرجحة بالمخاطر ثباتاً عند 2.7 في المائة؛ ما يعكس كفاءة البنوك في إدارة مخاطر محافظها التمويلية رغم التحديات المحيطة.

وفي هذا السياق، أشار المقرن إلى أن القطاع المصرفي السعودي دخل مرحلة جديدة مع عودة أسعار الفائدة المرجعية إلى مستوياتها الطبيعية؛ الأمر الذي بدأ يفرض ضغوطاً تدريجية على هوامش الربحية لدى عدد من البنوك. ووفقاً للتقرير، سجلت ستة من أكبر عشرة بنوك مدرجة انكماشاً في هوامش صافي الفائدة، إلا أن القطاع ككل حافظ على استقرار هامش صافي الفائدة (NIM) عند 2.84 في المائة، مدعوماً بانخفاض تكلفة التمويل إلى 3.2 في المائة؛ وهو ما عوض جزئياً تراجع العائد على الائتمان إلى 7.8 في المائة.

وتوقع المقرن أن يكون نمو الائتمان المدعوم بمشاريع «رؤية 2030» هو المحرك الأبرز والأكثر تأثيراً على الأرباح الإجمالية للعام الحالي مقارنة بتوسع الهوامش. وأشار إلى أنه لحماية العوائد الاستثمارية في النصف الثاني من العام بعد تراجع العائد على حقوق المساهمين طفيفاً إلى 14.7 في المائة، تتجه الاستراتيجية المصرفية الحالية نحو تحسين مزيج الأصول والتركيز على القطاعات ذات العوائد الجاذبة المعدلة حسب المخاطر، عوضاً عن الركض وراء تعظيم حجم الإقراض المجرد، بالتوازي مع تنويع مصادر الأرباح وزيادة الإيرادات غير المعتمدة على الفوائد.

صورة جوية لمركز الملك عبد الله المالي (صندوق الاستثمارات العامة)

ارتفاع السيولة... لا يعني اكتنازها

وبينما بلغت نسبة تغطية السيولة للقطاع نحو 172 في المائة، وارتفعت لدى البنك الأهلي السعودي إلى 312 في المائة، استبعد المقرن أن يكون ذلك مؤشراً على اكتناز السيولة بدافع الحذر من التطورات الجيوسياسية، مؤكداً أن هذه المستويات تعكس مزيجاً من الاعتبارات الاستراتيجية المرتبطة بإدارة الميزانية العمومية، إلى جانب ظروف السوق الخاصة بكل بنك، أكثر مما تعكس توجهاً دفاعياً عاماً داخل القطاع.

جودة الائتمان وتراجع تكلفة المخاطر

من أبرز النقاط التي عكست قوة الحصانة المالية للقطاع في تقرير الربع الأول، هي القفزة النوعية في جودة الأصول المصرفية؛ إذ استقرت نسبة القروض غير العاملة (NPL) عند مستواها المتدني للغاية والبالغ 0.9 في المائة؛ وهو ما يعكس استمرار جودة المحافظ الائتمانية وتراجع الحاجة إلى تكوين مخصصات جديدة. ولعل المحرك الأكبر لدعم صافي الأرباح خلال هذا الربع كان الانخفاض الحاد والقياسي في تكلفة المخاطر لتصل إلى 0.15 في المائة فقط مقارنة بـ0.40 في المائة في الربع السابق، مدفوعة بعمليات استرداد لبعض المحافظ الائتمانية. ورغم هذا الانخفاض في التكاليف الائتمانية المباشرة، واصلت البنوك السعودية سياستها التحوطية الصارمة، حيث عززت نسبة تغطية القروض المتعثرة لتصل إلى 162.6 في المائة؛ ما يوفر مصدات تكميلية متينة ومستدامة لحماية الميزانيات العمومية ضد أي تقلبات غير متوقعة.

وفي ملمح يعكس النظرة الإيجابية لأسواق المال تجاه القطاع، كشف التقرير عن أن تقييمات البنوك السعودية بقيت جاذبة ومحفزة للمستثمرين مع نهاية الربع الأول من عام 2026، حيث جرى تداول أسهم القطاع عند مكرر ربحية يبلغ 10.8 ضعف (P/E)؛ وهو المؤشر الذي يعكس انخفاض مخاطر الاستثمار وسرعة العائد عبر قياس العلاقة بين سعر السهم والأرباح السنوية للبنك؛ ما يعني أن المستثمر قادر على استرداد قيمة استثماره خلال نحو 11 عاماً فقط بناءً على مستويات الربحية الحالية.

وتعززت هذه الجاذبية بتداول الأسهم عند مكرر قيمة دفترية ملموسة يبلغ 1.6 ضعف (P/TBV)، وهو المقياس الذي يقارن القيمة السوقية للبنك بأصوله الحقيقية الملموسة على أرض الواقع بعد استبعاد الأصول غير المادية كالشهرة؛ حيث تظهر هذه النسبة المقاربة أن الأسواق تقيّم المصارف بقيمة آمنة تمنح المستثمرين «هامش أمان» عالياً، وتؤكد في الوقت ذاته متانة المراكز المالية وقوة القيمة الرأسمالية للبنوك السعودية في مواجهة التقلبات.

تحديات ناشئة... واستثمارات تؤمّن ربحية الغد

ورغم المصدات التحوطية والمؤشرات الإيجابية، رصد تقرير «ألفاريز آند مارسال» ملامح تحديات تشغيلية بدأت تفرض ظلالها على الأداء؛ إذ تراجع الدخل التشغيلي المجمع للبنوك بنسبة 2.3 في المائة ليبلغ 40.4 مليار ريال، متأثراً بالهبوط الحاد في الدخل غير الفوائدي بنسبة 13.2 في المائة؛ وهو ما ضغط على الإيرادات وغطى على النمو المتواضع لصافي دخل الفوائد. وتتمثل أبرز الضغوط الحالية في تصاعد مصاريف التشغيل التي رفعت معدل التكلفة إلى الدخل إلى 30.1 في المائة، بالتزامن مع اشتداد المنافسة بين المصارف على استقطاب السيولة عبر «الودائع لأجل» عالية التكلفة، فضلاً عن تحديات إعادة تسعير القروض مع بدء تراجع أسعار الفائدة المرجعية؛ وهو ما انعكس في انخفاض العائد على الائتمان إلى 7.8 في المائة.

وفي هذا السياق، وضع العضو المنتدب، حازم المقرن، هذه الأرقام التشغيلية في إطارها الاستراتيجي، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن الارتفاع المشهود في المصروفات يعود بالأساس إلى الإنفاق الاستثماري الثقيل والمتواصل للبنوك في البنية التحتية التكنولوجية، والتحول الرقمي، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي. وأكد أن هذه الزيادة تمثل «استثمارات بعيدة المدى» أكثر من كونها ضغوطاً تشغيلية عابرة؛ إذ يُتوقع أن تسهم بقوة في رفع الإنتاجية، وتعزيز الكفاءة التشغيلية، وتحسين القدرة التنافسية للبنوك السعودية على المدى المتوسط والطويل، بما يحول استثمارات اليوم محركاتٍ رئيسية لربحية البنوك في السنوات المقبلة.

وفي المحصلة، تشير المؤشرات إلى أن البنوك السعودية تدخل مرحلة جديدة يتراجع فيها أثر أسعار الفائدة بصفتها محركاً رئيساً للأرباح، مقابل تنامي دور جودة الأصول، وكفاءة التشغيل، والاستثمار في التقنية، وتنويع مصادر الدخل في دعم الربحية واستدامة النمو.