سجن «عميد الصحافيين» يهز المشهد السياسي في الجزائر

القضية فجّرت جدلاً حاداً حول حرية التعبير ومناقشة قضايا التاريخ الخلافية

الصحافي سعد بوعقبة (الشرق الأوسط)
الصحافي سعد بوعقبة (الشرق الأوسط)
TT

سجن «عميد الصحافيين» يهز المشهد السياسي في الجزائر

الصحافي سعد بوعقبة (الشرق الأوسط)
الصحافي سعد بوعقبة (الشرق الأوسط)

احتجّ الطيف السياسي الجزائري بشدة على وضع الصحافي المعروف سعد بوعقبة في الحبس الاحتياطي، الخميس، في انتظار محاكمته المقررة في الرابع من ديسمبر (كانون الأول) المقبل، بتهمة «الإساءة إلى رموز الثورة»، من بينهم الرئيس الراحل أحمد بن بلة. ويحضّر أشهر المحامين في البلاد خطة الدفاع عنه، وسط جدل واسع حول مدى توفر هامش الحرية لمناقشة قضايا خلافية تعود إلى تاريخ الثورة.

عندما أمر القاضي بسجن «عميد الصحافيين الجزائريين»، وإيداعه الحبس، مع تأجيل الفصل في القضية إلى الخميس المقبل، صرّح المتهم في اللحظة التي كان فيها أحد عناصر الشرطة يستعد لاقتياده خارج المحكمة: «أتمنى أن أموت في السجن لترتاحوا مني... لقد سئمت من هذه الأوضاع. جيلي كلّه رحل عن الدنيا، ولا أدري ما الذي أبقاني هنا!».

بن بلة (متداولة)

يحيل كلام بوعقبة (79 سنة) إلى المرات العديدة التي تعرض فيها للاعتقال بسبب مواقفه وتصريحاته، أبرزها كانت في 1992 عندما ندد بتوقيف عشرات الإسلاميين في بداية حكم الرئيس محمد بوضياف، الذي اغتاله أحد حراسه بعد ستة أشهر من تسلمه الحكم. واعتُقل أيضاً في 2023 عندما كتب مقالاً ساخراً عن سكان منطقة ينتخبون دائماً بكثافة، من دون أن تتحسن ظروفهم الاقتصادية؛ إذ دانه القضاء بالسجن 6 أشهر مع التنفيذ، وسحب جواز سفره.

وتوالت ردود فعل الطبقة السياسية، الجمعة، إثر تداول خبر سجن بوعقبة؛ إذ أكدت «حركة مجتمع السلم» الإسلامية المعارضة، في بيان، أنها «تابعت باهتمام قضية إيداع الصحافي سعد بوعقبة الحبس المؤقت، على خلفية تصريحات أدلى بها عُدّت مسيئة لرموز الثورة»، مؤكدة أن «مثل هذه القضايا لا ينبغي أن تقود إلى عقوبات سالبة للحرية، بحكم طبيعتها الصحافية؛ لأن الدستور يمنع سجن الصحافيين في مثل هذه الحالات».

ودعا الحزب إلى «معالجة ملف بوعقبة عبر آليات الضبط الإعلامي وأخلاقيات المهنة، وليس عبر الإجراءات القضائية العادية»، مشدداً على «احترام كرامة الصحافي وحقوقه، واعتماد حلول حكيمة تحفظ حرية الصحافة وتجنّب البلاد التوتر».

الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد (الرئاسة الجزائرية)

من جهتها، عبّرت «حركة البناء الوطني» المؤيدة لسياسات الحكومة، في بيان، عن «تضامنها مع الصحافي سعد بوعقبة في قضيته»، مشدّدة على أن «معالجة قضايا الرأي يجب ألا تتم عبر الحبس، بل عبر الحوار والتصويب، والاعتذار عند الضرورة». ورأت الحركة أن تصريحات الصحافي التي سببت له المشاكل «كانت في سياق تحليلي لا يرقى إلى اتهام شخصي»، وأن «اعتذاره لعائلة بن بلة كافٍ لإنهاء القضية». كما طالبت بإطلاق سراحه و«إيجاد آليات غير قضائية للتعامل مع أخطاء الصحافيين والمفكرين، احتراماً لحرية التعبير وصوناً لكرامة الجميع».

وكان الصحافي سعد بوعقبة قد أدلى بتصريحات الأسبوع الماضي، في برنامج على قناة «رؤية» الخاصة، تناول فيها «مصير خزينة جبهة التحرير الوطني» خلال الثورة التحريرية (1954-1962)، مستشهداً بكتاب «المتطرف» (1996) للكاتب الفرنسي الراحل بيار بيان، الذي يروي فيه دور مصرفي يدعى فرانسوا جونو، بخصوص إدارة أموال الثورة التي كان يشرف عليها المناضل الكبير محمد خيضر، الذي اغتيل في مدريد عام 1967 لأسباب ربطتها الصحافة بـ«أزمة كنز الثورة».

المؤلف الفرنسي بيار بيان (صحف فرنسية)

وعُدّت تصريحات بوعقبة «مسيئة إلى رموز الثورة»، خاصة الرئيس الراحل أحمد بن بلة؛ إذ اعتبرت الشكوى المقدمة من ابنته مهدية بن بلة أنها «تشوّه صورة والدها».

ورغم أن بوعقبة لم يتهم بن بلة بأخذ أي أموال بشكل صريح، وأن تصريحاته كانت استشهاداً بمصادر تاريخية وتحليلاً للأحداث، فإنه تم توقيفه في بيته الأربعاء الماضي واستجوابه، ثم إحالته إلى المحاكمة. كما تم توقيف مدير القناة، الذي وُجّه له اتهام مشابه ووُضع في حالة إفراج. وفي صباح الخميس شمّعت الشرطة مقر القناة إيذاناً بإغلاقها.

وقد أثارت هذه الواقعة جدلاً واسعاً حول مدى مشروعية الحبس الاحتياطي، وخصوصاً أن الصحافي متقدم في السن وله مسيرة طويلة في الإعلام، وما إذا كان التفسير التاريخي للأحداث يمكن أن يُعرّض الصحافي للمساءلة الجنائية. كما أعادت القضية فتح النقاش حول حرية التعبير، والخوض في مسائل تاريخية محل خلاف، وطرحت تساؤلات حول حدود استخدام الإجراءات القضائية في معالجة القضايا الإعلامية التي تتعلق بالتحليل التاريخي والرأي العام.

وتفاعل رجال القانون عبر حساباتهم في الإعلام الاجتماعي مع القضية؛ إذ أكدت المحامية فطّة سعدات أن «الحبس المؤقت إجراء استثنائي، وتطبيقه على صحافي مسنّ، ويتمتع بضمانات الحضور، يخالف روح الدستور، ويقوّض حرية الصحافة والرأي المكفولة دستورياً».

من جهته، يرى المحامي طارق مرّاح، الذي دافع عن بوعقبة في المحكمة، أن الصحافي «لم يفعل سوى الاستشهاد بكتاب منشور منذ سنوات، وتجريم ذلك يُعد توسيعاً خطيراً للمسؤولية الجنائية للصحافيين»، مبرزاً أن القضية «تعكس نزعة سلطوية متزايدة في البلاد».

الكتاب الفرنسي الذي يتناول خزينة ثورة الجزائر (الشرق الأوسط)

أما القاضي السابق حبيب عشي، فأوضح أن القضية قد تندرج ضمن «القانون الخاص بالمجاهد والشهيد»، الذي يفرض حماية الشخصيات الثورية، وهو قانون يمكن أن يقيّد حرية التعبير. كما يرى أن بوعقبة «كان عليه اتخاذ احتياطات قانونية قبل الخوض في موضوع حسّاس».

وبحسب سياسيين، تقف القضية عند تقاطع حسّاس بين حرية التعبير وحرية الصحافة من جهة، وحماية الذاكرة الثورية من جهة أخرى، ويُنتظر من القضاء تحديد أي من المبدأين ستكون له الأولوية.


مقالات ذات صلة

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

الرياضة رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

سر التراجع الفجائي... لماذا تخلى «الكاف» عن نظام السنوات الأربع لأمم أفريقيا؟

كوثر وكيل (لندن)
شمال افريقيا مجلس الوزراء خلال إقرار مشروع قانون المالية لسنة 2007 في 4 أكتوبر الحالي (الرئاسة)

احتمال زيادة أسعار الوقود يثير مخاوف الجزائريين

مخاوف في الجزائر من أن يستيقظ المواطنون صباح اليوم الأول من عام 2027 على زيادة في أسعار الوقود، على غرار ما حدث في 1 يناير (كانون الثاني) الماضي.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا ممثل الجزائر بمجلس حقوق الإنسان بجنيف (بعثة الجزائر بجنيف)

الجزائر تدفع بملف الألغام الاستعمارية إلى واجهة حقوق الإنسان

قالت الجزائر إن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة اعتمد قراراً بشأن مشروع تقدمت به في يونيو (حزيران) الماضي، يتعلق بالألغام المضادة للأفراد.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا من جلسة تصويت النواب على مشروع مراجعة قانون العقوبات (البرلمان)

«الأمة الجزائري» يصادق على قانون يمهد لإعادة تنفيذ عقوبة الإعدام

صادق مجلس الأمة الجزائري، الأربعاء، بالإجماع على نص القانون المعدل والمتمم لقانون العقوبات، والمتضمن استحداث عقوبة الإعدام لعدد من الجرائم.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عربية فرحة لاعبي الجزائر بهدف رامي بنسبعيني في مرمى النيجر (الاتحاد الجزائري)

الجزائر تفوز على النيجر ودّيا

قلب منتخب الجزائر الطاولة على ضيفه النيجر، وهزمه بنتيجة 2 / 1 في مباراة ودية أقيمت مساء الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (تيزي وزو (الجزائر))

النور: لا حكم للبرهان وحميدتي كعسكريّين


 عبد الواحد نور مشاركاً في اجتماعات سابقة في نيروبي (إعلام تحالف صمود)
عبد الواحد نور مشاركاً في اجتماعات سابقة في نيروبي (إعلام تحالف صمود)
TT

النور: لا حكم للبرهان وحميدتي كعسكريّين


 عبد الواحد نور مشاركاً في اجتماعات سابقة في نيروبي (إعلام تحالف صمود)
عبد الواحد نور مشاركاً في اجتماعات سابقة في نيروبي (إعلام تحالف صمود)

رفض عبد الواحد نور، رئيس حركة «جيش تحرير السودان»، مشاركة البرهان وحميدتي في الحكم بصفتيهما العسكريتين، مشترطاً لخوض السياسة التخلي عن الصفة والبزة العسكرية والاحتكام إلى صناديق الاقتراع.

وأكد نور في مقابلة مع «الشرق الأوسط» أن مستقبل السودان يجب أن يكون مدنياً، وأن امتلاك القوات لا يمنح قادتها حق الحكم. وشدد على أن حركته لن تنحاز إلى أي من طرفَي الحرب، ولن تشارك في تسوية تعيد الإسلاميين إلى السلطة.

ودعا إلى حل الجيش القائم وبناء جيش قومي جديد، تخضع له جميع القوات، بما فيها قوات حركته، وفق معايير موحدة، وتقتصر مهمته على حماية الأرض والشعب والدستور.

ورفض تقسيم السودان، محذراً من امتداد تداعيات الحرب إلى دول الجوار.


العاهل المغربي يشدد على وضع قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية

العاهل المغربي دعا إلى أن تُشكل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة منعطفاً لمواصلة طموح المغرب كقوة اقتصادية صاعدة (ماب)
العاهل المغربي دعا إلى أن تُشكل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة منعطفاً لمواصلة طموح المغرب كقوة اقتصادية صاعدة (ماب)
TT

العاهل المغربي يشدد على وضع قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية

العاهل المغربي دعا إلى أن تُشكل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة منعطفاً لمواصلة طموح المغرب كقوة اقتصادية صاعدة (ماب)
العاهل المغربي دعا إلى أن تُشكل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة منعطفاً لمواصلة طموح المغرب كقوة اقتصادية صاعدة (ماب)

دعا العاهل المغربي، الملك محمد السادس، إلى أن تُشكل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة منعطفاً حقيقياً لمواصلة طموح المغرب كقوة اقتصادية صاعدة وموثوقة، مع تحقيق التوازن والانسجام بين النمو الاقتصادي، وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية. وشدد على وضع قضايا الشباب في صدارة اهتمامات السياسات العمومية.

وقال الملك، في خطاب افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى للولاية التشريعية الثانية عشرة، اليوم الجمعة، بالرباط، إن هذه الولاية تأتي في ظرفية استثنائية حافلة بالفرص التي قد لا تتكرر، لمواصلة الإنجازات في مختلف المجالات، مقدّماً تهانيه لأعضاء مجلس النواب على ثقة الناخبين.

وفي سياق حديثه عن الشباب، شدّد الملك محمد السادس على ضرورة وضع قضاياهم في صدارة اهتمامات هيئات الحكامة، من خلال تصور متكامل يضمن تكافؤ الفرص، ويشمل التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي.

وربط الخطاب الملكي هذا التوجه بتعزيز ثقة الشباب في قدراتهم على الارتقاء الاجتماعي، وفي مؤسسات وطنهم، وفي الفرص التي يوفرها لهم لبناء مستقبل أفضل في ظل الحرية والكرامة والاستقرار.

وفيما يتعلق بالتدبير الترابي، أكد الملك أن الرهان الحقيقي للمرحلة المقبلة يتمثل في العمل الميداني على المستوى الترابي، من خلال الوقوف على المشاكل الحقيقية لكل منطقة، والعمل على إيجاد حلول واقعية لها.

وأوضح أن النهوض بالتنمية المندمجة، وتحسين الخدمات العمومية، وتحفيز الاستثمار المنتج، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمسار الجهوية المتقدمة وتفعيل اللاتمركز الإداري، منبهاً إلى أن التأخير والاختلالات التي تُعرقل تنزيل اللامركزية واللاتمركز ينعكسان سلباً على برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتعوق التجاوب مع الانشغالات الحقيقية للمواطنين.

في هذا الصدد، شدد الملك محمد السادس على أنه «لم يعد من المقبول أي تأخير، أو تماطل في التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز»، بما يقتضيه ذلك من نقل الصلاحيات والموارد البشرية والمالية الضرورية من المركز إلى الأقاليم والجهات.

كما دعا إلى وضع حد للعراقيل التي تعوق عمل مؤسسات الجهة، من خلال تحديد أكثر وضوحاً للاختصاصات، والرفع من مواردها البشرية والمادية، وتنظيم العلاقات بين الدولة والجهات، ووضع آليات للتنسيق والتعاقد تتيح للجهات اتخاذ القرار وتنفيذ المشاريع.

وعلى المستوى الاقتصادي، دعا الملك إلى تسريع المشاريع المبرمجة في البنيات التحتية، وإطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى، خاصة في مجالات الأمن المائي والطاقي والغذائي، والإقلاع الصناعي والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي. كما حثّ على الترشيد وتطوير قدرات المملكة في مجال الاحتياطات الاستراتيجية، وتأمين توريد المواد الأساسية، داعياً القطاع الخاص الوطني إلى الارتقاء إلى فاعل استراتيجي في التحول التنموي، وأن يكون أكثر مبادرة وافتكاراً، وقدرة على خلق فرص الشغل والاستثمار والتصدير.

وبخصوص موضوع الهجرة والأزمة التي اندلعت مع إسبانيا، قال الملك محمد السادس إن المقاربة المتوازنة التي اعتمدها المغرب في تدبير ظاهرة الهجرة أسفرت عن نتائج ملموسة، غير أن النموذج الحالي للتعاون في هذا المجال أصبح متجاوزاً، وهو ما تؤكده الأزمات المتكررة.

وفي هذا السياق، أكد الملك أن الشراكة مع إسبانيا عرفت تطورات مهمة في مختلف المجالات، بما فيها محاربة الهجرة غير الشرعية، لكنها باتت تواجه تحديات كبيرة مرتبطة ببعض المقتضيات القانونية المتجاوزة، والقرارات القضائية البعيدة عن الواقع. وأوضح أن هذه المقتضيات والقرارات تحول، مع الأسف، دون ترحيل الأطفال القاصرين والأشخاص الذين ينتحلون صفة اللجوء، وتُغذي أطماع الشبكات الإجرامية.

وفي معرض حديثه عن التصريحات غير المسؤولة، الصادرة عن بعض الأوساط السياسية والإعلامية، شدد الملك محمد السادس على أن الشراكة اختيار سياسي والتزام إرادي، ولن تكون أبداً محل أي ضغط أو تهديد أو ابتزاز، مؤكداً أن المغرب سيقدم لشركائه وثيقة استراتيجية واضحة وعملية، تؤسس لوجه جديد من الشراكة، بما يعزز التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية.

وفي رسالة إلى أعضاء المؤسسة التشريعية، أكد الملك محمد السادس أن الانتداب البرلماني «أمانة والتزام سياسي وتعاقد أخلاقي» يربط البرلمانيين بالمواطنين، داعياً أعضاء البرلمان إلى الاضطلاع بمسؤوليتهم الوطنية، قائلاً: «كونوا - رعاكم الله - في مستوى هذه المسؤولية الوطنية التي تتحملونها أمام الله، وأمام المواطنين، وأمام التاريخ».

كان الملك محمد السادس مرفوقاً بولي العهد الأمير مولاي الحسن، والأمير مولاي رشيد، والأمير مولاي أحمد.


عبد الواحد نور: لا حكم للبرهان وحميدتي بالبزة العسكرية

رئيس «حركة السودان» عبد الواحد النور مشاركاً في اجتماعات نيروبي «إعلام تحالف صمود»
رئيس «حركة السودان» عبد الواحد النور مشاركاً في اجتماعات نيروبي «إعلام تحالف صمود»
TT

عبد الواحد نور: لا حكم للبرهان وحميدتي بالبزة العسكرية

رئيس «حركة السودان» عبد الواحد النور مشاركاً في اجتماعات نيروبي «إعلام تحالف صمود»
رئيس «حركة السودان» عبد الواحد النور مشاركاً في اجتماعات نيروبي «إعلام تحالف صمود»

رفض عبد الواحد نور، رئيس حركة وجيش تحرير السودان، مشاركة قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وقائد قوات «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي» في أي حكم مقبل بصفتيهما العسكريتين، مشترطاً على من يريد خوض العمل السياسي التخلي عن صفته وبزته العسكرية والاحتكام إلى الانتخابات.

وأكد نور، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، أن حركته لن تنحاز إلى أي من طرفي الحرب، ولن تشارك في تسوية تعيد الإسلاميين إلى السلطة، داعياً إلى بناء جيش قومي جديد تخضع له جميع القوات، بما فيها قوات حركته، وفق معايير موحدة.

ويعد عبد الواحد نور أحد أبرز قادة الحركات التي حملت السلاح في دارفور عام 2003 احتجاجاً على تهميش الإقليم. وقد رفض اتفاق أبوجا عام 2006، الذي وقعه نظام الرئيس السابق عمر البشير مع جناح من حركته بقيادة مني أركو مناوي.

السياسة بعد البزة

وربط النور موقفه من البرهان وحميدتي بمطالب ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018، مؤكداً أن مستقبل الحكم يجب أن يكون مدنياً، وأن امتلاك القوات لا يمنح قادتها حق المشاركة السياسية. وقال: «من يريد تأسيس حزب أو عرض مشروع على السودانيين، يستطيع ذلك بعد مغادرة المؤسسة العسكرية، على أن تكون الكلمة للناخبين».

صورة مركبة لقائدي الجيش البرهان (يسار) و«قوات الدعم السريع» حميدتي (الشرق الأوسط)

وكانت الاحتجاجات التي اندلعت في ديسمبر 2018 قد أفضت إلى الإطاحة بنظام الإنقاذ الوطني برئاسة البشير في أبريل (نيسان) 2019، ثم تشكيل سلطة انتقالية بمشاركة المدنيين والعسكريين. غير أن انقلاب أكتوبر (تشرين الأول) 2021 الذي قاده البرهان وحميدتي، قطع مسار الانتقال المدني، قبل اندلاع الحرب بين الجيش و«الدعم السريع» في أبريل 2023، على خلفية الصراع على السلطة والخلاف بشأن ترتيبات دمج القوات.

وشدد النور على أن حركته لا تقاتل إلى جانب أي من الطرفين. وبشأن الحديث عن تفاهمات مع «الدعم السريع» في دارفور، أبدى ترحيبه بأي تفاهم يمنع المواجهة، من دون أن يؤكد وجود اتفاق أو يحدد مضمونه، مؤكداً أن حركته ستدافع عن نفسها إذا تعرضت لاعتداء من أي جهة.

وأوضح أن وجود قواته في جبل مرة، معقل حركته في دارفور، يسبق الحرب الحالية، وأنها حافظت على مواقعها رغم مواجهات الجيش والجنجويد وميليشيات وحركات منشقة عنها.

وحذر من امتداد تداعيات الحرب إلى دول الجوار، ورفض تقسيم السودان، معتبراً أن الحفاظ على وحدته يقتضي معالجة الأسباب التي تدفع بعض مكوناته إلى المطالبة بتقرير المصير أو الانفصال. واستشهد بانفصال جنوب السودان عام 2011، محذراً من تكرار التجربة إذا بقيت جذور النزاع من دون معالجة.

موجات النزوح إلى تشاد تزداد بوتيرة حادة فراراً من الحرب في كردفان والنيل الأزرق (مفوضية اللاجئين)

ودعا نور إلى عقد اجتماع يعالج قضايا الهوية والعلاقة بين الدين والدولة واحتكار السلطة، إلى جانب إدارة التنوع والموارد وشكل الحكم. وقال: «المواطنة المتساوية وسيادة القانون هما ضمان الوحدة»، مؤكداً أن الخلافات السياسية ينبغي أن تُحسم عبر الانتخابات والبرلمان.

وقال نور إن حركته خلصت، بعد اندلاع الحرب 2023، إلى أن الحياد وحده لا يكفي، فأطلقت في أكتوبر 2023 مبادرة دعت إليها الأحزاب وحركات الكفاح المسلح ومنظمات المجتمع المدني والقيادات الأهلية والشخصيات الوطنية، بهدف وقف الحرب وإنهائها، ومواجهة خطاب الكراهية، واستعادة التحول المدني الديمقراطي. وانتقلت لاحقاً إلى محاولة تشكيل جبهة للقوى المدنية الرافضة للحرب وغير المصطفة مع طرفيها، لاستعادة ثورة ديسمبر وأهدافها. واقترحت الحركة معايير لتمثيل الشباب والنساء ولجان المقاومة والمجتمع المدني والإدارات الأهلية والشخصيات القومية.

خلاف العلمانية

روى النور وجود خلاف حول العلمانية، مشيراً إلى أن حزب الأمة، يوافق على مضمون العلمانية، لكنه يتحفظ على المصطلح. وأشار إلى تشكيل لجنة برئاسة الدكتور عبد الله حمدوك، رئيس الوزراء الانتقالي السابق، الذي تواصل مع عبد العزيز الحلو، قائد الحركة الشعبية لتحرير السودان/ قطاع الشمال بشأن صياغة تنص على فصل الدين عن الدولة. وأضاف أن حزب الأمة طلب نصاً يحمل المعنى نفسه من دون استخدام المصطلحات المرتبطة بالعلمانية، ومُنح أسبوعين للتشاور داخل مؤسساته.

الرئيس الكيني ويليام روتو مع حمدوك وعبد الواحد نور رئيس «حركة تحرير السودان» خلال توقيع وثيقة نيروبي مايو 2024 (إكس)

وقال إن انقسام «تقدم» وظهور «صمود» ثم «تأسيس» جاء بعد تلك المداولات. وكانت «تقدم»، وهي تنسيقية لقوى مدنية بقيادة حمدوك، قد انقسمت في فبراير (شباط) 2025 بسبب الخلاف بشأن تشكيل حكومة موازية، وأعلن المعارضون لهذا الخيار تحالف «صمود» بقيادة حمدوك. وأكد النور أن حركته لن تستمر في المبادرة إذا انحرفت عن هدف استعادة ثورة ديسمبر والتأسيس لحكم مدني، مشدداً على رفض الالتحاق بالإسلاميين بقوله: «ما بنمشي للكيزان». و«الكيزان» تعبير سوداني شائع يُستخدم للإشارة إلى التيار الإسلامي، ولا سيما المرتبطين بنظام البشير، الذي حكم البلاد منذ انقلاب عام 1989 حتى إطاحته عام 2019.

ودعا النور إلى حل الجيش القائم وبناء جيش قومي جديد بعد وقف الحرب، على أن تخضع جميع القوات، بما فيها قوات حركته، لمعايير موحدة.

وقال: «الجيش لا يحكم، الجيش مؤسسة من مؤسسات الدولة»، معتبراً أن إعادة بنائه يجب أن تنهي احتكار قيادته وتدخله في السلطة، وتحصر مهمته في حماية الأرض والشعب والدستور.

واستند في دعوته إلى ما وصفه باستمرار البنية الموروثة من الاستعمار، متهماً نخَباً محددة بالسيطرة على القيادة واستخدام المؤسسة العسكرية لقمع مطالب مناطق أخرى.

واتهم النور الجيش بارتكاب جرائم في الجنوب والنيل الأزرق وجبال النوبة ودارفور، باستخدام أسلحة كيميائية، مستشهداً بتقرير أصدرته منظمة العفو الدولية عام 2016 بشأن جبل مرة. وكانت المنظمة قد قالت إنها جمعت أدلة ترجح استخدام أسلحة كيميائية ضد المدنيين، فيما نفت الحكومة السودانية آنذاك تلك النتائج ورفضت الأدلة التي استند إليها التقرير.

حمدوك وعبد الواحد محمد نور خلال لقاء سابق في باريس (الشرق الأوسط)

ووصف النور الجيش القائم بأنه «أكبر ميليشيا»، وعدّه تابعاً للإسلاميين، داعياً إلى بناء مؤسسة عسكرية تمثل قوميات السودان ومناطقه، وفق شروط واضحة للخدمة وتأهيل الضباط وتشكيل القيادة؛ وأكد أن قوات حركته لن تُستثنى من هذه العملية.

المحاسبة داخل الحركة

ورداً على اتهامات بارتكاب انتهاكات بحق أعضاء في الحركة، قال نور إن المغادرة متاحة لمن يريد، بينما يخضع من يبقون للوائح التنظيم والقانون العسكري. وأكد أن المحاسبة تشمل القيادة، بمن فيها هو، وأن للحركة مؤسسات عدلية. واتهم بعض الخارجين من الحركة باستخدام تلك الاتهامات لتبرير انتقالهم إلى النظام الذي تمردوا عليه، معلناً استعداده للمثول أمام محكمة دولية أو محاكم دولة تحترم سيادة القانون. وقال إنه موجود في كينيا ومستعد للمثول أمام محاكمها إذا قُدمت قضية ضده.

ورفض اختزال الحركة في شخصه، قائلاً: «حركة تحرير السودان ده ما حق عبد الواحد»، ومؤكداً أن بإمكانها اختيار رئيس آخر. لكنه لم يقدم، في إجابته، تفاصيل عن مصير الأعضاء الذين تناولتهم الاتهامات.

وبشأن أوضاع المدنيين، قال إن مناطق سيطرة الحركة في جبل مرة (غرب دارفور) تستقبل، وفق تقديراته، أكثر من سبعة ملايين سوداني. وأضاف أن قواته توفر لهم الأمن، لكنها تفتقر إلى الإمكانات اللازمة لتوفير الغذاء والمياه والسكن، داعياً المنظمات إلى مساعدتهم والصحافيين إلى زيارة المنطقة، كما رفض تصنيف حركته ضمن «حركات دارفور»، معتبراً أن مشروعها يتعلق بالسودان كله، وأن حصر القوى القادمة من الأقاليم في المطالب المحلية يحرمها من المشاركة في تحديد السياسات الوطنية.

التفاوض بشروط

نفى النور رفض التفاوض من حيث المبدأ، موضحاً أن حركته تفاوضت مع نظام البشير في جولتين بمدينة أبشي التشادية عام 2003، ثم شاركت في سبع جولات بأبوجا النيجيرية بين عامي 2004 و2006. وانتهت مفاوضات أبوجا إلى اتفاق في مايو (أيار) 2006 وقعه جناح مني مناوي، بينما رفضه جناح النور وحركة العدل والمساواة لعدم تلبيته مطالبهما السياسية والأمنية. وقال نور إن تلك التجربة دفعته إلى رفض العودة إلى التفاوض مع النظام، بعدما خلص إلى أنه يسعى إلى استيعاب معارضيه بالمناصب والأموال، لا إلى تحقيق السلام. وأضاف: «الثورة عمرها ما بتبقى جزء من النظام». واستشهد بعد ذلك برفضه التحالفات، وبتعاون الحركة مع حركة العدل والمساواة، ومشاركتها في التجمع الوطني الديمقراطي والجبهة الثورية و«الفجر الجديد» وإعلان باريس عام 2014.

وعزا مغادرتها الجبهة الثورية، التي جمعت حركات مسلحة معارضة للبشير، إلى تحولها، في تقديره، من جبهة لإسقاط النظام إلى جبهة تفاوض تسعى إلى «الهبوط الناعم» عبر «نداء السودان»، في إشارة إلى التوصل لتسوية مع النظام بدلاً من إسقاطه.