سجن «عميد الصحافيين» يهز المشهد السياسي في الجزائر

القضية فجّرت جدلاً حاداً حول حرية التعبير ومناقشة قضايا التاريخ الخلافية

الصحافي سعد بوعقبة (الشرق الأوسط)
الصحافي سعد بوعقبة (الشرق الأوسط)
TT

سجن «عميد الصحافيين» يهز المشهد السياسي في الجزائر

الصحافي سعد بوعقبة (الشرق الأوسط)
الصحافي سعد بوعقبة (الشرق الأوسط)

احتجّ الطيف السياسي الجزائري بشدة على وضع الصحافي المعروف سعد بوعقبة في الحبس الاحتياطي، الخميس، في انتظار محاكمته المقررة في الرابع من ديسمبر (كانون الأول) المقبل، بتهمة «الإساءة إلى رموز الثورة»، من بينهم الرئيس الراحل أحمد بن بلة. ويحضّر أشهر المحامين في البلاد خطة الدفاع عنه، وسط جدل واسع حول مدى توفر هامش الحرية لمناقشة قضايا خلافية تعود إلى تاريخ الثورة.

عندما أمر القاضي بسجن «عميد الصحافيين الجزائريين»، وإيداعه الحبس، مع تأجيل الفصل في القضية إلى الخميس المقبل، صرّح المتهم في اللحظة التي كان فيها أحد عناصر الشرطة يستعد لاقتياده خارج المحكمة: «أتمنى أن أموت في السجن لترتاحوا مني... لقد سئمت من هذه الأوضاع. جيلي كلّه رحل عن الدنيا، ولا أدري ما الذي أبقاني هنا!».

بن بلة (متداولة)

يحيل كلام بوعقبة (79 سنة) إلى المرات العديدة التي تعرض فيها للاعتقال بسبب مواقفه وتصريحاته، أبرزها كانت في 1992 عندما ندد بتوقيف عشرات الإسلاميين في بداية حكم الرئيس محمد بوضياف، الذي اغتاله أحد حراسه بعد ستة أشهر من تسلمه الحكم. واعتُقل أيضاً في 2023 عندما كتب مقالاً ساخراً عن سكان منطقة ينتخبون دائماً بكثافة، من دون أن تتحسن ظروفهم الاقتصادية؛ إذ دانه القضاء بالسجن 6 أشهر مع التنفيذ، وسحب جواز سفره.

وتوالت ردود فعل الطبقة السياسية، الجمعة، إثر تداول خبر سجن بوعقبة؛ إذ أكدت «حركة مجتمع السلم» الإسلامية المعارضة، في بيان، أنها «تابعت باهتمام قضية إيداع الصحافي سعد بوعقبة الحبس المؤقت، على خلفية تصريحات أدلى بها عُدّت مسيئة لرموز الثورة»، مؤكدة أن «مثل هذه القضايا لا ينبغي أن تقود إلى عقوبات سالبة للحرية، بحكم طبيعتها الصحافية؛ لأن الدستور يمنع سجن الصحافيين في مثل هذه الحالات».

ودعا الحزب إلى «معالجة ملف بوعقبة عبر آليات الضبط الإعلامي وأخلاقيات المهنة، وليس عبر الإجراءات القضائية العادية»، مشدداً على «احترام كرامة الصحافي وحقوقه، واعتماد حلول حكيمة تحفظ حرية الصحافة وتجنّب البلاد التوتر».

الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد (الرئاسة الجزائرية)

من جهتها، عبّرت «حركة البناء الوطني» المؤيدة لسياسات الحكومة، في بيان، عن «تضامنها مع الصحافي سعد بوعقبة في قضيته»، مشدّدة على أن «معالجة قضايا الرأي يجب ألا تتم عبر الحبس، بل عبر الحوار والتصويب، والاعتذار عند الضرورة». ورأت الحركة أن تصريحات الصحافي التي سببت له المشاكل «كانت في سياق تحليلي لا يرقى إلى اتهام شخصي»، وأن «اعتذاره لعائلة بن بلة كافٍ لإنهاء القضية». كما طالبت بإطلاق سراحه و«إيجاد آليات غير قضائية للتعامل مع أخطاء الصحافيين والمفكرين، احتراماً لحرية التعبير وصوناً لكرامة الجميع».

وكان الصحافي سعد بوعقبة قد أدلى بتصريحات الأسبوع الماضي، في برنامج على قناة «رؤية» الخاصة، تناول فيها «مصير خزينة جبهة التحرير الوطني» خلال الثورة التحريرية (1954-1962)، مستشهداً بكتاب «المتطرف» (1996) للكاتب الفرنسي الراحل بيار بيان، الذي يروي فيه دور مصرفي يدعى فرانسوا جونو، بخصوص إدارة أموال الثورة التي كان يشرف عليها المناضل الكبير محمد خيضر، الذي اغتيل في مدريد عام 1967 لأسباب ربطتها الصحافة بـ«أزمة كنز الثورة».

المؤلف الفرنسي بيار بيان (صحف فرنسية)

وعُدّت تصريحات بوعقبة «مسيئة إلى رموز الثورة»، خاصة الرئيس الراحل أحمد بن بلة؛ إذ اعتبرت الشكوى المقدمة من ابنته مهدية بن بلة أنها «تشوّه صورة والدها».

ورغم أن بوعقبة لم يتهم بن بلة بأخذ أي أموال بشكل صريح، وأن تصريحاته كانت استشهاداً بمصادر تاريخية وتحليلاً للأحداث، فإنه تم توقيفه في بيته الأربعاء الماضي واستجوابه، ثم إحالته إلى المحاكمة. كما تم توقيف مدير القناة، الذي وُجّه له اتهام مشابه ووُضع في حالة إفراج. وفي صباح الخميس شمّعت الشرطة مقر القناة إيذاناً بإغلاقها.

وقد أثارت هذه الواقعة جدلاً واسعاً حول مدى مشروعية الحبس الاحتياطي، وخصوصاً أن الصحافي متقدم في السن وله مسيرة طويلة في الإعلام، وما إذا كان التفسير التاريخي للأحداث يمكن أن يُعرّض الصحافي للمساءلة الجنائية. كما أعادت القضية فتح النقاش حول حرية التعبير، والخوض في مسائل تاريخية محل خلاف، وطرحت تساؤلات حول حدود استخدام الإجراءات القضائية في معالجة القضايا الإعلامية التي تتعلق بالتحليل التاريخي والرأي العام.

وتفاعل رجال القانون عبر حساباتهم في الإعلام الاجتماعي مع القضية؛ إذ أكدت المحامية فطّة سعدات أن «الحبس المؤقت إجراء استثنائي، وتطبيقه على صحافي مسنّ، ويتمتع بضمانات الحضور، يخالف روح الدستور، ويقوّض حرية الصحافة والرأي المكفولة دستورياً».

من جهته، يرى المحامي طارق مرّاح، الذي دافع عن بوعقبة في المحكمة، أن الصحافي «لم يفعل سوى الاستشهاد بكتاب منشور منذ سنوات، وتجريم ذلك يُعد توسيعاً خطيراً للمسؤولية الجنائية للصحافيين»، مبرزاً أن القضية «تعكس نزعة سلطوية متزايدة في البلاد».

الكتاب الفرنسي الذي يتناول خزينة ثورة الجزائر (الشرق الأوسط)

أما القاضي السابق حبيب عشي، فأوضح أن القضية قد تندرج ضمن «القانون الخاص بالمجاهد والشهيد»، الذي يفرض حماية الشخصيات الثورية، وهو قانون يمكن أن يقيّد حرية التعبير. كما يرى أن بوعقبة «كان عليه اتخاذ احتياطات قانونية قبل الخوض في موضوع حسّاس».

وبحسب سياسيين، تقف القضية عند تقاطع حسّاس بين حرية التعبير وحرية الصحافة من جهة، وحماية الذاكرة الثورية من جهة أخرى، ويُنتظر من القضاء تحديد أي من المبدأين ستكون له الأولوية.


مقالات ذات صلة

الجزائر تلجأ لوضع أجهزة مراقبة للتأكد من عدم تجدد الحرائق

شمال افريقيا مواطنة جزائرية تعاين حجم الخسائر التي لحقت بمنزلها بعد أن التهمته النيران في شمال جيجل (أ.ف.ب)

الجزائر تلجأ لوضع أجهزة مراقبة للتأكد من عدم تجدد الحرائق

أعلنت السلطات الجزائرية، اليوم السبت، وضع أجهزة للرصد والمراقبة للتأكد من عدم تجدد الحرائق مرة أخرى.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا شهدت ولاية جيجل حصيلة مُفجعة من الضحايا وخسائر قياسية في الممتلكات بسبب الحرائق (د.ب.أ)

الجزائر تسجل 73 وفاة جراء حرائق الغابات

بدأت ولاية جيجل، التي تُعرف بلؤلؤة الساحل شرق الجزائر، تلتقط أنفاسها ولملمة جراحها على أثر حصيلة مُفجعة من الضحايا وخسائر قياسية بالممتلكات.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا مواطن جزائري يعاين آثار الحريق الذي دمر منزله بولاية جيجل (أ.ف.ب)

الجزائر: 64 حريقاً متواصلاً بعد يومين من موجة حرائق جديدة

تواصلت اليوم الجمعة عمليات إخماد عشرات حرائق الغطاء النباتي والمحاصيل الزراعية في شرق الجزائر.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عربية المدافع الدولي الجزائري أحمد توبة (أ.ف.ب)

لوهافر الفرنسي يتعاقد مع الدولي الجزائري توبة

أعلن نادي لوهافر، المنافس في دوري الدرجة الأولى الفرنسي لكرة القدم، الخميس، تعاقده مع المدافع الدولي الجزائري أحمد توبة على سبيل الإعارة حتى نهاية الموسم.

«الشرق الأوسط» (لوهافر (فرنسا))
شمال افريقيا حرائق مستعرة في منطقة قالمة شرق الجزائر (الحماية المدنية)

حداد وطني في الجزائر بعد مقتل 12 شخصاً بحرائق الغابات

أعلن الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، الخميس، الحداد الوطني 3 أيام، بعدما أودت حرائق الغابات التي اجتاحت شمال شرقي البلاد بحياة 12 شخصاً...

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

السودان يدفع بـ«النخبة» إلى النيل الأزرق

جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف شرق السودان 17 أغسطس (أ.ف.ب)
جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف شرق السودان 17 أغسطس (أ.ف.ب)
TT

السودان يدفع بـ«النخبة» إلى النيل الأزرق

جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف شرق السودان 17 أغسطس (أ.ف.ب)
جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف شرق السودان 17 أغسطس (أ.ف.ب)

دفع الجيش السوداني أمس بوحدات من قوات «النخبة» إلى جبهة النيل الأزرق، لوقف تقدم «قوات الدعم السريع» وحليفتها «الحركة الشعبية» بقيادة عبد العزيز الحلو، وقطع الطريق أمامهما نحو الدمازين، عاصمة الإقليم.

وجاء التحرك عقب إعلان «الدعم السريع» السيطرة على قاعدتي «بكوري» و«سركم» الاستراتيجيتين.

وتزامن التصعيد مع كشف مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل عن حشد عسكري مفاجئ داخل قاعدة إثيوبية في أصوصا قرب الحدود السودانية، شمل نحو 100 مركبة قتالية خفيفة وناقلات جند ومعدات لوجستية، يمكنها نقل ما يصل إلى ألف عنصر. وحذّر المختبر من أن الحشد يرفع مخاطر تصعيد واسع ويزيد الضغوط العسكرية على الدمازين، فيما أكد حاكم الإقليم أن قواته مستعدة لحماية السكان والحدود.


القوات التركية والصومالية تحرر سفينة مختطفة

أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (أرشيفية - رويترز)
أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (أرشيفية - رويترز)
TT

القوات التركية والصومالية تحرر سفينة مختطفة

أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (أرشيفية - رويترز)
أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (أرشيفية - رويترز)

حرّرت البحرية التركية بالتعاون مع القوات الصومالية سفينة مختطفة كانت محتجزة في المياه الصومالية، وقتلت 14 قرصاناً بعد معركة استمرت أياماً، وفق ما أعلنت حكومة مقديشو السبت.

وجاء في بيان للحكومة الصومالية أن العملية «استمرت عشرة أيام، تمكنت خلالها القوات من تدمير أربعة قوارب استخدمها القراصنة (...) وقُتل 14 قرصاناً في العملية، في حين فرّ الباقون من السفينة بعد ضغط متواصل من القوات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية». وأشار البيان إلى أن القوات قامت بعد ذلك بتأمين السفينة «لوتوف» التي استأنفت رحلتها بأمان.

ويظهر موقع «مارين ترافيك» أن السفينة التي ترفع علم الكاميرون غادرت تركيا في أواخر يوليو (تموز) متجهة إلى ميناء دار السلام في تنزانيا. وبحسب تقارير إعلامية دولية، كانت السفينة تحمل أسلحة تركية.


دستور جديد يُعيد رسم خريطة السلطة في غينيا بيساو

الرئيس الانتقالي لغينيا بيساو هورتا إنتا (رويترز)
الرئيس الانتقالي لغينيا بيساو هورتا إنتا (رويترز)
TT

دستور جديد يُعيد رسم خريطة السلطة في غينيا بيساو

الرئيس الانتقالي لغينيا بيساو هورتا إنتا (رويترز)
الرئيس الانتقالي لغينيا بيساو هورتا إنتا (رويترز)

تترقب غينيا بيساو نتائج استفتاء، الأحد، بشأن تعديل دستوري يمنح الرئيس صلاحيات أوسع قبل الانتخابات العامة المقرر إجراؤها في 6 ديسمبر (كانون الأول) المقبل لإعادة الحكم المدني.

ويتوقف مستقبل غينيا بيساو على مسار هذا الاستفتاء الذي تقاطعه المعارضة بحسب حديث خبير في الشؤون الأفريقية، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن أول اختبار حقيقي سيكون في الانتخابات المقبلة التي ستكشف مراد الدستور الجديد هل كان بنيَّة إصلاحات حقيقية، أو توسيع صلاحيات وهيمنة جديدة عقب الانقلاب العسكري.

واستولى الجيش على السلطة بغينيا بيساو في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 بعد أيام قليلة من انتخابات رئاسية، وأطاح برئيس الدولة، وعلّق العملية الانتخابية، في بلد يعد من أفقر دول العالم، وقد شهدت 5 انقلابات وعدد من محاولات الانقلاب منذ عام 1974.

والأحد، سيجيب الناخبون بـ«نعم» أو «لا» عن السؤال التالي: «هل توافق على دخول الدستور الجديد الذي أقره المجلس الوطني الانتقالي حيز التنفيذ؟»، بحسب معلومات نقلتها «وكالة الصحافة الفرنسية».

ونص الدستور الحالي على أن يتولى المجلس التشريعي في غينيا بيساو تعيين رئيس الوزراء الذي يعيّن بدوره أعضاء الحكومة. أما الدستور الجديد فسيسمح للرئيس بتعيين رئيس الوزراء وأعضاء الحكومة وعزلهم.

وأظهرت نسخة اطلعت عليها «رويترز» أن الرئيس سيتمكن أيضاً من إنشاء أو إلغاء الوزارات ورئاسة مجلس الوزراء، وحل البرلمان في حال حدوث أزمة سياسية خطيرة، وعزل الحكومة في ظل ظروف معينة.

وسيقلص الدستور الجديد أيضاً عدد مقاعد البرلمان من 102 إلى 65، ويخفض عدد الدوائر الانتخابية من 29 إلى 12.

ويشترط الدستور الجديد أن يكون المرشحون للرئاسة قد أقاموا على نحو دائم في غينيا بيساو خلال السنوات الخمس الماضية، وهو شرط لم يكن مدرجاً في الدستور الحالي، الذي يشترط أن يكون المرشحون مواطنين غينيين بالولادة، وألا تقل أعمارهم عن 35 عاماً، وأن يتمتعوا بكامل حقوقهم المدنية والسياسية.

محطة مفصلية

يرى المحلل السياسي التشادي، الخبير في الشؤون الأفريقية صالح إسحاق عيسى أن استفتاء 30 أغسطس (آب) الحالي في غينيا بيساو محطة مفصلية في مسار المرحلة الانتقالية التي أعقبت الانقلاب العسكري في نوفمبر 2025، كما يحدد ملامح النظام السياسي المقبل، في ظل مشروع دستوري يمنح مؤسسة الرئاسة صلاحيات أوسع، ويعيد ترتيب العلاقة بين مؤسسات الحكم.

ويعتقد إسحاق أنه من حيث المبدأ، يمكن للدستور الجديد أن يسهم في الاستقرار إذا نجح في حسم الخلاف المزمن حول توزيع الصلاحيات بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء والبرلمان، لا سيما أن غينيا بيساو لسنوات في صراع مؤسساتي متكرر، خصوصاً داخل النظام شبه الرئاسي، حيث أدى التداخل في الصلاحيات إلى أزمات حكومية، وحل البرلمان وتوترات انتهت أكثر من مرة بتدخل الجيش.

وضوح المسؤولية

لذلك، فإن وضوح المسؤولية التنفيذية يمكن أن يقلل من احتمالات الشلل السياسي، لكن المشكلة أن العلاج المقترح يبدو في حد ذاته مصدراً لمشكلة جديدة، وفق إسحاق.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن المشروع ينقل البلاد باتجاه نظام أكثر رئاسية، ويمنح رئيس الجمهورية صلاحيات أوسع في تعيين وإقالة رئيس الوزراء والحكومة، مع تقليص حجم البرلمان من 102 مقعداً إلى 65، وتقليص عدد الدوائر من 29 إلى 12، كما يفرض شروطاً مالية وتنظيمية أكثر صعوبة على المرشحين والأحزاب.

كما يعتقد أن هذه التغييرات تعني عملياً تقليص وزن البرلمان والأحزاب مقابل مؤسسة الرئاسة، وهنا تكمن المفارقة، قد ينتج الدستور استقراراً قصير المدى، لكنه قد يزرع عدم استقرار طويل المدى إذا أدى إلى تركيز السلطة بدل توزيعها.

ويوضح أنه في ظل بلد له تاريخ طويل من الانقلابات والتدخل العسكري في السياسة، وقد تكون العودة إلى نموذج شديد التركيز حول الرئيس قد تعيد إنتاج أحد الأسباب التي دفعت غينيا بيساو أصلاً إلى تبني نظام تقاسم السلطة.

لكن المناخ السياسي متوتر في هذه الدولة الساحلية الواقعة بغرب أفريقيا، والتي تشهد انقلابات متكررة، حيث حثت المعارضة الناخبين على مقاطعة الاستفتاء في ظل قيود مفروضة على الحريات العامة.

وقال الحزب الأفريقي لاستقلال غينيا والرأس الأخضر (PAIGC) الذي قاد البلاد إلى الاستقلال عن البرتغال عام 1974 في بيان إنه «تم تعليق الأنشطة السياسية، وإغلاق مقار الأحزاب ومنع الجماعات السياسية من المشاركة في الاستفتاء».

إرساء الاستقرار

بينما يقول المجلس العسكري إن التغيير يهدف إلى إرساء الاستقرار في المؤسسات قبل إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية جديدة، تهدف لإعادة السلطة إلى المدنيين، والمقرر إجراؤها في السادس من ديسمبر المقبل.

وفي هذا الصدد، أوضح الخبير في الشؤون الأفريقية أن دعوة حزب الاستقلال الأفريقي لغينيا والرأس الأخضر، وهي من أبرز قوى المعارضة إلى مقاطعة الاستفتاء يطرح سؤالاً أساسياً، حتى لو حصل الدستور على أغلبية نعم، هل ستكون لديه شرعية سياسية كافية إذا كانت القوى المعارضة الرئيسية تشكك أصلاً في العملية؟

وأضاف: «لذلك أرى أن الحكم على الدستور يجب ألا يتوقف عند نتيجة الاستفتاء فالعامل الحاسم سيكون ما سيحدث بعده، لا سيما الانتخابات العامة المقررة في ديسمبر».

وإذا أدى الدستور إلى انتخابات تنافسية، وبرلمان قادر على مراقبة الرئيس، وقضاء مستقل، وضمانات حقيقية لعدم تدخل الجيش في السياسة، فقد يصبح خطوة نحو استقرار مؤسساتي، أما إذا استخدم لتثبيت نفوذ السلطة الانتقالية ومنح الرئيس المقبل أدوات واسعة من دون ضوابط فعالة، فسيكون أقرب إلى إعادة توزيع السلطة لصالح الرئاسة منه إلى بناء نظام ديمقراطي أكثر استقراراً، وهنا مكمن الخطر، بحسب إسحاق.

ويعتقد أن انتخابات ديسمبر المقبل ستكون اختباراً حقيقياً للدستور الجديد، إذا سمحت القواعد الجديدة بمنافسة واسعة وتمثيل متوازن، فقد تساعد على إنهاء حالة عدم الاستقرار، أما إذا أدت إلى إقصاء منافسين وتقوية الأحزاب المهيمنة وتقليص دور البرلمان، فقد تصبح الانتخابات مدخلاً لترسيخ هيمنة السلطة التنفيذية بدل إعادة بناء التعددية السياسية.