بنغازي تصعّد في مواجهة «الجنائية الدولية» بعد مطالبتها بتوقيف سنيدل

المحكمة تتهمه وآخرين بـ«ارتكاب جرائم حرب»

وفد من المحكمة الجنائية الدولية يلتقي النائب العام الليبي في نوفمبر 2024 (مكتب النائب العام)
وفد من المحكمة الجنائية الدولية يلتقي النائب العام الليبي في نوفمبر 2024 (مكتب النائب العام)
TT

بنغازي تصعّد في مواجهة «الجنائية الدولية» بعد مطالبتها بتوقيف سنيدل

وفد من المحكمة الجنائية الدولية يلتقي النائب العام الليبي في نوفمبر 2024 (مكتب النائب العام)
وفد من المحكمة الجنائية الدولية يلتقي النائب العام الليبي في نوفمبر 2024 (مكتب النائب العام)

صعّدت سلطات شرق ليبيا على لسان أسامة حمّاد، رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان، ضد المحكمة الجنائية الدولية، وذلك على خلفية مطالبتها باعتقال الضابط في «الجيش الوطني» سيف سليمان سنيدل.

وزيرة العدل بحكومة الدبيبة حليمة إبراهيم (المكتب الإعلامي للوزارة)

وفي إحاطتها إلى مجلس الأمن الدولي بشأن الوضع في ليبيا، طالبت نزهة شميم خان، نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية، الثلاثاء، سلطات شرق ليبيا بضمان توقيف سنيدل، القيادي في «مجموعة الخمسين»، التابعة للقوات الخاصة في بنغازي، وتسليمه إلى المحكمة. وقالت إن مكتب الادعاء العام بالمحكمة «يواصل خطواته لضمان التتبع الفعال، والقبض على سنيدل»، المتهم بـ«ارتكاب جرائم حرب» أثناء عمله في «مجموعة الخمسين».

وأغضبت إحاطة نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية السلطات في شرق ليبيا؛ إذ عبّر حمّاد عن استنكار حكومته لما ورد بها، واعتبرها «مخالفة لأحكام نظام روما الأساسي، وتنتهك سيادة ليبيا واستقلال قضائها بشكل مباشر».

أسامة حمّاد رئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب (الاستقرار)

وزاد حمّاد من تصعيده، وذهب إلى أن الإحاطة تعدّ «تدخلاً غير مقبول في الشأن الداخلي لليبيا، وانحرافاً خطيراً عن المبادئ التي تأسس عليها نظام المحكمة، وتعميقاً لأزمة بلاده»، مشدداً على ضرورة «حماية القضاء الوطني من أي محاولات للانتقاص من ولايته، أو المساس باستقلاله، وضمان التصدي الحازم لأي خطوة قد تؤدي إلى تقويض سيادة بلاده».

وكانت نائبة المدعي العام قد صرحت بأن «التدابير القسرية وأعمال الترهيب ضد المحكمة الجنائية الدولية والمجتمع المدني، وشركاء آخرين في مجال العدالة، لا تخدم أحداً سوى من يريدون الاستفادة من الإفلات من العقاب في ليبيا». وأبرزت أن «أكبر الخاسرين بسبب هذه التدابير القسرية هم ضحايا أعمال القتل والعنف الجنسي والتعذيب، وغير ذلك من الجرائم الخطيرة التي تنظر فيها المحكمة».

وكان مجلس الأمن الدولي قد أحال الوضع في ليبيا إلى المحكمة الجنائية الدولية في فبراير (شباط) عام 2011، بموجب قراره رقم «1970»، طالباً من المدعي العام للمحكمة تقديم إحاطة نصف سنوية عن تطورات القضية.

وتترقب الأوساط السياسية في ليبيا صدور أوامر اعتقال دولية جديدة بحق ليبيين، بعد إعلان سابق لمكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، برئاسة كريم خان، مواصلة العمل على إصدار مذكرات توقيف جديدة بحق مشتبه بهم بارتكاب انتهاكات، ترقى إلى «جرائم حرب».

ولا يقتصر الأمر على سنيدل؛ إذ جرى اعتقال الليبي خالد الهيشري من قبل السلطات الألمانية بناء على مذكرة اعتقال صادرة من المحكمة الدولية، وتسليمه الوشيك إليها. وتتهم المحكمة الهيشري بالمسؤولية عن ارتكاب «جرائم حرب»، و«جرائم ضد الإنسانية» في سجن معيتيقة بطرابلس ضد ليبيين ومهاجرين.

كما نوهت نائبة المدعي العام بتلقي «مكتب الادعاء» بالمحكمة تقارير خلال الأسابيع الأخيرة حول احتمال القبض على الليبي أسامة نجيم، المتهم بارتكاب «جرائم حرب» و«جرائم ضد الإنسانية» في سجن معيتيقة.

واعتبرت نزهة شميم خان أن قبول ليبيا باختصاص المحكمة الجنائية الدولية، «يوجه رسالة واضحة بأنها تدرك أهمية الجهود التي تبذلها المحكمة وتثق بها»، وهو الأمر الذي تعترض عليه سلطات شرق ليبيا.

أسامة نجيم الرئيس المقال لجهاز الشرطة القضائية في ليبيا (حسابات موثوقة على وسائل التواصل)

وسبق لحكومة «الوحدة» المؤقتة الإعلان في 20 يونيو (حزيران) 2024 قبول ليبيا لاختصاص المحكمة الجنائية الدولية، بموجب المادة 12 فقرة 3 من «نظام روما الأساسي»، وهي الفقرة التي تتيح للدول غير الأعضاء إحالة أو قبول نظر المحكمة في جرائم تقع على أراضيها. وقد سارعت حكومة حمّاد حينها بالطعن أمام محكمة استئناف بنغازي على ما أقدمت عليه «الوحدة»، وقالت إن المحكمة قضت في 21 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي بوقف تنفيذ القرار.

وأوضح مكتب الإعلام الأمني بوزارة الداخلية الليبية، الخميس، أن حمّاد خاطب رؤساء مجلس النواب، و«الأعلى للقضاء»، والمحكمة الدستورية العليا، ومحكمة النقض، والنائب العام، إضافة إلى مندوب ليبيا لدى المحكمة الجنائية الدولية، بشأن قبول القضاء الليبي للطعن المقدم منه ضد قرار «الوحدة»، المتعلق بـ«تنازلها عن ولاية القضاء الوطني لمصلحة جهات أجنبية». وقال إن الحكم قضى بـ«وقف تنفيذ القرار، ومنح الصيغة التنفيذية للحكم، ليصبح واجب النفاذ، وحائزاً حجية الأمر المقضي به».

وتعتقد حكومة حمّاد أن نظيرتها في غرب ليبيا «لا تمتلك أي سلطة قانونية أو دستورية تخولها التنازل عن الولاية القضائية الوطنية، أو نقلها إلى أي جهة دولية»، وأن إقدامها على ذلك «يعد تعدياً على اختصاصات القضاء الليبي، وإهداراً لسلطة النائب العام».

سيف الإسلام القذافي (متداولة)

وسبق أن أعلن كريم خان، المدعي العام للمحكمة الجنائية، قائمة تضم العديد من المطلوبين للمحكمة، بتهم «التعذيب والقتل». في حين لا تزال أوامر قبض سارية المفعول بانتظار تنفيذها ضد كلّ من سيف الإسلام، نجل الرئيس الراحل معمر القذافي، وعبد الرحيم الشقاقي، ومخلوف أرحومة دومة، وناصر مفتاح ضو، ومحمد الصالحين سالمي، وعبد الباري عياد الشقاقي، وفتحي الزنكال، بالإضافة إلى نجيم.

ويتكرر «الصراع على الصلاحيات» في ليبيا بين غالبية الأجسام السياسية المتناحرة، لا سيما بين مجلسَي النواب و«الرئاسي»، والحكومتين المتنازعتين على السلطة، ويتمسك كل طرف بـ«أحقيته» فيها في ظل تصاعد الانقسام السياسي.


مقالات ذات صلة

الاتحاد الأوروبي يتمسك بدعم المسار الأممي لحلحلة الأزمة الليبية

شمال افريقيا تيتيه وسفراء الاتحاد الأوروبي (البعثة الأممية)

الاتحاد الأوروبي يتمسك بدعم المسار الأممي لحلحلة الأزمة الليبية

جدّد الاتحاد الأوروبي تمسكه بموقفه الداعم لمسار الأمم المتحدة لحلحلة الأزمة الليبية، مؤكداً مساندته للقاءات الجارية بين الفاعلين الرئيسيين في الشرق والغرب.

خالد محمود (القاهرة)
الولايات المتحدة​ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض، 12 مايو 2026 (إ.ب.أ)

روبيو يبحث مع غوتيريش جهود أميركا لمنع إيران من فرض رسوم مرور عبر هرمز

بحث وزير ​خارجية أميركا روبيو مع أمين عام الأمم المتحدة غوتيريش ‌الجهود ‌الأميركية ​الرامية ‌إلى ⁠منع ​إيران من زرع ⁠الألغام وفرض رسوم عبور في مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم لاجئة سودانية من دارفور تستريح بجوار خيمة تابعة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين داخل مخيم تولوم شرق دولة تشاد 30 نوفمبر 2025 (رويترز)

المفوضية الأممية للاجئين تسرّح مزيداً من الموظفين

ذكر مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين برهم صالح أن المفوضية ستضطر إلى تسريح مزيد من الموظفين وإجراء إصلاحات عاجلة في ظل انخفاض التمويل.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا اللافي في لقائه مع تيتيه مساء السبت (البعثة الأممية)

تيتيه تُطلع أفرقاء الأزمة الليبية على «التقدم» في العملية السياسية

بدا أن البعثة الأممية لدى ليبيا تسعى إلى الوصول إلى حالة توافق بين الأطراف السياسية على المخرجات التي قد تتوصل إليها مسارات «الحوار المهيكل» الشهر المقبل.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شؤون إقليمية جنود إسرائيليون خلال عملية استطلاع في هضبة الجولان السورية المحتلة (رويترز)

تركيا تطالب إسرائيل بالتزام اتفاق فض الاشتباك مع سوريا

أكدت تركيا أن أحد أبرز العوامل التي تهدد الاستقرار في المنطقة هو النشاطات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، داعية لالتزام اتفاق فض الاشتباك لعام 1974.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

ليبيا تراهن على تعافي السياحة رغم الانقسام وإهمال الآثار

موقع معبد زيوس الأثري في مدينة شحات شرق ليبيا (مراقبة آثار شحات)
موقع معبد زيوس الأثري في مدينة شحات شرق ليبيا (مراقبة آثار شحات)
TT

ليبيا تراهن على تعافي السياحة رغم الانقسام وإهمال الآثار

موقع معبد زيوس الأثري في مدينة شحات شرق ليبيا (مراقبة آثار شحات)
موقع معبد زيوس الأثري في مدينة شحات شرق ليبيا (مراقبة آثار شحات)

تراهن السلطات في غرب ليبيا على تعافي القطاع السياحي، مستندة إلى ما تصفه بتحسن تدريجي في الأوضاع الأمنية وتطور في البنية التحتية، غير أن هذا الرهان لا يزال يصطدم بانقسام سياسي ومؤسسي، إلى جانب شكاوى كثيرة بشأن هشاشة أوضاع المواقع الأثرية والمتاحف التاريخية.

ويبدي نصر الدين الفزاني، وزير السياحة في حكومة «الوحدة» المؤقتة، تفاؤلاً بانتعاشة سياحية في البلاد، متحدثاً عن تحسن أمني منذ عام 2021، وتطوير الطرق والجسور والتوسع في المطارات، إلى جانب نمو الفنادق والمنتجعات والمرافق الترفيهية في عدد من المدن الليبية، بما أسهم في تنشيط الحركة السياحية، وفق تصريحات محلية أدلى بها مؤخراً.

الدبيبة خلال افتتاح المتحف الوطني في طرابلس ديسمبر الماضي (حكومة الوحدة)

لكن هذا التفاؤل يواجه، حسب متابعين للشأن الليبي، تحديات متراكمة، أبرزها الانقسام المؤسسي بين حكومتين ووزارتين للسياحة، إحداهما في غرب البلاد برئاسة الفزاني، والأخرى في شرقها برئاسة علي قلمة.

* غياب استراتيجية حكومية موحدة

ترى عضوة المؤتمر الوطني السابق نادية الراشد أن الحديث عن انتعاش القطاع السياحي في ليبيا لا يزال يقتصر على «مؤشرات تعافٍ جزئي ومحلي، وليس الازدهار السياحي المستقر والشامل على مستوى البلاد»، عادّةً أن أي تحسن يظل هشاً في ظل الأوضاع الراهنة.

وقالت في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن «غياب استراتيجية حكومية موحدة ومتكاملة في دولة تعاني الانقسام السياسي والمؤسسي، يجعل من الصعب تحقيق نهضة سياحية حقيقية ومستدامة»، مشيرة إلى أن «تعدد السلطات يعرقل التخطيط طويل المدى، ويضعف ثقة المستثمرين والسياح، فضلاً عن تأثيره السلبي على حماية المواقع الأثرية، وتطوير الخدمات والبنية السياحية».

واستقبلت ليبيا خلال الربع الأول من العام الحالي سياحاً من أكثر من 52 جنسية، حسب الوزير الليبي، الذي قال إن معدلات نمو الفنادق والمطاعم والمنتجعات تراوحت بين 50 و52 في المائة مقارنة بالعام الماضي. وأكد أن ليبيا تمتلك مقومات متنوعة تشمل السياحة الشاطئية والثقافية والصحراوية، فضلاً عن شريط ساحلي يمتد لأكثر من 1900 كيلومتر على البحر المتوسط.

تماثيل وتحف أثرية بمتحف شحات (وكالة الأنباء الليبية)

غير أن الأرقام الحكومية تشير أيضاً إلى أن عدد السياح الوافدين إلى ليبيا من مختلف دول العالم بلغ 1257 سائحاً، بارتفاع نسبته 60 في المائة مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2024، وفق «مركز التوثيق والمعلومات السياحي» (حكومي).

* ضعف الحماية ونقص التجهيزات

يتقاطع الطموح الليبي بإنعاش القطاع السياحي مع شكاوى كثيرة بشأن أوضاع مواقع أثرية في شرق البلاد وغربها، تتعلق بضعف الحماية ونقص التجهيزات، رغم ما تمثله من قيمة تاريخية عالمية، علماً بأن حكومة «الوحدة» افتتحت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي متحفاً وطنياً جديداً في العاصمة طرابلس.

ويبرز مثال مدينتي شحات وغدامس بوصفهما من أبرز المدن الأثرية في ليبيا والعالم العربي، لما تضمانه من إرث حضاري يمتد لآلاف السنين. فمدينة شحات، المعروفة تاريخياً باسم «قورينا»، كانت إحدى أهم مدن الحضارة الإغريقية والرومانية في شمال أفريقيا، وتضم معابد ومسارح ومواقع أثرية مدرجة على قائمة التراث العالمي، التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة.

واجهة معبد زيوس قرب مدينة شحات (أ.ف.ب)

غير أن المطالب لا تنقطع منذ عقود بإقامة متحف يليق بآلاف القطع الأثرية النادرة في شحات، التي تعود إلى عصور تاريخية مختلفة، والمحفوظة داخل مبنى ومخازن بدائية، تعود إلى الحقبة الإيطالية، وتفتقر إلى أبسط معايير الحماية، وفق ما قال عادل بوفجرة، مراقب آثار شحات.

وقال بوفجرة لـ«الشرق الأوسط»: «تفتقر صالة العرض والمخازن التي تضم تلك الآثار إلى أنظمة لمواجهة الحرائق أو الفيضانات، ما يجعل القطع الأثرية عُرضة للتآكل بفعل الرطوبة والحشرات والتقلبات الجوية». مشيراً إلى «أهمية توفير بوابات إلكترونية وأنظمة مراقبة حديثة لحماية هذه الآثار، خصوصاً في ظل القيمة التاريخية الكبيرة للمقتنيات الموجودة بالموقع».

قطعة أثرية من الموزاييك في الموقع الأثري سيرين قرب شحات (أ.ف.ب)

وذهب بوفجرة إلى أن إنشاء متحف أثري حديث لم يعد مطلباً ثقافياً فحسب، بل «ضرورة وجودية» لحماية إرث تاريخي، يمكن أن يسهم في دعم التنمية المستدامة، وتنشيط السياحة الثقافية بالمنطقة، داعياً الدولة إلى تحمل مسؤولياتها الكاملة تجاه آثار شحات وصونها للأجيال المقبلة.

أما غدامس، الملقبة بـ«لؤلؤة الصحراء»، التي تشتهر بعمارتها الصحراوية التقليدية وواحاتها التاريخية، فما تزال تحاول التعافي من خروجها من قائمة التراث العالمي المعرض للخطر العام الماضي، وذلك بعد ستة أعوام من إدراجها، فيما تستمر الشكاوى من نقص البنية الأساسية، مقابل وعود حكومية بالتطوير.

* تحديات بالجملة

ينقل رئيس «جهاز تطوير غدامس»، عبد السلام هيبة، لـ«الشرق الأوسط» جانباً من هذه التحديات، قائلاً إن «متحف غدامس الأثري، المقام داخل قلعة قديمة، يحتاج إلى إعادة تأهيل وتطوير للحفاظ على مقتنياته التاريخية». موضحاً أن مشروع تطوير المتحف أُدرج ضمن خطط الجهاز لعام 2026، في حال توفر التمويل اللازم، ومشيراً إلى أن «البدء في هذا المشروع أصبح ضرورة ملحة تخدم أيضاً أهداف التنمية المستدامة في البلاد».

يُشار إلى أن جذور المتحف تعود إلى عام 1928 إبان الوجود الإيطالي، بينما يرجع مبناه الحالي إلى العهد العثماني قبل إعادة تصميمه لاحقاً على هيئة قلعة، ويضم نحو 365 قطعة أثرية، بينها أدوات من العصر الحجري ومخطوطات نادرة ومحنطات لحيوانات وطيور.

وفي بنغازي كذلك، تقول مراقبة الآثار إن المدينة تفتقر إلى متحف وطني حديث، يحتضن موروثها التاريخي، عادّةً أن إنشاء صرح ثقافي متخصص أصبح «ضرورة ملحة» لحفظ القطع الأثرية وإتاحتها للباحثين والزوار.

في المقابل، أقرّ وزير السياحة بحكومة «الوحدة» بوجود تراجع في مستوى التنسيق مع مصلحة الآثار، منذ فصلها عن الوزارة عام 2013 وإلحاقها بمجلس الوزراء، موضحاً أن وزارته لم تعد تملك صلاحيات مباشرة داخل المدن الأثرية، ما أدى إلى تعطّل بعض ملفات تطوير المواقع التاريخية، في حين تقتصر مهامها على الترويج السياحي، بينما تتولى مصلحة الآثار أعمال الترميم والصيانة.

أعمدة أثرية بضواحي مدينة سوسة (أ.ف.ب)

غير أن نادية الراشد لا ترى حلاً شاملاً سوى «توحيد البلاد تحت حكومة واحدة ومؤسسات موحدة، وإطلاق إصلاح إداري شامل، بوصف ذلك شرطاً أساسياً لوضع استراتيجية تنمية مستدامة حقيقية»، عادّةً أن الوضع القائم «يعرقل التخطيط طويل المدى، ويضعف فاعلية السياسات العامة».

وانتهت إلى التأكيد على أن «توحيد القرار السيادي والمؤسساتي هو المدخل الضروري لإنقاذ القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها السياحة والآثار، وتحويلها إلى رافعة اقتصادية وتنموية مستدامة».


المعارضة الصومالية تُصعد احتجاجاتها ضد الرئيس والحكومة

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

المعارضة الصومالية تُصعد احتجاجاتها ضد الرئيس والحكومة

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

توترات سياسية تتصاعد في الصومال، مع إعلان المعارضة اعتزامها الاحتجاج أسبوعياً بعد انتهاء عيد الأضحى، وسط مطالبات أممية وأوروبية بالتوصل لحل سياسي عبر الحوار.

اللجوء للاحتجاجات بعد نحو أسبوع من تعثر جولة الحوار بين الحكومة والمعارضة، يراه خبراء في الشؤون الأفريقية والصومالية تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، توسيعاً للضغوط من المعارضة قد تصاحبه تدخلات دولية، متوقعين 3 سيناريوهات بينها التسوية أو الصدام.

وأعلن «مجلس الإنقاذ المعارض» في الصومال بدء احتجاجات أسبوعية في مقديشو اعتباراً من 4 يونيو (حزيران) المقبل، تُعقد كل خميس حتى التوصل إلى اتفاق سياسي بشأن انتخابات البلاد، التي تجري عبر التصويت المباشر لأول مرة منذ عقود، وهو المسار الذي تتحفظ عليه المعارضة.

جاء هذا الإعلان عقب مؤتمر صحافي عقده قادة المعارضة في مقديشو، من بينهم الرئيس الصومالي السابق شريف شيخ أحمد، والنائب عبد الرحمن عبد الشكور، ورئيس الوزراء السابق حسن علي خيري، وعدد من أعضاء المعارضة، بحسب ما نقله إعلام صومالي، الأربعاء.

وقال شريف شيخ أحمد، إن ولاية الرئيس حسن شيخ محمود والحكومة والبرلمان قد انتهت، مؤكداً أن «أي انتخابات تُجرى دون اتفاق لا يمكن أن تكون شرعية بالكامل»، لافتاً إلى أن «الجهود بُذلت الأسبوع الماضي للتوصل إلى اتفاق بشأن قضايا الانتخابات، لكنها لم تُكلل بالنجاح، فلا يمكن إدارة الانتخابات من قِبل حزب واحد، بل يجب الاتفاق على اللجان والإجراءات والتوقيت».

وبحسب ما نقلته «وكالة الأنباء الصومالية»، السبت الماضي، أعلن شيخ محمود البدء في تطبيق الدستور الجديد الذي أُقر في مارس (آذار) الماضي، وسط رفض من المعارضة، وهو ما يعني تمديد فترة ولايته عاماً انتقالياً، وذلك بعد أيام من انتقاده دعوة المعارضة لاحتجاجات «يوم انتخابات في ولاية جنوب غربي الصومال»، ودعاها وقتها إلى «طرح رؤية سياسية بدلاً من التحريض على الفوضى».

وقال «مجلس مستقبل الصومال» في بيان، إن المحادثات التي جرت بين الحكومة الفيدرالية والمعارضة في مقديشو في الفترة من 13 إلى 15 من الشهر الجاري، «انتهت دون نتيجة حاسمة، بعد فشل التوصل إلى اتفاق بشأن قضايا الانتخابات، والدستور، وعملية الانتقال السياسي».

ووفق البيان الصادر عن المجلس، فإن شيخ محمود يُعد «رئيساً سابقاً»، وعلى قوات الأمن الاضطلاع بواجباتها الدستورية، وعدم تلقي «أوامر تنفيذية» منه.

ولم تذهب الحكومة للإقرار بفشل جولة مقديشو، لكنها أكدت التزامها بتنفيذ انتخابات مباشرة وفق نظام «صوت واحد لكل شخص»، فضلاً عن «استمرار انفتاحها على الحوار، والتشاور مع مختلف الأطراف الوطنية بشأن القضايا المرتبطة بالعملية الديمقراطية في البلاد».

الخبير في الشؤون الأفريقية، مدير «مركز دراسات شرق أفريقيا» في نيروبي، الدكتور عبد الله أحمد إبراهيم، يرى أن هذه هي المظاهرة الرابعة التي أعلنت عنها المعارضة، حيث فشلت المظاهرات الثلاث السابقة بسبب نقص الاستعداد من جانبها، وهناك نقص في التمويل، بالإضافة إلى استعداد الحكومة لمنعها من التحرك، متوقعاً في سيناريو أول، أن «تفشل هذه المظاهرات مجدداً».

ويوضح، أن الاحتجاجات التي تخطط لها المعارضة الشهر المقبل ستختلف عن الاحتجاجات السابقة، ما لم يتم التوصل لتفاهمات مع الحكومة، متوقعاً حدوث صدامات وتوقيفات.

بينما قال المحلل السياسي الصومالي، عبد الولي جامع بري، إن إعلان «مجلس الإنقاذ» تنظيم احتجاجات أسبوعية، يعني أن الأزمة السياسية انتقلت من مرحلة الخلاف السياسي المغلق إلى مرحلة الضغط الشعبي والميداني، وهذا يفتح عدة سيناريوهات محتملة، أولها التسوية السياسية، وهي الأقل تكلفة والأكثر حاجة للبلاد، لافتاً إلى أنه قد تنجح الضغوط الداخلية والدولية في دفع الحكومة والمعارضة إلى الاتفاق على إطار انتخابي مؤقت، وتشكيل لجنة توافقية لإدارة الانتخابات، أو إعادة صياغة الجدول الانتخابي.

يضاف لذلك بحسب بري، سيناريو التصعيد السياسي والأمني، إذا خرجت الاحتجاجات عن السيطرة أو تم التعامل معها أمنياً بعنف، مع احتمال دخول البلاد مرحلة أكثر خطورة، تشمل انقساماً سياسياً أوسع وتوتراً أمنياً في العاصمة، واستغلال الجماعات المسلحة لحالة الانقسام.

ويبقى سيناريو إدارة الأزمة دون حل جذري، هو السيناريو الأكثر تكراراً في السياسة الصومالية منذ 2000، حيث تستمر الاجتماعات والحوارات وتؤجل القرارات الحاسمة مع الوصول إلى تفاهمات مؤقتة، وبقاء جذور الأزمة دون معالجة.

الرئيس الصومالي خلال لقاء سابق مع أعضاء ومسؤولي «مجلس المستقبل» (وكالة الأنباء الصومالية)

وعبَّرت بعثة الأمم المتحدة في الصومال، الأسبوع الجاري، عن أسفها لانتهاء المحادثات السياسية بين الأطراف الصومالية دون نتيجة، ودعت إلى تجنب أي إجراءات قد تزيد من حدة الانقسامات، مؤكدة، استعدادها لمواصلة دعم الجهود الرامية إلى حل الخلافات بين القادة السياسيين.

وناقشت سفيرة الاتحاد الأوروبي لدى الصومال، فرانشيسكو دي ماورو، مع الرئيس حسن شيخ محمود في مقديشو «الوضع السياسي في الصومال، واتفقا على أهمية الحوار وبناء التوافق لتعزيز الحكم ودعم الاستقرار طويل الأمد»، بحسب بيان أوروبي، الثلاثاء.

بالتزامن أفاد بيان صادر عن الأمم المتحدة، بأن الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، يتابع عن كثب الوضع في الصومال، وحث الجانبين على الانخراط في مناقشات لتحقيق نتائج إيجابية.

ويرى إبراهيم، أن «المجتمع الدولي لم يستسلم بعد، لكن النجاح أو الفشل يرتبط بإرادة الطرفين، ولا توجد أي إشارات إيجابية منهما، وبالتالي سننتظر نتائج الاحتجاجات إن لم يتنازل أحد الطرفين للآخر قبلها».

ويعتقد بري، أن المجتمع الدولي ما زال يملك أدوات ضغط مهمة على الأطراف الصومالية، لكن نجاحه هذه المرة ليس مضموناً لعدة أسباب، أبرزها تراجع فعالية الوساطة التقليدية مع فشل جولة 13 مايو (أيار) الجاري التي شارك فيها مسؤولون أميركيون وبريطانيون. ويرى أن الحل الحقيقي يحتاج إلى تنازلات متبادلة، واتفاق على قواعد اللعبة السياسية وإدارة مسؤولة للمرحلة الانتقالية.


قوات من شرق وغرب ليبيا تشارك في مناورات عسكرية في تركيا

سرب طائرات يحلق خلال عمليات جوية ضمن مناورات «أفس 2026» في غرب تركيا التي تشارك فيها قوات ليبية (وزارة الدفاع التركية - إكس)
سرب طائرات يحلق خلال عمليات جوية ضمن مناورات «أفس 2026» في غرب تركيا التي تشارك فيها قوات ليبية (وزارة الدفاع التركية - إكس)
TT

قوات من شرق وغرب ليبيا تشارك في مناورات عسكرية في تركيا

سرب طائرات يحلق خلال عمليات جوية ضمن مناورات «أفس 2026» في غرب تركيا التي تشارك فيها قوات ليبية (وزارة الدفاع التركية - إكس)
سرب طائرات يحلق خلال عمليات جوية ضمن مناورات «أفس 2026» في غرب تركيا التي تشارك فيها قوات ليبية (وزارة الدفاع التركية - إكس)

أكدت تركيا أنها ستواصل نهجها في تقديم الدعم لليبيا في إطار مبدأ «جيش واحد، ليبيا واحدة» ودعم تحقيق وحدة وتضامن وسلام واستقرار البلاد، غرباً وشرقاً، استناداً إلى الحوار والتوافق.

وأعلنت وزارة الدفاع التركية عن مشاركة 502 من عناصر القوات الليبية؛ 331 من شرق البلاد (الجيش الوطني الليبي)، و171 من غربها (قوات حكومة الوحدة الوطنية) في مناورات «أفس-2026» الجارية في إزمير (غرب تركيا)، التي تأتي في أعقاب تمرين «فلينتلوك-2026» للقوات الخاصة متعددة الجنسيات، التي أجريت في ليبيا وكوت ديفوار الشهر الماضي، وشاركت فيه قوات ليبية بدعم تركي.

وقال المتحدث الإعلامي باسم الوزارة، زكي أكتورك، في إفادة صحافية، الأربعاء، إن هذه هي المشاركة الخارجية الأولى للجيش الليبي، وقد جاءت من خلال مناورات «أفس-2026».

أحد تدريبات إطلاق الصواريخ في إطار مناورات «أفس 2026» في تركيا (وزارة الدفاع التركية - إكس)

وأضاف المتحدث، موضحاً أن الجنود الليبيين، الذين يشاركون تحت علم ليبيا الموحدة، يتلقون تدريبات في مجالات القوارب والزوارق والألغام والعبوات الناسفة، والتحصينات وعمليات القوات الخاصة ووحدات الدعم الجوي والبري، والإسعافات الأولية والعلاج الطبي والعمليات البرمائية، وأنظمة الاتصالات والإلكترونيات العسكرية والبحث والإنقاذ في حطام المعارك.

وتابع أكتورك مبرزاً أن القوات المسلحة التركية تتخذ خطوات ملموسة في ليبيا نحو تحقيق هدف «ليبيا واحدة، جيش واحد»، من خلال دعم الأنشطة الجارية، وتساهم هذه الجهود التي تُنفذ بمساهمات تركية، بشكل كبير، في تطوير التنسيق والتناغم العملياتي بين الأطراف.

وجمع تمرين «فلينتلوك 2026»، الذي سبق مناورات «أفس 2026» عناصر من قوات العمليات الخاصة من دول صديقة وحليفة، ما يُظهر دعماً قوياً لسيادة ليبيا واستقلالها.

وقال أكتورك، في وقت سابق، إن التمرين ساهم في تطوير القدرات العملياتية المشتركة، لافتاً إلى مشاركة تركيا الفعّالة في التدريبات، التي أُجريت في ليبيا وكوت ديفوار، وأن نائب رئيس الأركان العامة للجيش التركي حضر افتتاحه الذي أُقيم في ليبيا كضيف شرف، وكجزء من التدريب، أقلعت طائرة مسيرة من طراز «أكسونغور» وأخرى من طراز «أكينجي» من دالامان في تركيا، ونُقلتا إلى ليبيا عبر رحلة جوية عابرة للقارات.

وقالت وزارة الدفاع التركية إن التمرين، الذي جمع عناصر من القوات الخاصة للدول الصديقة والحليفة (30 دولة)، واصل الإسهام في تطوير القدرات العملياتية المشتركة، إلى جانب تقديم دعم قوي لسيادة ليبيا واستقلالها.

وأضافت: «في المرحلة البحرية من التمرين، نُفذت في 18 أبريل (نيسان) تدريبات الإنزال بالحبال من المروحية في ميدان التدريب البحري بمدينة سرت، بمشاركة مروحية (إس إتش-70)، المتمركزة على متن الفرقاطة التركية (تي جي جي غاليبولو)، وفريق (سات) العامل على متنها». وأشارت إلى إجراء تدريبات «ضبط السفن والسيطرة عليها» في 19 أبريل بمشاركة فريق «سات» وعناصر ليبية.

عملية إنزال جنود في إطار تمرين فلينتوك للقوات الخاصة متعددة الجنسيات الذي شاركت فيه قوات ليبية بدعم تركي (وزارة الدفاع التركية - إكس)

و«فلينتلوك» هو تمرين عسكري سنوي تقوده القيادة الأميركية في أفريقيا «أفريكوم» منذ عام 2005، ويهدف إلى تعزيز قدرات القوات المسلحة للدول المشاركة في مكافحة الإرهاب وحماية الحدود، وهو أكبر تمرين للقوات الخاصة يُجرى في القارة، ويركز على بناء الشراكات بين القوات الأفريقية والولايات المتحدة والشركاء الدوليين الآخرين.

وإجمالاً، قال أكتورك إنه تم، حتى الآن، تدريب أكثر من 23 ألف عسكري ليبي (وبخاصة من قوات حكومة الوحدة الوطنية في غرب ليبيا) في مراكز تدريب في كل من تركيا وليبيا، وبالإضافة إلى ذلك، تستمر أنشطة الدعم بحزم في مجالات متعددة، مثل إزالة الألغام والعبوات الناسفة والذخائر غير المنفجرة، فضلاً عن مكافحة التهريب والهجرة غير الشرعية والإرهاب.