هل تنجح «دبلوماسية إعادة الضبط» التي يقودها روبيو في تعديل خطة ترمب؟

أميركا وأوكرانيا تتفقان على «أهم النقاط» فيها... وربما تتوجها زيارة زيلينسكي لواشنطن هذا الأسبوع

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ورئيس مكتب رئيس أوكرانيا أندري يرماك يتحدثان للصحافيين في جنيف الأحد (أ.ب)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ورئيس مكتب رئيس أوكرانيا أندري يرماك يتحدثان للصحافيين في جنيف الأحد (أ.ب)
TT

هل تنجح «دبلوماسية إعادة الضبط» التي يقودها روبيو في تعديل خطة ترمب؟

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ورئيس مكتب رئيس أوكرانيا أندري يرماك يتحدثان للصحافيين في جنيف الأحد (أ.ب)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ورئيس مكتب رئيس أوكرانيا أندري يرماك يتحدثان للصحافيين في جنيف الأحد (أ.ب)

في غضون أيام قليلة فقط، تحوّلت مبادرة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للسلام في أوكرانيا من مشروع متكامل من 28 نقطة، إلى مسودة جديدة «مخففة» من نحو 20 نقطة، جرى تعديلها على عجل في جنيف تحت إشراف وزير الخارجية ماركو روبيو. هذا التعديل المتسارع لم يكن تعبيراً عن مراجعة هادئة، بل عن محاولة لتدارك حالة الفوضى والارتباك التي أحدثتها النسخة الأولى من الخطة، سواء داخل المؤسسات الأميركية نفسها، أو لدى أوكرانيا وأوروبا، التي رأت فيها انحيازاً فاضحاً نحو روسيا.

اليوم، ومع انتقال المشهد الدبلوماسي إلى مسار متشابك بين جنيف وأبوظبي وواشنطن، تظهر لوحة اتصالات معقدة تشارك فيها كل الأطراف، لكنها لا تزال محكومة بمعادلة أساسية: محاولة أميركية لتعديل الخطة بما يجعلها مقبولة لأوكرانيا وأوروبا، من دون أن تسقط من يد ترمب الورقة التي تحظى بدعم مبدئي من فلاديمير بوتين.

روبيو وويتكوف شاركا في محادثات جنيف يوم 23 نوفمبر (أ.ب)

روبيو يستعيد المبادرة لكن بشروط ترمب

المعروف أن روبيو، منذ توليه وزارة الخارجية، يسعى إلى انتزاع القرار الدبلوماسي من الحلقة الضيقة المحيطة بترمب، جاريد كوشنر، ستيف ويتكوف، وأخيراً دان دريسكول، التي دفعت سابقاً باتجاه طرح الخطة الأصلية بشكل مفاجئ. وفي جنيف، بدا روبيو عازماً على إعادة «ضبط الإيقاع» بعد أن تلقى الأوروبيون والأوكرانيون النص الأول بصدمة، ووصفوه بأنه «خطة استسلام».

ومع ذلك، فإن قدرة روبيو على المناورة تبقى مقيدة بإرادة الرئيس. فترمب هو الذي فرض مهلة لزيلينسكي لقبول الخطة، قبل أن يتراجع عنها، وهو الذي عبّر بوضوح عن قناعته بأن أوكرانيا «تخسر الأرض» وأن «الوقت يعمل لمصلحة روسيا». هذا المزاج الرئاسي يجعل الدبلوماسية الأميركية تتحرك في مساحة ضيقة بين محاولة تجميل الخطة وضبط ردود فعل الحلفاء، وبين عدم استفزاز موسكو أو تجاوز السقف الذي يفرضه ترمب.

يعمل رجال الإنقاذ الأوكرانيون في موقع غارة روسية على مبنى سكني من 9 طوابق بكييف بأوكرانيا (إ.ب.أ)

أوكرانيا: بين ضغط واشنطن وتصلّب موسكو

مع أن الرئيس الأوكراني أعلن الثلاثاء أن أوكرانيا مستمرة في محادثات السلام مع الولايات المتحدة، لكن تبدو كييف هي الجهة الأكثر تعقيداً في هذه اللوحة. وينظر إلى التعديلات التي جرى إدخالها في جنيف على أنها سمحت لوفد كييف بالتحدث عن «تقدم» في المفاوضات، خصوصاً عبر نقل القضايا الأكثر حساسية، الأرض، الحدود، حجم الجيش، إلى المرحلة النهائية بين زيلينسكي وترمب مباشرة. هذا يوفر مخرجاً مؤقتاً للجانب الأوكراني من دون إظهار قبول عملي بخطة تخشى أن تفجر الداخل الأوكراني أو المؤسسة العسكرية.

نقلت شبكة «إيه بي سي نيوز» عن مسؤول أميركي قوله، الثلاثاء، إن وفداً أوكرانياً اتفق مع الولايات المتحدة على شروط اتفاق محتمل للسلام مع روسيا. وأضاف المسؤول الأميركي: «وافق الأوكرانيون على اتفاق السلام. هناك بعض التفاصيل الصغيرة التي يتعين حلها، لكنهم وافقوا على اتفاق سلام».

وقال اللفتنانت كولونيل، جيفري تولبرت، المتحدث باسم الجيش الأميركي لـ«إيه بي سي نيوز» إن دريسكول وفريقه أجروا مناقشات مع الوفد الروسي، الاثنين والثلاثاء، سعياً لتحقيق سلام دائم في أوكرانيا.

وأضاف: «المحادثات تسير على ما يرام، وما زلنا متفائلين. الوزير دريسكول على تواصل وثيق مع البيت الأبيض والوكالات الأميركية المعنية، مع تقدم المحادثات».

أعلن رستم عمروف، الثلاثاء، أن واشنطن وكييف توصلتا إلى اتفاق بشأن أهم النقاط في الخطة. وقال رستم عمروف، وزير الدفاع السابق الذي يشغل الآن منصب أمين مجلس الأمن القومي والدفاع الأوكراني وعضو فريق التفاوض الأوكراني: «توصل وفدانا إلى فهم مشترك بشأن البنود الأساسية للاتفاق الذي تم بحثه في جنيف». وأضاف عمروف، عبر موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»: «نعتمد الآن على دعم شركائنا الأوروبيين في خطواتنا المقبلة». وتابع عمروف: «نتطلع إلى تنظيم زيارة للرئيس الأوكراني (فولوديمير زيلينسكي) إلى الولايات المتحدة في أقرب وقت مناسب هذا الأسبوع، لاستكمال الخطوات النهائية والتوصل إلى اتفاق مع الرئيس ترمب».

تصاعد الدخان فوق المباني خلال غارة جوية على كييف في خضم الحرب بين روسيا وأوكرانيا (أ.ف.ب)

أوروبا تدعم السلام بلا تنازلات

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عبّر عن موقف متقدم حين قال إن الخطة الأميركية «تسير في الاتجاه الصحيح» لكنها «تحتاج إلى تحسينات». بالنسبة لماكرون، السلام مرغوب، لكن ليس «سلام الاستسلام»، والقرار بشأن الأرض «حق حصري للأوكرانيين».

فرنسا، ومعها أوروبا، تعارض بوضوح أي صيغة تحدّ من قدرة الجيش الأوكراني على إعادة البناء، كما ترفض منح الولايات المتحدة أو روسيا حق التحكم بالأصول الروسية المجمدة في أوروبا. هذا يعني أن التعديلات التي أدخلها روبيو، والتي شملت تجميد البنود المتعلقة بحجم الجيش الأوكراني أو بمنع نشر قوات الناتو، كانت استجابة مباشرة للاعتراضات الأوروبية، وليست مجرد مناورة تفاوضية.

ومع ذلك، يدرك الأوروبيون أن قدرتهم على التأثير محدودة. فالمشهد الأميركي الداخلي يجعل أي اعتراض أوروبي عرضة للاتهام بأنه «يعطل السلام»، وهو خطاب يميل ترمب إلى تعبئته بسهولة.

جنود من لواء المدفعية الرقم 148 لدى القوات المسلحة الأوكرانية يطلقون النار من مدفع هاوتزر ذاتي الحركة في اتجاه القوات الروسية قرب بلدة بوكروفسك في دونيتسك (رويترز)

موسكو... سلام المنتصر

تعامل موسكو مع الخطة المعدلة يعكس ثقة مفرطة بميزان القوى. ديمتري بيسكوف قال بوضوح إن «خطة ترمب هي الوثيقة الوحيدة الأساسية»، وإن روسيا تنتظر النسخة الجديدة «لكن من دون توقع كثير». وهذا يعكس موقفاً ثابتاً: أي خطة يجب أن تكون أكثر ملائمة لروسيا، لا أقل. بوتين، الذي يروّج لـ«التقدم الاستراتيجي»، يريد اتفاقاً يحقق ثلاثة أهداف: اعترافاً أميركياً – ولو ضمنياً – بأن لأوكرانيا سقفاً سيادياً لا يتجاوز الخطوط التي فرضتها موسكو، إرساء شرعية دولية لسيطرة روسيا على أجزاء من دونباس، إخراج أوروبا من المعادلة السياسية عبر تقليص دورها في محادثات الأمن الإقليمي.

صورة تجمع ترمب وزيلينسكي في البيت الأبيض (أ.ف.ب)

لكن بوتين أيضاً لا يريد خسارة ترمب. ولذلك، فإنه مستعد لـ«مرونة محسوبة»، خصوصاً إذا شعر بأن العقوبات والضغوط الاقتصادية قد تجعل العام المقبل أكثر صعوبة. وجود وزير الجيش الأميركي دان دريسكول في أبوظبي للاجتماع بوفد روسي، ثم بقائد الاستخبارات الأوكرانية بودانوف، يؤكد وجود قناة دبلوماسية إضافية خارج الأضواء. هذه اللقاءات، التي وصفها الأميركيون بأنها «تسير بشكل جيد»، تعكس أمراً أساسياً: إدارة ترمب تريد اتفاقاً سريعاً. لكن «السرعة» بحد ذاتها تزيد الشكوك الأوروبية، وتمنح موسكو ورقة ضغط إضافية، لأنها تدرك أن واشنطن مستعجلة أكثر مما تظهر.

هل يمكن تعديل خطة ترمب؟ يرى البعض أن الأمر ممكن، لكن التعديلات ستطول الهوامش، ليبقى جوهر الخطة قبول أوكرانيا بتنازلات إقليمية وتخفيضات عسكرية، لتكون «مقبولة» من روسيا. وإذا جرى حذف هذه البنود كلياً، فلن تبقى خطة ذات معنى في نظر ترمب أو بوتين. وهذا يفسر تقارير «واشنطن بوست» و«نيويورك تايمز» أن التعديلات التي أجراها روبيو قد تجعل الخطة «غير مقبولة لموسكو»، ما يفتح الباب أمام مفاوضات طويلة مفتوحة ومعقدة قد تمتد لأشهر، وربما لعام كامل، إذا لم يقرر أحد الأطراف، غالباً ترمب، فرض سقف زمني جديد.


مقالات ذات صلة

روسيا والصين لتعزيز «علاقة راسخة» في مواجهة «عالم مضطرب وتحديات جديدة»

أوروبا لقاء الرئيسين الصيني شي جينبينغ ونظيره الروسي فلاديمير بوتين بقاعة الشعب الكبرى في بكين يوم الأربعاء (أ.ب) p-circle

روسيا والصين لتعزيز «علاقة راسخة» في مواجهة «عالم مضطرب وتحديات جديدة»

روسيا والصين لتعزيز «علاقة راسخة» في مواجهة «عالم مضطرب وتحديات جديدة» وعارضتا استئناف الحرب بالشرق الأوسط وحذرتا من خطر العودة إلى «قانون الغاب»

رائد جبر (موسكو)
العالم جنود صينيون يسيرون خلال عرض عسكري في بكين (رويترز - أرشيفية)

صحيفة ألمانية: الجيش الصيني درّب سرّاً جنوداً في الجيش الروسي

درّب الجيش الصيني سرّاً على أراضيه المئات من الجنود الروس، نُشر بعضهم في أوكرانيا، حسبما ذكرت صحيفة «دي فيلت» الألمانية.

«الشرق الأوسط» (برلين)
أوروبا سفير روسيا لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا يلقي كلمة أمام أعضاء مجلس الأمن الدولي في مقر الأمم المتحدة بمدينة نيويورك بالولايات المتحدة 19 سبتمبر 2025 (رويترز)

روسيا تحذّر لاتفيا من السماح لأوكرانيا بإطلاق مسيّرات... وتهدد برد انتقامي

حذّرت روسيا من هجمات أوكرانية بطائرات مسيّرة تنطلق من دول البلطيق، مؤكدة أن عضوية «الناتو» لن تمنع الردّ الانتقامي.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
رياضة عالمية الفريق الروسي للجمباز حصد ذهبية أولمبياد باريس تحت علم اللجنة الأولمبية الروسية (رويترز)

الاتحاد الدولي للجمباز يدافع عن قراره رفع القيود عن رياضيي روسيا وبيلاروسيا

دافع الاتحاد الدولي للجمباز، الثلاثاء، عن قراره رفع جميع القيود المفروضة على الرياضيين من روسيا وبيلاروسيا.

«الشرق الأوسط» (لوزان (سويسرا))
الاقتصاد يستغرق تسليم شحنة من الغاز الطبيعي المسال من روسيا لآسيا عادة ما يصل إلى 45 يوماً (رويترز)

بيانات: ناقلة غاز روسية تسلم شحنة إلى الصين بعد 6 أشهر في البحر

أظهرت بيانات تتبع السفن الصادرة عن مجموعة بورصة لندن، أن ناقلة غاز سلّمت شحنة من الغاز الطبيعي المسال من روسيا إلى الصين بعد أن ظلت ستة أشهر تقريباً في البحر.

«الشرق الأوسط» (لندن)

ترمب يفرض معادلة الولاء داخل الحزب الجمهوري

وزير الحرب بيت هيغسيث برفقة المرشح الجمهوري إد غالراين في كنتاكي في 18 مايو 2026 (أ.ف.ب)
وزير الحرب بيت هيغسيث برفقة المرشح الجمهوري إد غالراين في كنتاكي في 18 مايو 2026 (أ.ف.ب)
TT

ترمب يفرض معادلة الولاء داخل الحزب الجمهوري

وزير الحرب بيت هيغسيث برفقة المرشح الجمهوري إد غالراين في كنتاكي في 18 مايو 2026 (أ.ف.ب)
وزير الحرب بيت هيغسيث برفقة المرشح الجمهوري إد غالراين في كنتاكي في 18 مايو 2026 (أ.ف.ب)

أحكم الرئيس الأميركي دونالد ترمب سيطرته على حزبه، بعدما سقط معارضوه الجمهوريون واحداً تلو آخر في الانتخابات التمهيدية.

آخر الضحايا وأبرزهم كان النائب الجمهوري توماس ماسي، الذي تحدّى ترمب في أكثر من مناسبة، وبرز اسمه بشكل أساسي في قضية ملفات جيفري إبستين، عندما صوّت لصالح رفع السرية عنها، كما يُعدّ من المعارضين البارزين لإسرائيل. وقد مُني ماسي الذي استمرّ في منصبه عن ولاية كنتاكي 14 عاماً بالهزيمة أمام مرشح مدعوم من ترمب، بعد أن شنّ الأخير حملة شرسة لإسقاطه، ووصفه بأسوأ نائب في التاريخ الأميركي. كما أوفد وزير الحرب بيت هيغسيث إلى الولاية لتأييد منافسه إد غالراين، في مشهد غير مسبوق في السياسة الأميركية، إذ جرت العادة أن يُحيّد وزير الحرب نفسه عن الأحداث الانتخابية.

النائب الجمهوري توماس ماسي ومنافسه إد غالراين في كنتاكي (أ.ف.ب)

ويُعدّ سباق كنتاكي التمهيدي لمجلس النواب الأعلى تكلفة في التاريخ من حيث الإنفاق على الإعلانات، إذ تخطّت تكلفته 32 مليون دولار، بحسب شركة «آد إيمباكت». وكانت معظم هذه المبالغ من جماعات موالية لترمب ومنظمات داعمة لإسرائيل صرفت ملايين الدولارات في إعلانات معارضة لماسي، المعروف بمواقفه المناهضة لإسرائيل ولمنظمة «أيباك». وقال ماسي ساخراً في خطاب هزيمته إنه تأخر في الإدلاء بخطابه، لأنه كان «يحاول الاتصال بمنافسه للاعتراف بالهزيمة، واستغرق الأمر بعض الوقت للعثور عليه في تل أبيب».

«حزب ترمب»

لم يكن ماسي الوحيد على لائحة «ضحايا ترمب»، فقد سبق للرئيس الأميركي أن نجح في إبعاد السيناتور الجمهوري البارز بيل كاسيدي عن ساحة السباق التمهيدي في ولاية لويزيانا لأنه صوّت لصالح إدانته بعد أحداث اقتحام الكابيتول، كما فاجأ الجمهوريين في الكونغرس عندما أعلن عن تأييده للمرشح من قاعدة «ماغا» كين باكستون في ولاية تكساس، بدلاً من السيناتور الحالي عن الولاية جون كورنين، وهو من أبرز قيادات الحزب.

السيناتور الجمهوري جون كورنين في حدث انتخابي بتكساس في 19 مايو 2026 (أ.ب)

ورغم أن كورنين لم يتحدّ ترمب علناً لتبرير موقف من هذا النوع، فإنه لم يتماشَ مع دعواته لإلغاء آلية العرقلة التي تستعملها الأقلية في مجلس الشيوخ (فيليبستر)، وقد وصف الرئيس الأميركي كورنين بـ«الرجل الجيد»، لكنه اتهمه بعدم الولاء في «أوقات الشدة»، على حدّ تعبيره.

ومقابل هذه القرارات والنتائج، يقف الحزب الجمهوري في حيرة من أمره، فمن جهة يعلم الجمهوريون أن استرضاء ترمب أساسي في مسار الانتخابات التمهيدية، ومن جهة أخرى ينظرون إلى أرقام شعبيته المتدنية والأسعار المرتفعة ويقلقون من تأثيرها على حظوظهم بالفوز في انتخابات التجديد النصفي حين يدلي المستقلون بأصواتهم. لكن حسابات ترمب تبدو مختلفة، وهدفه واضح: توجيه رسالة تحذير لكل من يتحداه من حزبه، وهذا ما أشار إليه مدير الاتصالات في البيت الأبيض ستيفن تشانغ عندما قال: «لا تشككوا أبداً بالرئيس ترمب وقوّته السياسية»، فيما قال السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام: «لا مكان في الحزب الجمهوري لمن يتحدى ترمب. هذا حزب دونالد ترمب».

حذر جمهوري

السيناتور الجمهوري بيل كاسيدي في جلسة استماع بمجلس الشيوخ في 25 فبراير 2026 (رويترز)

وبمواجهة هذا الواقع، يلعب الجمهوريون أوراقهم بحذر. فالنتائج أثبتت أن من يعلن عن ولائه المطلق للرئيس يخرج فائزاً في مسار الانتخابات التمهيدية، حيث امتد فوز المرشحين المدعومين من ترمب إلى ولايات أخرى كجورجيا وألاباما.

وكانت ولاية إنديانا أول مؤشر على هذه الموجة عندما خسر 5 من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين المحليين مقاعدهم بعد رفضهم التجاوب مع مطالب ترمب لإعادة رسم الخرائط الانتخابية في الولاية.

أما الجمهوريون الذين فقدوا دعم ترمب، فلم يصبحوا حريصين على عدم إغضاب الرئيس في الوقت المتبقي من ولايتهم، وخير دليل على ذلك تصويت السيناتور بيل كاسيدي لصالح تقييد صلاحيات ترمب في حرب إيران، مقدماً للديمقراطيين فوزاً هو الأول في مساعيهم للتصدي له. وقد انضمّ كاسيدي للجمهوريين الثلاثة راند بول، وسوزان كولينز، وليزا مركسوفسكي في عملية التصويت الثامن في المجلس، الذي حصد 50 صوتاً مؤيداً مقابل 47 معارضاً.

السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز في جلسة استماع بمجلس الشيوخ في 19 مايو 2026 (أ.ب)

ولعلّ كولينز هي المثال الحي الوحيد على أن ترمب وفريقه يُخطّطون بحذر للانتخابات النصفية. فرغم أن السيناتورة الجمهورية هي شوكة في خاصرة ترمب لأنها صوّتت ضد بعض البنود من أجندته، فإنه لم يسع لإسقاطها في ولاية ماين التي تمثلها، والتي صوّتت لصالح منافسته كامالا هاريس في الانتخابات الرئاسية. فهو يعلم أن احتفاظ كولينز بمقعدها أساسي لاحتفاظ الجمهوريين بالأغلبية في مجلس الشيوخ، ولهذا أعطاها هامشاً كبيراً لمعارضته، على أمل أن تجذب الناخبين المعارضين له في الولاية وتبقي على مقعدها.


روبيو يخطب ود الكوبيين بـ«علاقة جديدة» مع أميركا

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مستمعاً للرئيس دونالد ترمب خلال اجتماع حكومي في واشنطن (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مستمعاً للرئيس دونالد ترمب خلال اجتماع حكومي في واشنطن (أ.ف.ب)
TT

روبيو يخطب ود الكوبيين بـ«علاقة جديدة» مع أميركا

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مستمعاً للرئيس دونالد ترمب خلال اجتماع حكومي في واشنطن (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مستمعاً للرئيس دونالد ترمب خلال اجتماع حكومي في واشنطن (أ.ف.ب)

أحيا وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يوم استقلال كوبا بتوجيه رسالة مصورة بالإسبانية لمواطني الجزيرة، داعياً إياهم إلى بناء «علاقة جديدة» مع الولايات المتحدة بعد «معاناة لا تُصدق» بسبب النظام الشيوعي، فيما وجَّهت وزارة العدل الأميركية اتهامات جنائية إلى الرئيس الكوبي السابق راؤول كاسترو، في خطوة تمثل تصعيداً في حملة الضغط التي تشنّها واشنطن على الحكومة الكوبية.

ويصادف 20 مايو (أيار) ذكرى إعلان كوبا جمهوريةً عام 1902 عقب الحرب الإسبانية - الأميركية، لكن هذا العيد لا يُحتفل به منذ ثورة عام 1959. وتستند الاتهامات الموجهة ضد كاسترو (94 عاماً) إلى حادثة وقعت عام 1996، حين أسقطت مقاتلات كوبية طائرتين صغيرتين تابعتين لمنظمة «أخوة الإنقاذ» للمنفيين الكوبيين في ميامي، أفاد مسؤولون أميركيون أن مكتب المدعي العام في ميامي سينظم نشاطاً الأربعاء لتكريم الرجال الأربعة الذين قتلوا في الحادثة.

الرئيس الكوبي السابق راؤول كاسترو متوسطاً حفيده راؤول غييرمو رودريغيز والرئيس ميغيل دياز كانيل في هافانا (رويترز)

وكان راؤول شخصية محورية في الثورة. وساهم في دحر غزو خليج الخنازير الذي قامت به الولايات المتحدة عام 1961، وشغل منصب وزير الدفاع لعقود. ثم خلف شقيقه فيديل بعد وفاته، ولا يزال شخصية مؤثرة في كواليس السياسة الكوبية. وكان وزيراً للدفاع وقت وقوع حادثة عام 1996. وكانت وزارة العدل الأميركية قد وجهت اتهامات لثلاثة ضباط عسكريين كوبيين عام 2003، لكنها لم تتسلمهم من هافانا.

ويسعى الرئيس دونالد ترمب إلى تغيير النظام في كوبا، حيث يحكم الشيوعيون البلاد منذ أن قاد الزعيم التاريخي للثورة فيديل كاسترو، شقيق راؤول، إطاحة نظام الديكتاتور فولغينسيو باتيستا المؤيد للأميركيين عام 1959. وفرضت الإدارة فعلياً حصاراً على الجزيرة وهددت أخيراً بفرض عقوبات على الدول التي تزودها بالوقود، مما تسبب في انقطاع التيار الكهربائي وإلحاق أضرار جسيمة باقتصادها الهش.

ولم تُعلّق هافانا بشكل مباشر على التهديد بتوجيه الاتهام، رغم أن وزير الخارجية برونو رودريغيز تحدى واشنطن الأسبوع الماضي، قائلاً إنه «رغم الحصار والعقوبات والتهديدات باستخدام القوة، فإن كوبا تواصل مسيرتها نحو السيادة والتنمية الاشتراكية».

ويمثل رفع دعوى جنائية ضد خصم للولايات المتحدة مثل كاسترو سيُعيد إلى الأذهان لائحة الاتهام السابقة بالاتجار بالمخدرات التي وُجهت ضد الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو، حليف هافانا. واعتقلت القوات الأميركية مادورو في عملية خاطفة نفذتها مطلع العام الحالي في كاراكاس. ويقول ترمب إن الحكومة الشيوعية في كوبا فاسدة، وهدد بأنها «ستكون التالية» بعد فنزويلا.

رسالة روبيو

كوبية ترتدي سروالاً يحمل علم الولايات المتحدة وسترة عسكرية تمر أمام ملصقات قديمة لزعماء ثوريين في هافانا (أ.ف.ب)

في غضون ذلك، وجّه روبيو، وهو ابن والدين هاجرا من كوبا، كلمة للكوبيين في يوم استقلال بلادهم، قائلاً إن «السبب الحقيقي وراء انقطاع الكهرباء والوقود والغذاء عنكم هو أن مَن يسيطرون على بلدكم قد نهبوا مليارات الدولارات، ولم يُستخدَم منها شيء لمساعدة الشعب».

ولفت روبيو إلى نشاطات مجموعة الشركات العسكرية الكوبية «غايسا»، التي أسسها كاسترو وتُقدر أصولها بنحو 18 مليار دولار، وتسيطر على 70 في المائة من اقتصاد كوبا من خلال سيطرتها على الفنادق والبناء والمصارف والمتاجر وتحويلات الأموال من الولايات المتحدة. وقال إن «كوبا لا تخضع لأي ثورة. كوبا تخضع لسيطرة (غايسا)». وأضاف أن «الدور الوحيد الذي تلعبه ما يسمى الحكومة هو مطالبة الشعب بمواصلة تقديم التضحيات، وقمع كل من يجرؤ على الشكوى».

وأكد روبيو أن الرئيس ترمب «يعرض علاقة جديدة بين الولايات المتحدة وكوبا، لكن يجب أن تكون مباشرة معكم، أيها الشعب الكوبي، وليس مع شركة (غايسا)»، عارضاً «100 مليون دولار من الغذاء والدواء لكم» من الحكومة الأميركية، لكن يجب أن توزعها «الكنيسة الكاثوليكية أو غيرها من المؤسسات الخيرية الموثوقة».

وكانت قد أعلنت كوبا الخميس أنها «مستعدة» للنظر في مقترح الولايات المتحدة منحها مساعدات بقيمة 100 مليون دولار. وقال وزير الخارجية الكوبي برونو رودريغيز على منصة «إكس»: «نحن مستعدون للاستماع إلى تفاصيل المقترح وكيفية تنفيذه». ورأى روبيو أن «كوبا الجديدة ستكون مكاناً يستطيع فيه الناس التصويت على مسؤولي حكومتهم، وحيث يمكنهم التعبير عن استيائهم من النظام الفاشل دون خوف من السجن أو الإجبار على مغادرة جزيرتهم». وأكد أن «هذا ليس مستحيلاً. كل هذا موجود في جزر البهاما، وجمهورية الدومينيكان، وجامايكا، وحتى على بُعد 90 ميلاً فقط في فلوريدا. إذا كان امتلاك مشروعك الخاص والتمتع بحق التصويت ممكناً في محيط كوبا، فلماذا لا يكون ذلك ممكناً لك في كوبا؟».

وفي رد صدر صباح الأربعاء، قالت سفارة كوبا في الولايات المتحدة إن روبيو كذب وأن الولايات المتحدة تعرض الدولة الجزيرة للقسوة. وقالت السفارة في منشور ‌على «إكس» «إن السبب الذي يجعل وزير الخارجية الأميركي يكذب مراراً وبلا وازع من ضمير ⁠عند ⁠الإشارة إلى كوبا ومحاولة تبرير العدوان الذي يمارسه على الشعب الكوبي ليس الجهل أو عدم الكفاءة... إنه يعلم جيداً أنه لا يوجد عذر لمثل هذا العدوان القاسي والوحشي».


روبيو يوجه كلمة خاصة للكوبيين... ويعرض عليهم «مساراً جديداً»

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (أ.ف.ب)
TT

روبيو يوجه كلمة خاصة للكوبيين... ويعرض عليهم «مساراً جديداً»

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (أ.ف.ب)

عرض وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو على الكوبيين «مساراً جديداً»، وذلك في كلمة خاصة بثها التلفزيون، اليوم الأربعاء، اتهم فيها القيادة الشيوعية للجزيرة بالسرقة والفساد والقمع، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وجاءت رسالة روبيو، التي خاطب فيها الشعب الكوبي مباشرة باللغة الإسبانية، قبل ساعات فقط من موعد إعلان وزارة العدل الأميركية توجيه لائحة اتهام جنائية بحق الرئيس الكوبي السابق راوول كاسترو. وقال روبيو إن «الرئيس ترمب يعرض مساراً جديداً بين الولايات المتحدة وكوبا جديدة».

وأجرت الولايات المتحدة وكوبا مباحثات هذا الأسبوع بشأن عرض أميركي لتقديم مساعدات بقيمة مائة مليون دولار للجزيرة باعتبارها حافزاً للانفتاح وتنفيذ إصلاحات، وفق ما أفاد مسؤول أميركي الثلاثاء.

وكشف المسؤول في الخارجية الأميركية، الذي اشترط عدم كشف هويته، أن مايك هامر، سفير الولايات المتحدة لدى هافانا، التقى الاثنين بمسؤولين من وزارة الخارجية الكوبية.

وأوضح المسؤول: «نحن على تنسيق وثيق مع الكوبيين. عقدنا اجتماعاً أمس (الاثنين) ونواصل متابعة هذا العرض بقوة، على عكس بعض أكاذيب وزارة الخارجية الكوبية».

وأضاف: «نواصل حض النظام على قبول العرض، ومحاولة منع التدخل في إيصال المساعدات».

وأشار إلى أنه سيتم توزيع المساعدات من خلال مؤسسة خدمات الإغاثة الكاثوليكية وأيضاً محفظة السامري، وهي مؤسسة خيرية بروتستانتية إنجيلية، لكن لن يتم تسليمها مباشرة إلى الحكومة الكوبية.

وأفاد بأن «النظام الكوبي يمتلك عدة مليارات من الدولارات»، مضيفاً: «نحن نحضهم على استخدام هذه الأموال لمساعدة الشعب الكوبي على الاستثمار في بنيته التحتية، بدلاً من اكتنازها».