تحذيرات من المجاعة في اليمن... ومخاوف من الصراع على الموارد

البنك الدولي كشف عن تراجع الإيرادات واستمرار التضخم

رغم تعافي العملة المحلية لا يزال التضخم يعصف بالقدرة الشرائية لليمنيين (البنك الدولي)
رغم تعافي العملة المحلية لا يزال التضخم يعصف بالقدرة الشرائية لليمنيين (البنك الدولي)
TT

تحذيرات من المجاعة في اليمن... ومخاوف من الصراع على الموارد

رغم تعافي العملة المحلية لا يزال التضخم يعصف بالقدرة الشرائية لليمنيين (البنك الدولي)
رغم تعافي العملة المحلية لا يزال التضخم يعصف بالقدرة الشرائية لليمنيين (البنك الدولي)

توقع البنك الدولي أن عدم استئناف صادرات النفط، وغياب الدعم الدولي، سيضعان الاقتصاد اليمني تحت ضغط شديد، في حين يرى خبراء اقتصاد الحرب أن ذلك لا يقوي الحكومة في ظل الوضع القائم بقدر ما يساهم في تفجير صراعٍ داخليٍ على الريع.

تحذيرات البنك الدولي جاءت في تقرير حديث له توقع فيه وصول أجزاء من اليمن إلى المرحلة الخامسة (مجاعات كارثية) بنهاية العام الجاري مع استمرار توقف صادرات النفط، وغياب الدعم الدولي، إلى جانب مخاطر كبيرة على الرواتب، والخدمات الأساسية، والواردات الغذائية، مع تأكيده أن مستقبل اليمن الاقتصادي سيبقى مرهوناً بتحقيق السلام، وإعادة الإعمار، وإصلاح المؤسسات، واستعادة الثقة بالقطاع المصرفي.

غير أن يوسف شمسان الباحث اليمني في الاقتصاد السياسي للحرب يرى أن عودة تصدير النفط في ظل الأوضاع الراهنة ستؤدي إلى عواقب وخيمة، كونه عاملاً محفزاً للصراعات الداخلية في الدول الهشة التي لا يؤدي تدفق مواردها بالضرورة إلى تعزيز الاستقرار.

ويوضح شمسان لـ«الشرق الأوسط» أنه بينما ينظر إلى منع الجماعة الحوثية الحكومة من تصدير النفط تسبب في حرمانها من النقد الأجنبي، فإن تلك النظرة أسقطت من حساباتها التناقض البنيوي داخل مناطق إنتاجه التي لا تملك أدوات إدارته، وتخضع لسيطرة متعددة الولاءات عسكرياً، إذ يرى كل فصيل في عائدات النفط حقاً خاصاً.

ومن دون مأسسة الجبايات الرسمية، وإعادة بناء مؤسسات الجباية، والتوزيع تحت سلطة مركزية موحدة، واتفاق سياسي يسبق ذلك، وإنشاء صندوق وطني مشترك لتوحيد القنوات المالية، والرقابة على الموارد، ووحدة القرار، والرقابة على التوزيع، ومحاربة الريع الخاص للفصائل، فإن الموارد، التي يُفترض أن تكون عامل استقرار، تتحول في الحكومة الهشة إلى وقود للصراع الداخلي، وفقاً لشمسان.

ارتفاع تكلفة المعيشة

وتذهب توقعات المرصد الاقتصادي للبنك الدولي حول وضع الاقتصاد اليمني في خريف العام الجاري إلى احتمالية حدوث تضخم يرفع تكلفة المعيشة، وانكماش الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 1.5 في المائة، مع تراجع الناتج المحلي للفرد بالعملة الصعبة بنسبة 14.2 في المائة.

وأشار التقرير إلى ارتفاع تكلفة سلة الغذاء الأدنى في مناطق سيطرة الحكومة بنسبة 26 في المائة على أساس سنوي حتى يونيو (حزيران) الماضي، قبل أن تنخفض 34 في المائة في أغسطس (آب) بعد إجراءات حكومية لضبط الأسعار.

الإصلاحات النقدية ساهمت في تعافي العملة اليمنية دون وجود مصادر حقيقية (أ.ف.ب)

وتبع ذلك -وفق التقرير- تراجع مخيف في الأمن الغذائي، ومستويات «مقلقة للغاية» من الجوع، حيث وصل عدد العائلات التي تعاني من عدم كفاية الغذاء في مناطق سيطرة الحكومة إلى 64 في المائة، مقابل 62 في المائة في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، مع انهيار مصادر الدخل، وارتفاع البطالة، حيث يعدّ العمل اليومي هو المصدر الرئيس للدخل لدى قرابة 38 في المائة من العائلات.

وتوفر الوظائف الحكومية دخلاً لـ18 في المائة فقط في مناطق الحكومة، و4 في المائة في مناطق الحوثيين، بينما أكثر من ربع الأسر أصبح دخلها أقل من نصف ما كان عليه قبل عام.

وكانت الإصلاحات النقدية التي اتخذها البنك المركزي اليمني ضرورة ملحّة لكبح الانهيار، والحد من المضاربة، وتنظيم المصارفة بحسب فارس النجار المستشار الاقتصادي في مكتب الرئاسة اليمنية، والذي يشيد بدور لجنة تنظيم وتمويل الواردات في تخفيف الضغوط، ورفع الإيرادات، رغم عدم كفايتها في ظل غياب موارد النقد الأجنبي، نتيجة توقف صادرات النفط.

ويرهن النجار خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط» نجاح مسار الإصلاحات النقدية بمسار موازٍ من الإصلاحات المالية، وهو ما تؤسس له قرارات استعادة الانضباط المالي، ورفع كفاءة تحصيل الإيرادات، وإلغاء الجبايات غير القانونية، وضمان توريد كامل الموارد إلى الحساب العام، وإقرار موازنة موحدة.

انعدام الأمن الغذائي يمثل أهم التحديات الملحة في اليمن خلال الفترة الحالية (البنك الدولي)

كما يرهن تحسن السيولة العامة للدولة بتعزيز الاحتياطيات عبر عودة الصادرات، أو دعم دولي مباشر، إلى جانب رفع كفاءة تحصيل الإيرادات، وتحرير الدولار الجمركي، وتقليل العجز الذي كانت تغطيه المنحة السعودية سابقاً.

إصلاحات محدودة

ويكشف تقرير البنك الدولي عن تفاقم الضغوط على المالية العامة، بانخفاض إيرادات الحكومة اليمنية بنسبة 30 في المائة في النصف الأول من هذا العام، حيث تقلصت المنح الخارجية بنسبة 76 في المائة.

وجرى تخفيض النفقات، بما فيها رواتب الموظفين، التي توقفت بالكامل منذ يونيو الماضي مقابل ارتفاع العجز إلى ضعفي ما كان عليه العام السابق على أساس نقدي، وتراجع الاحتياطيات الأجنبية الحاد، لتهبط احتياطيات البنك المركزي إلى 1.16 مليار دولار، أي 1.6 شهر فقط من الواردات، وهو أقل من الحد الأدنى البالغ ثلاثة أشهر.

تناقض رؤى حول فوائد وأضرار تصدير النفط على الاستقرار في اليمن في الوقت الحالي (رويترز)

وإلى جانب ذلك انخفض الريال اليمني إلى 2905 ريالات مقابل الدولار منتصف يوليو (تموز) قبل أن تعود الحكومة لرفع قيمته بإجراءات طارئة إلى 1676.

ويصف الباحث الاقتصادي اليمني رشيد الآنسي الإصلاحات النقدية للبنك المركزي بالجزء اليسير من الإصلاحات، فلا معنى لإصلاحات في السياسة النقدية ما لم تتواءم مع السياسة المالية الحكومية، والتي لم ترَ النور حتى الآن.

ويقول الآنسي لـ«الشرق الأوسط» إن السياسة النقدية عليها أن تغطي متطلباتها، خاصة في توفير السيولة لتمويل نفقات الحكومة، وأن تعتمد طرق تمويل غير تضخمية تغطي تلك النفقات التي قد تكون ثابتة، ومعروفة شهرياً، لكن إيراداتها لن تكون محددة، ومعروفة، مما تحدث معه فجوات في السيولة النقدية ما بين فائض وعجز.

تراجع كبير خلال الفترة الماضية في التمويل الدولي الموجه للمساعدات وأعمال الإغاثة في اليمن (إ.ب.أ)

ويشدد الآنسي على ضرورة وجود سياسة نقدية غير تضخمية لتغطية الفجوة في السيولة، وتحقيق استقرار نقدي لا يصنع أزمات، وهذا لا يمكن أن يقوم به البنك المركزي من دون السياسة المالية التي لا يمكن أن تتم من دون موازنة عامة، والتي بدورها تحتاج إصلاحات مالية، وهو ما تصارع الحكومة، ومؤسسات الدولة المختلفة لتحقيقه.

وأشار البنك الدولي في تقريره إلى انخفاض المساعدات الدولية لليمن إلى أدنى مستوى منذ بدء الحرب، حيث حصلت خطة الاستجابة الإنسانية على 19 في المائة فقط من التمويل المطلوب، والبالغ 2.5 مليار. كما تعرض لانهيار حركة التجارة، وتضرر واردات الغذاء، والوقود.


مقالات ذات صلة

العليمي يشدد على احتكار الدولة السلاح في كامل مسرح العمليات

العالم العربي العليمي استقبل في الرياض قائد «القوات المشتركة لدعم الشرعية» الفريق فهد السلمان (سبأ)

العليمي يشدد على احتكار الدولة السلاح في كامل مسرح العمليات

شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، على احتكار الدولة السلاح بكامل مسرح العمليات وسط تأكيد سعودي على دعم اليمن لتعزيز الأمن والاستقرار والتنمية.

علي ربيع (عدن)
العالم العربي عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي (الشرق الأوسط)

الخنبشي: حضرموت تحرَّرت من تسلط الزُّبيدي وهيمنة الإمارات

الخنبشي يتهم الإمارات باستغلال التحالف وارتكاب انتهاكات في حضرموت، ويكشف عن سجون سرية ومتفجرات، ويؤكد دعم السعودية لاستعادة الاستقرار.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي السعودية تسعى إلى خروج الجنوبيين في اليمن بحلول شاملة من خلال الحوار المرتقب (رويترز)

دعم سعودي للحوار الجنوبي الشامل دون احتكار أو إقصاء

فتح اللقاء التشاوري الجنوبي في الرياض المسار نحو حوار جنوبي شامل بدعم سعودي، وسط تحديات الانقسامات الداخلية، والتحذيرات من التدخلات المحفزة للفوضى.

علي ربيع (عدن)
العالم العربي الخنبشي يقود جهوداً حثيثة لتطبيع الأوضاع الأمنية والخدمية في حضرموت (سبأ)

حضرموت تؤكد أولوية الأمن والخدمات والشراكة مع القبائل

شهدت مدينة المكلا لقاءات عقدها قادة السلطة المحلية خُصصت لمناقشة مجمل الأوضاع الخدمية، وسط استبشار بالدعم السعودي التنموي في حضرموت.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي مسلّح حوثي يمر أمام تجمع للسكان بأحد أحياء صنعاء (إ.ب.أ)

الحوثيون يقيّدون الإنترنت في معقلهم الرئيسي بصعدة

الحوثيون يواصلون قطع الإنترنت عن صعدة ويعطّلون تطبيقات البنوك، ما تسبَّب بعزل رقمي وخسائر تجارية واسعة، وسط تحذيرات من تفاقم الأزمة الاقتصادية والمعيشية

«الشرق الأوسط» (صنعاء)

العليمي يشدد على احتكار الدولة السلاح في كامل مسرح العمليات

العليمي استقبل في الرياض قائد «القوات المشتركة لدعم الشرعية» الفريق فهد السلمان (سبأ)
العليمي استقبل في الرياض قائد «القوات المشتركة لدعم الشرعية» الفريق فهد السلمان (سبأ)
TT

العليمي يشدد على احتكار الدولة السلاح في كامل مسرح العمليات

العليمي استقبل في الرياض قائد «القوات المشتركة لدعم الشرعية» الفريق فهد السلمان (سبأ)
العليمي استقبل في الرياض قائد «القوات المشتركة لدعم الشرعية» الفريق فهد السلمان (سبأ)

وسط تأكيد سعودي على الاستمرار في دعم اليمن لتحقيق الأمن والاستقرار والتنمية، شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، الاثنين، على ضرورة احتكار الدولة السلاح في كامل مسرح العمليات ومنع أي تشكيلات عسكرية خارج سلطة الدولة.

وجاءت تصريحات العليمي خلال استقباله في الرياض قائد «القوات المشتركة لتحالف دعم الشرعية» في اليمن، الفريق الركن فهد بن حمد السلمان، حيث يأتي اللقاء ضمن جهود التنسيق المستمر بين اليمن و«التحالف» لتعزيز قدرات القوات المسلحة اليمنية في مواجهة التهديدات الأمنية، ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وضمان الأمن في المناطق المحررة.

ونقلت وسائل الإعلام الرسمية عن العليمي تأكيده على أن احتكار الدولة السلاح «خطوة حاسمة لتعزيز سيادة المؤسسات الحكومية وتحقيق الاستقرار في المحافظات المحررة، ومنع أي تشكيلات عسكرية أو أمنية خارج نطاق الدولة».

كما أشاد بالدعم السعودي المستمر بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، والأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، إلى جانب الدعم المباشر من الأمير خالد بن سلمان، وزير الدفاع، في مواجهة الانقلاب الحوثي واستعادة مؤسسات الدولة.

اجتماع للقيادات العسكرية اليمنية في عدن لمناقشة إخراج معسكرات القوات خارج المدينة (سبأ)

وأشار العليمي إلى النجاحات النوعية التي حققتها «القوات المشتركة» خلال عملية تسلم المواقع العسكرية، وما رافقها من تقدم ملموس في تأمين العاصمة المؤقتة عدن وبقية المحافظات المحررة.

كما أعرب عن تقديره الجهود الإنسانية والمشروعات التنموية السعودية المصاحبة، بما في ذلك تمويل رواتب الموظفين؛ مما أسهم في دعم الاستقرار المحلي وتعزيز التنمية الاقتصادية.

استمرار الدعم

وجدد الفريق السلمان، قائد «القوات المشتركة»، التأكيد على استمرار دعم السعودية اليمن في المجالات العسكرية والأمنية والتنموية، مشدداً على التزام «التحالف» مساندة القيادة اليمنية في تحقيق تطلعات الشعب اليمني نحو الأمن والسلام والتنمية المستدامة؛ وفق ما نقله الإعلام الرسمي اليمني.

كما قدم الفريق السلمان تهانيه للعليمي بالمكاسب الأخيرة والقرارات التي من شأنها تعزيز الاستقرار ودعم المواطنين في المناطق المحررة.

يأتي هذا اللقاء في وقت تتواصل فيه جهود استعادة الدولة اليمنية وإعادة هيكلة القوات المسلحة لضمان سيادة الدولة ووقف انتشار التشكيلات المسلحة خارج نطاقها، في خطوة محورية نحو تعزيز الأمن الوطني وتحقيق السلام الدائم.


الخنبشي: حضرموت تحرَّرت من تسلط الزُّبيدي وهيمنة الإمارات

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي (الشرق الأوسط)
عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي (الشرق الأوسط)
TT

الخنبشي: حضرموت تحرَّرت من تسلط الزُّبيدي وهيمنة الإمارات

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي (الشرق الأوسط)
عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي (الشرق الأوسط)

اتهم عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني ومحافظ حضرموت، سالم الخنبشي، دولة الإمارات العربية المتحدة باستغلال مشاركتها ضمن تحالف دعم الشرعية في اليمن لتحقيق أجنداتها الخاصة، مؤكداً أن ممارساتها في المحافظة شكلت صدمة للسلطات المحلية ولأبناء حضرموت.

وقال الخنبشي، خلال مؤتمر صحافي عقده في مدينة المكلا، الاثنين، إن السلطات المحلية كانت تعوّل على أن تكون الإمارات «سنداً وعوناً» لليمنيين في إطار التحالف، إلا أن تصرفاتها على الأرض جاءت «مخالفة للتوقعات»، مشيراً إلى أن حضرموت عانت من هيمنة مجموعات مسلحة تابعة لعيدروس الزبيدي، وبدعم مباشر من أبوظبي.

وأوضح الخنبشي أن المحافظة تحررت من تسلط عيدروس الزبيدي والهيمنة الإماراتية»، متهماً المجموعات المسلحة التابعة له بنهب مقرات الدولة، وترويع الأهالي، وارتكاب انتهاكات واسعة بحق المدنيين، الأمر الذي ألحق أضراراً جسيمة بالأمن والاستقرار في حضرموت خلال المرحلة الماضية.

وأكد الخنبشي أن السلطات ستتخذ «الإجراءات القانونية كافة» تجاه الإمارات والمجموعات المسلحة التابعة للزبيدي، مشدداً على أن العدالة ستُطبَّق، وأن القانون «سيأخذ مجراه دون استثناء»، مع التعهد بدعم ضحايا الانتهاكات ومحاسبة جميع المتورطين.

وكشف عضو مجلس القيادة الرئاسي عن اكتشاف «عدد كبير من السجون السرية» قال إنها كانت تدار بدعم إماراتي داخل حضرموت، إضافةً إلى العثور على متفجرات جرى تخزينها في معسكر مطار الريان، وُصفت بأنها كانت معدة لاستهداف أبناء المحافظة وتنفيذ عمليات اغتيال.

وأشار الخنبشي إلى أن حضرموت طوت «صفحة مريرة وخطيرة» من تاريخها، بدعم مباشر من المملكة العربية السعودية، مؤكداً أن هذا الدعم أسهم في استعادة الاستقرار، وتعزيز سلطة الدولة، وإنهاء مرحلة من الفوضى والانتهاكات.

يأتي المؤتمر الصحافي للخنبشي في ظل جهود حثيثة لإعادة تطبيع الأوضاع الأمنية في حضرموت، وسط مطالب محلية متزايدة بتعزيز سلطة الدولة، وإنهاء أي وجود مسلح خارج الأطر الرسمية، وضمان عدم تكرار الانتهاكات التي شهدتها المحافظة خلال الأسابيع الماضية.


دعم سعودي للحوار الجنوبي الشامل دون احتكار أو إقصاء

السعودية تسعى إلى خروج الجنوبيين في اليمن بحلول شاملة من خلال الحوار المرتقب (رويترز)
السعودية تسعى إلى خروج الجنوبيين في اليمن بحلول شاملة من خلال الحوار المرتقب (رويترز)
TT

دعم سعودي للحوار الجنوبي الشامل دون احتكار أو إقصاء

السعودية تسعى إلى خروج الجنوبيين في اليمن بحلول شاملة من خلال الحوار المرتقب (رويترز)
السعودية تسعى إلى خروج الجنوبيين في اليمن بحلول شاملة من خلال الحوار المرتقب (رويترز)

في خطوة تؤكد استعادة ملف الجنوب اليمني بوصفه قضية مركزية في مسار السلام في اليمن، احتضنت الرياض «اللقاء التشاوري الجنوبي» تمهيداً لمؤتمر حوار جنوبي شامل، حيث جمع اللقاء قيادات ومكونات جنوبية، بمن فيهم المطالبون باستعادة الدولة التي كانت قائمة في الجنوب والشرق اليمني قبل الوحدة الاندماجية مع الشمال في 1990.

ويأتي اللقاء التشاوري، الذي حضره نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي وقرأ بيانه الختامي، في إطار مسار سياسي تسعى السعودية لرعايته، بعيداً عن الاستقطابات الداخلية، والتدخلات الخارجية المثيرة للجدل، سعياً لحلول «عادلة، وآمنة، ومستدامة» وفق البيان الختامي للقاء.

وتظهر السعودية، من خلال رعايتها لهذا اللقاء، تحولاً في أدائها الإقليمي من طرف داعم عسكرياً يقود التحالف الداعم للشرعية إلى راعٍ سياسي رئيس للحل الشامل. وقد عبّر البيان عن هذا الدور بوضوح، مشيراً إلى أن المملكة «لا تتبنى موقفاً معادياً لأي خيار» جنوبي، شرط أن يكون نتاج حوار جنوبي-جنوبي شامل، وغير مُحتكر.

جانب من الحضور في المؤتمر التشاوري الجنوبي المنعقد في الرياض (أ.ب)

وإضافة إلى الطبيعة المباشرة والشاملة للرعاية السعودية، تجاوز ذلك الدعم السياسي إلى معالجات اقتصادية عاجلة، ومنها تخصيص 1.9 مليار ريال سعودي لدعم الاقتصاد، وضمان صرف مرتبات الموظفين والعسكريين.

ويؤكد مراقبون أن هذه الخطوات تُعطي الرعاية السعودية مصداقية عملية، وتُقيم ارتباطاً مباشراً بين الاستقرار المعيشي ونجاح المسار السياسي.

رفض التدخل الفوضوي

في المقابل، حمل البيان الختامي للقاء التشاور الجنوبي، والمواقف المصاحبة له نقداً لاذعاً، وإن كان غير مباشر، للدور الإماراتي، الذي يتهمه مراقبون بتعزيز الانقسامات الجنوبية عبر دعم أطراف محددة، هي التي كانت مستفيدة من كل ما حولها بقيادة عيدروس الزبيدي رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل الذي هرب إلى أبوظبي بعد رفضه الانخراط في الحوار الذي ترعاه الرياض.

ويشير التحليل الضمني إلى أن الرياض تُقدم نفسها بوصف أنها نموذج مضاد للتدخلات الإماراتية «الفوضوية»، عبر التركيز على الحوار الجامع للجنوبيين، ودعم مؤسسات الدولة ضمن مسار يقود لاحقاً إلى ترتيب كامل الجغرافيا اليمنية، وصولاً إلى سلام شامل في الشمال والجنوب على حد سواء.

وفيما يتطلع فريق من القيادات الجنوبية إلى الانفصال عن الشمال، واستعادة الدولة التي كانت قائمة قبل الوحدة الاندماجية، يتطلع فرقاء آخرون إلى صيغ أخرى، حيث يفضلون البقاء ضمن يمن اتحادي يحظى بأقاليم تحكم نفسها ذاتياً، فيما يتطلع فرقاء آخرون إلى حلول أخرى يرون أنها ستكون أكثر إنصافاً وبعداً عن الهيمنة، والتبعية المركزية المجحفة.

اللقاء التشاوري الجنوبي أكد على رفض استغلال المظاهرات لإحداث الفوضى (أ.ف.ب)

كل هذه الرؤى والتطلعات –بحسب المراقبين- تضع السعودية في موقع الوسيط الحريص على توحيد الجنوبيين، فيما قد يُنظر إلى أبوظبي على أنها طرف يغذي التفتيت، ويهدف إلى زعزعة الاستقرار، وتنفيذ أجندات مشبوهة.

وكان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي طلب من الإمارات مغادرة اليمن عسكرياً، ووقف التدخل في شؤونه الداخلية بعد أن قامت بدعم ورعاية التحركات الأحادية التي قادها الزبيدي عسكرياً لإخضاع حضرموت والمهرة بالقوة.

تحديات داخلية

ويكشف اللقاء الجنوبي التشاوري والبيان الختامي عن إدراك عميق للتحديات الداخلية التي أنهكت القضية الجنوبية، فقد شدد المشاركون على رفض «احتكار التمثيل»، أو «اختزال القضية» في مكون أو شخص، في إشارة واضحة إلى ممارسات سابقة لبعض القيادات، يتصدرهم عيدروس الزبيدي.

كما ميّز البيان بوضوح بين «عدالة القضية» بوصف أنها مطلب سياسي وحقوقي مشروع، وبين «الممارسات الفردية» لبعض القيادات التي ألحقت ضرراً بالقضية عبر «توظيفها في صراعات إقليمية»، أو «قضايا فساد وسوء إدارة». وسط الكشف عن قضايا فساد كبيرة مرتبطة بالزبيدي، والمقربين منه.

ويبدو أن هذا النقد الذاتي، لا سيما في أوساط من كانوا منتمين للمجلس الانتقالي الجنوبي قبل حلّه بقيادة الزبيدي، يعد تطوراً ملحوظاً، حيث يُظهر رغبة في تصحيح المسار، واستعادة المصداقية المفقودة أمام الشارع الجنوبي، والمجتمع الدولي.

اللقاء التشاوري الجنوبي انعقد بحضور عبد الرحمن المحرّمي عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني (رويترز)

كما أن الدعوة الموجهة لجماهير الجنوب لدعم المسار الراهن «بوعي، ومسؤولية» تأتي في سياق محاولة استعادة الشرعية الشعبية للعملية السياسية، بعيداً عن توظيف الاحتجاجات الشعبية في عدن لأغراض ضيقة، كما يريد لها المراهنون على الفوضى التي تريد الإمارات تغذيتها عبر أدواتها، والرافضون لمنطق الحوار.

كل ذلك يشير إلى أن «القضية الجنوبية» باتت الآن في طريقها للبحث عن هيكلة جديدة، يكون الحوار والتمثيل الجامع أساسها، بدلاً من الزعامات الفردية، والخضوع للرغبات الأحادية المعتمدة على قوة السلاح.

فرصة تاريخية

ويصف البيان الختامي للقاء التشاوري مؤتمر الحوار الجنوبي الشامل المرتقب انعقاده بأنه «فرصة تاريخية نادرة»، وهي فرصة تكمن في توفر رعاية سعودية تدفع للحوار من ناحية، ومن ناحية ثانية في وجود إجماع جنوبي مبدئي على الاحتكام لطاولة المفاوضات باعتبار أنه مسار وحيد، وآمن.

الأهم من كل ذلك، هو أن الحل السياسي للقضية الجنوبية أصبح يُنظر إليه، إقليمياً ودولياً، على أنه «مدخل أساسي» لأي تسوية شاملة في اليمن، مما يرفع سقف الأهمية والتركيز عليه.

شخصيات جنوبية تاريخية حضرت اللقاء التشاوري في الرياض يتصدرهم حيدر أبوبكر العطاس (رويترز)

لكن هذه الأرضية واعدة ومحفوفة بالمخاطر في الوقت ذاته، حيث إن الخطر الأكبر يتمثل في «محاولات العبث» بهذه الفرصة، سواء عبر «خلق استقطابات داخلية» مدعومة إقليمياً، أو «الزج بالجنوب في صراعات جانبية»، فضلاً عن تراكم المظالم والانقسامات الجنوبية-الجنوبية العميق، وهو ما سيجعل مهمة الحوار بحاجة إلى أكبر قدر من المسؤولية السياسية والتاريخية.

إلى ذلك، يظهر اللقاء التشاوري الجنوبي على أنه محاولة لإعادة تدوير القضية الجنوبية من مسار الصراع والانقسام إلى مسار الحوار والتسوية، لكن النجاح سيبقى مرهوناً بقدرة القيادات الجنوبية على تجاوز إرث الاحتكار والصراع وتوحيد كلمتهم، إلى جانب الجهد السعودي الذي سيتواصل لتحييد التدخلات المعيقة، وإقناع المجتمع الدولي بدعم هذا المسار باعتبار أنه جزء من حل يمني شامل.