ابتكارات طلابية: جهاز يكشف الكوليرا خلال 20 دقيقة وخرسانة تخفض الانبعاثات

نماذج أولية ترسم صورة عالم أكثر صحة واستدامة

طلاب من أكثر من 100 جامعة شاركوا في معرض «ابتكارات للبشرية 2025» (الشرق الأوسط)
طلاب من أكثر من 100 جامعة شاركوا في معرض «ابتكارات للبشرية 2025» (الشرق الأوسط)
TT

ابتكارات طلابية: جهاز يكشف الكوليرا خلال 20 دقيقة وخرسانة تخفض الانبعاثات

طلاب من أكثر من 100 جامعة شاركوا في معرض «ابتكارات للبشرية 2025» (الشرق الأوسط)
طلاب من أكثر من 100 جامعة شاركوا في معرض «ابتكارات للبشرية 2025» (الشرق الأوسط)

في معرض «ابتكارات للبشرية 2025» (Prototypes for Humanity)»، لم تكن المشاريع المعروضة مجرد نماذج أولية واعدة، بل رؤى ملموسة لمستقبل يمكن أن تغيّره أفكار طلابية شغوفة. بين مئات الابتكارات، لفت مشروعان الأنظار، أحدهما قادم من جامعة «هارفارد» الأميركية، والآخر من المعهد التقني الفيدرالي في زيوريخ (ETH Zurich).

وعلى الرغم من اختلاف تخصصيهما واتساع المسافة بينهما، يهدف الأول إلى إنقاذ الأرواح عبر الكشف السريع عن الكوليرا في المياه، والآخر يسعى لتقليل الانبعاثات من الخرسانة التي تُعدّ من أكثر المواد استخداماً في البناء.

ستفيك رايني مطوّر جهاز «كولاب» من جامعة هارفارد (الشرق الأوسط)

مختبر في راحة اليد

أمام جهاز صغير ومضغوط، يشرح الباحث ستيفيك رايني، من برنامج ماجستير الهندسة والتصميم في جامعة هارفارد، الفكرة خلف جهاز «كولاب» (CoLab) الذي يمكنه الكشف عن بكتيريا الكوليرا في المياه خلال دقائق. يقول راني: «إنه جهاز صغير يمكنه اكتشاف بكتيريا الكوليرا في مصدر المياه... ويسمح لجهات الصحة العامة باختبار المياه بسرعة وتحديد ما إذا كانت البكتيريا موجودة، واتخاذ الإجراءات المناسبة لحماية الأرواح».

يعتمد الجهاز على تقنية تضخيم الجينات، حيث يتم تحديد تسلسل الحمض النووي الخاص ببكتيريا «فيبريو كولوراي» (Vibrio cholerae). ويضيف رايني موضحاً: «نستخدم عملية لتضخيم الجينات... نحدّد بها الجينات في الحمض النووي لبكتيريا الكوليرا». ورغم أنه جهاز ميداني بسيط الاستخدام، تصل دقته إلى 94 في المائة، وهي نسبة قريبة من نتائج المختبرات التقليدية التي تُعدّ الأكثر دقة.

وينوّه رايني إلى أنه كما يضع التصميم في الحسبان ظروف المياه في المناطق الريفية «نعرف أن الماء قد يحتوي على أوساخ ورواسب... لذلك أضفنا نظام ترشيح يمنع أي ملوّثات خارجية من التأثير على الاختبار».

السرعة... الاختلاف الحقيقي

ما يجعل جهاز «هارفارد» مميزاً ليس فقط قابلية الحمل، بل السرعة. فبينما تحتاج الفحوص التقليدية من ثلاثة إلى خمسة أيام، يقدّم الجهاز النتائج في 20 دقيقة فقط. كما يعتمد على الهاتف الذكي لتشغيل الاختبار وتحليل النتائج وإرسالها تلقائياً؛ ما يسمح برسم خريطة انتشار فورية بمجرد اتصال الهاتف بالإنترنت. هذه الخطوة تلغي حاجة العاملين في الميدان إلى خبرة تقنية، وتقلّل الأخطاء البشرية.

يتابع رايني: «نقوم بأتمتة عملية القراءة حتى نتفادى أي خطأ قد ينتج من تفسير يدوي للنتيجة»، ويرى الباحث أن مناطق مثل ولاية البنغال الغربية بالهند ستكون من أولى الجهات المستفيدة؛ لما تملكه من بنية تحتية صحية وخطر مرتفع للأمراض المنقولة بالمياه. ويزيد: «الأشخاص الذين يجمعون العينات من المجتمع نفسه... نريد تمكينهم من نقل هذه المعرفة وإنقاذ الأرواح في محيطهم».

يستبدل «إيكو فاست كوكنريت» الصيغة المقترحة مواد طبيعية ومخلفات صناعية بـ50 إلى 80 % من الأسمنت (الشرق الأوسط)

خرسانة للمستقبل من سويسرا

على مسافة قصيرة في قاعة العرض، يقدّم لوكاس فالين، الباحث في «ETH Zurich» مشروعاً يختلف جذرياً، لكنه لا يقل أهمية يدعى «إيكو فاست كونكريت» (EcoFast Concrete)، وهو تطوير جديد للخرسانة يهدف إلى خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وتسريع عمليات البناء. يلخص فالين المشروع بوضوح قائلاً: «مهمتنا هي جعل قطاع البناء أكثر خضرة وأسرع».

تستبدل الصيغة المقترحة مواد طبيعية ومخلفات صناعية بـ50 إلى 80 في المائة من الأسمنت، من دون التأثير على الجودة. ويشرح أنه «يمكن دمج الصيغة مع الموارد المحلية... في سويسرا نستخدم الحجر الجيري، لكن يمكن تعديل التقنية حسب المواد المتوفرة». ولأن قوة الخرسانة ترتبط بخصائصها البنيوية، يستخدم الفريق إضافات كيميائية لضبط عملية التصلب ومنح المادة بنية دقيقة وثابتة، ويقول: «بفضل الصيغة الأكثر تفاعلية، يمكننا زيادة القوة مع مرور الوقت».

لوكاس والبن مبتكر مشروع «إيكو فاست كونكريت» من جامعة (ETH) زيوريخ (الشرق الأوسط)

بناء أسرع... وانبعاثات أقل

يتعامل المشروع أيضاً مع بطء دورة الصب والتشكيل التي تعدّ واحدة من أكبر مشكلات الصناعة. فوفقاً لفالين: «عادةً، يصب العمال الخرسانة صباحاً، وينتظرون 12 ساعة قبل إزالة القالب... نحن نقلص الزمن إلى 6 ساعات». هذا يعني زيادة الإنتاجية بنسبة 50 في المائة، وهو عامل يغيّر ديناميكية مواقع البناء جذرياً. ورغم نجاح التجارب المعملية وصنع نماذج أولية، يعترف فالين بأن التحدي الأكبر هو إقناع قطاع البناء، المعروف ببطء تبنّي التقنيات الجديدة. ويشرح: «الأمر يحتاج إلى إقناع... علينا أن نبرهن أن الخرسانة الجديدة تخفض الانبعاثات وتبقى في الوقت نفسه مجدية اقتصادياً».

ويعد أن النجاح الحقيقي يكمن في حل مشكلتين معاً، البيئة والتكلفة.

فلسفة واحدة... رغم اختلاف التخصصات

على الرغم من أن أحد المشروعين يعالج الأمراض القاتلة، والآخر يواجه أزمة المناخ، فإن الرابط بينهما واضح، وهو أنه ابتكار قابل للاستخدام الحقيقي، وليس مجرد ورقة بحثية. كلا المشروعين يبدأ من مشكلة عالمية، ويُصمَّم لبيئة حقيقية بموارد محدودة، ويركّز على قابلية التطبيق والتوسّع، ويمنح المجتمع دوراً مباشراً في الحل.

يقول راني: «الأمر يتعلق بمساعدة المجتمعات على اكتشاف التلوث قبل أن يتحول تفشياً كبيراً»، بينما يرى فالين أن قطاع البناء في حاجة إلى ثورة: «الخرسانة يجب أن تتغير... ونريد أن نمهد الطريق للمرحلة التالية».


مقالات ذات صلة

صحتك نصائح لـ«إتقان» القيلولة

نصائح لـ«إتقان» القيلولة

إن كنت بحاجة للحصول على انتعاش سريع خلال النهار، فإن القيلولة القصيرة يمكن أن تكون هي الحل الأمثل لاستعادة صفاء الذهن ومكافحة التعب.

«الشرق الأوسط» (كمبردج - ولاية ماساشوستس الأميركية)
صحتك «الداء البطني»... عندما يوجِّه ضربته في وقت لاحق من العمر

«الداء البطني»... عندما يوجِّه ضربته في وقت لاحق من العمر

بعد معاناةٍ استمرت شهوراً من إسهالٍ شديد ونقصٍ ملحوظ في الوزن، اندهشت السيدة «بيس» بشدة عندما علمت أنها أُصيبت بمرض الداء البطني (السيلياك)

مورين سال أمون (كمبردج - ولاية ماساشوستس الأميركية)
صحتك تمتَّع بفوائد مرق العظام

تمتَّع بفوائد مرق العظام

يُقبل على تناوله متبعو الحميات منخفضة الكربوهيدرات

«الشرق الأوسط» (كمبردج (ولاية ماساشوستس الأميركية))
صحتك هل يمكنك تسريع التمثيل الغذائي؟

هل يمكنك تسريع التمثيل الغذائي؟

يُعدُّ معدل التمثيل الغذائي (الأيض) السريع من المزايا الحقيقية إذا كنت تحاول خسارة الوزن؛ لأنه يسمح للجسم بحرق السعرات الحرارية بسرعة.

«الشرق الأوسط» (كمبردج - ولاية ماساشوستس الأميركية)

بالخطأ... منصة في كوريا الجنوبية توزع «بتكوين» بقيمة 44 مليار دولار

شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
TT

بالخطأ... منصة في كوريا الجنوبية توزع «بتكوين» بقيمة 44 مليار دولار

شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)

كشفت منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب»، اليوم السبت، عن أنها وزعت عملات «بتكوين» بقيمة تتجاوز 40 مليار دولار على عملاء بوصفها مكافآت ترويجية عن طريق الخطأ، ما أدى إلى موجة بيع حادة على المنصة.

واعتذرت «‌بيثامب» عن ‌الخطأ الذي ‌وقع ⁠أمس ​الجمعة، ‌وقالت إنها استعادت 99.7 في المائة من إجمالي 620 ألف «بتكوين» بقيمة تبلغ نحو 44 مليار دولار بالأسعار الحالية. وقيدت عمليات التداول والسحب ⁠على 695 عميلاً متأثراً بالواقعة في ‌غضون 35 دقيقة ‍من التوزيع ‍الخاطئ أمس.

وأفادت تقارير إعلامية بأن ‍المنصة كانت تعتزم توزيع مكافآت نقدية صغيرة في حدود 2000 وون كوري (1.40 دولار) ​أو أكثر لكل مستخدم في إطار حدث ترويجي، لكن ⁠الفائزين حصلوا بدلاً من ذلك على ألفي «بتكوين» على الأقل لكل منهم.

وقالت «‌بيثامب» في بيان: «نود أن نوضح أن هذا لا علاقة له بقرصنة خارجية أو انتهاكات أمنية، ولا توجد مشاكل في أمن النظام ‌أو إدارة أصول العملاء».


«مدمّر ستارلينك» المحتمل... خطوة تقنية صينية تفتح الباب أمام تعطيل الأقمار الاصطناعية

صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
TT

«مدمّر ستارلينك» المحتمل... خطوة تقنية صينية تفتح الباب أمام تعطيل الأقمار الاصطناعية

صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)

طوّر علماء صينيون مولّد طاقة فائق القوة وصغير الحجم، في خطوة تمهّد الطريق لتطوير أسلحة من الجيل القادم قد تُستخدم يوماً ما ضد أسراب الأقمار الاصطناعية، مثل كوكبة «ستارلينك» التابعة لشركة «سبيس إكس»، وذلك وفقاً لما أوردته صحيفة «إندبندنت».

وخلال السنوات الأخيرة، اكتسبت أسلحة الموجات الدقيقة عالية الطاقة اهتماماً متزايداً بوصفها بديلاً منخفض التكلفة للصواريخ والبنادق التقليدية، نظراً لقدرتها شبه غير المحدودة على إطلاق النبضات.

وفي هذا السياق، يُجري باحثون في الولايات المتحدة، وروسيا، والصين على وجه الخصوص، دراسات مكثفة حول إمكانية تطوير هذه التقنية إلى أسلحة طاقة موجهة قادرة على تعطيل الأقمار الاصطناعية.

ويُعدّ تدمير قمر اصطناعي في الفضاء مهمة بالغة التعقيد، إذ من المرجح أن تُخلّف الأسلحة التقليدية كميات كبيرة من الحطام المداري، ما قد يؤدي إلى عواقب غير متوقعة، بما في ذلك تهديد الأقمار الاصطناعية التابعة للدولة المنفذة نفسها.

ومن الناحية النظرية، يمكن لأسلحة الموجات الدقيقة تعطيل الأقمار الاصطناعية مع توليد قدر محدود من الحطام، فضلاً عن إتاحة قدر من «الإنكار المعقول»، وهو ما يمنحها ميزة استراتيجية واضحة.

وتعتمد هذه الأسلحة على مبدأ تخزين الطاقة الكهربائية ثم إطلاقها دفعة واحدة على شكل نبضة قوية، على غرار آلية عمل ملف تسلا.

وتُستخدم هذه النبضة الهائلة من الطاقة في تشغيل مولدات الموجات الدقيقة، التي تعمل بدورها على تعطيل الأنظمة، والأجهزة الإلكترونية.

شاشة تظهر إيلون ماسك وشعار شركة «ستارلينك» (رويترز)

وحتى وقت قريب، كانت غالبية النماذج الأولية لهذه المولدات النبضية ضخمة الحجم، إذ بلغ طولها 10 أمتار على الأقل، ووزنها أكثر من 10 أطنان، ما جعل دمجها في أنظمة الأسلحة الصغيرة أو المتحركة أمراً بالغ الصعوبة.

غير أنّ دراسة حديثة أجراها علماء صينيون من معهد شمال غربي الصين للتكنولوجيا النووية (NINT) أظهرت تقدماً ملحوظاً في هذا المجال، حيث استخدم الباحثون مادة عازلة سائلة خاصة تُعرف باسم «ميدل 7131»، ما أتاح تحقيق كثافة أعلى لتخزين الطاقة، وعزلاً أكثر قوة، وتقليلاً لفقدان الطاقة، وأسهم في تصميم جهاز أصغر حجماً، وأكثر كفاءة.

وكتب العلماء في الدراسة المنشورة: «من خلال استخدام مادة عازلة سائلة عالية الكثافة للطاقة تُعرف باسم (ميدل 7131)، إلى جانب خط تشكيل نبضات مزدوج العرض، تمكنت الدراسة من تصغير حجم محول تسلا المتكامل، ونظام تشكيل النبضات».

وبحسب الدراسة، يبلغ طول الجهاز الجديد أربعة أمتار فقط (13 قدماً)، ويزن خمسة أطنان، ما يجعله أول جهاز تشغيل صغير الحجم في العالم لسلاح الميكروويف عالي الطاقة.

ويُعرف هذا الجهاز باسم TPG1000Cs، وهو صغير بما يكفي ليُثبت على الشاحنات، والطائرات، بل وحتى على أقمار اصطناعية أخرى، وفقاً لما أفاد به الباحثون.

وأشار الباحثون إلى أن «النظام أظهر استقراراً في التشغيل لمدة دقيقة واحدة متواصلة، حيث جُمعت نحو 200 ألف نبضة بأداء ثابت».

ويؤكد خبراء أن سلاح ميكروويف أرضياً بقدرة تتجاوز 1 غيغاواط (GW) سيكون قادراً على تعطيل وتدمير آلية عمل أقمار «ستارلينك» الاصطناعية في مدارها بشكل كبير.

وذكر الباحثون، بحسب ما نقلته صحيفة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست»، أن جهاز TPG1000Cs قادر على توليد نبضات كهربائية فائقة القوة تصل إلى 20 غيغاواط.

وتأتي هذه التطورات في وقت نشرت فيه الصين عدداً من الدراسات التي تشدد على ضرورة إيجاد وسائل فعالة لتعطيل أقمار «ستارلينك» الاصطناعية التابعة لرجل الأعمال إيلون ماسك.


الذكاء الاصطناعي السيادي… نهاية السحابة أم بداية نموذج مزدوج؟

يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
TT

الذكاء الاصطناعي السيادي… نهاية السحابة أم بداية نموذج مزدوج؟

يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرّد قصة برمجيات. فمع تسارع الحكومات في تنفيذ استراتيجياتها الرقمية، واندماج تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي في صلب العمليات المؤسسية، يتحوّل النقاش من التطبيقات إلى البنية التحتية، تحديداً من يملكها وأين تُدار وكيف تُبنى. فالمفهوم الذي يتصدر هذا الجدل اليوم هو «السيادة».

غير أن السيادة في سياق الذكاء الاصطناعي ليست مجرد شعار جيوسياسي، بل تعكس تحوّلاً بنيوياً في فهم الدول والشركات لمخاطر المرحلة الجديدة، خصوصاً في عصر النماذج اللغوية الكبرى.

فالحوسبة السحابية التقليدية أثارت مخاوف تتعلق بالخصوصية والأمن السيبراني. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي فقد أضاف بُعداً مختلفاً. إذاً ماذا يحدث عندما تتعلّم النماذج من بيانات حساسة بطرق يصعب عكسها؟

يجيب سامي عيسى، الرئيس التنفيذي لشركة «غلوبال إيه آي»، بأنه «لا يوجد في عالم الذكاء الاصطناعي ما يُسمى بالحق في النسيان. إذا تعلّم نموذج لغوي أسرار نموذج عملي التجاري، فمن شبه المستحيل إقناعه بإلغاء ما تعلّمه». ويشير خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» إلى أن الفارق بين تخزين البيانات وترميزها داخل أوزان النموذج «هو ما يدفع باتجاه مفهوم الذكاء الاصطناعي السيادي».

سامي عيسى الرئيس التنفيذي لشركة «غلوبال إيه آي»

السيادة بالهندسة المعمارية

يمكن النظر إلى السيادة من زاويتين؛ الأولى قائمة على التشريعات والضوابط التعاقدية، والثانية قائمة على البنية الهندسية ذاتها. السيادة بالسياسة تعتمد على القوانين والاتفاقات، لكن تنفيذ تلك الضوابط يصبح معقّداً حين يكون «التسرّب» غير قابل للاسترجاع. ويقول عيسى إن «التسرّب لا يمكن استعادته ولا يمكنك أن تطلب من النموذج أن ينسى».

وهنا تظهر فكرة «السيادة بالهندسة المعمارية»، أي بناء بيئات حوسبة معزولة ومخصصة بالكامل لجهة واحدة، بحيث لا تكون مشتركة مع أطراف أخرى. وفي هذا النموذج، تكون البنية التحتية «مفصولة مادياً» (air-gapped)، ولا يشاركها أي عميل آخر.

المنطق واضح، فإذا كانت النماذج التوليدية تستمد قيمتها من بيانات حساسة كالنماذج التجارية أو الشيفرات الجينية أو البنى المالية، فإن التحكم المعماري يصبح أداًة استراتيجيةً لحماية هذه القيمة. فالسيادة هنا ليست انعزالاً، بل إدارة واعية للمخاطر طويلة الأمد.

الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي

على مدى عقدين تقريباً، أعادت الحوسبة السحابية تشكيل البنية الرقمية للشركات. لكن حتى اليوم، لم تنتقل غالبية بيانات المؤسسات بالكامل إلى السحابة العامة. ومع صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي، بدأ البعض يعيد النظر.

يرى عيسى أنه «بعد 15 أو 20 عاماً من الحوسبة السحابية، لم تنتقل نسبة كبيرة من بيانات المؤسسات إلى السحابة. أما الآن، في عصر الذكاء الاصطناعي، نرى بعضهم ينسحب». ويُرجع عيسى السبب ليس إلى أساس عاطفي بل بنيوي، ويقول: «في الحوسبة التقليدية، يمكن فصل البيانات، أما في النماذج اللغوية، فإن المعرفة تصبح جزءاً من تكوين النموذج نفسه. لكن هل يعني ذلك أن الحوسبة السحابية والسيادة في مسار تصادمي؟».

يرد عيسى قائلاً: «أعتقد أن الأمر كذلك، فالذكاء الاصطناعي سرّع هذا الاتجاه»، موضحاً أن المقصود ليس نهاية الحوسبة السحابية، بل ظهور بنى مزدوجة. إنها بيئات سحابية مشتركة للأعمال العامة وبيئات سيادية مخصصة للتطبيقات الاستراتيجية.

النماذج اللغوية تجعل مسألة «السيادة» أكثر إلحاحاً لأن المعرفة التي تتعلّمها لا يمكن استرجاعها أو محوها بسهولة (غيتي)

مخاطر البطء أكبر من مخاطر الإسراف

بينما يتخوف بعض صناع القرار من الإفراط في الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، يرى عيسى أن الخطر الأكبر هو التردد، ويشرح أن «مخاطر التقليل في الاستثمار أكبر من مخاطر الإفراط فيه»، وأن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تطور تدريجي في السرعة أو السعة، بل يعيد تعريف نماذج الإنتاجية والخدمات. ويصف عيسى ما يحدث بأنه «ليس مجرد قفزة تقنية بل طريقة مختلفة تماماً في التفكير بالأعمال وخلق القيمة». ويشدد على أنه بالنسبة للدول التي تسعى إلى التحول لمراكز للذكاء الاصطناعي، «فإن التأخير قد يعني خسارة سباق استقطاب المواهب».

البنية التحتية وحدها لا تكفي

الاستثمار في مراكز البيانات لا يحل المشكلة بالكامل، فالموهبة هي العامل الحاسم. ويفيد عيسى خلال حديثه مع «الشرق الأوسط» بأن «الموهبة تحتاج إلى وقت، وأن التحول نحو الذكاء الاصطناعي يتطلب طيفاً واسعاً من الكفاءات؛ مهندسي كهرباء ومختصي طاقة وخبراء مراكز بيانات ومطوري برمجيات وباحثي تعلم آلي وغيرهم». ويلفت عيسى إلى أن «أي تقنية تعزز الإنتاجية تؤثر في سوق العمل لكنها تخلق أيضاً وظائف جديدة»، ويضرب مثالاً توضيحياً كنجاح وادي السيليكون «الذي لم يكن نتيجة بنية تحتية فقط، بل نتيجة منظومة تعليمية ومؤسسية بُنيت على مدى عقود»، ويضيف: «إذا أردت أن تصبح مركزاً للذكاء الاصطناعي، فإن أهم قرار معماري هو أن تبدأ الآن».

تتجه بعض المؤسسات إلى نماذج سيادية معمارية مخصّصة بدل الاعتماد الكامل على الحوسبة السحابية المشتركة (غيتي)

السيادة... لكن مع ترابط عالمي

ألا تعني السيادة الاستقلال الكامل؟ يرد عيسى قائلاً إن «السيادة الكاملة دون أي ترابط هي خيال. فإنتاج الشرائح المتقدمة، على سبيل المثال، لا يزال يعتمد إلى حد كبير على مصانع خارجية... لذلك، السيادة مفهوم نسبي»، ويزيد: «هناك درجات من السيادة يمكن تحقيقها...لكن 100 في المائة سيادة؟ حتى العالم بأكمله لا يستطيع ذلك».

بالنسبة للدول ذات الطموحات الكبيرة والموارد المحدودة، يظل السؤال قائماً: كيف تلحق بالركب؟ يحذر عيسى من أن «هذه ليست ثورة تكنولوجية يمكن أن تتأخر عنها ولا يمكنك أيضاً أن تنتظر عشر سنوات بينما تستمتع الدول المجاورة بمكاسب الإنتاجية». الذكاء الاصطناعي لا يعيد تشكيل قطاع واحد، بل قطاعات بأكملها.

في النهاية، قد لا يكون الجدل حول السيادة مجرد صراع جيوسياسي، بل تحوّل اقتصادي عميق. فالتحكم في بيئات تدريب النماذج قد يصبح عاملاً استراتيجياً يعادل أهمية الموارد الطبيعية في مراحل سابقة. لكن، كما يختتم عيسى، فإن الاستثمار الحقيقي لا يقتصر على العتاد «حيث إن بناء الموهبة يحتاج إلى وقت واستثمار طويل الأمد».