كيف يمكن تحقيق أهداف علاجية عن طريق التحكم في الذاكرة؟

عالم الأعصاب ستيف راميريز يقودك إلى تغيير ماضيك... ومستقبلك أيضاً

كيف يمكن تحقيق أهداف علاجية عن طريق التحكم في الذاكرة؟
TT

كيف يمكن تحقيق أهداف علاجية عن طريق التحكم في الذاكرة؟

كيف يمكن تحقيق أهداف علاجية عن طريق التحكم في الذاكرة؟

يسعى عالم الأعصاب ستيف راميريز إلى تغيير ماضيك... وتغيير مستقبلنا، أيضاً.

في 26 مايو (أيار) 2011، وضع عالم الأعصاب ستيف راميريز، الذي كان حينئذ طالب دكتوراه في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وزميله الراحل شو ليو، فأراً في صندوق لم يسبق له أن تعرَّض فيه لأي تجارب سلبية، ثم شغلا ليزراً أرسل نبضات ضوئية عبر ألياف بصرية مزروعة جراحياً في أنسجة الفأر العصبية؛ ما أيقظ في ذاكرته أحداثاً عن صدمة تعرَّض لها في صندوق مختلف تماماً. وكان أن تجمد الفأر من الخوف، كما كان يأمل الباحثون.

وكانت تلك التجربة الناجحة خطوة مهمة إلى الأمام في مجال علم البصريات الوراثي Optogenetics، أو استخدام نبضات الضوء للتحكم في النشاط العصبي — في هذه الحالة، لإثارة ذكرى ما. يواصل الدكتور راميريز عمله اليوم أستاذاً للعلوم النفسية وعلم الدماغ في جامعة بوسطن، وفي كتابه الجديد «كيف يمكن أن تغيّر ذاكرة - How to Change a Memory»، يشرح بالتفصيل كيف يمكن أن تؤدي هذه الأبحاث إلى تقدم في العلاج النفسي وعلاج حالات مثل الاكتئاب وألزهايمر.

ما هي الذاكرة؟

إنها الشيء الذي يربط ويوحّد هويتنا وإحساسنا بالوجود. إنها سردنا الذاتي للعالم الذي نعيشه ونستعيده من جديد. قد تتيح الذاكرة أيضاً توفير رفاهيتنا وأساليب معيشتنا في المستقبل. إنها طريقة الدماغ في الوصول إلى التجارب السابقة حتى نتمكن من التعلم منها لتمكين خطواتنا التالية.

> توصف الذكريات الإيجابية بأنها من أقوى الأدوات البيولوجية المتاحة للدماغ. ما الذي يمكن أن تفعله الذكريات لنا؟

- يمكنك أن تفكر في أسوأ يوم في حياتك — خسارة أو حزن أو أي نوع من المحن — ثم تتأثر وتبكي في غضون ثوانٍ قليلة. أو يمكنك أن تفكر في أفضل يوم مررت به وتشعر بنشوة شبه كاملة: تشعر بالدوار، وتتوسع حدقتا عينيك، ويزداد معدل ضربات قلبك — كل شيء.

من المثير للاهتمام أن شيئاً يبدو بسيطاً مثل تذكر ذهابي لمشاهدة مباراة كرة قدم مع والدي يمكن أن يغير بيولوجيتي. هل يمكننا الاستفادة من السحر الذي يمكن أن تحدثه الذكريات الإيجابية بطريقة قابلة للتطبيق من الناحية العصبية لتزويدنا بترياق للدماغ؟ هل يمكن أن تكون الذكريات الإيجابية شيئاً آخر يمكن استخدامه من دون وصفة طبية بطريقة تساعد على تحقيق الرفاهية؟ لا يجب أن تكون ذكرياتك الإيجابية مشابهة لذكرياتي، لكننا نتشارك بالقدرة البيولوجية على امتلاكها. هذا ما نريد الاستفادة منه.

> كيف يسهم عملك العلمي في هذا التقدم؟

- إننا نعلم من خلال عمل مختبري والمختبرات أنه يمكننا تنشيط الذكريات بصورة مصطنعة لدى القوارض — الوصول إلى الخلايا التي نعتقد أنها تحتوي على ذكريات معينة والتحكم فيها لتشغيلها وإيقافها. والهدف هو معرفة ما إذا كان ذلك يمكن أن يكون علاجياً أو وقائياً. هناك الكثير من الإمكانات غير المستغلة في هذا المجال.

كتاب "كيف يمكن ان تغيّر ذاكرة"

تحفيز الذكريات الإيجابية

> هل سيتم ذلك باستخدام علم البصريات الوراثي؟

- في غضون 10 سنوات من الآن لن تزداد عميات توجيه أشعة الليزر على الدماغ. لكننا سوف نحاول توضيح كيفية عمل الذاكرة في بيئة علاجية.

هل يمكننا تحفيز الذكريات الإيجابية بشكل مصطنع في القوارض بطريقة يمكن أن توجهنا إلى كيفية القيام بذلك في البشر الذين قد لا يتمكنون من تذكر تجارب إيجابية معينة أو الشعور بفوائد تلك التجارب؟ سوف نحاول اكتشاف طرق لتفعيل العمليات التي قد تكون معطلة لدى شخص يعاني نوعاً معيناً من الاكتئاب، ربما عن طريق إضافة استرجاع الذكريات الإيجابية إلى مجموعة أدواتنا بطريقة موجهة للغاية — أو اكتشاف الشروط التي يجب استيفاؤها للوصول إلى الذكريات الإيجابية أو الحصول على آثارها المفيدة.

> يرى الكثيرون أن الآثار المترتبة على الإنسان من تشغيل وإيقاف الذكريات الإيجابية والسلبية أمر مخيف للغاية.

- هذا المستقبل المخيف هو أمر أفكر فيه. إننا نريد أن نتعلم من التاريخ، ومن الحالات التي أصبحت فيها التقنيات الجديدة متاحة، لمنع إساءة استغلالها.

نريد أن نتخيل ماذا سيحدث إذا أصبح التحكم في الذاكرة متاحاً بسهولة مثل بيع المخدرات في الشوارع، ويمكنك ببساطة الذهاب إلى زقاق ما واستعادة ذاكرتك عن تجربة انفصال مؤلمة حدثت. من الناحية المثالية، يجب أن تبقى هذه التكنولوجيا في العيادات بهدف استعادة الصحة، بدلاً من استخدامها في الأغراض الترفيهية؛ لأن ذلك ينطوي على مخاطر لا نملك الأدوات الاجتماعية اللازمة للتعامل معها.

عواقب التلاعب بالذاكرة

> هل تجعلك هذه المخاوف تتوقف... بهدف إعادة التفكير؟

- إن عواقب التلاعب بالذاكرة هائلة للغاية. لكننا كنا نتلاعب بذكرياتنا طوال الوقت؛ نظراً لمدى مرونتها، وحتى الآن، لم تنهار بنية هويتنا الفردية. لذا؛ وبالنظر إلى ذلك، أعتقد أنه ما دام أن هناك هدفاً أخلاقياً محدداً، مثل استعادة الصحة، فإننا على الطريق الصحيح. إذا كان ذلك من أجل المتعة، فقد نواجه المشاكل لأننا نتعامل مع محيط مُتخم بالويلات والشرور.

ماذا تقول لأولئك الذين يعتقدون أننا لا يجب أن نغير أو نمحو ذكرياتنا؟ أعتقد أن هذا القول يأتي من شخص لا يعاني اضطراباً نفسياً مرتبطاً بالذكريات. إذا كان ما يتذكره الشخص مدمراً، فإن فكرة تثبيط أو محو هذا الجانب من الماضي تصير مطروحة للنقاش، سيما إذا كان أمراً يمنع الشخص من عيش الحياة التي يريدها.

> هل انت متفائل بأن هذا العمل قد يؤدي إلى علاجات تساعد في منع فقدان الذاكرة في حالات مثل مرض ألزهايمر؟

- آمُل أن نتمكن خلال هذا العمل من الحصول على فهم أكثر واقعية لكيفية أن شيئاً يبدو زائلاً مثل الذاكرة له مع ذلك أساس مادي وقابل للقياس؛ لأننا عندئذٍ يمكننا تصميم علاجات تصبح أكثر فاعلية. سوف يكمن الأمل في أن استرجاع تجربة إيجابية لمدة 10 دقائق مرة واحدة في اليوم ربما يُقلل بنسبة 10 في المائة من احتمال الإصابة ببعض أعراض مرض ألزهايمر أو التدهور المعرفي.

لا أعرف ما إذا كان ذلك سيجعل الشخص المصاب بمرض ألزهايمر قادراً على استرجاع ذكرى معينة. ولكن قد تكون هناك علاجات تجعل الذكريات بصفة عامة أكثر سهولة في الوصول إليها، أو أقل عرضة للتدهور؛ لأننا إذا توصلنا إلى طريقة ما لحماية الدماغ من مرض ألزهايمر فقد يمكننا كبح جماحه. إذا تمكنا من القيام بذلك، أعتقد أننا سنكون قد أحرزنا تقدماً في فهم كيفية استعادة بعض مظاهر الوصول إلى الذاكرة حتى نتمكن من استعادة الوصول إلى هويتنا.

> هل سنصل إلى ذلك؟

- إذا حالفنا الحظ. هذه المرحلة من عدم اليقين هي حيث يكمن جوهر العلم. وما دفعني إلى هذا العمل هو إدراكي أن الذاكرة يمكن أن تصبح شكلاً من أشكال التوجيه لكيفية عيش حياتنا.

وإذا استطعنا أن نتصور المستقبل، وتخيلنا جنسنا البشري على فراش الموت وتساءلنا عما كنا نود أن نفعله أكثر، فإني أعتقد أن العلم والبحث سيكونان من بين تلك الأمور؛ لأنهما كانا سيؤجلان تلك اللحظة النهائية إلى أجل غير معروف.

* مجلة «سايكولوجي توداي»

- خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

مع التقدم في العمر... لماذا تصبح البشرة أكثر حساسية لأشعة الشمس؟

صحتك التقدم في العمر يصاحبه عدد من التغيرات الطبيعية بتركيب البشرة (بيكسلز)

مع التقدم في العمر... لماذا تصبح البشرة أكثر حساسية لأشعة الشمس؟

التعرض للشمس الذي كان يمر من دون مشكلة قد يتسبب اليوم في تهيج البشرة أو احمرارها أو ظهور أعراض تشبه حروق الشمس.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك نصف كوب من البقوليات يومياً لمدة 12 أسبوعاً يمكن أن يساعد في تحسين الإمساك (بيكسلز)

بدلاً من مكملات الألياف... 4 أطعمة تمنحك ما يحتاجه جسمك

تُعدّ الألياف من العناصر الغذائية المهمة لصحة الجهاز الهضمي، ولا سيما أنها قد تساعد في علاج الإمساك وتحسين انتظام حركة الأمعاء.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا عاملون صحيون ينقلون جثمان امرأة توفيت بسبب فيروس «إيبولا» إلى نعش قبل دفنها في بونيا بالكونغو (أ.ب) p-circle

«الصحة العالمية»: نقص الكوادر والتمويل يعرقلان جهود مكافحة «إيبولا»

كشف مسؤول في منظمة الصحة العالمية اليوم (الثلاثاء) أن النقص في الموظفين المدربين والشركاء التنفيذيين والتمويل يعرقل جهود توسيع نطاق مكافحة فيروس «إيبولا».

«الشرق الأوسط» (جنيف)
صحتك يُعدُّ الرمان مصدراً غنياً بمضادات الأكسدة المفيدة لصحة القلب (بيكسباي)

الرمان أم التوت؟ أيهما أفضل لصحة الشرايين

الرمان والتوت كلاهما مفيد لصحة القلب، لكنهما يعملان بطرق مختلفة؛ فالرمان يخفض ضغط الدم، بينما يساعد التوت البري الأوعية الدموية على الاسترخاء.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك شخص يقيس نسبة السكر في دمه خلال فعالية عامة (بيكسلز)

لم تأكل طوال الليل... فلماذا يرتفع سكر الدم صباحاً؟

يبدو ارتفاع مستوى سكر الدم عند الاستيقاظ أمراً محيراً؛ خصوصاً إذا كنت قد أمضيت ساعات الليل نائماً، من دون تناول طعام ولا استهلاك أي كربوهيدرات.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

ما ترتيب أول 10 دول في تعليم القراءة والعلوم والرياضيات؟

وزيرة الأسرة الألمانية كارين برين تقدّم التقرير السنوي لبرنامج التقييم الدولي للطلاب (بيزا) الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) في برلين 8 سبتمبر 2026 (رويترز)
وزيرة الأسرة الألمانية كارين برين تقدّم التقرير السنوي لبرنامج التقييم الدولي للطلاب (بيزا) الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) في برلين 8 سبتمبر 2026 (رويترز)
TT

ما ترتيب أول 10 دول في تعليم القراءة والعلوم والرياضيات؟

وزيرة الأسرة الألمانية كارين برين تقدّم التقرير السنوي لبرنامج التقييم الدولي للطلاب (بيزا) الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) في برلين 8 سبتمبر 2026 (رويترز)
وزيرة الأسرة الألمانية كارين برين تقدّم التقرير السنوي لبرنامج التقييم الدولي للطلاب (بيزا) الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) في برلين 8 سبتمبر 2026 (رويترز)

فيما يأتي ترتيب أول 10 دول أو أقاليم في دراسة «بيزا» 2025 لمنظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي والتي نُشرت نتائجها الثلاثاء، من حيث مهارات القراءة والعلوم والرياضيات للتلاميذ الملتحقين بالمدارس في سن الخامسة عشرة، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

العلوم

يشمل هذا القسم المعارف في الفيزياء وعلوم الحياة والأرض والفلك، فضلاً عن المفاهيم الخاصة بالتحليلات والشروحات العلمية.

1- بكين - شنغهاي ومقاطعتا جيانغسو وتشيجيانغ في الصين (597 نقطة)

2- سنغافورة (560 نقطة)

3- ماكاو (541 نقطة)

4- تايوان (540 نقطة)

5- اليابان (538 نقطة)

6- إستونيا (527 نقطة)

7- كوريا الجنوبية (526 نقطة)

8- بريطانيا (511 نقطة)

9- كندا (510 نقاط)

10- نيوزيلندا (509 نقاط) وأستراليا (509 نقاط)

المعدّل في منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي: 482 نقطة

الرياضيات

تقوم المهارات في هذه الحال على «صياغة المعادلات الرياضية وتطبيقها وتفسيرها في عدّة سياقات».

1- بكين - شنغهاي ومقاطعتا جيانغسو وتشيجيانغ في الصين (612 نقطة)

2- سنغافورة (563 نقطة)

3- ماكاو (549 نقطة)

4- تايوان (546 نقطة)

5- اليابان (525 نقطة)

6 - تتقاسم كوريا الجنوبية (522 نقطة) وهونغ كونغ (522 نقطة) المركز السادس

8- إستونيا (508 نقاط)

9- سويسرا (499 نقطة)

10- بريطانيا (488 نقطة)

المعدّل في منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي: 463 نقطة

فهم المكتوب

للنجاح في الامتحان، ينبغي للتلاميذ أن يُظهروا أنهم قادرون على «فهم النصوص المكتوبة واستخدامها، فضلاً عن التمعّن في مضمونها والتصرّف على هذا الأساس».

1- سنغافورة (535 نقطة)

2- بكين - شنغهاي ومقاطعتا جيانغسو وتشيجيانغ في الصين (527 نقطة)

3- تايوان (508 نقاط)

4- اليابان (503 نقاط)

5- تتقاسم كوريا الجنوبية (501 نقطة) وماكاو (501 نقطة) المركز الخامس

7- آيرلندا (500 نقطة)

8- إستونيا (499 نقطة)

9- نيوزيلندا (497 نقطة)

10- بريطانيا (494 نقطة)

المعدّل في منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي: 461 نقطة

لا يُعدّ فارقاً ببضع نقاط مهمّاً نظراً لهامش الخطأ في كلّ دراسة تُجرى بالاستناد إلى عيّنات سكانية.

وفيما يخصّ كندا ونيوزيلندا، تدعو المنظمة إلى توخّي الحذر لأن معياراً واحداً أو عدّة معايير لم تُحترم أحياناً.


لقاحان جديدان لموسم الإنفلونزا

لقاحان جديدان لموسم الإنفلونزا
TT

لقاحان جديدان لموسم الإنفلونزا

لقاحان جديدان لموسم الإنفلونزا

بعد انعدام قدرتهم على التنبؤ بموسم الإنفلونزا، العام الماضي، حين انتشر نوع جديد من الفيروس على نطاق واسع وبسرعة، يأمل خبراء الأمراض المعدية بحلول خريف وشتاء أكثر اعتدالاً هذا العام.

مؤشرات الانتشار... من أستراليا

نظر العلماء إلى دول مثل أستراليا، في نصف الكرة الجنوبي، بحثاً عن مؤشرات حول كيفية انتشار الإنفلونزا هذا العام. وكما يبدو فان الإنفلونزا تنتشر في تلك المناطق بمستويات معتدلة نسبياً، ويبدو أن لقاحات الإنفلونزا لهذا العام فعالة في مكافحة الفيروس، لكن من غير المؤكد ما إذا كان هذا سيتغير مع بدء موسم الإنفلونزا في نصف الكرة الشمالي.

وقال الدكتور سكوت روبرتس، الأستاذ المساعد للأمراض المعدية في كلية الطب بجامعة ييل، مؤكداً على كلمة «بحذر»: «أنا متفائل بحذر»، كما يطمئن الأطباء لوجود خيارات جديدة للتطعيم ضد الإنفلونزا، ولدخول عدد من الاختبارات المنزلية إلى السوق في السنوات الأخيرة.

أي لقاح تختار؟

تُجرى تعديلات سنوية على مجموعة متنوعة من خيارات التطعيم ضد الإنفلونزا لحماية المرضى من السلالات الأكثر انتشاراً. وتتوفر لقاحات الإنفلونزا التقليدية، التي تُعطى عن طريق الحقن في الذراع، في بعض الصيدليات وعيادات الأطباء. ويمكن إعطاؤها لأي شخص يبلغ من العمر 6 أشهر فأكثر. وقد أظهرت الأبحاث أن هذه اللقاحات تُقلل من خطر زيارات الأطباء المرتبطة بعدوى الإنفلونزا بنسبة تتراوح بين 40 في المائة و60 في المائة.

تتوفر أنواع عديدة من هذه اللقاحات، بما في ذلك جرعة أعلى يوصي بها الأطباء للبالغين من عمر 65 عاماً فأكثر، لأنها تُحفز إنتاج مستويات أعلى من الأجسام المضادة لدى كبار السن.

لقاحات جديدة

كما وافقت إدارة الغذاء والدواء الأميركية أخيراً على لقاح جديد بتقنية حمض «آر إن إيه- المرسال» mRNA، ومن المتوقع طرحه قريباً، على الرغم من أنه قد يكون أقل انتشاراً من اللقاح التقليدي.

وقد منحت إدارة الغذاء والدواء الأميركية الموافقة الكاملة على هذا اللقاح للأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 50 و64 عاماً، ومنحت موافقة مُسرّعة للأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 65 عاماً؛ ما يعني أن الأشخاص في هذه الفئة العمرية سيتمكنون من تلقي اللقاح حتى في الوقت الذي تستمر فيه الدراسات الإضافية. يعتقد العلماء أن اللقاح سيعزز مستويات الأجسام المضادة؛ ما يوفر حماية أقوى ضد الإنفلونزا.

يقول أندرو بيكوز، أستاذ علم الأحياء الدقيقة الجزيئية وعلم المناعة في كلية جونز هوبكنز بلومبرغ للصحة العامة: «يُعدّ البدء بالتفكير في هذا اللقاح المُحسّن، الذي يوفر حماية إضافية بسيطة، في سن الخمسين، ليقي من الإصابة بمرض شديد، خياراً مناسباً».

احتمالات الآثار الجانبية للقاح الجديد

مع ذلك، قد يُسبب لقاح الإنفلونزا بتقنية mRNA عدداً أكبر من الآثار الجانبية الطفيفة مقارنةً باللقاح التقليدي، كما يقول سكوت هينسلي، عالم المناعة في جامعة بنسلفانيا، والذي عمل على تطوير لقاح الإنفلونزا بهذه التقنية.

لقاح بالأنف

يتوفر أيضاً لقاح FluMist، الذي يُعطى عن طريق الأنف، للأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين سنتين و49 عاماً، والذين لا يعانون من ضعف في جهاز المناعة، وليسوا من الحوامل. يُمكن إعطاء هذا اللقاح الذي يرسل الرذاذ في المنزل. ويميل لقاح FluMist إلى أن يكون أكثر فاعلية لدى الأطفال، على الرغم من أن العلماء ليسوا متأكدين تماماً من السبب، كما يقول بيكوز.

ويؤكد الأطباء أن جميع اللقاحات خيارات جيدة، وقال روبرتس: «القاعدة العامة التي ننصح بها دائماً هي: أياً كان اللقاح المُقدّم لك، اختره. أي لقاح أفضل من لا شيء».

من ينبغي تطعيمه؟

توصي مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC) بتلقي جميع الأشخاص من عمر 6 أشهر فما فوق لقاح الإنفلونزا السنوي.

كما توصي المراكز بتلقي معظم الناس لقاح الإنفلونزا في سبتمبر (أيلول) أو أكتوبر (تشرين الأول). ووقّع الرئيس دونالد ترمب مؤخراً أمراً تنفيذياً يقضي بإعطاء لقاح الإنفلونزا للأطفال فقط بعد استشارة الطبيب. ومع ذلك، لا يُغيّر هذا الأمر توصية المراكز القائمة.

الفحوصات والعلاجات المتاحة

من العوامل التي تميز الإنفلونزا عن غيرها من الفيروسات التنفسية ظهورها المفاجئ، فغالباً ما يصاب المرضى بحمى شديدة فجأة، وقد يعانون من أعراض مثل آلام العضلات، والقشعريرة، والإرهاق، والغثيان، والسعال، والتهاب الحلق.

عادةً ما تتحسن حالة المرضى في المنزل بالراحة، ولكن قد يصف الأطباء أدوية مضادة للفيروسات مثل «تاميفلو». وأوضح روبرتس أن هذه العلاجات «لن تكون مضمونة الشفاء»، لكنها قد تساعد المرضى على التعافي بشكل أسرع. مع ذلك، يجب تناول الدواء خلال 48 ساعة من بدء ظهور الأعراض. ​​كما يمكن للأشخاص المعرضين لخطر الإصابة بأمراض خطيرة، الذين يعيشون مع شخص مصاب أو على اتصال دائم به، تناول «تاميفلو» كوقاية.

تتوفر فحوصات منزلية لتحديد ما إذا كنت مصاباً بفيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، أو الإنفلونزا، أو الفيروس المخلوي التنفسي. وتظهر نتائج هذه الفحوصات في غضون 15 دقيقة تقريباً. وأوصى روبرتس بإجراء الفحص مبكراً، خاصةً إذا كان الشخص أكثر عرضة لمضاعفات خطيرة. قال: «إذا بدأت الأعراض بالظهور على شخص ما يوم الجمعة، وتفاقمت خلال عطلة نهاية الأسبوع، ثم أجرى فحصاً يوم الاثنين مثلاً، فإنه يكون قد فات الأوان لتلقي أي علاج».

ولكن نظراً لأن الأمر قد يستغرق بضعة أيام حتى يرتفع مستوى الفيروس في الدم إلى الحد الذي يُظهر نتيجة إيجابية، لذا ينصح الأطباء بإجراء فحص ثانٍ بعد بضعة أيام إذا استمرت الأعراض وكانت نتيجة الفحص الأول سلبية.

* خدمة «نيويورك تايمز».


جنسن هوانغ: «الذكاء الاصطناعي العام» وصل... فهل يستطيع العلم إثبات ذلك؟

هل بدأ بزوغ عصر الذكاء الاصطناعي العام؟
هل بدأ بزوغ عصر الذكاء الاصطناعي العام؟
TT

جنسن هوانغ: «الذكاء الاصطناعي العام» وصل... فهل يستطيع العلم إثبات ذلك؟

هل بدأ بزوغ عصر الذكاء الاصطناعي العام؟
هل بدأ بزوغ عصر الذكاء الاصطناعي العام؟

​«لقد وصل الذكاء الاصطناعي العام»... بهذه الكلمات أعاد جنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا» (NVIDIA)، في السادس من سبتمبر (أيلول) 2026، فتح واحد من أكبر الأسئلة في تاريخ الذكاء الاصطناعي.

فإذا كان «AGI» -أو الذكاء الاصطناعي العام- قد وصل بالفعل، فنحن لا نتحدث عن نموذج أسرع يكتب نصوصاً أفضل أو يحل مسائل أكثر تعقيداً؛ بل عن احتمال عبور الآلة عتبة ظل الباحثون لعقود يتساءلون عما سيحدث بعدها: متى يتوقف الذكاء الاصطناعي عن كونه أداة متخصصة، ويصبح ذكاءً قادراً على التعامل مع طيف واسع من المهام على نحو يقترب من الإنسان أو يتجاوزه؟

لكن هنا تبدأ المفارقة: إعلان الوصول إلى الذكاء الاصطناعي العام أسهل بكثير من إثباته. فحتى اليوم، لا توجد «شهادة علمية» لـ«AGI»، ولا اختبار عالمي متفق عليه يمكن أن نضع أمامه أحدث النماذج، ثم نقول بثقة: نعم، لقد عبرت الآلة الخط الفاصل.

وهنا يصبح السؤال أكثر إثارة: هل وصل الذكاء الاصطناعي العام فعلاً؟ أم أن قدرات الآلة أصبحت تتقدم أسرع من قدرتنا على تعريف ما نسميه «الذكاء»؟

عندما يصبح تعريف الذكاء هو المشكلة

يرمز «AGI» إلى «الذكاء الاصطناعي العام» (Artificial General Intelligence)، ويُستخدم عادة لوصف نظام لا يتفوق في مهمة واحدة فقط؛ بل يستطيع التعلم والاستدلال والتكيف، وإنجاز طيف واسع من المهام بمستوى يقارب الإنسان أو يتجاوزه.

وقد عرَّفت شركة «أوبن أيه آي» (OpenAI) المفهوم سابقاً بأنه أنظمة شديدة الاستقلالية تتفوق على البشر في معظم الأعمال ذات القيمة الاقتصادية.

لكن ما يبدو تعريفاً واضحاً للوهلة الأولى يفتح باباً لأسئلة أصعب: ما المقصود بـ«معظم الأعمال»؟ وهل التفوق على الإنسان في أداء مهمة يعني امتلاك ذكاء يشبه ذكاءه؟ وإذا استطاع نموذج أن يكتب برنامجاً، ويحل مسألة رياضية، ويحلل بيانات، ويستخدم الحاسوب، فكم قدرة إضافية يحتاج إليها قبل أن ننتقل من وصفه بـ«AI» إلى«AGI»؟

هنا لا يعود الخلاف مجرد سباق تقني بين نماذج أكثر قوة؛ بل يصبح معضلة علمية وفلسفية: كيف نثبت وصول شيء لم نتفق بعد على تعريفه؟

حوسبة أكبر... أم ذكاء أكبر؟

حوسبة أكبر... أم ذكاء أكبر؟

وراء القفزات الأخيرة في أداء الذكاء الاصطناعي توسع هائل في القدرة الحاسوبية والبيانات وأساليب التدريب. ومع كل جيل جديد، تستطيع النماذج إنجاز مهام كانت تبدو قبل سنوات قليلة بعيدة المنال.

لكن هنا يظهر سؤال لا يقل أهمية عن إعلان هوانغ نفسه: عندما نمنح النموذج حوسبة أكبر وبيانات أكثر وتدريباً أكثر تطوراً، ثم تتحسن قدراته بصورة مذهلة، فهل يمثل ذلك دليلاً على ظهور «ذكاء عام»، أم على اتساع نطاق المهام التي أصبح قادراً على أدائها؟

إن الفرق جوهري، فقد تتفوق الآلة في الرياضيات والبرمجة والبحث واستخدام الحاسوب، ثم تتعثر أمام سياق جديد، أو استثناء غير متوقع، أو مشكلة مفتوحة تختلف عما واجهته أثناء التدريب.

وتظهر هنا مفارقة لافتة: كلما اجتاز الذكاء الاصطناعي اختباراً كنا نظن أنه يتطلب قدرة بشرية، ارتفع السقف وبدأ البحث عن اختبار أصعب. فهل نحن نقترب من الذكاء العام؟ أم أن تعريفنا للذكاء يبتعد كلما اقتربت منه الآلة؟

ما الذي لا تقيسه الاختبارات؟

الذكاء البشري ليس مجموع درجات في اختبارات. فهو يشمل أيضاً القدرة على نقل ما نتعلمه من موقف إلى آخر، وفهم السياق، والتعامل مع الغموض، والتعلم من خبرات محدودة، واتخاذ القرار عندما لا تكون القواعد مكتوبة سلفاً.

ولهذا، ربما لا يكون السؤال الأهم: كم اختباراً يستطيع النموذج أن يتفوق فيه على البشر؟ بل: ماذا يفعل عندما ينتهي الاختبار ويبدأ العالم الحقيقي؟ فالاختبار يمنح النموذج مشكلة محددة ومعياراً للنجاح، أما العالم الحقيقي فيقدم مواقف متغيرة ومعلومات ناقصة ونتائج قد لا تظهر إلا لاحقاً. وهنا يصبح التفوق في الاختبارات دليلاً مهماً على القدرة، ولكنه ليس بالضرورة، -بمفرده- دليلاً حاسماً على الوصول إلى ذكاء اصطناعي عام.

ومع ذلك، ثمة مفارقة أخرى: ماذا لو لم نكن بحاجة إلى حسم هذا الجدل أصلاً قبل أن يبدأ الذكاء الاصطناعي في تغيير العالم الحقيقي؟

تساؤلات الطب

وفي الطب تحديداً، يبدو هذا السؤال أكثر إلحاحاً. في الطب... هل نسأل السؤال الخطأ؟ هنا يقدم الطب زاوية مختلفة تماماً.

ففي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، ينقل الدكتور أنتوني تشانغ، رئيس الجمعية الأميركية للذكاء الاصطناعي في الطب ورئيس مؤتمر «AIMed26»، النقاش من سؤال: «ما الذكاء؟» إلى سؤال أكثر عملية: ماذا يستطيع أن يفعل؟

يقول تشانغ: «في الذكاء الاصطناعي السريري، لم يكن السؤال المهم سريرياً يوماً: هل هو ذكي بصورة عامة؟ بل: هل أصبح قادراً بما يكفي، ومنخفض التكلفة بما يكفي، وموثوقاً بما يكفي، لكي يغيِّر من يقوم بأي عمل في الرعاية الصحية؟».

ثم يضيف عبارة تختصر تحولاً قد يكون جارياً بالفعل: «هذه العتبة يجري تجاوزها، مهمة بعد أخرى، وبهدوء، بصرف النظر عما نطلقه على الصورة الكلية».

هل تستطيع الآلة أداء المهمة الطبية بصورة جيدة وموثوقة وبتكلفة مقبولة؟

هنا يتغير السؤال كله. فبالنسبة إلى الطبيب أو المستشفى، قد لا يكون السؤال العاجل ما إذا كان النظام يستحق لقب «AGI»، ولا انتظار لحظة تاريخية يعلن فيها العالم وصول الذكاء الاصطناعي العام. السؤال الأكثر عملية هو: هل تستطيع الآلة أداء هذه المهمة بصورة جيدة، وموثوقة، وبتكلفة مقبولة؟

فإذا أصبحت قادرة على تحليل صورة طبية، أو تلخيص ملف مريض، أو إعداد مسودة تقرير، أو دعم قرار سريري، فإن توزيع بعض المهام بين الإنسان والآلة يكون قد بدأ يتغير فعلاً، حتى لو استمر العلماء سنوات أخرى في الاختلاف على تعريف «AGI».

وهنا ربما تكمن المفارقة: قد يستمر العالم في الجدل حول اسم الذكاء الجديد، بينما يكون هذا الذكاء قد بدأ فعلاً في تغيير مَن يفعل ماذا داخل المستشفى.

التعليم يصنع المستقبل

الثورة التي قد تحدث بلا إعلان

وربما تكمن هنا المفارقة الأكبر. لقد تخيلنا طويلاً وصول الذكاء الاصطناعي العام كلحظة تاريخية واضحة: آلة تعبر عتبة فاصلة، ثم يستيقظ العالم في اليوم التالي وقد دخل عصر «AGI»، ولكن التحول الحقيقي قد يحدث بطريقة أكثر هدوءاً.

مهمة كانت تستغرق ساعة تُنجز في دقائق، تحليل كان يتطلب عملاً متخصصاً يصبح مدعوماً بخوارزمية، برنامج كان ينتظر أمراً بعد آخر، يصبح قادراً على تنفيذ سلسلة كاملة من الخطوات، ثم مهمة أخرى... ثم أخرى.

ومع تراكم هذه التحولات الصغيرة، قد تتغير العلاقة بين الإنسان والآلة، من دون لحظة واحدة نستطيع أن نشير إليها ونقول: «هنا بدأ كل شيء». وهنا تكتسب عبارة تشانغ «مهمة بعد أخرى، وبهدوء» معناها الأعمق: قد لا نعرف اللحظة التي وصل فيها الذكاء الاصطناعي العام؛ لأن العالم ربما يكون قد بدأ يتغير قبل أن نتفق على ما نسميه.

من يملك حق إعلان وصول «AGI»؟

قد يثبت التاريخ أن جنسن هوانغ كان محقاً، وأن عام 2026 كان بالفعل بداية عصر الذكاء الاصطناعي العام. وقد يثبت أننا كنا لا نزال أبعد عن تلك العتبة مما تصورنا. ولكن إعلان هوانغ يترك وراءه سؤالاً ربما يكون أهم من الإعلان نفسه: من يملك حق القول إن «AGI» قد وصل؟ هل هي الشركات التي تبني النماذج؟ أم العلماء الذين يختبرونها؟ أم المؤسسات والمجتمعات التي ستعيش آثارها؟ أم أننا لن ندرك أننا عبرنا العتبة إلا عندما ننظر إلى الوراء؟

وفي الطب، قد تكون الإجابة أكثر تعقيداً. فقد لا نحتاج إلى لحظة واحدة تصبح فيها الآلة «ذكية مثل الإنسان» حتى نشهد تحولاً عميقاً في طريقة العمل. يكفي أن تتراكم القدرات، وأن تتغير المهام والأدوار، وأن يصبح ما كان مستحيلاً بالأمس جزءاً من الممارسة اليومية.

وربما لهذا لن يحسم تاريخ الذكاء الاصطناعي سؤال «متى وصل AGI؟» بذكر يوم واحد أو نموذج واحد أو تصريح واحد. فقد نختلف طويلاً حول اللحظة التي أصبحت فيها الآلة «ذكية بما يكفي».

لكننا قد نكتشف، ونحن منشغلون بتعريف تلك اللحظة، أن العالم كان قد عبرها فعلاً.