خطة ترمب للسلام: سباق إجباري نحو تسوية تُعيد رسم خرائط النفوذ وتفتح أزمة ثقة في الغرب

يزداد الحديث داخل واشنطن عن أسباب استعجال الإدارة ويوصف بأنه محاولة لصناعة إنجاز سياسي سريع يعزز الجبهة الداخلية

ترمب وبوتين يتصافحان خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماعهما للتفاوض على إنهاء الحرب في أوكرانيا أغسطس الماضي (رويترز)
ترمب وبوتين يتصافحان خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماعهما للتفاوض على إنهاء الحرب في أوكرانيا أغسطس الماضي (رويترز)
TT

خطة ترمب للسلام: سباق إجباري نحو تسوية تُعيد رسم خرائط النفوذ وتفتح أزمة ثقة في الغرب

ترمب وبوتين يتصافحان خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماعهما للتفاوض على إنهاء الحرب في أوكرانيا أغسطس الماضي (رويترز)
ترمب وبوتين يتصافحان خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماعهما للتفاوض على إنهاء الحرب في أوكرانيا أغسطس الماضي (رويترز)

تتصرف إدارة الرئيس الأميركي هذه الأيام كما لو أنها في سباق مع الزمن لإغلاق ملف الحرب الروسية - الأوكرانية، أو على الأقل نقله من خانة النزاع المفتوح إلى مسار تفاوضي ملزم يضع واشنطن في موقع الجهة الوحيدة القادرة على فرض تسوية.

المشهد يبدو، في جوهره، لحظة سياسية تتجاوز حدود أوكرانيا نفسها؛ إذ لا يتعلق الأمر بإنهاء حرب بقدر ما يعكس إعادة رسم أولويات السياسة الخارجية الأميركية، وترتيب العلاقات مع روسيا، وإعادة تعريف التحالف الغربي بما يتناسب مع رؤية ترمب للعالم.

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يوم 15 أغسطس 2025 عندما التقيا في ألاسكا (رويترز)

الخطة التي تتألف من 28 بنداً، والتي تسربت أجزاء واسعة منها في الأيام الماضية، كشفت عن حجم الانقسام ليس بين واشنطن وكييف فحسب، بل داخل الإدارة الأميركية نفسها، وبين واشنطن والعواصم الأوروبية، وصولاً إلى الكونغرس وأجهزة الأمن القومي التي فوجئت بوجود قنوات تفاوضية موازية مع شخصيات روسية خاضعة للعقوبات، حسب وكالة «رويترز». هذا التسريب، وما تبعه من ردود فعل، أظهر أن الخطة لم تمر بالمستويات المؤسساتية المعتادة، وأن مطبخ القرار ضاق إلى حدٍّ يثير الريبة لدى شركاء الولايات المتحدة وحلفائها.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)

تثبيت الأمر الواقع وإعادة تأهيل روسيا

في جوهر مقترح ترمب، يظهر تصور يُعيد طرح ما كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يطالب به منذ الأيام الأولى للحرب. فالفكرة الأساسية تعتمد على الاعتراف الأميركي بالأمر الواقع في القرم ومناطق انفصالية في الشرق، وتجميد خطوط السيطرة الحالية في خيرسون وزابوريجيا، مقابل التزام أوكراني بعدم الانضمام للناتو، وتقليص كبير لقدراتها العسكرية، وحصر دعمها الغربي بسقف لا يسمح بتحويلها إلى قوة قد تشكل تهديداً مستقبلياً لروسيا. وفي المقابل، تقترح الخطة رفع العقوبات المفروضة على موسكو وإعادة إدماجها تدريجياً في النظام المالي العالمي، وهو ما يشكل المكسب الحقيقي الذي يسعى إليه الكرملين منذ 2022.

كييف بين الشراكة مع واشنطن وكرامة الدولة

هذا الطرح فُهم مباشرة، في كييف والعواصم الأوروبية، على أنه انحياز أميركي مُسبق للمنطق الروسي، خصوصاً أن أحداً لم يتخيّل أن تتبنى إدارة أميركية خطة تتضمن تنازلات إقليمية تُفرض على دولة حليفة تتعرض لغزو. ولذلك بدا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في موقف بالغ الحساسية: فهو يدرك أن رفض الخطة صراحةً يعني مواجهةً مباشرةً مع البيت الأبيض، في وقت تعتمد فيه بلاده بشكل شبه كامل على الدعم الاستخباراتي والعسكري الأميركي، لكنه في الوقت نفسه يرى أن القبول بها يعني عملياً هزيمة سياسية، وربما تاريخية، عبر التخلي عن مساحات واسعة من أراضيه.

ولذلك جاء إيقاع خطاب زيلينسكي في الأيام الأخيرة متذبذباً بين التمسك بالسيادة والواقعية السياسية. ففي حديثه عن الخطة، استخدم لغة تحذيرية لافتة حين أشار إلى خطر «فقدان الشريك الرئيس» في حال تعنّت كييف، لكنه تحدث أيضاً عن «حافة فقدان كرامة الدولة» إذا قبِلَ بما تطرحه واشنطن. هذا التوتر يعكس حقيقة أن كييف لا تملك فعلياً أوراقاً تفاوضية صلبة، بعد أشهر من الانسحابات التكتيكية على الجبهات، وتراجع مخزون السلاح، والأزمة الاقتصادية الداخلية، وملفات الفساد التي أضعفت ثقة الغرب بالحكومة الأوكرانية.

وزراء دفاع ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وبولندا والمملكة المتحدة ومسؤولة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي كايا كالاس خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع في برلين (رويترز)

أمن القارة الأوروبية على المحك

المعادلة الأوروبية لا تبدو أفضل حالاً. فالعواصم الغربية فوجئت، مرة أخرى، بأن الولايات المتحدة اتخذت خطوة استراتيجية من دون تشاور فعلي مع الحلفاء. هذا يعيد إلى الأذهان الاحتقان الذي تراكم خلال السنوات الأخيرة حول مستقبل العلاقة عبر الأطلسي، وحول مدى التزام واشنطن بأمن أوروبا. وتدرك باريس وبرلين ولندن أن الخطة الأميركية، حتى بصيغتها المعلنة، تُحدث ضرراً بنيوياً بالأمن الأوروبي، لأنها تُشرعن استخدام القوة لتغيير الحدود، وتخلق منطقة عازلة ضعيفة بين روسيا والناتو، وتفتح الباب أمام سباق تسلّح جديد في شرق أوروبا.

الخوف الأوروبي لا يتوقف هنا. فرفع العقوبات عن روسيا يعني -برأي الأوروبيين- خسارة الأداة الوحيدة التي أثبتت فاعلية نسبية في الضغط على الكرملين. والحقيقة أن أوروبا التي تحملت عبء العقوبات الأكبر اقتصادياً منذ 2022، لا تبدو مستعدة لتقديم هدية سياسية لبوتين من دون مقابل واضح يتعلق بضمانات أمنية، وخطوات روسية ملموسة نحو وقف دائم للقتال وانسحاب جزئي أو كامل من الأراضي الأوكرانية. ولهذا، فإن التحرك الأوروبي المكثف في الأيام الأخيرة، عبر اتصالات على هامش اجتماعات دولية واجتماعات وزراء خارجية، كان هدفه الضغط على واشنطن أولاً لإعادة صياغة الخطة، ومحاولة منح كييف مساحة تفاوضية أوسع، وإبقائها ضمن ما يسمّيه الأوروبيون «السلام العادل»، في مقابل ما يرونه «سلاماً مفروضاً» من ترمب.

انقسام حول أهداف ترمب

أما في واشنطن، فيزداد الحديث عن أسباب استعجال الإدارة. فترمب يكرر منذ حملته الانتخابية أنه قادر على إنهاء الحرب خلال 24 ساعة، وأن استمرار النزاع يستنزف الولايات المتحدة بلا طائل. ويُقرأ عرضه اليوم بوصفه محاولة لصناعة إنجاز سياسي سريع يعزز موقعه الداخلي، ويثبت أنه قادر على تحقيق «صفقة كبرى» تفشل الإدارات التقليدية في تحقيقها. كما أن وجود قناة تفاوضية سرية، جمعت في ميامي شخصيات مقربة من ترمب بمسؤول روسي خاضع للعقوبات، يعكس قناعة لدى محيط الرئيس بأن الدبلوماسية التقليدية بطيئة، وأن تجاوزها هو الطريق الأسهل للوصول إلى تسوية.

مع ذلك، هناك انقسام واضح داخل الإدارة نفسها. فوزارة الخارجية والبنتاغون ووكالات الاستخبارات لم تكن على علم بتفاصيل خطة المفاوضات، بل فوجئت بها عند تسريبها إلى الصحافة. وهذا يشير إلى احتمال وجود خط موازٍ لإدارة الملف، مما يثير أسئلة صعبة حول آلية اتخاذ القرار في واحدة من أهم الأزمات الجيوسياسية في العالم. وفي الكونغرس أيضاً، برزت أصوات جمهورية وديمقراطية تعترض على أي خطة تتضمن رفع العقوبات عن روسيا، أو أي صياغة تشبه الاعتراف بسيطرتها على أراضٍ أوكرانية بالقوة.

الرئيسان الفرنسي والأوكراني يوقّعان في باريس الثلاثاء «رسالة النوايا» لتزويد كييف بطائرات «رافال» المقاتلة (رويترز)

رهانات على تغيير المسار

وبعدما أعلن الرئيس الأوكراني عن تشكيل وفد رئاسي لبدء مباحثات مع الولايات المتحدة في سويسرا، بالتزامن مع تأكيد مكتب زيلينسكي استعداد كييف للدخول في مشاورات حول الخطة الأميركية لإنهاء الحرب، تتجه الأنظار إلى هذا الاجتماع لمعرفة ما إذا كان بالإمكان إجراء تعديل على الخطة الأميركية بما يسمح لأوروبا بالحفاظ على خطوط حمراء أساسية، ويمكّن كييف من المشاركة من دون الظهور بمظهر الطرف المستسلم. لكن هوامش المناورة ضيقة للغاية؛ فموسكو ليست مستعدة للتنازل عن مكاسبها الميدانية، وزيلينسكي لا يستطيع القبول بخسارة مناطق إضافية، وترمب يريد إنجازاً سريعاً لا يحتمل جولات تفاوض طويلة.

في المحصلة، ما تُسمّى «خطة السلام» تبدو حتى الآن أقرب إلى ورقة ضغط منها إلى مشروع تسوية مستدامة. فهي تدفع الجميع إلى الزاوية: كييف بين حفظ سيادتها والحفاظ على علاقتها الحاسمة مع واشنطن، وأوروبا بين أمنها القومي ومستقبل تحالفها مع الولايات المتحدة، والإدارة الأميركية بين رغبتها في إنجاز سياسي سريع وتعقيدات الواقع الاستراتيجي. وما لم تتحول هذه الخطة من صيغة أحادية إلى مشروع دولي متماسك يحظى بموافقة الحلفاء، فإنها قد تتحول من محاولة لإنهاء الحرب إلى سبب لفتح جبهة سياسية جديدة داخل الغرب نفسه.


مقالات ذات صلة

الشرع وترمب يؤكدان في اتصال ضرورة «ضمان حقوق» الأكراد

المشرق العربي ترمب والشرع في البيت الأبيض 10 نوفمبر الماضي (أ.ف.ب)

الشرع وترمب يؤكدان في اتصال ضرورة «ضمان حقوق» الأكراد

أكّد الرئيس السوري أحمد الشرع ونظيره الأميركي دونالد ترمب في اتصال هاتفي الإثنين ضرورة «ضمان حقوق» الأكراد، وفق ما أفادت الرئاسة السورية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شمال افريقيا الملك محمد السادس (رويترز)

المغرب يقبل دعوة ترمب للانضمام إلى «مجلس السلام» لغزة

قالت وزارة الخارجية ​المغربية في بيان اليوم (الاثنين) إن الملك محمد السادس عاهل البلاد قبِل دعوة ‌من الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ⁠ترمب ​للانضمام إلى «مجلس السلام».

«الشرق الأوسط» (الرباط)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)

نتنياهو يرفض مشاركة وحدات تركية أو قطرية بـ«قوة الاستقرار» في غزة

جدد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الاثنين، معارضته نشر قوات تركية أو قطرية في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (القدس)
العالم الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في قاعدة عسكرية في أنكوريج بولاية ألاسكا الأميركية 15 أغسطس 2025 (رويترز) play-circle

هل فوّت بوتين فرصة الشراكة مع ترمب؟

منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض، ساد في موسكو انطباع بأن مرحلة جديدة قد بدأت في العلاقات مع واشنطن. لكن هل فوّت بوتين هذا العام الفرص لشراكة مع نظيره الأميركي؟

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

كرادلة كاثوليك أميركيون يحثون إدارة ترمب على «تبنّي بوصلة أخلاقية» في السياسة الخارجية

حثّ ثلاثة كرادلة كاثوليك أميركيين إدارة الرئيس دونالد ترمب اليوم (الاثنين) على استخدام بوصلة أخلاقية في متابعة سياستها الخارجية.

«الشرق الأوسط» (روما)

كرادلة كاثوليك أميركيون يحثون إدارة ترمب على «تبنّي بوصلة أخلاقية» في السياسة الخارجية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

كرادلة كاثوليك أميركيون يحثون إدارة ترمب على «تبنّي بوصلة أخلاقية» في السياسة الخارجية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

حثّ ثلاثة كرادلة كاثوليك أميركيين إدارة الرئيس دونالد ترمب اليوم (الاثنين) على استخدام بوصلة أخلاقية في متابعة سياستها الخارجية، قائلين إن العمل العسكري الأميركي في فنزويلا، والتهديدات بالاستيلاء على غرينلاند، وخفض المساعدات الخارجية... تهدد بمعاناة واسعة النطاق بدلاً من تعزيز السلام.

ووفقاً لوكالة الأنباء الألمانية، ففي بيان مشترك حذر الكرادلة: بليز كوبيتش من شيكاغو، وروبرت ماكلروي من واشنطن، وجوزيف توبين من نيوارك بولاية نيوجيرسي، من أنه دون رؤية أخلاقية فإن النقاش الحالي بشأن سياسة واشنطن الخارجية غارق في «الاستقطاب والحزبية والمصالح الاقتصادية والاجتماعية الضيقة».

وقال ماكلروي لوكالة «أسوشييتد برس»: «معظم الولايات المتحدة والعالم ينجرفون أخلاقياً فيما يتعلق بالسياسة الخارجية. ما زلت أعتقد أن الولايات المتحدة لها تأثير هائل على العالم».

وهذا البيان غير معتاد، وهو البيان الثاني خلال شهرين الذي يتحدث فيه أعضاء التسلسل الهرمي الكاثوليكي في الولايات المتحدة ضد إدارة ترمب التي يعتقد الكثيرون أنها لا تحترم المبادئ الأساسية للكرامة الإنسانية.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) أدان مؤتمر الأساقفة الكاثوليك في الولايات المتحدة برمته عمليات الترحيل الجماعي للمهاجرين و«تشويه سمعتهم» في الخطاب العام.


ترمب: على أوروبا التركيز على الحرب الروسية الأوكرانية وليس على غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (رويترز)
TT

ترمب: على أوروبا التركيز على الحرب الروسية الأوكرانية وليس على غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (رويترز)

ذكرت محطة تلفزيون «إن بي سي نيوز»، اليوم (الاثنين)، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب رفض التعليق على سؤال حول إمكانية اللجوء إلى القوة للاستيلاء على جزيرة غرينلاند، وذلك مع تصاعد التوتر بعد تهديد ترمب بفرض رسوم جمركية على بعض الدول الأوروبية إلى حين التوصل إلى اتفاق بشأن الجزيرة الدنماركية التي تتمتع بحكم ذاتي.

وقالت «إن بي سي نيوز» إن ترمب انتقد خلال المقابلة القادة الأوروبيين الذين عارضوا مساعيه لضم غرينلاند، التي يقول إنها ضرورية لحماية الأمن القومي الأميركي من التهديدات الخارجية.

وقال الرئيس الأميركي: «على أوروبا أن تركّز على الحرب مع روسيا وأوكرانيا، لأنكم ترون ما آلت إليه الأمور. هذا ما يجب أن تركز عليه أوروبا، وليس غرينلاند».

كان ترمب قد أعلن هذا الأسبوع فرض رسوم جمركية بنسبة 10 في المائة على بعض الدول الأوروبية بدءاً من أول فبراير (شباط) المقبل على أن تزيد إلى 25 في المائة اعتباراً من الأول من يونيو (حزيران) القادم.

وعندما سُئل عما إذا كان سينفّذ خططه لفرض رسوم جمركية على الدول الأوروبية في حال عدم التوصل إلى اتفاق بشأن غرينلاند، قال ترمب لـ«إن بي سي نيوز»: «سأفعل ذلك، بنسبة 100 في المائة».

من جهته، حذّر وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت الدول الأوروبية، الاثنين، من فرض رسوم جمركية مضادة رداً على الرسوم التي هدّد بها الرئيس دونالد ترمب من أجل الاستحواذ على إقليم غرينلاند الدنماركي الشاسع.

وقال بيسنت للصحافيين في اليوم الأول من المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس: «أعتقد أن ذلك سيكون خطوة غير حكيمة بتاتاً». وأضاف أن ترمب يريد السيطرة على الإقليم الدنماركي المتمتع بحكم ذاتي لأنه يعتبره «أصلاً استراتيجياً»، و«لن نوكل أمن نصف الكرة الأرضية الغربي لأي طرف آخر».


مطالبة ترمب بغرينلاند تعمِّق الهوّة الأطلسية وأزمة «الناتو»

صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب وعلم الاتحاد الأوروبي (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب وعلم الاتحاد الأوروبي (أ.ف.ب)
TT

مطالبة ترمب بغرينلاند تعمِّق الهوّة الأطلسية وأزمة «الناتو»

صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب وعلم الاتحاد الأوروبي (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب وعلم الاتحاد الأوروبي (أ.ف.ب)

جدّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب مطالبته باستحواذ الولايات المتحدة على غرينلاند، مُوسّعاً بذلك نطاق الخلافات مع الدنمارك وبقية الدول في أوروبا، ليواجه حلف شمال الأطلسي «الناتو» أزمة لا سابق لها منذ إنشائه قبل 77 عاماً.

ورغم الرفض القاطع من رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، التي تقع غرينلاند ضمن سيادة بلدها، والزعماء الغرينلانديين، وكذلك من كبار المسؤولين الأوروبيين وبينهم الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر والمستشار الألماني فريدريش ميرتس، جدد الرئيس ترمب حملته الكلامية للمطالبة بالحصول على أكبر جزيرة في العالم، فكتب على منصته «تروث سوشيال» للتواصل الاجتماعي: «لطالما طالب حلف الناتو الدنمارك، طوال 20 عاماً، بضرورة إبعاد التهديد الروسي عن غرينلاند». وأضاف: «للأسف، لم تتمكن الدنمارك من فعل أي شيء حيال ذلك. والآن حان الوقت، وسيتم ذلك!».

وهو كان يشير في هذا المنشور إلى أن أعضاء «الناتو» لم يستثمروا بشكل كافٍ في أمن القطب الشمالي لسنوات، في وقت تتحوّل فيه المنطقة - التي تشهد ذوباناً للأنهار الجليدية ونشاطاً بحرياً متزايداً لكل من الصين وروسيا وممراً لكابلات الاتصالات البحرية الحيوية - إلى بيئة خصبة لتجدد الصراع بين القوى العظمى.

ولم يُبدِ ترمب حتى الآن أي اهتمام بالبحث عن حلول دبلوماسية، أو بنوع الشراكات الدفاعية التي لطالما عززها «الناتو»، بما في ذلك بناء المزيد من القواعد الأميركية لمراقبة الشحن الصيني والروسي، وتوسيع مشروع «القبة الذهبية» للدفاع الصاروخي الذي لا يزال في مراحله الأولى، ليشمل غرينلاند البالغة مساحتها 836 ألف ميل مربع، أي نحو ثلاثة أضعاف مساحة تكساس.

وكذلك لم يعر ترمب أي اهتمام حتى الآن بمعاهدة استراتيجية وقّعتها الدنمارك عام 1951 لمنح الولايات المتحدة حقوقاً تشمل فتح نحو 16 قاعدة عسكرية في غرينلاند، علماً بأنها أُغلقت لاعتقاد الإدارات الأميركية السابقة بأن عصر التنافس الاستراتيجي على القطب الشمالي انتهى بانهيار الاتحاد السوفياتي في التسعينات من القرن الماضي. ولم يبقَ من هذه القواعد سوى واحدة حالياً. وصرح ترمب مراراً بأن بلاده بحاجة إلى غرينلاند الشاسعة والغنية بالمعادن من أجل «الأمن القومي» للولايات المتحدة.

أكبر من صفقة ألاسكا

أرشيفية لنائب الرئيس الأميركي جي دي فانس خلال جولة عسكرية في قاعدة بيتوفيك الفضائية في غرينلاند (أ.ف.ب)

وإذا تمكن ترمب من الوصول إلى غايته، فستكون هذه أكبر صفقة استحواذ على أراضٍ في التاريخ الأميركي، وحتى أكبر من صفقة وزير الخارجية سابقاً ويليام سيوارد، قبل أكثر من 150 عاماً، عندما اشترى ألاسكا من روسيا عام 1867 مقابل سنتين تقريباً لكل فدّان.

وبدلاً من السعي إلى تسوية دبلوماسية، لجأ ترمب إلى سلاحه المفضل: الرسوم الجمركية. وزاد عليه أخيراً ربط مساعيه للسيطرة على غرينلاند بعدم منحه جائزة نوبل للسلام، معلناً أنه لم يعد يفكر بـ«السلام حصراً» لتحقيق غايته. وكتب في رسالة خطية وجهها لرئيس الوزراء النرويجي جوناس غار ستوير: «بما أن بلدكم قرر عدم منحي جائزة نوبل للسلام لجهودي في وقف أكثر من 8 حروب، لم أعد أشعر بالتزام بالتفكير في السلام حصراً، مع أنه سيظل دائماً هو الأهم، بل يمكنني الآن التفكير فيما هو خير ومناسب للولايات المتحدة». وكرر اتهام الدنمارك بأنها عاجزة عن حماية غرينلاند من روسيا أو الصين. وإذ تساءل: «لماذا لديهم حق الملكية، على أي حال؟»، أضاف: «لا توجد وثائق مكتوبة، كل ما في الأمر أن سفينة رست هناك قبل مئات السنين، ونحن لدينا سفن هناك أيضاً». واعتبر أن «العالم لن يكون آمناً ما لم نحكم سيطرة كاملة وشاملة على غرينلاند».

جنود دنماركيون ينزلون من سفينة في ميناء نوك بغرينلاند الأحد (أ.ف.ب)

وقاد ترمب حملة علنية لنيل جائزة نوبل، التي منحت خلال العام الماضي لزعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو. وقدمت ماتشادو ميداليتها الذهبية لترمب الأسبوع الماضي على الرغم من أن اللجنة أكدت أن الجائزة غير قابلة للتحويل أو المشاركة أو الإلغاء.

وكان الرئيس الأميركي قد تعهد، السبت، بفرض موجة من الرسوم الجمركية المتزايدة اعتباراً من الأول من فبراير (شباط) المقبل على 8 دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي: الدنمارك والسويد وفرنسا وألمانيا وهولندا وفنلندا وبريطانيا والنرويج، إلى أن يُسمح للولايات المتحدة بشراء غرينلاند. وتهدد استراتيجيته بتقويض «الناتو» الذي شكل ركيزة الأمن الغربي لعقود، والذي كان يعاني أصلاً ضغوطاً بسبب الحرب في أوكرانيا ورفض ترمب حماية الحلفاء الذين لا ينفقون ما يكفي على الدفاع.

وهذا ما عكسه رئيس الوزراء الغرينلاندي ينس فريدريك نيلسن الذي أكد أن تهديد ترمب بالتعريفات الجمركية لا يُغيّر من رغبة غرينلاند في تأكيد سيادتها. وكتب في منشور على «فيسبوك»: «لن نرضخ للضغوط»، مضيفاً أن الإقليم المتمتع بالحكم الذاتي «مجتمع ديمقراطي له الحق في اتخاذ قراراته بنفسه».

وفي رد مباشر على رسالة ترمب، عبّر رئيس الوزراء النرويجي، في بيان أصدره مع الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، عن «معارضتهما» لتهديدات ترمب بفرض تعريفات جمركية. وذكّر بأن جائزة نوبل للسلام لا تُمنح من الحكومة النرويجية.