خطة ترمب للسلام: سباق إجباري نحو تسوية تُعيد رسم خرائط النفوذ وتفتح أزمة ثقة في الغرب

يزداد الحديث داخل واشنطن عن أسباب استعجال الإدارة ويوصف بأنه محاولة لصناعة إنجاز سياسي سريع يعزز الجبهة الداخلية

ترمب وبوتين يتصافحان خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماعهما للتفاوض على إنهاء الحرب في أوكرانيا أغسطس الماضي (رويترز)
ترمب وبوتين يتصافحان خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماعهما للتفاوض على إنهاء الحرب في أوكرانيا أغسطس الماضي (رويترز)
TT

خطة ترمب للسلام: سباق إجباري نحو تسوية تُعيد رسم خرائط النفوذ وتفتح أزمة ثقة في الغرب

ترمب وبوتين يتصافحان خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماعهما للتفاوض على إنهاء الحرب في أوكرانيا أغسطس الماضي (رويترز)
ترمب وبوتين يتصافحان خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماعهما للتفاوض على إنهاء الحرب في أوكرانيا أغسطس الماضي (رويترز)

تتصرف إدارة الرئيس الأميركي هذه الأيام كما لو أنها في سباق مع الزمن لإغلاق ملف الحرب الروسية - الأوكرانية، أو على الأقل نقله من خانة النزاع المفتوح إلى مسار تفاوضي ملزم يضع واشنطن في موقع الجهة الوحيدة القادرة على فرض تسوية.

المشهد يبدو، في جوهره، لحظة سياسية تتجاوز حدود أوكرانيا نفسها؛ إذ لا يتعلق الأمر بإنهاء حرب بقدر ما يعكس إعادة رسم أولويات السياسة الخارجية الأميركية، وترتيب العلاقات مع روسيا، وإعادة تعريف التحالف الغربي بما يتناسب مع رؤية ترمب للعالم.

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يوم 15 أغسطس 2025 عندما التقيا في ألاسكا (رويترز)

الخطة التي تتألف من 28 بنداً، والتي تسربت أجزاء واسعة منها في الأيام الماضية، كشفت عن حجم الانقسام ليس بين واشنطن وكييف فحسب، بل داخل الإدارة الأميركية نفسها، وبين واشنطن والعواصم الأوروبية، وصولاً إلى الكونغرس وأجهزة الأمن القومي التي فوجئت بوجود قنوات تفاوضية موازية مع شخصيات روسية خاضعة للعقوبات، حسب وكالة «رويترز». هذا التسريب، وما تبعه من ردود فعل، أظهر أن الخطة لم تمر بالمستويات المؤسساتية المعتادة، وأن مطبخ القرار ضاق إلى حدٍّ يثير الريبة لدى شركاء الولايات المتحدة وحلفائها.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)

تثبيت الأمر الواقع وإعادة تأهيل روسيا

في جوهر مقترح ترمب، يظهر تصور يُعيد طرح ما كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يطالب به منذ الأيام الأولى للحرب. فالفكرة الأساسية تعتمد على الاعتراف الأميركي بالأمر الواقع في القرم ومناطق انفصالية في الشرق، وتجميد خطوط السيطرة الحالية في خيرسون وزابوريجيا، مقابل التزام أوكراني بعدم الانضمام للناتو، وتقليص كبير لقدراتها العسكرية، وحصر دعمها الغربي بسقف لا يسمح بتحويلها إلى قوة قد تشكل تهديداً مستقبلياً لروسيا. وفي المقابل، تقترح الخطة رفع العقوبات المفروضة على موسكو وإعادة إدماجها تدريجياً في النظام المالي العالمي، وهو ما يشكل المكسب الحقيقي الذي يسعى إليه الكرملين منذ 2022.

كييف بين الشراكة مع واشنطن وكرامة الدولة

هذا الطرح فُهم مباشرة، في كييف والعواصم الأوروبية، على أنه انحياز أميركي مُسبق للمنطق الروسي، خصوصاً أن أحداً لم يتخيّل أن تتبنى إدارة أميركية خطة تتضمن تنازلات إقليمية تُفرض على دولة حليفة تتعرض لغزو. ولذلك بدا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في موقف بالغ الحساسية: فهو يدرك أن رفض الخطة صراحةً يعني مواجهةً مباشرةً مع البيت الأبيض، في وقت تعتمد فيه بلاده بشكل شبه كامل على الدعم الاستخباراتي والعسكري الأميركي، لكنه في الوقت نفسه يرى أن القبول بها يعني عملياً هزيمة سياسية، وربما تاريخية، عبر التخلي عن مساحات واسعة من أراضيه.

ولذلك جاء إيقاع خطاب زيلينسكي في الأيام الأخيرة متذبذباً بين التمسك بالسيادة والواقعية السياسية. ففي حديثه عن الخطة، استخدم لغة تحذيرية لافتة حين أشار إلى خطر «فقدان الشريك الرئيس» في حال تعنّت كييف، لكنه تحدث أيضاً عن «حافة فقدان كرامة الدولة» إذا قبِلَ بما تطرحه واشنطن. هذا التوتر يعكس حقيقة أن كييف لا تملك فعلياً أوراقاً تفاوضية صلبة، بعد أشهر من الانسحابات التكتيكية على الجبهات، وتراجع مخزون السلاح، والأزمة الاقتصادية الداخلية، وملفات الفساد التي أضعفت ثقة الغرب بالحكومة الأوكرانية.

وزراء دفاع ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وبولندا والمملكة المتحدة ومسؤولة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي كايا كالاس خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع في برلين (رويترز)

أمن القارة الأوروبية على المحك

المعادلة الأوروبية لا تبدو أفضل حالاً. فالعواصم الغربية فوجئت، مرة أخرى، بأن الولايات المتحدة اتخذت خطوة استراتيجية من دون تشاور فعلي مع الحلفاء. هذا يعيد إلى الأذهان الاحتقان الذي تراكم خلال السنوات الأخيرة حول مستقبل العلاقة عبر الأطلسي، وحول مدى التزام واشنطن بأمن أوروبا. وتدرك باريس وبرلين ولندن أن الخطة الأميركية، حتى بصيغتها المعلنة، تُحدث ضرراً بنيوياً بالأمن الأوروبي، لأنها تُشرعن استخدام القوة لتغيير الحدود، وتخلق منطقة عازلة ضعيفة بين روسيا والناتو، وتفتح الباب أمام سباق تسلّح جديد في شرق أوروبا.

الخوف الأوروبي لا يتوقف هنا. فرفع العقوبات عن روسيا يعني -برأي الأوروبيين- خسارة الأداة الوحيدة التي أثبتت فاعلية نسبية في الضغط على الكرملين. والحقيقة أن أوروبا التي تحملت عبء العقوبات الأكبر اقتصادياً منذ 2022، لا تبدو مستعدة لتقديم هدية سياسية لبوتين من دون مقابل واضح يتعلق بضمانات أمنية، وخطوات روسية ملموسة نحو وقف دائم للقتال وانسحاب جزئي أو كامل من الأراضي الأوكرانية. ولهذا، فإن التحرك الأوروبي المكثف في الأيام الأخيرة، عبر اتصالات على هامش اجتماعات دولية واجتماعات وزراء خارجية، كان هدفه الضغط على واشنطن أولاً لإعادة صياغة الخطة، ومحاولة منح كييف مساحة تفاوضية أوسع، وإبقائها ضمن ما يسمّيه الأوروبيون «السلام العادل»، في مقابل ما يرونه «سلاماً مفروضاً» من ترمب.

انقسام حول أهداف ترمب

أما في واشنطن، فيزداد الحديث عن أسباب استعجال الإدارة. فترمب يكرر منذ حملته الانتخابية أنه قادر على إنهاء الحرب خلال 24 ساعة، وأن استمرار النزاع يستنزف الولايات المتحدة بلا طائل. ويُقرأ عرضه اليوم بوصفه محاولة لصناعة إنجاز سياسي سريع يعزز موقعه الداخلي، ويثبت أنه قادر على تحقيق «صفقة كبرى» تفشل الإدارات التقليدية في تحقيقها. كما أن وجود قناة تفاوضية سرية، جمعت في ميامي شخصيات مقربة من ترمب بمسؤول روسي خاضع للعقوبات، يعكس قناعة لدى محيط الرئيس بأن الدبلوماسية التقليدية بطيئة، وأن تجاوزها هو الطريق الأسهل للوصول إلى تسوية.

مع ذلك، هناك انقسام واضح داخل الإدارة نفسها. فوزارة الخارجية والبنتاغون ووكالات الاستخبارات لم تكن على علم بتفاصيل خطة المفاوضات، بل فوجئت بها عند تسريبها إلى الصحافة. وهذا يشير إلى احتمال وجود خط موازٍ لإدارة الملف، مما يثير أسئلة صعبة حول آلية اتخاذ القرار في واحدة من أهم الأزمات الجيوسياسية في العالم. وفي الكونغرس أيضاً، برزت أصوات جمهورية وديمقراطية تعترض على أي خطة تتضمن رفع العقوبات عن روسيا، أو أي صياغة تشبه الاعتراف بسيطرتها على أراضٍ أوكرانية بالقوة.

الرئيسان الفرنسي والأوكراني يوقّعان في باريس الثلاثاء «رسالة النوايا» لتزويد كييف بطائرات «رافال» المقاتلة (رويترز)

رهانات على تغيير المسار

وبعدما أعلن الرئيس الأوكراني عن تشكيل وفد رئاسي لبدء مباحثات مع الولايات المتحدة في سويسرا، بالتزامن مع تأكيد مكتب زيلينسكي استعداد كييف للدخول في مشاورات حول الخطة الأميركية لإنهاء الحرب، تتجه الأنظار إلى هذا الاجتماع لمعرفة ما إذا كان بالإمكان إجراء تعديل على الخطة الأميركية بما يسمح لأوروبا بالحفاظ على خطوط حمراء أساسية، ويمكّن كييف من المشاركة من دون الظهور بمظهر الطرف المستسلم. لكن هوامش المناورة ضيقة للغاية؛ فموسكو ليست مستعدة للتنازل عن مكاسبها الميدانية، وزيلينسكي لا يستطيع القبول بخسارة مناطق إضافية، وترمب يريد إنجازاً سريعاً لا يحتمل جولات تفاوض طويلة.

في المحصلة، ما تُسمّى «خطة السلام» تبدو حتى الآن أقرب إلى ورقة ضغط منها إلى مشروع تسوية مستدامة. فهي تدفع الجميع إلى الزاوية: كييف بين حفظ سيادتها والحفاظ على علاقتها الحاسمة مع واشنطن، وأوروبا بين أمنها القومي ومستقبل تحالفها مع الولايات المتحدة، والإدارة الأميركية بين رغبتها في إنجاز سياسي سريع وتعقيدات الواقع الاستراتيجي. وما لم تتحول هذه الخطة من صيغة أحادية إلى مشروع دولي متماسك يحظى بموافقة الحلفاء، فإنها قد تتحول من محاولة لإنهاء الحرب إلى سبب لفتح جبهة سياسية جديدة داخل الغرب نفسه.


مقالات ذات صلة

6 أشهر من الحرب: أميركا تبحث عن انتصار... وإيران لمخرج من الحصار

تحليل إخباري أرشيفية لحاملة طائرات أميركية وسرب من المقاتلات في منطقة الخليج (أ.ف.ب)

6 أشهر من الحرب: أميركا تبحث عن انتصار... وإيران لمخرج من الحصار

رغم مضي 6 أشهر على الحرب، لا تزال إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تبحث عن انتصار واضح، فيما يسعى النظام الإيراني إلى إنهاء الحصار المتواصل منذ عقود.

علي بردى (واشنطن)
أوروبا زعماء أوروبيون يحضرون مراسم إحياء الذكرى الـ35 لاستقلال أوكرانيا أمام «كاتدرائية القديسة صوفيا» في كييف (أ.ف.ب) p-circle

كييف تتوقع إجراء جولة محادثات مع موسكو قريباً

قال كيريلو بودانوف، مدير مكتب الرئيس الأوكراني، الخميس، إن أوكرانيا تسعى لإحياء المحادثات مع موسكو، ورجَّح أن يشهد الشهر المقبل تطورات أخرى.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد رقائق إلكترونية تظهر على لوحة دوائر (رويترز)

واشنطن تدرس فرض رسوم جديدة على أشباه الموصلات تشمل أجهزة الكمبيوتر والخوادم

تدرس إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب فرض جولة جديدة من الرسوم الجمركية الواسعة على أشباه الموصلات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
خاص رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي مع رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف في بغداد يوم 19 أغسطس 2026 (إعلام حكومي)

خاص الحكومة العراقية لـ«الشرق الأوسط»: الزيدي لن يستقيل... وحصر السلاح مسار قانوني

قال المتحدث باسم الحكومة العراقية إن رئيس الوزراء علي الزيدي «لا ولن يفكر في الاستقالة» بسبب ضغوط سياسية، مؤكداً أن حصر السلاح يعالج عبر قنوات قانونية.

علي السراي (لندن)
الاقتصاد ليزا كوك برفقة محاميها آبي لويل خارج المحكمة العليا الأميركية في يناير الماضي (رويترز)

ليزا كوك تنفي ارتكاب أي احتيال عقاري وترفض مساعي ترمب لإقالتها من «الفيدرالي»

رفضت ليزا كوك، عضو مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، اتهامات البيت الأبيض بارتكاب احتيال في طلبات قروض عقارية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

واشنطن تعيد صياغة «الناتو»... تحالف للدفاع المشترك أم علاقة مشروطة بالولاء؟

تكتسب زيارة إلبريدج كولبي إلى بروكسل أهميتها من كونها جزءاً من مراجعة مدتها ستة أشهر لمستقبل نحو 80 ألف جندي أميركي في أوروبا (رويترز)
تكتسب زيارة إلبريدج كولبي إلى بروكسل أهميتها من كونها جزءاً من مراجعة مدتها ستة أشهر لمستقبل نحو 80 ألف جندي أميركي في أوروبا (رويترز)
TT

واشنطن تعيد صياغة «الناتو»... تحالف للدفاع المشترك أم علاقة مشروطة بالولاء؟

تكتسب زيارة إلبريدج كولبي إلى بروكسل أهميتها من كونها جزءاً من مراجعة مدتها ستة أشهر لمستقبل نحو 80 ألف جندي أميركي في أوروبا (رويترز)
تكتسب زيارة إلبريدج كولبي إلى بروكسل أهميتها من كونها جزءاً من مراجعة مدتها ستة أشهر لمستقبل نحو 80 ألف جندي أميركي في أوروبا (رويترز)

حمل إلبريدج كولبي إلى مقر حلف شمال الأطلسي في بروكسل رسالتين متوازيتين: أوروبا لا تزال «مصلحة أساسية» للولايات المتحدة، لكن استمرار العلاقة بصورتها الحالية لم يعد مضموناً. فوكيل وزارة الدفاع الأميركية للسياسات، الذي أطلع سفراء الحلف، الخميس، على مراجعة الانتشار العسكري الأميركي، أشاد بتقدم الأوروبيين في تحمل مسؤولية دفاعهم التقليدي، لكنه قال إن قضايا استخدام القواعد والتحليق والعبور لا تزال تحتاج إلى تسوية، فيما تمنح واشنطن الأولوية لنصف الكرة الغربي ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ.

لا تعني هذه الرسالة أن الولايات المتحدة تتجه بالضرورة إلى الانسحاب من «الناتو» أو التخلي رسمياً عن الدفاع المشترك. لكنها تكشف تحوّلاً أعمق: من التزام مؤسسي تُوزع أعباؤه جماعياً إلى علاقة أكثر انتقائية، يمكن أن يتأثر فيها حجم الحماية والانتشار العسكري بإنفاق كل دولة، وتسهيلها العمليات الأميركية، وانسجامها مع أولويات واشنطن خارج أوروبا.

وكيل وزارة الدفاع الأميركية إلبريدج كولبي مع الأمين العام لـ«الناتو» مارك روته في بروكسل الخميس (أ.ب)

أربع خرائط للقوات

تكتسب زيارة كولبي أهميتها من كونها جزءاً من مراجعة مدتها ستة أشهر لمستقبل نحو 80 ألف جندي أميركي في أوروبا.

وكشفت وثيقة «الشروط المرجعية» التي اطلعت عليها «رويترز» أن البنتاغون سيعد أربعة بدائل على الأقل، تتناول أعداد القوات ومواقعها وسرعة تعديل الانتشار وكلفة كل خيار، لعرضها على وزير الدفاع بيت هيغسيث بحلول 6 نوفمبر (تشرين الثاني)، قبل الموعد النهائي للمراجعة في ديسمبر (كانون الأول).

وبحلول 18 سبتمبر (أيلول)، سيشارك القائد الأعلى للقوات الأميركية في أوروبا مع كولبي في إحاطة لتحديد الخيارات التي ستُرفع إلى هيغسيث. وقال مسؤول رفيع في البنتاغون إن الإدارة تنتقل نحو دعم أميركي «حاسم ولكن أكثر محدودية»، مع وضع الحلفاء في موقع القيادة.

ولم تنتظر إعادة التموضع اكتمال المراجعة. فقد أشار تحليل لـ«مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية» إلى بدء خفض القوات الأميركية في ألمانيا ورومانيا وإستونيا، وإلغاء نشر قدرات للضربات البعيدة المدى في ألمانيا. وتشمل الخيارات المتداولة أيضاً تقليص طائرات مقاتلة ومنصات للتزود بالوقود والاستطلاع والقاذفات والقطع البحرية المخصصة لخطط الحلف، وإن لم تتحول كلها إلى قرارات نهائية.

وكيل وزارة الدفاع الأميركية إلبريدج كولبي في مقر «الناتو» في بروكسل الخميس (أ.ب)

اختبار يتجاوز الإنفاق

لطالما طالبت الإدارات الأميركية أوروبا بزيادة موازناتها الدفاعية. الجديد أن مراجعة ترمب لا تقيس المساهمات العسكرية والإنفاق فقط. فقد أرسلت واشنطن إلى أعضاء الحلف استبياناً يسأل عن القيود المفروضة على وصول القوات الأميركية إلى القواعد والمجال الجوي، ومدى استعداد الحكومات لإلغائها، وعن القواعد التي قد تعرقل التعاون الصناعي الدفاعي عبر الأطلسي.

وبحسب «رويترز»، تطلب أسئلة أخرى لتحديد ما إذا كانت الدولة أيدت علناً سياسات الولايات المتحدة في أوروبا والشرق الأوسط ونصف الكرة الغربي. وبذلك يدخل الموقف السياسي ضمن معايير قد تؤثر في قرارات الانتشار. ووصفت مصادر دبلوماسية أوروبية هذا الربط بأنه نهج «تعاملي»، محذرة من تحول المراجعة إلى «مسابقة جمال» تتنافس فيها الدول على تقديم شروط أفضل للاحتفاظ بالقوات الأميركية.

برز هذا البعد بعد حرب إيران، حين اتهم ترمب وهيغسيث بعض الحلفاء بالتأخر أو الامتناع عن السماح للطائرات الأميركية باستخدام قواعدهم وأجوائهم. وأعلن هيغسيث ربط مساهمة واشنطن في موازنة «الناتو» بوفاء الآخرين بتعهدات الإنفاق، قائلاً إن دولاً ستنجح في المراجعة وأخرى ستفشل. ومن منظور الإدارة، لا يمكن مطالبة الولايات المتحدة بضمان أمن دول ترفض تسهيل عملياتها؛ أما الاعتراض الأوروبي، فيقوم على أن المادة الخامسة تخص الدفاع عن أراضي الحلف، ولا تمنح واشنطن تلقائياً تأييداً لحروب خارجه.

وعلى المستوى الرسمي، جدد قادة «الناتو»، بمن فيهم ترمب، في قمة أنقرة الأخيرة التزامهم «الصلب» بالمادة الخامسة التي تعد الهجوم على عضو هجوماً على الجميع. لكن مصداقية الدفاع المشترك لا تتحدد بالنص وحده، بل أيضاً بالقوات والقواعد والقدرات الموضوعة مسبقاً لتنفيذه.

«الناتو 3.0»

يسمي كولبي هذا التحول «الناتو 3.0»؛ فأوروبا تتولى المسؤولية الأساسية عن دفاعها التقليدي، بينما تحتفظ الولايات المتحدة بالمظلة النووية وبحضور تقليدي أصغر وقدرات استراتيجية يصعب تعويضها سريعاً. ويعرض الأمين العام للحلف مارك روته المفهوم باعتباره إعادة توازن داخل «الناتو»، لا انفصالاً عنه، مشيراً إلى ارتفاع الإنفاق الأوروبي وتولي الحلفاء معظم الالتزامات التي خفضتها واشنطن.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يخاطب الصحافيين خلال مؤتمر صحافي على هامش قمة «الناتو» في أنقرة يوم 8 يوليو (أ.ب)

لكن المال وحده لا يسد الفجوة. فبحسب «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية»، لا تزال أوروبا تعتمد على الولايات المتحدة في شبكات القيادة والسيطرة ودمج المعلومات الاستخباراتية والدفاع الجوي والصاروخي والذخائر الدقيقة. كما تعوق محدودية القدرة الصناعية استبدال هذه الإمكانات، فيما قد يؤدي قياس الحلفاء وفق قربهم السياسي من واشنطن إلى منافسة بينهم، بدلاً من تعزيز التكامل وتقاسم الأدوار.

ويقول جون هاردي، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات لـ«الشرق الأوسط»، إن من الطبيعي أن تكون لواشنطن توقعات معينة من حلفائها، لكن «الناتو طريق ذو اتجاهين. وإذا أردنا من أصدقائنا أن يكونوا حلفاء جيدين، فعلينا نحن أيضاً أن نكون كذلك».

وأضاف أن قرارات الانتشار الأميركي في أوروبا ينبغي أن تستند إلى «تحليل واقعي للتهديدات وللمواضع الأفضل لتخصيص الموارد»، لأن التهديد الروسي سيستمر، فيما تحتاج أوروبا إلى وقت لإعادة التسلح. وحذر من أن ترك الأوروبيين أمام فجوات رئيسية في القدرات «قد يغري بالعدوان»، مشدداً على أنه لا ينبغي معاقبة حلفاء نموذجيين مثل بولندا ودول البلطيق بسحب وحدات من الجيش الأميركي لا تحتاج إليها ساحة المحيط الهادئ.

طائرة «غرومان إي-2 هوك آي» للإنذار المبكر والمراقبة الجوية تهبط على حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول» خلال مناورات لـ«الناتو» قبالة جزيرة كريت اليونانية في 27 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ويرى «المعهد الملكي للخدمات المتحدة» أن الفصل بين المظلة النووية والوجود التقليدي مصطنع جزئياً. فالقوات الأميركية تؤدي دور «سلك الإنذار» الذي يجعل تدخل واشنطن في مواجهة روسيا أكثر صدقية، وتوفر خيارات بين الاستسلام والانتقال مباشرة إلى التصعيد النووي. ولذلك قد يؤدي تقليص القدرات التقليدية المتقدمة إلى إضعاف المظلة النووية التي تقول الإدارة إنها ستبقيها سليمة.

لذلك يرى البعض أن مستقبل «الناتو» لا يتوقف على العدد الذي سيختاره هيغسيث من الجنود، بل على المعيار الذي سيحكم الاختيار. فإذا بقيت المراجعة وسيلة لإعادة توزيع الأعباء مع الحفاظ على قدرات الردع والتماسك السياسي، فقد تنتج تحالفاً أكثر توازناً. أما إذا أصبحت القواعد والحماية مكافأة للدول الأكثر توافقاً مع ترمب، فسيبقى الدفاع المشترك قائماً في المعاهدة، لكنه يتحول عملياً إلى ضمان متفاوت، تحدده درجة الولاء بقدر ما تحدده مقتضيات الأمن الجماعي.


مدير «سي آي أيه» لم يلتق بوتين في موسكو

مدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية جون راتكليف (أ.ف.ب)
مدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية جون راتكليف (أ.ف.ب)
TT

مدير «سي آي أيه» لم يلتق بوتين في موسكو

مدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية جون راتكليف (أ.ف.ب)
مدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية جون راتكليف (أ.ف.ب)

أثارت الزيارة الخاطفة لمدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي أيه)، جون راتكليف، إلى موسكو تكهنات واسعة. وبقيت ملابساتها غامضة رغم بعض التسريبات التي ربطتها تحديداً بحرب أوكرانيا والتوتر الروسي الأوروبي. وبينما لم يُعلن رسمياً عن هوية الشخصيات التي التقاها مدير «سي. آي. أيه»، أكد المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، أن راتكليف لم يلتق الرئيس فلاديمير بوتين، الذي أُحيط علماً بالمحادثات التي جرت «على مستوى أجهزة الاستخبارات».

وأشارت وسائل إعلام أميركية، نقلاً عن مصادر، أن موضوع الزيارة ربما كان التوتر المتفاقم بين موسكو وأوروبا، وأن لدى واشنطن «معلومات حول استعدادات روسية لاستفزازات ضد حلفائها الأوروبيين في حلف (الناتو)».

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، إن زيارة راتكليف كانت «شبه روتينية»، ملمحاً إلى أنه توجه إلى العاصمة الروسية لمناقشة الحرب في أوكرانيا. وصرّح ترمب في مقابلة مع المذيع المحافظ غلين بيك بأن الزيارة لم تكن مرتبطة بإيران أو بالتهديدات الروسية لحلف شمال الأطلسي (ناتو).


4 قتلى في ضربة أميركية على زورق يُشتبه بضلوعه في تهريب المخدرات بالكاريبي

سفينة ترسو بالقرب من جزيرة في غونا يالا على ساحل بنما الكاريبي (أ.ب)
سفينة ترسو بالقرب من جزيرة في غونا يالا على ساحل بنما الكاريبي (أ.ب)
TT

4 قتلى في ضربة أميركية على زورق يُشتبه بضلوعه في تهريب المخدرات بالكاريبي

سفينة ترسو بالقرب من جزيرة في غونا يالا على ساحل بنما الكاريبي (أ.ب)
سفينة ترسو بالقرب من جزيرة في غونا يالا على ساحل بنما الكاريبي (أ.ب)

قُتل أربعة أشخاص في ضربة عسكرية أميركية استهدفت اليوم الثلاثاء زورقاً يُشتبه في استخدامه لتهريب المخدرات في البحر الكاريبي، وفق ما أفاد الجيش الأميركي، بحسب «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت القيادة الجنوبية للجيش في منشور على منصة «إكس» الأربعاء إن الضربة استهدفت زورقاً كان «ينشط على طول مسارات معروفة لتهريب المخدرات في البحر الكاريبي».

وأضافت أن «معلومات استخبارية مؤكدة كشفت ضلوع الزورق بصورة نشطة في عمليات تهريب المخدرات»، معلنة «مقتل أربعة إرهابيين منخرطين في أنشطة الاتجار بالمخدرات خلال العملية».

وأظهر مقطع مصوّر بالأبيض والأسود أُرفق بالمنشور زورقاً يبحر في المياه قبل لحظات من وقوع انفجار كبير.

وكان الجيش الأميركي أطلق في مطلع سبتمبر (أيلول) عملية «الرمح الجنوبي» ضدّ ما يقول الرئيس دونالد ترمب إنها شبكات تهريب المخدرات تنشط في أميركا اللاتينية.

ومنذ ذلك الحين، قُتل أكثر من 200 شخص في ضربات نُفذت في البحر الكاريبي وشرق المحيط الهادئ، وفق إحصاء «وكالة الصحافة الفرنسية».

في المقابل، لم تقدّم إدارة ترمب أدلة قاطعة تثبت تورّط الزوارق التي تستهدفها في عمليات تهريب مخدرات.

ويرى خبراء قانونيون ومنظمات حقوقية أن هذه الضربات قد ترقى إلى عمليات قتل خارج نطاق القضاء.