جنرال «القطاع الأفريقي» الروسي يرتب أولويات بلاده مع دمشق

جولة محادثات أجراها وزير الدفاع السوري مع أرفع مسؤول عسكري يزور سوريا

استقبل وزير الدفاع اللواء مرهف أبو قصرة في دمشق وفداً رفيع المستوى من جمهورية روسيا الاتحادية برئاسة نائب وزير الدفاع الروسي السيد يونس بك يفكوروف الأحد الماضي (الدفاع السورية)
استقبل وزير الدفاع اللواء مرهف أبو قصرة في دمشق وفداً رفيع المستوى من جمهورية روسيا الاتحادية برئاسة نائب وزير الدفاع الروسي السيد يونس بك يفكوروف الأحد الماضي (الدفاع السورية)
TT

جنرال «القطاع الأفريقي» الروسي يرتب أولويات بلاده مع دمشق

استقبل وزير الدفاع اللواء مرهف أبو قصرة في دمشق وفداً رفيع المستوى من جمهورية روسيا الاتحادية برئاسة نائب وزير الدفاع الروسي السيد يونس بك يفكوروف الأحد الماضي (الدفاع السورية)
استقبل وزير الدفاع اللواء مرهف أبو قصرة في دمشق وفداً رفيع المستوى من جمهورية روسيا الاتحادية برئاسة نائب وزير الدفاع الروسي السيد يونس بك يفكوروف الأحد الماضي (الدفاع السورية)

حمل مشهد الرتل العسكري المشترك لضباط من سوريا وروسيا وتركيا، وهم يتجولون في مناطق جنوب غربي سوريا، الاثنين، دلالات إلى حجم التغييرات التي شهدتها البلاد، بعد مرور أقل من عام على إطاحة نظام الحليف السابق لموسكو. تجول الوفد الذي وصل إلى محافظة القنيطرة مكوناً من نحو 15 سيارة دفع رباعي ترافقها 10 سيارات من الأمن العام والشرطة العسكرية السورية في مواقع كانت نقاط تمركز للقوات الروسية، قبل أن تتبدل الأحوال وتضطر موسكو إلى العمل بشكل نشط لإعادة ترتيب تموضعها على الجغرافيا السورية.

اتجه الوفد من مدينة سعسع بريف دمشق باتجاه منطقة بيت جن، أقصى ريف دمشق الجنوبي الغربي، المحاذية لمحافظة القنيطرة، ثم توجه إلى التلول الحمر التي تقع غرب بلدة بيت جن، ثم توجه إلى ريف القنيطرة الأوسط.

ووفقاً لمصادر فإن الوفد الذي لم يعلن عن مهمته، قام بتفقد بعض المواقع العسكرية التي كانت مقرات للقوات الروسية خلال حكم النظام السابق.

وشهدت المناطق التي سلك الوفد طريقه منها انتشاراً أمنياً كبيراً لقوات الأمن العام السوري. وحملت الجولة الفريدة من نوعها، على خلفية الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة في المنطقة، رسائل عدة، خصوصاً أنها جاءت مباشرة بعد حدثين مهمين: الأول جولة المحادثات التي أجراها في دمشق وزير الدفاع السوري اللواء مرهف أبو قصرة مع نائب وزير الدفاع الروسي يونس بك يفكوروف، وهو أرفع مسؤول عسكري يزور سوريا منذ إطاحة نظام بشار الأسد. والثاني أن هذه الزيارة سبقها مباشرة اتصال هاتفي أجراه الرئيس فلاديمير بوتين مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يلتقي الرئيس السوري أحمد الشرع في الكرملين بموسكو (الكرملين - وكالة الأنباء الألمانية)

في الشق المتعلق بالاتصال، كان الكرملين قد أفاد بأن الطرفين بحثا إلى جانب الوضع في غزة والملف النووي الإيراني، موضوع الاستقرار في سوريا وسبل ضمانه.

لذلك فإن الاستنتاج الأول هنا، أن موسكو ودمشق بدأتا بالفعل ترتيب تحرك مشترك لكبح جماح التغول الإسرائيلي، ووضع الضمانات اللازمة لكل الأطراف لإعادة الهدوء إلى مناطق الجنوب السوري.

سحب الذرائع من إسرائيل

تعد هذه إحدى أبرز نتائج الزيارة الناجحة التي قام بها الرئيس أحمد الشرع إلى موسكو قبل شهر، والتي تسربت معطيات بعدها، أنه بحث ملف إعادة تسيير دوريات روسية بالتعاون مع دمشق في عدد من المناطق، فضلاً عن الطلب المتعلق بالتأثير على إسرائيل لوقف الانتهاكات المتواصلة.

جرافة تابعة للجيش الإسرائيلي تُدمّر كتلاً خرسانية بجوار برج مراقبة يحمل عَلمي سوريا وروسيا عند موقع «أبو دياب العسكري» على المشارف الجنوبية لمدينة القنيطرة الحدودية 19 مارس الماضي (أ.ف.ب)

في هذا الإطار، أشارت مصادر روسية إلى بحث ترتيبات إعادة انتشار وحدات من الشرطة العسكرية الروسية في جنوب سوريا لسحب الذرائع من قبل إسرائيل التي سيطرت على مناطق واسعة في محافظات ريف دمشق والقنيطرة ودرعا وتشكل تهديداً لحياة المدنيين الذين تم اعتقال العشرات منهم من قبل القوات الإسرائيلية.

ويدخل هنا، استعادة موسكو دورها السابق، في تقديم ضمانات للجانب الإسرائيلي بأن الأراضي السورية لن تكون منطلقاً لعمليات عسكرية تهدد أمن إسرائيل، كما لن يسمح التعاون الروسي السوري لمجموعات متشددة أو ميليشيات تابعة لإيران بتعزيز وجودها في هذه المنطقة.

اجتماع في دمشق ين وفدين عسكريين ترأس الجانب السوري وزير الدفاع مرهف أبو قصرة وترأس الوفد الروسي رفيع المستوى نائب وزير الدفاع الروسي يونس بك يفكوروف (سانا)

أما في الشق الثاني المتعلق بزيارة يونس بك يفكوروف إلى دمشق، يبدو الوضع، وفقاً لمصادر روسية، أوسع وأكثر شمولاً من الجزئية المتعلقة بجهود روسية لإعادة ترتيب التفاهمات والضمانات الأمنية في المنطقة الجنوبية، إذ يدور الحديث هنا عن إعادة رسم ملامح التموضع الروسي في سوريا بشكل كامل، بما يرسم ملامح العلاقة الجديدة وترتيبات الحضور العسكري الروسي على أسس براغماتية تحفظ مصالح الطرفين. فيما أعلنت موسكو ودمشق بعد اللقاء أن الطرفين بحثا تعزيز آليات التنسيق والتعاون العسكري بين البلدين.

وكانت بعض التسريبات تحدثت عن رغبة مشتركة بتقديم مساعدة روسية لإعادة تأهيل الجيش السوري، وربما تقديم تقنيات دفاعية حديثة لسوريا، لكن هذا الملف يبدو مرتبطاً بقوة بتفاهمات روسية إسرائيلية بعدم شن هجمات جديدة على المواقع العسكرية السورية.

وفي الإطار الأوسع، يبدو أن النقاش السوري الروسي خلال سلسلة لقاءات على المستويين العسكري والسياسي تركز على أولويات الجانبين، في مسار إعادة رسم ملامح العلاقة.

في هذا الإطار، كتبت منصة «تسار غراد» القريبة من المؤسسة العسكرية الروسية، أن زيارة يفكوروف تحمل أهمية خاصة في مسار ترتيب العلاقة الجديدة على المستويات العسكرية.

فهذا الجنرال القوي في وزارة الدفاع هو المسؤول عن ملف «القطاع الأفريقي»، أي النشاط العسكري الروسي المتزايد في القارة الأفريقية، وهو بالمناسبة، يخضع لعقوبات من بريطانيا وكندا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة منذ عام 2022.

وتحمل الإشارة إلى مهمته الأفريقية أهمية خاصة خلال هذه الزيارة؛ كون الحضور العسكري الروسي في سوريا يشكل مصدراً أساسياً للإمدادات المرسلة إلى بلدان القارة السمراء.

القواعد والأنشطة في أفريقيا

وكانت موسكو في وقت سابق اقترحت تغييراً على أولويات قواعدها العسكرية في سوريا لتغدو «محطة إمدادات إنسانية إلى أفريقيا وبلدان أخرى».

تشير معطيات روسية إلى أن هذا تحديداً هو سبب زيارة يفكوروف لدمشق. الهدف من زيارته هو ضمان الدعم اللوجيستي للأنشطة العسكرية والاقتصادية الروسية في أفريقيا، المرتبطة بقاعدتين في سوريا، حميميم (القوات الجوية الفضائية) وطرطوس (البحرية). وبصفته القائد الحالي لـ«فيلق أفريقيا»، لا أحد يعرف هذه القضايا أكثر من يفكوروف.

هكذا تتحدد بعض أولويات روسيا الجديدة في سوريا، ووفقاً للمنصة ذاتها، وإلى جانب ضمان عبور الإمدادات إلى أفريقيا، تحتاج روسيا إلى سوريا للمحافظة على نفوذها في الشرق الأوسط. ناهيك عن كون سوريا سوقاً تقليدية لمنتجات المجمعات الصناعية العسكرية الروسية، التي اعتاد عليها السوريون وأتقنوها. كما أن هناك روابط تجارية وإنسانية وثقافية أخرى يجب الحفاظ عليها. وهذا «الرأسمال» كما تشير المنصة الروسية «ليس بالأمر الهيّن وليس من السهل تدميره، أو التخلي عنه».

ما تحتاجه دمشق

في الوقت نفسه، تحتاج دمشق إلى موسكو وفق التقييم الروسي، للمحافظة على توازن مع اتساع التأثير التركي على الأراضي السورية، وثانياً، لخلق نوع من التوازن، الذي يمنح دمشق قدرة على المناورة وهي تعمل لإقامة نوع من التحالف مع الولايات المتحدة، وثالثاً، لكسب الدعم في الأمم المتحدة ومجلس الأمن، فضلا عن المساهمة الروسية المنتظرة في ترتيب الضمانات المتبادلة مع إسرائيل. ولا شك أن دمشق مهتمة أيضاً بأن تمارس روسيا تأثيراً مُهدئاً (لأن الروس يتمتعون بسمعة طيبة كونهم مفاوضين ووسطاء) مع الأقليات السورية الأكراد والدروز والعلويين.

هذا الفهم الروسي لأولويات العلاقة الجديدة، أوضحه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، قبل أسابيع بالإشارة إلى أن روسيا «قدمت مساهمة كبيرة في إرساء دعائم الاقتصاد والمجال الاجتماعي وتدريب الكوادر الوطنية وتعزيز القدرة الدفاعية». مضيفاً أن كل هذا بطبيعة الحال «يجب ملاءمته مع الظروف الجديدة. وهذا ينطبق أيضاً على قواعدنا العسكرية».

وأضاف الوزير أن «القيادة السورية، على ما يبدو، وعدداً من دول المنطقة مهتمة بالحفاظ على وجودنا هناك على أسس جديدة تلبي مصالح الطرفين».


مقالات ذات صلة

المشرق العربي وزارة الطوارئ السورية تسارع الوقت لتجفيف مناطق الفيضانات بين إدلب واللاذقية شمال غربي سوريا

فيضانات وسيول جارفة شمال غربي سوريا تفوق القدرة على الاستجابة

ساعات عصيبة عاشها سكان المخيمات في ريفي إدلب واللاذقية، جراء فيضانات وسيول جارفة ضربت 14 مخيماً غرب إدلب ونحو 300 عائلة.

سعاد جرَوس (دمشق)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي خلال استقباله توم برَّاك المبعوث الأميركي إلى سوريا في الرياض (واس)

فيصل بن فرحان وتوم برَّاك يبحثان مستجدات أوضاع سوريا

بحث الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي وتوم برَّاك مبعوث الولايات المتحدة الأميركية إلى سوريا، الأحد، مستجدات الأوضاع في سوريا والجهود المبذولة بشأنها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي عناصر أمن سوريون خلال حملة اعتقالات 23 يونيو بعد تفجير كنيسة مار إلياس في اليوم السابق بدمشق (أ.ف.ب)

الكشف عن نتائج التحقيقات مع خلية «داعش» منفذة تفجير كنيسة مار إلياس بدمشق

كشفت وزارة العدل السورية عن تفاصيل هجوم كنيسة مار إلياس؛ بدءاً من التخطيط، والتنفيذ، وحتى القبض على متهمين بالضلوع فيه.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي سكان محاصرون بالمياه في أحد الشوارع الغارقة في اللاذقية (سانا)

مصرع طفلين ومتطوعة وتضرر 14 مخيماً جراء فيضانات مفاجئة في سوريا

توفي ثلاثة أشخاص (طفلان ومتطوعة) وتضرر 14 مخيماً جراء فيضانات مفاجئة ناجمة عن أمطار غزيرة شهدتها الليلة الماضية محافظات اللاذقية وإدلب وحماة في سوريا.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

العراق: إخفاق جديد في تحديد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية

رئاسة مجلس النواب تعقد اجتماعاً في 1 فبراير لمناقشة حسم انتخاب رئيس الجمهورية (إكس)
رئاسة مجلس النواب تعقد اجتماعاً في 1 فبراير لمناقشة حسم انتخاب رئيس الجمهورية (إكس)
TT

العراق: إخفاق جديد في تحديد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية

رئاسة مجلس النواب تعقد اجتماعاً في 1 فبراير لمناقشة حسم انتخاب رئيس الجمهورية (إكس)
رئاسة مجلس النواب تعقد اجتماعاً في 1 فبراير لمناقشة حسم انتخاب رئيس الجمهورية (إكس)

فشل البرلمان العراقي في إدراج بند انتخاب رئيس جديد للجمهورية ضمن جدول أعماله المقرر اليوم (الاثنين)، ليكون بذلك ثالث إخفاق من نوعه منذ إجراء الانتخابات البرلمانية قبل أكثر من شهرين.

ويأتي هذا الإخفاق وسط استمرار الخلافات السياسية بين القوى الشيعية والكردية؛ مما أعاق التوصل إلى توافق على مرشح للرئاسة، ويؤكد استمرار حالة الانسداد السياسي في البلاد.

ويقود رئيسُ الحكومة الحالية، محمد شياع السوداني، حكومةَ تصريف أعمال، بعد تجاوز المدد الدستورية لتشكيل حكومة جديدة وانتخاب رئيس للجمهورية؛ مما يزيد من تعقيد المشهد السياسي العراقي ويضعف فاعلية المؤسسات الدستورية.

ويشير مراقبون إلى أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى مزيد من الشلل في عمل الدولة وتأخير إنجاز الاستحقاقات الدستورية الأخرى، وسط أجواء من التوتر والانقسام بين القوى السياسية.


ميراث الأسد بعد هروبه... عنيد ومغرور ومهووس بالجنس وألعاب الفيديو

مقاتل سوري في معركة «ردع العدوان» يطلق النار على صورة ضخمة للرئيس بشار الأسد عند دخول حماة 7 ديسمبر (أ.ف.ب)
مقاتل سوري في معركة «ردع العدوان» يطلق النار على صورة ضخمة للرئيس بشار الأسد عند دخول حماة 7 ديسمبر (أ.ف.ب)
TT

ميراث الأسد بعد هروبه... عنيد ومغرور ومهووس بالجنس وألعاب الفيديو

مقاتل سوري في معركة «ردع العدوان» يطلق النار على صورة ضخمة للرئيس بشار الأسد عند دخول حماة 7 ديسمبر (أ.ف.ب)
مقاتل سوري في معركة «ردع العدوان» يطلق النار على صورة ضخمة للرئيس بشار الأسد عند دخول حماة 7 ديسمبر (أ.ف.ب)

كشفت صحيفة «ذا أتلانتيك» الأميركية تفاصيل نادرة عن كواليس حكم الرئيس السوري بشار الأسد في الفترة التي سبقت سقوط نظامه.

وقالت في مقدمة التقرير، الذي تحدث فيه كاتبه إلى مصادر من داخل النظام السوري السابق ومسؤولين إسرائيليين ولبنانيين، إن «بعض الطغاة يموتون وهم يقاتلون، بعضهم يُشنقون، وبعضهم يموتون في فراشهم. لكن تصرف الأسد كان اللجوء إلى الخداع بطريقة صدمت حتى المقربين منه، فقد طمأن مساعديه وكبار الضباط بأن «النصر قريب»، وبأن اتصالات إقليمية ستؤدي إلى وقف الهجوم.

كان ذلك مع اقتراب فصائل المعارضة من دمشق في 7 ديسمبر (كانون الأول) 2024، اليوم السابق لسقوط النظام، كانت الفصائل قد وصلت إلى حمص بعد أن دخلت حلب وحماة.

فرّ بشار ليلاً على متن طائرة روسية، دون أن يُخبر أحداً تقريباً. في حين أعلن البيان المراوغ الذي صدر في تلك الليلة أن «الأسد كان في القصر يؤدي واجباته الدستورية».

فرار الأسد فجّر غضباً بين من كانوا يعلنون الولاء له، وشهادات المقربين منه، تظهر أن الغضب انطلق من شعورهم بأنهم تعرضوا للخيانة، فبعضهم كان مستعداً للقتال أو على الأقل للانسحاب المنظم، لو واجههم بالحقيقة، لكن الأسد استخدمهم واجهة سياسية وأمنية لتغطية عملية فراره التي تركت خلفها فوضى واجهها المؤيدون له.

صورة ضخمة لبشار الأسد ملقاة على الأرض بعد هروبه على أرضية القصر الرئاسي في دمشق 8 ديسمبر 2024 (أ.ب)

لم تكن أي جهة تتوقع سقوط الأسد السريع، لا الموساد ولا الاستخبارات الأميركية، لكن التفسيرات التي تلت انهيار نظامه أن داعمي الأسد، روسيا وإيران و«حزب الله»، تورطوا في صراعات أخرى مثل حرب أوكرانيا والمواجهة مع إسرائيل على التوالي، ولم يعودوا قادرين على حمايته. وكشف انشغالهم بملفات أخرى ما كان خفياً لسنوات؛ جيش منهك يحكمه الفساد، كما حدث مع النظام المدعوم من أميركا في أفغانستان، الذي سقط عام 2021، «كانت سلالة الأسد في مواجهة إعادة تشكيلات جيوسياسية أوسع في المنطقة والعالم، وبدا سقوطها حتمياً»، يقول التقرير.

لقطة من فيديو لقناة «سوريا» تظهر طائرات حربية روسية رابضة في قاعدة حميميم باللاذقية خلال عمليات «ردع العدوان»

كان بشار الأسد، في ذروة المعارك وتدهور الوضع الميداني، منفصلاً إلى حد كبير عن الأحداث، ونقل مصدر سابق في «حزب الله»، أنه أمضى أوقات طويلة في ممارسة الألعاب على هاتفه المحمول، أبرزها لعبة «كاندي كراش».

في السابع من ديسمبر 2024، قبل يوم من انهيار النظام، عُقد اجتماع في الدوحة بمشاركة وزراء خارجية من المنطقة وخارجها، في محاولة أخيرة لمنع السقوط الكامل والدفع نحو انتقال سياسي تدريجي، إلا أن الجهود فشلت، بعدما تعذر التواصل مع الأسد، الذي أغلق هاتفه ولم يشارك في أي نقاش.

ونقلت «ذا أتلانتيك» شهادات عشرات من رجال البلاط والضباط في قصر تشرين دمشق، الذين قدّموا رواية مغايرة تعتبر أن سقوط النظام لم يكن حتمياً بفعل الجغرافيا السياسية وحدها، بل كان مرتبطاً بشخصية الأسد نفسه، إذ وصفوه بالمنفصل عن الواقع، والمهووس بالجنس وألعاب الفيديو، وكان قادراً على إنقاذ نظامه قبل سنوات لو لم يكن عنيداً ومغروراً.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره السوري بشار الأسد في سوتشي 20 نوفمبر 2017 (أ.ف.ب)

وأضاف تقرير الصحيفة أن عدة دول في المنطقة لم تكن تريد سقوط الأسد وقدمت له سابقاً شرايين إنقاذ، وأن وزراء خارجية اتصلوا به حتى في أيامه الأخيرة عارضين عليه الصفقات، لكنه لم يجب، وبدا أنه يتعامل مع أي طرح بوصفه إهانةً شخصية.

أما الإسرائيليون قد نظروا طويلاً إلى الأسد بوصفه «عدواً يمكن التعايش معه»، فهو شخص يردد الشعارات المعتادة عن العدو الصهيوني، لكنه يحافظ على هدوء الحدود بين البلدين، ونقل عن مسؤول إسرائيلي سابق قوله: «الجميع في المنطقة كان مرتاحاً لبقائه هناك، ضعيفاً، ولا يشكل تهديداً لأحد».

حتى الحلفاء الذين أنقذوه سابقاً من نهاية محتومة لم يسلموا من عنجهيته، بمن فيهم إيران، في حين اقتنعت روسيا بأنه عبء ولا يستحق الدفاع عنه.

ديبرا تايس أمام صورة لابنها أوستن في واشنطن 2023 الذي اختُطف أثناء تغطيته الأحداث بسوريا عام 2012 (رويترز)

وفي مثال على عناد الأسد، أوردت «ذا أتلانتيك» مثالاً لرفض الأسد حبل نجاة مُدَّ إليه من الأميركيين، مرتبط بالصحافي الأميركي أوستن تايس المختفي في سوريا منذ 2012، إذ أوفدت واشنطن في 2020 روجر كارستنز وكاش باتيل إلى لبنان، واصطحبهما اللواء عباس إبراهيم، رئيس الأمن العام اللبناني آنذاك، إلى دمشق للقاء علي مملوك، أحد أعلى مسؤولي الأمن في النظام، وطرح الأميركيون ملف تايس غير أن ردّ مملوك بأن أي بحث يتطلب أولاً رفع العقوبات وسحب القوات الأميركية من سوريا، وأبدت الحكومة الأميركية استعدادها لصفقة مقابل إثبات أن تايس حي. لكن الأسد رفض الاتفاق وقطع الحوار، ونقل عباس إبراهيم للصحيفة أن تبرير مملوك للرفض «لأن ترمب وصف الأسد» بالحيوان قبل سنوات.

ونقلت «ذا أتلانتيك» عن عباس إبراهيم أن الأميركيين كانوا سيغلقون الملف حتى لو كان تايس قد مات ما داموا عرفوا مصيره، وأن عباس إبراهيم قال إنه تلقى اتصالاً من مايك بومبيو أبدى فيه استعداده للسفر إلى سوريا بطائرة خاصة، وأن رفض الأسد يعد جنوناً.

وحاولت إدارة الرئيس جو بايدن عام 2023 تجديد العرض عبر وفد رفيع إلى سلطنة عُمان للقاء مسؤولين سوريين، لكن الأسد تصرف، وفق رواية عباس إبراهيم، بأسلوب شبه مهين حين رفض إرسال مسؤول رفيع وأوفد بدلاً منه سفيراً سابقاً لم يُسمح له حتى بالحديث عن تايس.


مقتل 5 أشخاص بانهيار مبنى في طرابلس شمال لبنان

عمال إنقاذ يبحثون عن ناجين بين أنقاض مبنى انهار في مدينة طرابلس شمال لبنان (أ.ب)
عمال إنقاذ يبحثون عن ناجين بين أنقاض مبنى انهار في مدينة طرابلس شمال لبنان (أ.ب)
TT

مقتل 5 أشخاص بانهيار مبنى في طرابلس شمال لبنان

عمال إنقاذ يبحثون عن ناجين بين أنقاض مبنى انهار في مدينة طرابلس شمال لبنان (أ.ب)
عمال إنقاذ يبحثون عن ناجين بين أنقاض مبنى انهار في مدينة طرابلس شمال لبنان (أ.ب)

قُتل خمسة أشخاص على الأقل، اليوم الأحد، بمدينة طرابلس في شمال لبنان إثر انهيار مبنى، وفق ما أفاد الإعلام الرسمي، بينما تواصل فرق الإنقاذ البحث عن ناجين، في ثاني حادثة من نوعها خلال أسبوعين.

وأفادت الوكالة الوطنية للإعلام الرسمية بـ«سقوط مبنى قديم» في حي باب التبانة، أحد أفقر أحياء طرابلس، مؤكدة «إنقاذ 8 أشخاص» فيما «تم سحب 5 ضحايا، بينهم طفل وامرأة مسنّة».

وعملت السلطات على إخلاء المباني السكنية المجاورة «خوفاً من انهيارها».

وعرضت وسائل الإعلام المحلية صوراً لسكان وعمال إنقاذ يحاولون إزالة الأنقاض بعد الانهيار بمعدات متواضعة، وباستخدام أيديهم لإزاحة الركام.

وجاءت هذه الحادثة بعد انهيار مبنى آخر في طرابلس أواخر الشهر الماضي.

وأمر رئيس الجمهورية جوزيف عون أجهزة الإسعاف بـ«الاستنفار للمساعدة في عمليات الإنقاذ»، وتأمين مأوى لـ«سكان المبنى (المنهار) والمباني المجاورة التي أخليت تحسباً لأي طارئ»، وفق بيان للرئاسة.

وينتشر في لبنان العديد من المباني المأهولة بالسكان رغم أنها متداعية أو آيلة للسقوط.

وقد بُني العديد منها بشكل غير قانوني، لا سيما خلال الحرب الأهلية التي دارت بين عامي 1975 و1990، بينما أضاف بعض المالكين طوابق جديدة إلى مبانٍ سكنية قائمة دون الحصول على التراخيص اللازمة.

وسجلت انهيارات مبانٍ في طرابلس ومناطق أخرى في بلد لا يتم الالتزام فيه، في أحيان كثيرة، بمعايير السلامة الإنشائية للأبنية المأهولة التي شُيِّد قسم منها عشوائياً منذ عقود على أراضٍ مشاع.

ويعاني لبنان من انهيار اقتصادي منذ أكثر من ست سنوات بات معه الكثير من سكانه تحت خط الفقر.

وانعكست تبعات الأزمة الاقتصادية غير المسبوقة على قطاعات مختلفة بما في ذلك البناء، فيما تردى وضع الكثير من البنى التحتية.

وحثّت منظمة العفو الدولية عام 2024 السلطات اللبنانية على إجراء مسح ميداني شامل «على وجه السرعة لتقييم سلامة المباني في جميع أنحاء البلاد»، ونشر نتائجه.

وحذّرت المنظمة حينها خصوصاً من الوضع في طرابلس، كبرى مدن الشمال اللبناني، حيث يقطن «آلاف الأشخاص... في أبنية غير آمنة» عقب وقوع زلزال مدمر في تركيا وسوريا في فبراير (شباط) 2023، ألحق أضراراً بأبنية في لبنان.

وأضافت أنه «حتى قبل وقوع الزلازل، كان السكان في طرابلس قد دقوا ناقوس الخطر بشأن حالة مساكنهم المروّعة والناجمة عن عقود من الإهمال».